ترمي هذه المقالة إلى تفكيك مصطلح العلمانية في اللغة العربية والتأريخ له بتتبع مفاهيمه الأصلية في اللغات الغربية أولا، ثم برصد عملية إدخاله في العربية وتطوره وتطور مفاهيمه فيها ثانيا. ونستهل مقالتنا هذه بكلام للمرحوم عبدالوهاب المسيري من كتابه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة):
"توجد في المعجم العربي ترجمات مختلفة لكلمة "سيكولار" و"لائيك" [كذا، وفي الحقيقة للمصطلحين الإنكليزي secularism والفرنسي laïcité]:
"العِلمانية"( بكسر العين) نسبة إلى العِلم؛
"العَلمانية"( بفتح العين) نسبة إلى "العَلم" بمعنى "العالم"؛
"الدنيوية" أي الإيمان بأنها هي الحياة الدنيا ولا يوجد سواها؛
"الزمانية" بمعنى أن كل الظواهر مرتبطة بالزمان وبالدنيا ولا علاقة لها بأية ماورائيات؛
وتستخدم أحيانا كلمة "لائيك" ("لائيكي" و"لائيكية)، خصوصا في المغرب ولبنان، دون تغيير".[1]
إذن نحن هنا أمام مفهومين غربيين (secularism/laïcité) فسرا على أنهما مفهوم واحد ترجم إلى العربية بأربعة مرادفات ونقحر ليصبح عدد المقابلات العربية له خمسة.[2] وقد أثار نطق العامة والخاصة كلمة (علمانية) بكسر العين جدلا كبيرا. وفي هذا السياق ينقل المسيري قول فؤاد زكريا التالي، وما بين [] من عندي:
"ولا شك في أن الربط بين العلمانية وبين معنى "العالم" أدق من الربط بينها وبين معنى "العِلم". ولو شئنا الدقة الكاملة لقلنا إن الترجمة الصحيحة للكلمة هي "الزمانية"، لأن الكلمة التي تدل عليها في اللغات الأجنبية، أي secular في الإنكليزية مثلا [كذا والصواب: secularism] مشتقة من كلمة [لاتينية] تعني القرن saeculum".[3] ويتضح من كلام فؤاد زكريا أنه يقترح اعتماد مصطلح "الزمانية" بدلا من العلمانية على المصطلح الإنكليزي اللاتيني الأصل secularism وليس على المصطلح الفرنسي اليوناني الأصل laïcité، ذلك لأن "الزمان" ليس من معاني هذا الأخير. وهو اقتراح غير صائب لأن معنى saeculum الأصلي المؤسس للمصطلح secularism هو "الدنيا" وليس "الزمان" كما سيتضح أدناه. وجاء في المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة ما نصه: "العَلماني: نسبة إلى العَلم أي العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي".[4] وكل المصادر اللغوية العربية على هذا القول أي على أن كلمة (العلمانية) تنسب إلى العالَم بفتح العين وليس إلى العِلم بكسرها، فلا داعي إلى الاستفاضة فيه لوضوحه التام. إنما نحن بحاجة إلى استبيان معاني المفاهيم الأصلية للمصطلحات الغربية التي يُعبّر عنها في كلمتنا (علمانية).
1. المصطلح:
إذن يُفهم من مصطلح (العلمانية) اليوم في العربية أنه "ترجمة" للمصطلحين الفرنسي (laïcité) والإنكليزي (secularism). ومن الضروري أن نعي جيدا أن هذين المصطلحين ليسا مرادفين من حيث المعنى التاريخي والدلالة في العصر الحديث. بكلام آخر: إن المصطلح الفرنسي laïcité ليس مرادفا للمصطلح الإنكليزي secularism. فهذان مصطلحان مختلفان من حيث الدلالة اليوم. فالأول يشير إلى الإيديولوجية العلمانية التي نشأت بعد الثورة الفرنسية. والثاني يشير إلى "الدنيوية" بشكل عام. والأول إيديلوجية حركية تقوم عليها دولة، والآخر تيار مدني إنسني عام غير ملتزم حركيا. وسنتوقف عند ذلك في محطة لاحقة. أما الآن فسنقتصر على النظر والتأمل في المفهوم الأصلي، أو بالأحرى المفاهيم الأصلية لمصطلح (العلمانية) كما جاءت في المصادر اللغوية الغربية، ثم نبحث في الاشتقاق اللغوي له في العربية، فنتتبع إدخاله في العربية وتعدد مفاهيمه فيها بهدف ضبط معاني مفاهيمه المتعددة.
1.1. المفاهيم الأصلية القديمة لمصطلح (العلمانية):
نميز في اللغات الغربية بين ثلاثة جذور اشتق منها مصطلحات كثيرة تشير كلها إلى معاني متقاربة نذكر هنا مصادرها الصناعية وهي: 1. laicism و2. secularism و3. profanism.
الـ (Laicism): (قارن الإنكليزية: laicism؛ الفرنسية laïcisme؛ الألمانية Laizismus والهولندية laïcisme). هذا مصطلح مشتق من اليونانية λαϊκός أو laïkos نسبة λαός أو laos "الشعب". وعليه فإن laïkos يعني حرفيا "شعبي". وقد اكتسب هذا اللفظ مفهوما جديدا بعد نشوء الكهنوت النصراني بعد تنصر قسطنطين واعتبار النصرانية دين الإمبراطورية البيزنطية، فصار يستعمل للدلالة على عامة الشعب للتمييز بينهم وبين طبقة الكهنة الذين أصبحوا يشكلون الخاصة. وعليه فلم يعد laïkos هنا يعني "شعبي" فحسب، بل "عامِّي" أيضا، أي الشخص العامي الذي ليس بكهنوتي. وقد تمأسس الفرق بين عامة الشعب و"الرعاة" أو الكهنوت واتخذت العلاقة بينهما مسافة لا يمكن تجاوزها بعدما أصبح القيام بالأسرار الدينية مثل سر التعميد وسر الزواج وغيرهما مقتصرا على الكهنة المكرسين بـ "سر التكريس" (= ordinatio). واتخذت العلاقة، ابتداء من القرن الحادي عشر، بعدا آخر بحرمان الكهنوت من الزواج، بحيث أصبح الفرق بين "عامة المؤمنين" و"خاصة الرعاة" كبيرا جدا.
إذن تعني laicism (ومنها الفعل laicize): "عَوْمَنة"، أي إخراج الشخص من طبقة الكهنة إلى طبقة العامة، أو المتاع (مثلا "الأرض") من ملكية الكهنوت إلى ملكية العامة. من ثمة تسميتهم الشخص العامي في الإنكليزية laic أو layman وكذا laity ضد الكهنوتي (= cleric)، وفي الفرنسية laïque، وفي الألمانية laie وفي الهولندية leek وley ومثله في سائر اللغات الأوربية. وعلى الرغم من أن هذه الألفاظ كانت تطلق على العامي الجاهل، إلا أنها كانت ولا تزال تستعمل في سياق إيجابي أيضا (كان كالفين يسمي قضاة المحاكم المدنية: juges laïcs أي "قضاة مدنيين" .. فالقضاة ليسوا "عامة").[5] وهذه المعاني في اللغات الغربية قديمة قدم المؤسسات النصرانية وليست مستحدثة. ويرد المعجم الإنكليزي التأثيلي مفهوم layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى سنة 1432.[6] ويرد المعجم ذاته المفهوم الإنكليزي layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى الفرنسية القديمة التي تكون فيها هذا المفهوم سنة 1330 كما يشير المصدر ذاته. وهذا كله يعود إلى اللاتيني laïcus المأخوذ بدوره عن اليونانية laïkos (λαϊκός) نسبة إلى λαός "شعب" كما تقدم.
وعليه فإن هذا المعنى، معنى "العومنة" أي "جعل الشيء عاميا" بعكس الكهنوتي، يعود إلى بداية الحقبة النصرانية كما تقدم، ويعود اشتقاق الإنكليزيةLaicism والفرنسية laïcisme إلى الكلمة اليونانية λαός (laos) التي تعني "شعب"، "عامة"، أي عكس الكهنة. من ثمة صارت الكلمة تدل على القضايا الشعبية "الدنيوية"، بعكس الكهنوتية "الدينية". وقد اشتق من الكلمة اليونانية λαός (laos) المصطلحُ اليوناني (λαϊκισμός) أو laïkismόs "علمانية/عومنة"، وكذلك (λαϊκός) أو laïkos "علماني/عامّي" الذي هو ضد الكهنوتي (κληρικός) أو klyrikos. ونرجح نشوء هذا المصطلح في بيزنطة بعدما نادى قسطنطين بالنصرانية ديانة للدولة البيزنطية في القرن الرابع للميلاد، وهو القرن الذي عرف حضورا قويا للبطارقة والكنيسة في الحياة السياسية والاجتماعية للدولة البيزنطية.
الـ (Secularism): (قارن الإنكليزية: Secularism؛ الفرنسية Sécularisme؛ الألمانية Säkularismus والهولندية Secularisme). تعني كلمة αἰών/aioon في اليونانية، فيما تعني، "الأزل؛ الجيل؛ الزمان؛ الحقبة الزمنية؛ الدنيا". وما يهمنا هنا معناها الأخير "الدنيا". وقد جاءت في الأناجيل كثيرا بالمعنيين المتضادين: "الزمن الأزلي" (= السرمد) و"الزمن المؤقت" (= الحياة الدنيا)، تماما مثل الكلمة العبرية עלָם: /عُولَم/ التي وردت في العهد القديم بالمعنيين المتضادين "الزمن الأزلي" و"الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا.
فنحن نجد עוֹלָם: /عُولَم/ بمعنى "الزمن الأزلي" في المزمور 45 الآية 7: כִּסְאֲךָ אֱלהִים, עוֹלָם וָעֶד "عرشك يا الله إلى الأبد"، ونجدها بمعنى "الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا في سفر الجامعة الإصحاح 3 الآية 11: גַּם אֶת-הָעלָם, נָתַן בְּלִבָּם "وجعل حب الدنيا في قلوبهم"، لأن עלָם: /عُولَم/ ههنا تعني "العالم"، "الحياة الدنيا"، وليس "الأزل".[7]
فقد جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الأزلية" في إنجيل متى الإصحاح 25 الآية 46: (فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ). فـ"حياة أبدية" هنا ترجمة لـ (ζωὴν αἰώνιον/zo’i aionion). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (vitam aeternam) أي "حياة أبدية" أيضا. كما جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الدنيا" في إنجيل متى الإصحاح 28 الآية 20: وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر». فـ (انْقِضَاءِ الدَّهْر) هذه هي ترجمة لـ (συντελείας τοῦ αἰῶνος/sinteleias tou aioonos). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (consummationem saeculi). وكلمة (saeculi) ههنا ـ وهي مضاف إليه في اللاتينية ومرفوعها هكذا: saeculum، هي ما يهمنا هنا. فهي لا تحتوي على الاشتراك المعنوي الموجود في كلمة αἰών/aioon اليونانية التي تعني "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا"، وهو الاشتراك الذي أخذته عن الكلمة العبرية עולם: /عُولمَ وهي من الأضداد في العبرية لأنها تحمل معنَيَيْ "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا" .. فلقد ترجم مترجم الفولغاتا مفهوم "الحياة الأزلية" إلى (vitam aeternam) كما تقدم، بينما ترجم مفهوم "الحياة الفانية" بـ (consummationem saeculi). إذن لا تعني الكلمة اللاتينية "الزمان" و"القرن" فحسب، بل "الحياة الدنيا"، "الحياة الفانية" بالمفهوم الديني لهذا المصطلح كما يفهم منه في النصرانية والإسلام. وهذا باد بوضوح شديد من سياق الأناجيل فأقتصر على المثال التالي:
رسالة يوحنا الرسول الأولى، الإصحاح الثاني، الآيات 15-18: 15لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. 16لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. 17وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. 18أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.
فمفهوم الساعة الأخيرة (ἐσχάτη ὥρα/novissima hora) هنا يشير إلى اقتراب عودة عيسى عليه السلام بعد صلبه في المعتقد النصراني من أجل إنشاء "ملكوت السماء"، وهي ما يسمى في اللاهوت النصراني بـ "المجيء الثاني". وقد عبَّر الإنجيل عن المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وصلبه في المعتقد النصراني، وبين مجيئه الثاني فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، باللفظة اليونانية αἰών/aioon التي ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ saeculum، وهذه الأخيرة هي التي تهمنا الآن في سياق بحثنا في مصطلح (العلمانية). فهي تعني المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وبين عودته فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، أي "الحياة الدنيا". إذن تعني saeculum ـ بالضبط ـ "الحياة الدنيا"، وليس سواها، فنهمل ما سواها من معان ودلالات حمولية أخرى تحملها الكلمة، ونقتصر على معنى "الحياة الدنيا". ومما يزيد هذا المعنى بيانا كون ضد saecularis "العَلماني" بمعنى الشخص العامّي اللاكهنوتي، هو كلمة regularis التي يراد بها كل شخص خاضع لنظام ديني (= regula) معين ويعيش وفقا لقوانينه الداخلية مثل القساوسة والخوارنة وسكان الأديرة من رهبان وراهبات ومن كان بحكمهم.
ومن saeculum اشتق الفعل اللاتيني saecularisatio للتعدية وأداء معنى "عَوْمَنَ" أي جعل الشيء دنيويا بإخراجه من خاصِّية الكهنوت وملكيته إلى عمومية العامّة وملكيتها. وهو في الأصل مصطلح فني من مصطلحات الشريعة الكنسية الكاثوليكية للتدليل على أملاك الكنيسة التي كان الأمراء والملوك يغتصبونها ويخصصونها لاستعمالهم الخاص أو للاستعمال العام. وتشير المصادر إلى أن أول استعمال لمصطلح (saecularisatio) بهذا المعنى كان سنة 1648 بعد التوقيع على صلح وستفالن (Westphalen).[8] وهذا التاريخ مهم لأنه في الحقيقة كان بداية عملية الحد من سلطة الكنيسة وسلطة البابا وتحدي دعواه في ممارسة "القوة المطلقة" (plenitudo potestatis)، وهي العملية التي استمرت منذ صلح وستفالن (Westphalen) حتى قيام الثورة الفرنسية (1989-1799) التي استكملت عملية الحد من سلطة الكنيسة واغتصاب أملاكها بالكلية تقريبا.
الـ (Profanism): (قارن الإنكليزية: Profanism؛ الفرنسية Profanement؛ الألمانية Profanismus والهولندية Profanisme). إن مصطلح profanism مشتق من اللاتينية profanus المتكون من fanum التي تشير إلى المكان الذي يكرَّسه الكهنة للمعبد المقدس، ومن pro "قبل؛ أمام". وتشير اللفظة في أصلها القديم إلى كل ما يكون خارج المكان المقدس (= المعبد) ومخصصص للاستعمال العام، بما في ذلك كل ما يُخْرَج من المكان المقدس ويُدْخَل في الاستعمال العام مثل لحوم القرابين التي تقرَّب في المعبد ثم تعطى صدقة للناس خارجه. وهذا اللفظ قديم قدم الديانات وهو موجود في اللاتينية منذ بداياتها وفي الإنكليزية منذ استقلالها لغة جرمانية .. ومنه اشتق الفعل اللاتيني profanare للتعدية ليؤدي معاني مثل: "عَلْمَنَ" أي جعله دنويا، ومثل "حرَمَ" من القداسة، و"أخرج من الكهنوت" وجعله من العامة وبالجملة: إخراج الشخص من جملة المقدس وجعله عاميا، والشيء من الاستعمال الديني (مثلا الأرض/البناء) وتخصيصه للاستعمال الدنيوي. وكان أوائل النصارى يستعملون الصفة profanus للتدليل على الهراطقة والزنادقة وكل ما يعتبر من وجهة نظرهم نجسا. أما اليهود فيريدون به "التجديف" ذلك أن نطق اسم (يهوه) محرم على اليهود، لذلك يعتبرون التلفظ به ضربا من الـ profanism مما يدل على أن المراد بهذا الاستعمال أيضا على التجديف لأن التلفظ باسم (يهوه) تجديف في الشريعة اليهودية.[9]
"توجد في المعجم العربي ترجمات مختلفة لكلمة "سيكولار" و"لائيك" [كذا، وفي الحقيقة للمصطلحين الإنكليزي secularism والفرنسي laïcité]:
"العِلمانية"( بكسر العين) نسبة إلى العِلم؛
"العَلمانية"( بفتح العين) نسبة إلى "العَلم" بمعنى "العالم"؛
"الدنيوية" أي الإيمان بأنها هي الحياة الدنيا ولا يوجد سواها؛
"الزمانية" بمعنى أن كل الظواهر مرتبطة بالزمان وبالدنيا ولا علاقة لها بأية ماورائيات؛
وتستخدم أحيانا كلمة "لائيك" ("لائيكي" و"لائيكية)، خصوصا في المغرب ولبنان، دون تغيير".[1]
إذن نحن هنا أمام مفهومين غربيين (secularism/laïcité) فسرا على أنهما مفهوم واحد ترجم إلى العربية بأربعة مرادفات ونقحر ليصبح عدد المقابلات العربية له خمسة.[2] وقد أثار نطق العامة والخاصة كلمة (علمانية) بكسر العين جدلا كبيرا. وفي هذا السياق ينقل المسيري قول فؤاد زكريا التالي، وما بين [] من عندي:
"ولا شك في أن الربط بين العلمانية وبين معنى "العالم" أدق من الربط بينها وبين معنى "العِلم". ولو شئنا الدقة الكاملة لقلنا إن الترجمة الصحيحة للكلمة هي "الزمانية"، لأن الكلمة التي تدل عليها في اللغات الأجنبية، أي secular في الإنكليزية مثلا [كذا والصواب: secularism] مشتقة من كلمة [لاتينية] تعني القرن saeculum".[3] ويتضح من كلام فؤاد زكريا أنه يقترح اعتماد مصطلح "الزمانية" بدلا من العلمانية على المصطلح الإنكليزي اللاتيني الأصل secularism وليس على المصطلح الفرنسي اليوناني الأصل laïcité، ذلك لأن "الزمان" ليس من معاني هذا الأخير. وهو اقتراح غير صائب لأن معنى saeculum الأصلي المؤسس للمصطلح secularism هو "الدنيا" وليس "الزمان" كما سيتضح أدناه. وجاء في المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة ما نصه: "العَلماني: نسبة إلى العَلم أي العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي".[4] وكل المصادر اللغوية العربية على هذا القول أي على أن كلمة (العلمانية) تنسب إلى العالَم بفتح العين وليس إلى العِلم بكسرها، فلا داعي إلى الاستفاضة فيه لوضوحه التام. إنما نحن بحاجة إلى استبيان معاني المفاهيم الأصلية للمصطلحات الغربية التي يُعبّر عنها في كلمتنا (علمانية).
1. المصطلح:
إذن يُفهم من مصطلح (العلمانية) اليوم في العربية أنه "ترجمة" للمصطلحين الفرنسي (laïcité) والإنكليزي (secularism). ومن الضروري أن نعي جيدا أن هذين المصطلحين ليسا مرادفين من حيث المعنى التاريخي والدلالة في العصر الحديث. بكلام آخر: إن المصطلح الفرنسي laïcité ليس مرادفا للمصطلح الإنكليزي secularism. فهذان مصطلحان مختلفان من حيث الدلالة اليوم. فالأول يشير إلى الإيديولوجية العلمانية التي نشأت بعد الثورة الفرنسية. والثاني يشير إلى "الدنيوية" بشكل عام. والأول إيديلوجية حركية تقوم عليها دولة، والآخر تيار مدني إنسني عام غير ملتزم حركيا. وسنتوقف عند ذلك في محطة لاحقة. أما الآن فسنقتصر على النظر والتأمل في المفهوم الأصلي، أو بالأحرى المفاهيم الأصلية لمصطلح (العلمانية) كما جاءت في المصادر اللغوية الغربية، ثم نبحث في الاشتقاق اللغوي له في العربية، فنتتبع إدخاله في العربية وتعدد مفاهيمه فيها بهدف ضبط معاني مفاهيمه المتعددة.
1.1. المفاهيم الأصلية القديمة لمصطلح (العلمانية):
نميز في اللغات الغربية بين ثلاثة جذور اشتق منها مصطلحات كثيرة تشير كلها إلى معاني متقاربة نذكر هنا مصادرها الصناعية وهي: 1. laicism و2. secularism و3. profanism.
الـ (Laicism): (قارن الإنكليزية: laicism؛ الفرنسية laïcisme؛ الألمانية Laizismus والهولندية laïcisme). هذا مصطلح مشتق من اليونانية λαϊκός أو laïkos نسبة λαός أو laos "الشعب". وعليه فإن laïkos يعني حرفيا "شعبي". وقد اكتسب هذا اللفظ مفهوما جديدا بعد نشوء الكهنوت النصراني بعد تنصر قسطنطين واعتبار النصرانية دين الإمبراطورية البيزنطية، فصار يستعمل للدلالة على عامة الشعب للتمييز بينهم وبين طبقة الكهنة الذين أصبحوا يشكلون الخاصة. وعليه فلم يعد laïkos هنا يعني "شعبي" فحسب، بل "عامِّي" أيضا، أي الشخص العامي الذي ليس بكهنوتي. وقد تمأسس الفرق بين عامة الشعب و"الرعاة" أو الكهنوت واتخذت العلاقة بينهما مسافة لا يمكن تجاوزها بعدما أصبح القيام بالأسرار الدينية مثل سر التعميد وسر الزواج وغيرهما مقتصرا على الكهنة المكرسين بـ "سر التكريس" (= ordinatio). واتخذت العلاقة، ابتداء من القرن الحادي عشر، بعدا آخر بحرمان الكهنوت من الزواج، بحيث أصبح الفرق بين "عامة المؤمنين" و"خاصة الرعاة" كبيرا جدا.
إذن تعني laicism (ومنها الفعل laicize): "عَوْمَنة"، أي إخراج الشخص من طبقة الكهنة إلى طبقة العامة، أو المتاع (مثلا "الأرض") من ملكية الكهنوت إلى ملكية العامة. من ثمة تسميتهم الشخص العامي في الإنكليزية laic أو layman وكذا laity ضد الكهنوتي (= cleric)، وفي الفرنسية laïque، وفي الألمانية laie وفي الهولندية leek وley ومثله في سائر اللغات الأوربية. وعلى الرغم من أن هذه الألفاظ كانت تطلق على العامي الجاهل، إلا أنها كانت ولا تزال تستعمل في سياق إيجابي أيضا (كان كالفين يسمي قضاة المحاكم المدنية: juges laïcs أي "قضاة مدنيين" .. فالقضاة ليسوا "عامة").[5] وهذه المعاني في اللغات الغربية قديمة قدم المؤسسات النصرانية وليست مستحدثة. ويرد المعجم الإنكليزي التأثيلي مفهوم layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى سنة 1432.[6] ويرد المعجم ذاته المفهوم الإنكليزي layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى الفرنسية القديمة التي تكون فيها هذا المفهوم سنة 1330 كما يشير المصدر ذاته. وهذا كله يعود إلى اللاتيني laïcus المأخوذ بدوره عن اليونانية laïkos (λαϊκός) نسبة إلى λαός "شعب" كما تقدم.
وعليه فإن هذا المعنى، معنى "العومنة" أي "جعل الشيء عاميا" بعكس الكهنوتي، يعود إلى بداية الحقبة النصرانية كما تقدم، ويعود اشتقاق الإنكليزيةLaicism والفرنسية laïcisme إلى الكلمة اليونانية λαός (laos) التي تعني "شعب"، "عامة"، أي عكس الكهنة. من ثمة صارت الكلمة تدل على القضايا الشعبية "الدنيوية"، بعكس الكهنوتية "الدينية". وقد اشتق من الكلمة اليونانية λαός (laos) المصطلحُ اليوناني (λαϊκισμός) أو laïkismόs "علمانية/عومنة"، وكذلك (λαϊκός) أو laïkos "علماني/عامّي" الذي هو ضد الكهنوتي (κληρικός) أو klyrikos. ونرجح نشوء هذا المصطلح في بيزنطة بعدما نادى قسطنطين بالنصرانية ديانة للدولة البيزنطية في القرن الرابع للميلاد، وهو القرن الذي عرف حضورا قويا للبطارقة والكنيسة في الحياة السياسية والاجتماعية للدولة البيزنطية.
الـ (Secularism): (قارن الإنكليزية: Secularism؛ الفرنسية Sécularisme؛ الألمانية Säkularismus والهولندية Secularisme). تعني كلمة αἰών/aioon في اليونانية، فيما تعني، "الأزل؛ الجيل؛ الزمان؛ الحقبة الزمنية؛ الدنيا". وما يهمنا هنا معناها الأخير "الدنيا". وقد جاءت في الأناجيل كثيرا بالمعنيين المتضادين: "الزمن الأزلي" (= السرمد) و"الزمن المؤقت" (= الحياة الدنيا)، تماما مثل الكلمة العبرية עלָם: /عُولَم/ التي وردت في العهد القديم بالمعنيين المتضادين "الزمن الأزلي" و"الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا.
فنحن نجد עוֹלָם: /عُولَم/ بمعنى "الزمن الأزلي" في المزمور 45 الآية 7: כִּסְאֲךָ אֱלהִים, עוֹלָם וָעֶד "عرشك يا الله إلى الأبد"، ونجدها بمعنى "الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا في سفر الجامعة الإصحاح 3 الآية 11: גַּם אֶת-הָעלָם, נָתַן בְּלִבָּם "وجعل حب الدنيا في قلوبهم"، لأن עלָם: /عُولَم/ ههنا تعني "العالم"، "الحياة الدنيا"، وليس "الأزل".[7]
فقد جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الأزلية" في إنجيل متى الإصحاح 25 الآية 46: (فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ). فـ"حياة أبدية" هنا ترجمة لـ (ζωὴν αἰώνιον/zo’i aionion). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (vitam aeternam) أي "حياة أبدية" أيضا. كما جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الدنيا" في إنجيل متى الإصحاح 28 الآية 20: وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر». فـ (انْقِضَاءِ الدَّهْر) هذه هي ترجمة لـ (συντελείας τοῦ αἰῶνος/sinteleias tou aioonos). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (consummationem saeculi). وكلمة (saeculi) ههنا ـ وهي مضاف إليه في اللاتينية ومرفوعها هكذا: saeculum، هي ما يهمنا هنا. فهي لا تحتوي على الاشتراك المعنوي الموجود في كلمة αἰών/aioon اليونانية التي تعني "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا"، وهو الاشتراك الذي أخذته عن الكلمة العبرية עולם: /عُولمَ وهي من الأضداد في العبرية لأنها تحمل معنَيَيْ "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا" .. فلقد ترجم مترجم الفولغاتا مفهوم "الحياة الأزلية" إلى (vitam aeternam) كما تقدم، بينما ترجم مفهوم "الحياة الفانية" بـ (consummationem saeculi). إذن لا تعني الكلمة اللاتينية "الزمان" و"القرن" فحسب، بل "الحياة الدنيا"، "الحياة الفانية" بالمفهوم الديني لهذا المصطلح كما يفهم منه في النصرانية والإسلام. وهذا باد بوضوح شديد من سياق الأناجيل فأقتصر على المثال التالي:
رسالة يوحنا الرسول الأولى، الإصحاح الثاني، الآيات 15-18: 15لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. 16لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. 17وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. 18أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.
فمفهوم الساعة الأخيرة (ἐσχάτη ὥρα/novissima hora) هنا يشير إلى اقتراب عودة عيسى عليه السلام بعد صلبه في المعتقد النصراني من أجل إنشاء "ملكوت السماء"، وهي ما يسمى في اللاهوت النصراني بـ "المجيء الثاني". وقد عبَّر الإنجيل عن المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وصلبه في المعتقد النصراني، وبين مجيئه الثاني فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، باللفظة اليونانية αἰών/aioon التي ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ saeculum، وهذه الأخيرة هي التي تهمنا الآن في سياق بحثنا في مصطلح (العلمانية). فهي تعني المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وبين عودته فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، أي "الحياة الدنيا". إذن تعني saeculum ـ بالضبط ـ "الحياة الدنيا"، وليس سواها، فنهمل ما سواها من معان ودلالات حمولية أخرى تحملها الكلمة، ونقتصر على معنى "الحياة الدنيا". ومما يزيد هذا المعنى بيانا كون ضد saecularis "العَلماني" بمعنى الشخص العامّي اللاكهنوتي، هو كلمة regularis التي يراد بها كل شخص خاضع لنظام ديني (= regula) معين ويعيش وفقا لقوانينه الداخلية مثل القساوسة والخوارنة وسكان الأديرة من رهبان وراهبات ومن كان بحكمهم.
ومن saeculum اشتق الفعل اللاتيني saecularisatio للتعدية وأداء معنى "عَوْمَنَ" أي جعل الشيء دنيويا بإخراجه من خاصِّية الكهنوت وملكيته إلى عمومية العامّة وملكيتها. وهو في الأصل مصطلح فني من مصطلحات الشريعة الكنسية الكاثوليكية للتدليل على أملاك الكنيسة التي كان الأمراء والملوك يغتصبونها ويخصصونها لاستعمالهم الخاص أو للاستعمال العام. وتشير المصادر إلى أن أول استعمال لمصطلح (saecularisatio) بهذا المعنى كان سنة 1648 بعد التوقيع على صلح وستفالن (Westphalen).[8] وهذا التاريخ مهم لأنه في الحقيقة كان بداية عملية الحد من سلطة الكنيسة وسلطة البابا وتحدي دعواه في ممارسة "القوة المطلقة" (plenitudo potestatis)، وهي العملية التي استمرت منذ صلح وستفالن (Westphalen) حتى قيام الثورة الفرنسية (1989-1799) التي استكملت عملية الحد من سلطة الكنيسة واغتصاب أملاكها بالكلية تقريبا.
الـ (Profanism): (قارن الإنكليزية: Profanism؛ الفرنسية Profanement؛ الألمانية Profanismus والهولندية Profanisme). إن مصطلح profanism مشتق من اللاتينية profanus المتكون من fanum التي تشير إلى المكان الذي يكرَّسه الكهنة للمعبد المقدس، ومن pro "قبل؛ أمام". وتشير اللفظة في أصلها القديم إلى كل ما يكون خارج المكان المقدس (= المعبد) ومخصصص للاستعمال العام، بما في ذلك كل ما يُخْرَج من المكان المقدس ويُدْخَل في الاستعمال العام مثل لحوم القرابين التي تقرَّب في المعبد ثم تعطى صدقة للناس خارجه. وهذا اللفظ قديم قدم الديانات وهو موجود في اللاتينية منذ بداياتها وفي الإنكليزية منذ استقلالها لغة جرمانية .. ومنه اشتق الفعل اللاتيني profanare للتعدية ليؤدي معاني مثل: "عَلْمَنَ" أي جعله دنويا، ومثل "حرَمَ" من القداسة، و"أخرج من الكهنوت" وجعله من العامة وبالجملة: إخراج الشخص من جملة المقدس وجعله عاميا، والشيء من الاستعمال الديني (مثلا الأرض/البناء) وتخصيصه للاستعمال الدنيوي. وكان أوائل النصارى يستعملون الصفة profanus للتدليل على الهراطقة والزنادقة وكل ما يعتبر من وجهة نظرهم نجسا. أما اليهود فيريدون به "التجديف" ذلك أن نطق اسم (يهوه) محرم على اليهود، لذلك يعتبرون التلفظ به ضربا من الـ profanism مما يدل على أن المراد بهذا الاستعمال أيضا على التجديف لأن التلفظ باسم (يهوه) تجديف في الشريعة اليهودية.[9]

تعليق