سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية (16): معجم الجاسوس على القاموس لأحمد فارس الشدياق

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية (16): معجم الجاسوس على القاموس لأحمد فارس الشدياق

    سلسلة التعريف بمعاجم اللغة العربية
    معجم الجاسوس على القاموس لأحمد فارس الشدياق
    [IMG]
    [/IMG]
    الشدياق ونقده للقاموس:
    لقد فتح الشدياق صفحة جديدة في تطور البحوث اللغوية، التي كان أهملها نقد نظم التقليبات، والقافية التي اتبعها اللغويون المتقدمون كأساس لترتيب معاجمهم.
    وكانت زيارته لإنجلترا وميوله الصحفية لهما أكبر الأثر في تنمية ملكة النقد عنده، ولقد حدث هذا في القرن التاسع عشر، في الوقت الذي كانت تسود فيه روح التقليد، والتسليم التام بكل ما كتب الأولون، وقد اضطرت هذه الفكرة إلى محاولة التوفيق بين مختلف وجهات النظر، وإن بدت أحيانًا متناقضة.
    انحدر فارس الشدياق من اسرة مارونية، ونشأ في لبنان حيث تلقى علومه الأولى في بيروت على يد الإرسالية الأمريكية هناك. ثم رحل إلى القاهرة عام 1834م حيث اشترك تحرير مجلة "الوقائع المصرية" أول مجلة عربية في الشرق. ثم انتقل إلى "مالطة" استجابة لرغبة أصدقائه من الأمريكان ليشرف على المطبعة العربية هناك. وبعدها ذهب إلى إنجلترا بدعوة من "جمعية الكتاب المقدس" في كمبردج، حيث أتيح له أن يجمع أساسًا لكتابه الذي فقد فيه المجتمع وسماه "الفاياق".
    وعند عودته من إنجلترا عرج على باريس حيث قابل أحمد باشا باي تونس، فتأصلت بينهما الداقة. وقد مدحه الشدياق بقصيدة على وزن قصيده كعب "بانت سعاد"، ثم رحل إلى تونس حيث أعلن إسلامه، وتسمى بأحمد تيمنًا باسم الباي. وهناك أنشأ جريدة "الرائد".
    وفي عام 1857 رحل إلى استانبول عاصمة الخلافة الإسلامية حيث أسس مجلة "الجوائب" التي كان لقلمه فيها جولات، فحرر كثيرًا من المقالات التي تناولت موضوعات لغوية مختلفة، حتى وافته منيته عام 1878م.
    ولقد تبلورت أفكار الشدياق، ونظرياته المختلفة في اللغة في كتابين هامين. "الجاسوس على القاموس، سر الليال في القلب والإبدال".
    أ- الجاسوس:
    لقد تخير الشدياق كتاب القاموس هدفًا لانتقاداته. وكأنه بذلك يريد أن يقدم لنا الدليل العملي على أن المعاجم العربية ليست فوق الانتقاد، وأنه لذلك سيختار أكثرها شهرة وأوسعها انتشارًا.
    أما المسائل التي انتقدها على القاموس فتشمل:
    1- ترتيب المفردات في الكتاب.
    2- وضع المشتقات تحت المادة الواحدة.
    3- التعريفات، وشروح المفردات.
    4- تعليقات القاموس على ما ذكره الصحاح.
    5- الفصيح في اللغة.
    6- صيغ المطاوعة.
    1- ترتيب المفردات:
    لقد ذكر الشدياق أن صاحب القاموس بين لنا في مقدمته أنه ألف كتابه ليساعد طلاب العربية على تفهم معاني المفردات، وانه لذلك وضع كتابه موجزًا ليسهل عليهم حفظه، وإذا كان هذا هو الحال، فإن الشدياق لم يكن مرتاحًا لاختيار القاموس ترتيب الصحاح كأساس يسير عليه، وكان الأوفق أن يتبع الترتيب العادي الذي سار عليه ابن فارس في المجمل؛ لأنه أسهل من الناحية العملية، ولم نعد بحاجة الآن إلى ترتيب القافية الذي يخدم السجع والشعر، وإذا كان لا بد للسجع والقافية من شيء يخدمهما، فليكن لهما كتاب خاص، ولقد دعا الشدياق علماء اللغة إلى ترك النظم في كتابة معاجمهم المستقبلة على أساس الترتيب العادي. على أنه هو نفسه لم يلتزم ذلك "في سر الليال" كما سيأتي توضيحه.
    2- ترتيب المشتقات:
    إذا فرض وأردنا أن نعالج مادة في المعجم مثل "ع د د "، فإننا نجد لها كثيرًا من المعاني المختلفة التي تدخل تحت ما يسميه اللغويون "بالمشترك اللفظي" كما نجد لكل معنى من هذه المعاني كثيرًا من المشتقات التي تندرج تحت الأصل الواحد. والكلمات المستعملة لتلك المعاني المختلفة، والمشتقات المتعددة لم تسجل في القاموس تبعًا لنظام معين بل وضعت جزافًا، وإن على القارئ أن يراجع المادة جميعها ليستخرج منها طلبته، ولكننا من ناحيتنا لا نرى أن هذا النقد ينصب على القاموس وحده، بل يشاركه في ذلك معظم المعاجم السابقة له خصوصًا الكبرى منها مثل اللسان والتهذيب.
    3- شرح المفردات.
    لقد أخذ الشدياق على الفيرزآبادي أنه ملأ كتاب بكثير من أسماء الأعشاب الطبية، واستطرد إلى ذكر فوائدها كما لو كان كان كتابه معجمًا طبيًّا، وهو يرى أن ذلك خارج عن اختصاص كتابه، كما أخذ عليه أنه حشى القاموس بكثير من أسماء الأعلام التي لا تمت للأدب ولا للغة بصلة، وأنه حتى في ترتيبها لم يضعها في مكانها الطبيعي، ورغم أن أغلبها أعلام أجنبية لم يكن قد تناولها التعريب، فإن الفيروزآبادي لم يحالفه الصواب في ترتيبها إذ افترض أن لها أصولًا، وفيها زوائد نعاملها معاملة الأسماء العربية، على حين أنه يجب اعتبار حروفها جميعًا أصولًا.
    4- تعليق القاموس على الصحاح:
    لقد لاحظ الشدياق أن الفيروزبادي كان شديد اللهجة على الجوهري، فكان يتتبع سقطاته، كما كان مولعًا بذكر المواد التي أهملها الجوهري والتنبيه عليها، وبعض هذه الأشياء كان صاحب القاموس فيها محقًّا، وبعضها كان فيها متحاملًا.
    ونحن من جانبنا نرى أن صاحب الحاسوس كان متحاملًا على الفيروزآبادي تحاملًا كثيرًا حين تتبع سقطاته، ليوهم القارئ أن صاحب القاموس قد تجنى على اللغة واللغويين، وقد أوحى إليه هذا الاتجاه أن يختار لكتابه اسم "الجاسوس على القاموس"، ولا نظن أن أسلوب السجع يبرر له ذلك.
    5- الفصيح:
    لقد انتقد الشدياق على النظرية التقليدية التي تحدد الفصيح في العربية بالعصر الجاهلي، والأموي أي بحوالي ثلثمائة سنة، ولا تعتد بشعر الشعراء الذي ورد بعد هذه الفترة، ومن العجب أن النقاد اللغويين قد يعترفون بأن شاعرًا ما قد بلغ من الجودة مبلغ من سبقوه إن لم يكن يفوقهم، ولكنه مع هذا لا يحتج بشعره.
    وقد طالب بأل تحدد فترة الفصيح بزمن معين بل أن أي شاعر يعترف له بالجودة يمكن أن يحتج بشعره، كما ذكر أن اللغويين السابقين كان عليهم أن يذهبوا إلى البادية ليستمعوا من الأعراب، ويسجلوا ما سمعوه بأنفسهم بدلًا من اعتمادهم الكلي على الرواية؛ لأن الرواة إما أن يتركوا بعض المواد التي اعترف بفصاحتها في اللغة، وإما أن يضيفوا من عندهم بعض ما لم يوثق به فيها. وقد أوقع هذا أصحاب المعاجم إما في النقص أو الزيادة، فمثال الأول الجوهري في صحاحه، ومثال الثاني الصغاني في عبابه، أما الفيروزآبادي في القاموس فهو في نظر الشدياق مثال للاثنين معًا.
    6- المطاوع:
    وهنا نجد أن الشدياق قد اعترف بأن القاموس ليس وحيدًا من بين كتب اللغة في ذكره بعض الهفوات أو الأخطاء، بل إنه وجد أن هناك قاعدة نحوية مشتركة قد أوقعت اللغويين جميعًا في الخطأ، وتلك هي القاعدة التي تقول بأن الفعل المطاوع لازم إذا كان فعله الأصلي متعديًا، وقد اكتشف الشدياق بعد مراجعة اللسان، والتاج بجانب القاموس أن كثيرًا من الأفعال المطاوعة تكون متعدية أيضًا مثل أصلها بل إنه في بعض الأحيان يجد المطاوع متعديًا حينما يكون الأصل لازمًا.
    وقد أفرد صاحب الجاسوس فصلًا خاصًّا ذكر فيه هذه الأفعال مرتبة ترتيبًا أبجديًّا من الألف إلى الياء -ولكنه لم يضعها على حسب الترتيب المتداول المعروف، بل وضعها على حسب ترتيب القافية أيضًا في الوقت الذي كنا نتوقع فيه أنه سيلتزم الترتيب الذي دعا اللغويين إليه ليكون أسهل من الناحية العملية.
    وهكذا نجد أن الشدياق في نقده على القاموس لم يسلم من ارتكاب بعض المآخذ التي كان يود ألا تقع فيه.

    قام بعبئه أحمد فارس الشدياق "1804 - 1887" الذي شغل نفسه بالعمل المعجمي منذ نعومة أظفاره. ومعظم آرائه عن المنهجية المعجمية تجدها في مقدمة كتابه "الجاسوس على القاموس" وفي ثنايا نقداته للقاموس المحيط.
    كما أنه أشار إلى بعضها في كتابه "سير الليال في القلب والإبدال". ومن هذا وذاك يمكن أن نستخلص الأسس الآتية:
    أ- ترتيب المادة اللغوية:
    يختار الشدياق ترتيب المادة اللغوية على الترتيب الهجائي العادي، ثم يوازن بين طريقتي الصحاح وأساس البلاغة ويختار الثانية "فالأولى عندي ترتيب الأساس للزمخشري والمصباح المنير للفيومي، أعني مراعاة
    أوائل الألفاظ دون أواخرها". ويرد على من يفضل طريقة الصحاح قائلًا: "فإن قيل: إن الترتيب على الأوائل لا يعين الشاعر على جمع الألفاظ التي تأتي على روي واحد، فالأولى ترتيب الصحاح - قلت: الخطب هين. فعلى اللغويين أن يبينوا سر الوضع وعلى الشعراء أن يؤلفوا كتابًا في القوافي".
    ب- الترتيب الداخلي للمادة:
    أكثر ما ضايق الشدياق في المعاجم العربية غياب النسق في عرض مفردات اللغة تحت المادة الواحدة. فما دامت المعاجم العربية قد اختارت طريقة الجذور في ترتيب الكلمات، وكانت هذه الطريقة نقتضي سرق العديد من الفروع والاشتقاقات تحت المدخل الواحد فقد كان من المنطقي أن تتفطن هذه المعاجم إلى طريقة لترتيب هذه الفروع وهو ما لم تفعله. وقد سبق أن عرضنا أمثلة لغياب الترتيب الداخلي من مادتي "عرض" و"ظفر". واقترح الشدياق للخروج من هذه الفوضى منهجًا يقوم على أساسين هما:
    1- مراعاة جانب اللفظ بتقديم الثلاثي على الرباعي والرباعي على الخماسي. وفي كل حالة يقدم المجرد على المزيد، ويبدأ بالفعل، تليه مشتقاته.
    2- مراعاة جانب المعنى عن طريق البدء بالحسي قبل المعنوي، والحقيقي قبل المجازي، واستيفاء معاني الكلمة قبل الانتقال إلى كلمة أخرى.
    جـ- صحة التعاريف:
    يشترط الشدياق لصحة التعاريف شروطًا ثلاثًا هي:
    وضوحها وعدم إيقاعها في لبس. وقد عد من عدم الوضوح غموض عبارة الشرح، ولذات قسا على الفيروزآبادي في مقدمة جاسوسه لأنه يبدل عبارة المعاجم الواضحة إلى عبارة غامضة مبهمة. كما عد منه إيراد ألفاظ في التعاريف لا ترد في مظانها مع توقف المعنى عليها، كقول الجوهري في "ربح". "ربح في تجارته أي استشف" ولم يذكر استشف في بابها. وعد منه كذلك ذكر اللفظ دون تفسيره، كقول الفيروزآبادي في "صيف". "صيف الأرض كمعنى فهي مصيفة ومصيوفة".قال الشدياق: ولم يفسره. وعبارة الصحاح: "صيفت الأرض فهي مصيفة ومصيوفة إذا أصابها مطر الصيف.
    2- تعدد طرقها عن طريق ذكر المرادف والمضاد، ووضع الكلمة في سياقاتها المختلفة، ومن أمثلة ذلك ذكره كلمات الألوان التي تأتي وصفًا للفظ الموت مثل:
    الموت الأحمر: وهو أن يتغير بصر الرجل من الهول فيرى الدنيا في عينيه حمراء وسوداء.
    الموت الأغبر: وهو الموت جوعًا، لأنه يغبر في عينيه كل شيء.
    الموت الأسود: وهو الموت في غمة الماء.
    الموت الأبيض: وهو موت العافية أو موت الفجأة لأنه يأخذ الإنسان ببياض لونه.
    3- خلوها من الدور والتسلسل. وقد سبق أن ضربنا أمثلة على ذلك من ديوان الأدب والقاموس المحيط.
    د- الوقوف عند اختصاص المعجم:
    يرى الشدياق أن على المعجمي أن يقصر مادته على ألفاظ اللغة غير القياسية ولذلك اعتبر من قبيل التجاوز لوظيفة المعجم ما يأتي:
    1- ذكر المعلومات الموسوعية كخواص الأشياء ومنافعها مما حرص عليه صاحب القاموس كل الحرص مع أن موضعها كتب الطب لا كتب اللغة. وكذلك المعلومات الجغرافية والأعلام....
    2- ذكر المشتقات القياسية كإيراد المبني للمجهول بعد المبني للمعلوم مع أنه من المعروف أنه حيثما وجد المعلوم المتعدي وجد المجهول. وكذلك ذكر مصدر غير الثلاثي، والنص على اسم المرة أو الهيئة أو الزمان أو المكان ...
    3- ذكر ما هو من باب الفضول أو الاستطراد الذي لا فائدة فيه. وقد أخذ الشدياق معظم أمثلته من القاموس المحيط الذي بلغ الغاية في ذلك حتى تجاوز كل حد. ومن ذلك ذكره ما كان من قبيل الخرافات مثل خرافة الرخ والجزائر الخالدات وذكره أسماء أصحاب الكهف، وحديثه عن النسطورية والبطريق والإسكندر وغيرهم.
    هـ- وضع اللفظ المشتبه أصله في مظانه المختلفة:
    هناك كلمات كثيرة في اللغة العربية يشتبه أصلها ومعرفة جذرها على اللغوي المتخصص فضلًا عن ابن اللغة العادي. وقد كان هذا النوع من الكلمات محل خلاف بين المعجميين، ولذا اختلفت مواضعه في المعاجم.
    وكان رأي الشدياق وضع أمثلة هذه الكلمات حسب احتمالاتها.
    الممكنة في مظانها المختلفة مع الربط بين هذه المظان. ومن أمثلة ما رأى وضعه في أكثر من موضع الكلمات الآتية:
    * كلمة "أثفية" التي توضع في "أنف" و"ثفي".
    * كلمة "مكان" التي توضع في "مكن" و"كون".
    * كلمة "ترجمان" التي توضع في "ترجم" و"رجم".
    * كلمة "كبريت" التي توضع في "كبرت" و"كبر".
    * كلمة "عفريت" التي توضع في "عفرت" و"عفر".
    "وانظر كذلك كلمات: أول - است - آنق - ذرية - بذيء - دكان - بستان - ربان - اللات - هات - لدة - حاش "لله" وغيرها".
    ويحدد الشدياق أصولًا معينة يكثر الخلط فيها، وهي المشتملة على علة يصعب ردها إلى الواو أو الياء" "انظر أبي، وذري، وروح، ورنا، وشكا" أو المشتملة على همزة أو نون "فمزلقة الهمزة أن بعضهم يراها أصلية وبعضهم يراها منقلبة عن حرف علة. ومزلقة النون أطم وأعم فإنها تلتبس في أوائل اللألفاظ وأواسطها وأواخرها مثال الأول لفظ نرجس، ومثال الثاني العنصر ومثال الثالث الربان والدكان والبرهان ... وما لا يحصى من نظائرها"3.
    و وضع المعرب تحت لفظه:
    يرى الشدياق ضرورة وضع الكلمات المعربة تحت لفظها على اعتبار أن حروفها كلها أصلية. ولذا فهو ينتقد الفيروزآبادي في وضعه كلمة "استبرق" في "برق" و "أرجوان" في "رجو"
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    ويذكر الشدياق أن حكم "سألتمونيها" لا يجري على الألفاظ الأعجمية؛ لأن حروفها كلها أصلية.
    "ز" بيان درجة اللفظ في الاستعمال:
    يرى الشدياق أن من وظيفة المعجم النص على درجة اللفظ في الاستعمال فيقول: "من عادة المحققين من اللغويين أن ينبهوا على الفصيح من الكلام، وعلى غير الفصيح، وعلى الغريب، والحوشي، والمتروك، والمهمل، والمذموم واللثغة. نحو ذلك" لذا عاب على صاحب القاموس إيراده بالالفاظ إيرادًا مطلقًا من دون أن ينبه على درجتها.

    ----------------------
    المصادر:
    1-الكتاب: المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم "العين" للخليل بن أحمد
    المؤلف: عبد الله درويش ص113.
    2-البحث اللغوي عند العرب
    المؤلف: د أحمد مختار عبد الحميد عمر ص 304.

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      من ديوان العرب :
      أحمد فارس الشدياق

      الأحد ظ،ظ§ نيسان (أبريل) ظ¢ظ*ظ*ظ¥

      هو فارس بن يوسف بن منصور الشدياق، من طائفة الموارنة. ولقب الشدياق من ألقاب الشرف التي تطلق على كبار القوم من المتعلمين والكتاب الذين يرتفعون عن طبقة الأميين

      - تضاربت الآراء في تاريخ مولده فبولس مسعد يقول أن الشدياق ولد في قرية صغيرة من قرى لبنان تسمى (عشقوت) سنة 1805 لكن الدكتور عماد الصلح يقول أنه ولد سنة 1801 .

      - انتقلت أسرته إلى قرية الحدث القريبة من بيروت سنة 1809، ثم دخل مدرسة (عين ورقة) التي تعلم فيها بطرس البستاني، ورشيد الدحداح، فكان ثالث ثلاثة من رواد النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر تلقوا العلم في هذه المدرسة المارونية التي كانت تعلم العربية والسريانية وعلوم البلاغة والمنطق واللاهوت.

      اشتغل فارس الشدياق بنسخ الكتب لنفسه أو لغيره، وصارت له بهذا شهرة واسعة فاستدعاه الأمير حيدر الشهابي أحد الأمراء الشهابيين ومؤلف التاريخ المشهور، وكلفه نسخ تاريخه وتقلبت به الأعمال بين عمل وفراغ، إلى أن حدثت لأخيه وأستاذه أسعد الشدياق حادثة كانت الشرارة الأولى في تغيير مجرى حياته... فقد تحول أسعد من مذهبه الماروني إلى المذهب الإنجيلي، وقد أثار هذا التحول سخط البطريرك الماروني على أخيه، فنفاه إلى (دير قنوبين) سجيناً معذباً حتى قضى نحبه وهو في ريعان شبابه. وكان لهذا الحادث أثره في نفس فارس، فكره الحياة في لبنان الذي بلغ من التعصب الطائفي هذا المبلغ، فشد الرحال إلى مصر سنة 1825، وبدعوة من المرسلين الأمريكان الذين دعوه ليعلمهم العربية، وكأنهم بذلك أرادوا أن يطيبوا خاطره نظير ما لقيه أسعد بسبب اعتناقه لمذهبهم.

      وأسعد الشدياق هذا شقيق فارس يكبره بسبع سنوات، وهو من تلاميذ مدرسة عين ورقة أيضاً، كان يجيد السريانية والعربية واللاتينية والإيطالية والمنطق واللاهوت والخطابة والطبيعيات، وقد شارك في تكوين أحمد فارس الشدياق اللغوي والنحوي.

      أتاحت الإقامة بمصر لفارس الشدياق أن يتلقى اللغة والأدب والنحو والبلاغة والصرف والشعر على بعض علمائها وخاصة الشاعر الأديب الشيخ محمد شهاب الدين الذي كان مقرباً إلى بيت محمد علي، وقد أعانه هذا على أن يعين محرراً في جريدة (الوقائع المصرية)، وكان بالإضافة إلى تصحيح لغتها يشارك في تحرير القسم العربي بقلمه وبعبارته المرسلة الرصينة التي كانت جديدة على أهل ذلك الزمان. وفي مصر زادت حصيلة معارفه اللغوية والأدبية والشعرية، فقرأ صحاح الجوهري، وديوان أبي الطيب المتنبي وغيرهما. وكانت سنه حين جاء إلى مصر عشرين عاماً فاستطاع في التسع سنوات التي أقامها فيها أن يكون نفسه في اللغة والأدب تكويناً سليماً على أساس متين.

      في سنة 1834 دعاه الأمريكان إلى مالطة لغرضين أولهما: التعليم في مدارسهم هناك، وثانيهما: تصحيح ما يصدر من مطبعتهم من كتب عربية. وهناك أخذت ميوله وعواطفه تتجه نحو المذهب الإنجيلي الذي اعتنقه شقيقه من قبل في لبنان... وكان هذا التحول في نظره انتقاماً لما حدث لأخيه على يد الموارنة. وقد ظل في مالطة أربعة عشر عاماً حتى سنة 1848. ومن أهم ما ألفه فيها من الكتب كتابه (الواسطة في معرفة مالطة)، وهو أول ما كتبه في الرحلات.

      قامت للشدياق شهرة أدبية لغوية وخاصة في أوساط المرسلين، ففي سنة 1848 دعته جمعية (ترجمة الأسفار المقدسة) إلى إنجلترا ليسهم في ترجمة هذه الأسفار أو على الأصح في ضبطها وتنقيحها تحت إشراف المستشرق الدكتور (لى)، فلبى الدعوة وبدأ العمل، وأتاحت له هذه المهمة أن يطيل التجوال في إنجلترا وفرنسا، وأن يتعرف إلى ريفهما وحضرهما، وأن يدرس عن كثب أحوالهما وأخلاق أهلهما، وأن يتعلم الإنجليزية والفرنسية ويقرأ أعلامهما، وأن يقرأ في صحفهما ومجلاتهما العلمية والأدبية. وقد أعانه ذلك على أن يؤلف كتابه الثاني في أدب الرحلات، وهو (كشف المخبا، عن فنون أوروبا)، كما ألف كتابه الرائع (الساق على الساق، فيما هو الفارياق).وفي سنة 1853 كانت مدحته الشعرية للسلطان العثماني عبد المجيد بمناسبة الحرب بين روسيا وتركيا، وهي قصيدة تزيد على مائة وثلاثين بيتاً، وقد نظمها وبعث بها من لندن.

      جاءت إلى الشدياق دعوتان استجابة للمدائح الشعرية، الأولى لزيارة الأستانة بدعوة من السلطان عبد المجيد، والثانية من أحمد باي تونس الذي دعاه لزيارته والإقامة معه في تونس لقاء القصيدة التي مدحه بها الشدياق وبعث بها إليه من باريس تقديراً لمبراته وخيراته التي وزعها على فقراء مرسيليا وباريس في أثناء زيارته لهما، ولبى الشدياق دعوة باي تونس سنة 1857 الذي بعث إليه بسفينة خاصة تقله إليه.

      وفي تونس، ونتيجة لتبحره في علوم الأديان ودراسته اللاهوت المسيحي واطلاعه على عقائد الإسلام، ومعايشته لأحوال الأمم الإسلامية والمسيحية في الشرق والغرب على حد سواء اعتنق الشدياق الإسلام وتسمى باسم أحمد فارس الشدياق، بل أضيف إلى اسمه لقب (الشيخ) الذي اشتهر به في العالم العربي الإسلامي، وتكنى بأبي العباس.

      لم يطل مقام الشيخ أحمد فارس الشدياق بتونس على الرغم من قربه من الباي وتوليه هناك أعلى المناصب، فلما كررت الأستانة دعوته إليها غادر تونس ملبياً دعوة السلطان، وهناك ألحق بديوان الترجمة وتولى تصحيح بعض المطبوعات.

      في سنة 1860 أنشأ الشدياق صحيفة أسماها (الجوائب) وهي صحيفة سياسية أسبوعية تصدر من الأستانة وتطبع في المطبعة السلطانية، وفي 1870 أنشأ لها الشدياق مطبعة خاصة بها تسمى مطبعة الجوائب. وقد نالت صحيفة الجوائب شهرة في العالم الإسلامي لم تنلها صحيفة سواها منذ إنشاء الصحافة العربية. فأقبل السلاطين والملوك ورؤساء الحكومات العربية الإسلامية عليها، كما كان المفكرون يتهافتون على قراءتها، وبلغت من حسن التبويب والإتقان وبراعة التحرير وجودة الأساليب حداً جعلها أكبر صحف ذلك العهد وأوسعها انتشاراً، كما كانت مطبعتها الخاصة المسماة مطبعة الجوائب من أشهر المطابع في الأستانة والمشرق العربي. وقد أمدت المكتبة العربية بسيل من المطبوعات التي شاركت في إحياء التراث العربي، واشتهرت بين عشاق الكتب بجمال حروفها، وحسن إخراجها، ودقة تصحيحها، حتى كادت مطبوعاتها تداني المطبعة الأميرية ببولاق من هذه النواحي.

      أما مكانة الجوائب بين الصحافة العربية والعالمية فيكفي للتدليل عليها أن صحافة الغرب كانت تنقل عنها وتستشهد بها في معرض الحديث عن سياسة الشرق، كما كانت تلقب صاحبها فارس الشدياق (بالسياسي الشهير)، (والصحافي الطائر الصيت). والحق أن صلته الوثيقة بالسلطان العثماني وبرؤساء البلاد العربية والإسلامية جعلت صحيفة الجوائب مركزاً هاماً لسياسة الشرق حقبة من الزمان.

      ولم تكتف الجوائب بمركزها السياسي وبمنبرها الشرقي الذي كانت تُسمع منه أجهر الأصوات، بل أضافت إلى ذلك ميدانها الأدبي ومعرضها الحامي في الجدل والمناظرات. وكثيراً ما قامت فيها المعارك الأدبية بين رجال من أمثال: الشيخ إبراهيم اليازجي، والشيخ سعد الشرتوني، والدكتور لويس الصابوني، والكونت رشيد الدحداح، والشيخ إبراهيم الأحدب، وبطرس البستاني وغيرهم، وكان المرحوم عبد الله فكري الأديب والشاعر المصري ينشر فيها بعض مقالاته وطرائفه.

      في سنة 1886 جاء الشدياق إلى مصر زائراً بعد أن تعطلت (جوائبه)، وعاد إلى الأستانة فكانت تلك العودة آخر أسفاره في الدنيا، فقد وافته منيته يوم 20 أيلول سنة 1887، وكان قد أوصى أن يدفن في وطنه، وأن تكون أول أرض مس جسمه ترابها هي آخر أرض يطويه فيها التراب.

      ويظهر أن التنقل والرحل التي كانت ملازمة للشدياق في حياته ظلت تصاحب جسده بعد مماته فقد حنط جسمه ووضع في تابوت من الرصاص مغلف بآخر من خشب الجوز الثمين، ثم أودع في القصر الذي مات فيه بالمصيف، ثم نقل إلى قصر ولده سليم (ابنه البكر) الذي كان مجاوراً لمبنى نظارة المعارف في استانبول، ثم نقل بعد أيام إلى لبنان حيث دفن في مسقط رأسه (الحدث) مع أجساد الموتى من أسرته ، ثم نقل بعد ذلك إلى مقبرة خاصة في محلة (الحازمية) قرب مدينة بيروت، حيث ابتاع له أهله أرضاً ليدفن هناك.

      لقد كانت جنازة الشدياق في الأستانة موكباً رائعاً جمع بين رجال العلم وأقطاب السياسة وأرباب الأقلام، وأصحاب السيوف، ومشايخ الإسلام، وأرباب الطرق الصوفية، ورجال الأديان والصدور العظام فكان مشهداً فخماً رائعاً قلما شهدت الأستانة مثله. وكانت جنازته في بيروت في الخامس من تشرين الأول موكباً فخماً رائعاً سار فيه العلماء والعظماء ورجال الدين، وعلى رأسهم الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت... في مشهد عظيم وصلي عليه في الجامع العمري الكبير.

      كان فارس الشدياق من أركان النهضة الأدبية العلمية في القرن التاسع عشر، وقد ترك عدداً من المؤلفات:

      أولاـ المطبوعة:

      ـ (سر الليال في القلب والإبدال)، كتاب في اللغة.

      ـ كتاب (الجاسوس على القاموس)، وهو كتاب نقد فيه كتاب (القاموس المحيط) للفيروز أبادي.

      ـ كتاب (الساق على الساق، فيما هو الفارياق)، في اللغة والأدب والتحليل ووصف الخطرات والنوازع، والسيرة الذاتية، وأدب الرحلات، كل ذلك وغيره على أسلوب لا عهد للعربية به.

      ـ كتاب (الواسطة في معرفة أحوال مالطة)، وهو وصف رحلته إلى جزيرة مالطة.

      ـ كتاب (كشف المخبا، عن فنون أوروبا).

      ـ كتاب (اللفيف، في كل معنى ظريف)، وهو من كتب المختارات في الأدب والحكمة والأمثال والحكايات التهذيبية والنكات اللغوية والمترادفات.

      ـ كتاب (غنية الطالب، ومنية الراغب)، كتاب مدرسي في علوم الصرف والنحو.

      ـ قصيدة في مدح أحمد باشا باي تونس.

      ـ المقالة البخشيشية، أو السلطان بخشيش.

      ـ شرح طبائع الحيوان، وهو مترجم عن الإنجليزية.

      ـ كنز اللغات، وهو معجم في اللغات الثلاث: الفارسية والتركية والعربية.

      ـ خبرية أسعد الشدياق، وهو الكتاب الذي روى فيه فارس الشدياق قصة تحول أخيه عن المذهب الماروني إلى المذهب البروتستانتي.

      ـ كتاب (الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية).

      ـ كتاب (المحاورة الأنسية، في اللغتين الإنكليزية والعربية).

      ـ كتاب (سند الراوي، في الصرف الفرنساوي).

      ثانياًـ المؤلفات المخطوطة:

      ـ (منتهى العجب، في خصائص لغة العرب).

      ـ (المرآة في عكس التوراة)، أفرغه في قالب بديع لم ينسج أحد على منواله، وقد شرع في إنشائه على أثر ترجمته للتوراة في لندن.

      ـ النفائس في إنشاء أحمد فارس.

      ـ له ديوان شعر من نظمه يشتمل على اثنتين وعشرين ألف بيت.

      2
      ملاحظة

      المراجع:

      محمد عبد الغني حسن (أحمد فارس الشدياق، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، (3ـ 11)، (36ـ 38)، (183ـ 185)، (195ـ 198).

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        بسم الله الرحمن الرحيم



        هذا كتاب أحمد فارس الشدياق الشهير


        من موقع اللوكة :
        الجاسوس على القاموس


        فى نقد القاموس المحيط للفيروزآبادي







        أمدنى به أخى المساهم – جزاه الله خير الجزاء – بعد أن حمله من الشبكة وكان مقلوب الصفحات فأعاد تنسيقه وأضاف إليه غلاف طبعة صادر المصورة عن طبعة الجوائب الأصلية وطلب إلى فهرسته ورفعه ، فأوليته عنايتى تلبية لرغبته حبا وكرامة آملا أن ينفع الله به طلبة العلم فالكتاب لا غنى عنه لطالب اللغة .




        التحميل من أرشيف

        تعليق

        يعمل...