من أعلام الأدب في العصر الحديث
عبد الجليل برادة المدني
( 1241 - 1327 هـ)
نشأته: ولد عبد الجليل بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي جيدة برادة المدني في المدينة المنورة عام 1242هـ، من أسرة تشتهر بالعلم والأدب.
وفي المدينة نشأ وتربى وتعلم، فحفظ القرآن الكريم ثم بدأ يتلقى العلوم الشرعية والأدبية والعصرية في حلقات المسجد النبوي الشريف على يد عدد من العلماء مثل: يوسف الغزي، ومحمد الحلبي، ومحمد الدمياطي، وصالح التونسي، ويوسف الصاوي، وحسن الأسكوبي، وغيرهم. فدرس عليهم الفقه والفرائض والحديث والنحو والصرف والعروض والفلك وغيرها.
كما اهتم بدراسة عدد من الكتب الأدبية والعلمية، وأخذ فيها إجازات عن هؤلاء العلماء وأصبحت لديه ثقافة أدبية وعلمية واسعة.
وفي عام 1285هـ ارتحل إلى القاهرة، وأقام بها عدة أشهر، حيث اجتمع بعدد من العلماء واستفاد منهم، ثم انتقل إلى الآستانة حاضرة الخلافة الإسلامية، وفيها اجتمع بشيخ الإسلام حسن فهمي، والشيخ علي الأرناؤوط وغيرهما، واستفاد من علمهم، ونال منهم الإجازات.
وفي عام 1286هـ عاد إلى المدينة المنورة، فاتخذ له حلقة للتدريس في المسجد النبوي الشريف، واجتمع عليه طلاب كثيرون ظهر منهم عدد من العلماء، منهم: إبراهيم أسكوبي، ومحمد العمري، وإبراهيم بري، وزكي برزنجي، وعباس رضوان، وحسين باسلامة، وغيرهم.
وفي عام 1323هـ ارتحل إلى مكة المكرمة وتولى التدريس فيها، وأقام فيها ما يزيد على ثلاث سنوات، ثم قرر العودة إلى المدينة المنورة، وفي الطريق وهو في منطقة الفريش القريبة منها أدركته المنية، وذلك في شهر محرم 1327هـ.
كان صاحب الترجمة علماً من أعلام المدينة المنورة وعلمائها الكبار، وقد تقلد إلى جانب التدريس في المسجد النبوي، عدداً من الوظائف الحكومية والمناصب التكريمية، منها:
ـ الإفتاء في المدينة المنورة.
ـ مدير المسجد النبوي الشريف.
ـ محتسب.
ـ رئيس كتاب، وغيرها.
وكان شاعراً مجيداً، لقبه بعضهم بأبي العلاء المعري لحكمته وجودة شعره، وله ديوان شعر مخطوط، حافل بالقصائد الجميلة، منها قصيدة عن المدينة المنورة قالها وهو بعيد عنها، مطلعها:
عن در مبسمها عن دمع أجفاني عن الشقيق كذا عن خدها القاني
يقول فيها:
يا حادي العيس قف هذا البقيع فذا سلع فإن به روحي وريحاني
قصدي مرادي مرامي بغيتي طلبي تقبيل أعتاب طه فخر عدنان
وكان له مجلس أدبي يطلق عليه (مجلس الأبارية) حيث يعقد في بستان الأبارية القريب من المسجد النبوي الشريف، ويؤمه مجموعة من الأدباء والشعراء، منهم: أنور عشقي، وعمر كردي، ومحمد العمري، وإبراهيم أسكوبي، وإبراهيم بري، وغيرهم.
أخذ في تعلم العلوم الشرعية بالإضافة إلى ما ذكر، فقد درس الفرائض والفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، والحديث حيث درس البخاري، وأخذ يتردد على حلقات العلوم الإسلامية على أشياخ أكرمهم الله بالعلم والتقوى ـ بارك الله في علمهم وتلاميذهم ـ وللاستزادة من العلوم ارتحل إلى عاصمة المعز ومعقل الأزهر، حيث اتصل ببعض المشائخ هناك، وأفاد واستفاد، وكان ذلك عام 1285 هـ، وقد حصل على بعض المناصب في دولة زمانه، والبرادة: عالم وإن كان الشعر يغلب عليه، وهذا طابع الرواد حيث المزاوجة بين العلم والأدب ظاهرة معروفة، وكان له منتدى أدبي، طالب علم يدل على ذلك على ما ذهبنا إليه، وقد وافاه الأجل المحتوم بقرية الفريش في طريق عودته إلى المدينة من مكة حيث كان يقيم، وكان ذلك في بداية عام 1327 هـ، ونقل جثمانه إلى المدينة، حيث دفن في البقيع ـ رحمهم الله جميعاً.
دروسه العلمية:
لقد كان الشيخ عبد الجليل عالماً متضلعاً متمكناً ماهراً بارعاً بحق في جميع العلوم والمعارف خاصة في الأدب والفقه وأصوله والبلاغة والنحو الفلك والفرائض وغيرها من العلوم العامة وهبه الله تعالى الذكاء والنباهة والحذاقة والفطانة والحقيقة لقد كان الشيخ عبد الجليل موسوعة متحركة متنقلة في جميع العلوم بدون استثناء لا يباريه أحد، يخوض في البحث ويتعمق في التحليلات وتستهويه التحقيقات ولا يقف عند حد فأصبح ذا شهرة فائقة فنال من العلم ما نال ولما أخذ الإجازات الضخام من شيوخه أمروه بالجلوس للتدريس فاستجاب لأمرهم وتصدر للتدريس وهو في العشرين من عمره فأصبحت حلقاته من أكبر الحلقات يأتيه طلاب العلم من كل مكان فدرس وأفاد وانتفع به العباد وعقد للعلم سوقاً لا مثيل لها وكانت حلقته في الروضة الشريفة المباركة، لقد كان الشيخ عبد الجليل مشاركاً في كافة العلوم الشرعية وبارعاً في العلوم العربية
والأدبية وأجاز كثيراً من الطلاب في المشرق والمغرب فكان يجيز بكلمات جميلة وقد اطلعت على إجازتين للشيخ عبد الجليل يروي فيها عن جميع شيوخه وقد تولى رحمه الله التدريس بمكة المكرمة خلال إقامته فيها من عام 1323هـ حتى عام 1326هـ وقد كان للشيخ عبد الجليل عناية فائقة باللغة العربية فاعتبره المؤرخون من كبار اللغويين وكان يدرس نفائس الكتب الدينية والأدبية مثل الكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة وآداب القالي وديوان الحماسة وديوان المتنبي ومقامات الحريري وغير ذلك ويدرس الحديث والفقه والتوحيد والصرف والمعاني والبيان وغير ذلك وكان الناس يقصدونه في بيته ويدرسون عنده ويستجيزهم رحمه الله.
البرادة شاعر عصره
يعد الشيخ عبد الجليل برادة في مقدمة شعراء عصره في الحجاز وأكاد أجزم، أنه في العالم الإسلامي ومن أكثرهم شهرة بل هو أستاذ أكثرهم، وعرف بالإجادة في الشعر بعد أن دانت له مفردات اللغة وبعد أن استوعب ما قرأ من روائع الشعر والأدب قديمه وحديثه، والقليل الذي حصلت عليه في بحثي يدل على أصالة جمعت بين جزالة اللفظ وسمو المعنى وقد بحثت كثيراً عن دواوين الشيخ عبد الجليل لأن للشيخ ديوان كبير ودواوين أخرى مجهولة حتى يومنا هذا والله أعلم بمصيرها.
وأود قبل كل شيء أن أذكر أن ما استطعت الحصول عليه من شعر الشيخ عبد الجليل رحمه الله لا يدل دلالة كاملة على شاعريته ولكنه يعطي القارئ صورة عن هذه الشاعرية التي لا تطفئ الغلة ولا تبل الصدأ ولكنها على أي حال خير من لا شيء.
ولقد اضطررت للبحث عن النماذج التي سأوردها للقارئ والتي وجدتها في بطون الكتب والتي نشرها بعض الذين عاصروه في كثير من البلدان.
وأكرر القول أن هذا الذي أورده للقارئ لا يدل دلالة كاملة على شاعريته فإني أعلم أن للشيخ عبد الجليل برادة من القصائد الجياد الكثير الذي هو أجدر بالتقويم ولكن هذا ما استطعت الحصول عليه بعد البحث والجهد فإني لم أجد له حتى ديواناً مخطوطاً ولم أجد حتى ديواناً بلغة غير العربية للشيخ عبد الجليل.
وبعد فهذه هي النماذج ولا أقول المختارات التي استطعت الحصول عليها من شعر ونثر الشيخ عبد الجليل برادة شاعر عصره، ومن شعره حينما انتصرت الدولة العثمانية على اليونان وذلك في الحادي عشر من سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة عشرة وكان الشيخ عبد الجليل نزيل الدولة العليا باستانبول فذهب للسلطان عبد الحميد خان مادحاً:
كذا فليكن ما يحرز المجد والفخر
كذا فليكن ما يجمع الفتح والنصر
كذا فليكن ما يبلغ السؤل والمنى
كذا فليكن ما يدرك الثأر والوتر
كذا فليكن سعي الملوك مقدسا
يرافقه نسك ويتبعه أجـر
كذا فليكن قهر الأعادي وهكذا
تخاض المنايا والحديد لها جسر
حديث عن اليونان يضحك باكيا
ويطرب محزونا ويلهو به غـر
أماني نفوس في الدجى حلموا بها
وبالعكس في تعبيرها طلع الفجر
همو دبروا أمرا لأمر وفكروا
فعاد عليهم ضلة ذلك الفكر
فعاشوا وجاسوا في البلاد بجهلهم
وعم على جيرانهم منهم الغـدر
صبرنا وكم عنهم عفونا فلم يفـد
وعن مثلهم لا يحسن العفو والصبر
فقام أمير المؤمنين لردعهم
ببأس شديد لا يقوم له الصخر
فبادرهم منه هصور غضنفر
كذا الليث يخشى من بوادره الهصر
مشيد أركان الخلافة فخرها
عظيم بني عثمان يا حبذا الفخر
لقد قام في ذا العصر بالواجب الذي
هو الفرض من غزو تباهى به العصر
فأحيا مواتاً للجهاد تقادمت
عليه دهور لا يشاد له ذكر
وقام به في الله لله يبتغي
مثوبته العظمى وحق له الشكر
غزاة لعمر الله قد نال خيرها
وسالمه رغم العداة بها اليسر
بفتكته البكر التي شاع ذكرها
وأفضل فتكات الملوك هي البكر
ليهنك يا كهف الأنام وظلهم
فتوح به سُرَ المحصب والحجر
وقبر لخير الخلق مُرَ بطيبة
وحق لهذا النصر أن يفرح القبر
فأنت ملاذ للعقاة مؤمل
وفضلك جم لا قليل ولا نزر
ومن أين للمزن الكنهور جود من
بكلتا يديه ديمة صوبها التبر
لك الرأي بالحزم السديد مؤيد
تعاملهم بالمكر إن لزم المكر
فداوِ مريض الجهل بالحلم أن يفد
وإلا فداء الشر يحسمه الشر
ورأيك سيف ما ألمت شباته
بأمر عصى إلا استطاع له الأمر
ومن أين للسيف الحسام مضاؤه
إذا خامر الألباب من حادث ذعر
كهانته شق سطيح بجنبها
يحار له زيد ويعيا بها عمرو
سمعنا بأن الجبن فيهم سجية
ولما التقينا صدق الخبر الخبر
لقد تركوا الأوطان والأهل عنوة
وأجلاهموا القتل المبرح والأسر
وما وقفوا في ماقط الحرب لحظة
ولا ثبتوا كلا ولكنهم فروا
وأدهم بالدهم الجياد دهاهموا
فحاصوا كحمر الوحش صادفها نمر
وترحالة عنها ترحل جمعهم
ودكدك من أنحائها السهل والوعر
وغصت غلوص بعد ذاك بريقها
فما ساغ لولا أن تداركها البحر
ولا ريس في لاريس بعد انهزامهم
رئيس فهم فوضى كأنهم الحمر
ودوميكة تدعو اتينة جهدها
لتنجدها هيهات أشغلها عذر
ومن أشعاره وهو في سن الطفولة:
يطيب لي أن أسهر الليالي
في طلب العلوم والكمالي
على سراج واهي الذبال
حتى أرى في العلم كالغزالي
واستمد الشعر من خيالي
بذاك أضحى فارس المجال
وقدوة في الفضل للرجال
ومن بديع كلامه:
ناولت ذات البها المرآة أوهمها
بأن فيها لها شكلا يحاكيها
وعندما أبصرت فيها محاسنها
جارت وصالت على عشاقها تيها
وقال الشيخ عبد الجليل في بعض العلماء:
لعمري قد بينت سنة أحمد
وأوضحت بل حققت طرق الأوائل
ورضت لنا منها صحابا تذللت
فأمست لدينا باديات المقاتل
مجاهل علم قد سلكت طريقها
فلم تبق من بيدائها من مجاهل
فمن رام قولاً غير ما قد نقلته
تعنى وخانته وجوه الدلائل
ومن قال قولا غير ذلك لم يصب
وهيهات أن يحظى ببغية أمل
فما الحق محفوظاً تصك نصوصه
وجوه الخصوم مثل تلفيق باطل
وقال يصف ضعف البدن:
روحي مع الضعف لم تشطح لتخرج من
بين أشفاه فألقى عاجلاً أجلى
من أجل ذلك عمري امتد بي زمنا
وربما صحت الأجسام بالعلل
ومن قصائده النفيسة قول في قصيدة طويلة:
وكانت بالعقيق لنا ليال
تولت غير رجع من صداها
تبادلني الحديث به فتاة
مهذبة وكنت أنا فتاها
أليفة خمسة من بعد عشر
من السنوات مدت على ضياها
تمتع ناظري منها ببدر
وضمخ بردئي طيبا شذاها
تعاطين كؤوس الشاي صرفا
فأمزجها بشهد من لماها
طواها الترب عني وهي نفسي
فيا لله من قبر طواهـا
نسيت بفقدها أبناء جيلي
فلم أذكر من الدنيا سواها
ومن أقواله:
صاح: إن الزمان لمعة برق
فاغتنم فرصة الزمان وبادر
وافعل الخير ما استطعت فما
أنت عليه في كل وقت بقادر
وللشيخ عبد الجليل شعر جيد في السياسة يقوله سراً حتى شعر به الأتراك فأبعدوه عن المدينة المنورة إلى الأستانة فقال وهو هناك:
قدر الله أن أعيش غريباً
في بلاد أساق كرها إليها
وبفكري مخدرات معان
نزلت آية الحجاب عليها
وهذه الأبيات الجميلة تدل على أن الرجل لا تأخذه في الحق لومة لائم فلم يكتم أفكاره بل أذاعها عن طريق الشعر.
وحينما بحثت عن نثر الشيخ عبد الجليل برادة في بطون الكتب لم أجد سوى ما قرظ به الكتاب المسمى بعلم الدين، في حضرة العالم الفاضل علي باشا مبارك وهذا نصه:
ما تنسج الأيدي يبيد وإنما
يبقى لنا ما تنسج الأقلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فإني تصفحت هذا الكتاب، بل العجب العجاب، الذي نسبت للشيخ علم الدين روايته، وأسندت للسائح الإنكليزي حكايته، فوجدته نزهة للناظر، وسلوة للخاطر، فيه للقلوب ارتياح، وللخواطر نشاط وارتياح، تعرب مبانيه عن لطيف معانيه، وتفصح روائع ألفاظه الرائقة عن بدائع مضامينه الفائقة، ويشهد لمؤلفه بعلو المقدار، ولمصنفه بحسن الاختيار، جمع فيه من غرائب الفنون ونقائض الجد والمجون، الضب والنوب، وقرن إلى أسنى المقاصد أشرف المطالب، فصح أنه المرغوب لكل طالب، أظهر فيه ما خفي من أسرار الصنائع، وكشف عن وجه مخدرات العلوم، البراقع، وأضاف إلى ذلك من حكم الحكماء، ما أغفلته القدماء، ووشحه بلطائف النوادر، وما تفردت به الأواخر، وأظهرته في هذا الدور الأخير فهو مخترع لجميع المترعات جامع، وبديع في بيان معاني المبتدعات نافع، ينتقل من فصل إلى ضده، ويحكم الوصل بما أبداه من عنده فكان مؤلفه المفضال يقول فيه بلسان الحال:
تصديت في إتعاب فكري لجمعه
فجاء كتاباً في البها لا يشارك
وكنت بحمد الله فيه موفقا
فأسمى علي في الأنام مبارك
( 1241 - 1327 هـ)
نشأته: ولد عبد الجليل بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي جيدة برادة المدني في المدينة المنورة عام 1242هـ، من أسرة تشتهر بالعلم والأدب.
وفي المدينة نشأ وتربى وتعلم، فحفظ القرآن الكريم ثم بدأ يتلقى العلوم الشرعية والأدبية والعصرية في حلقات المسجد النبوي الشريف على يد عدد من العلماء مثل: يوسف الغزي، ومحمد الحلبي، ومحمد الدمياطي، وصالح التونسي، ويوسف الصاوي، وحسن الأسكوبي، وغيرهم. فدرس عليهم الفقه والفرائض والحديث والنحو والصرف والعروض والفلك وغيرها.
كما اهتم بدراسة عدد من الكتب الأدبية والعلمية، وأخذ فيها إجازات عن هؤلاء العلماء وأصبحت لديه ثقافة أدبية وعلمية واسعة.
وفي عام 1285هـ ارتحل إلى القاهرة، وأقام بها عدة أشهر، حيث اجتمع بعدد من العلماء واستفاد منهم، ثم انتقل إلى الآستانة حاضرة الخلافة الإسلامية، وفيها اجتمع بشيخ الإسلام حسن فهمي، والشيخ علي الأرناؤوط وغيرهما، واستفاد من علمهم، ونال منهم الإجازات.
وفي عام 1286هـ عاد إلى المدينة المنورة، فاتخذ له حلقة للتدريس في المسجد النبوي الشريف، واجتمع عليه طلاب كثيرون ظهر منهم عدد من العلماء، منهم: إبراهيم أسكوبي، ومحمد العمري، وإبراهيم بري، وزكي برزنجي، وعباس رضوان، وحسين باسلامة، وغيرهم.
وفي عام 1323هـ ارتحل إلى مكة المكرمة وتولى التدريس فيها، وأقام فيها ما يزيد على ثلاث سنوات، ثم قرر العودة إلى المدينة المنورة، وفي الطريق وهو في منطقة الفريش القريبة منها أدركته المنية، وذلك في شهر محرم 1327هـ.
كان صاحب الترجمة علماً من أعلام المدينة المنورة وعلمائها الكبار، وقد تقلد إلى جانب التدريس في المسجد النبوي، عدداً من الوظائف الحكومية والمناصب التكريمية، منها:
ـ الإفتاء في المدينة المنورة.
ـ مدير المسجد النبوي الشريف.
ـ محتسب.
ـ رئيس كتاب، وغيرها.
وكان شاعراً مجيداً، لقبه بعضهم بأبي العلاء المعري لحكمته وجودة شعره، وله ديوان شعر مخطوط، حافل بالقصائد الجميلة، منها قصيدة عن المدينة المنورة قالها وهو بعيد عنها، مطلعها:
عن در مبسمها عن دمع أجفاني عن الشقيق كذا عن خدها القاني
يقول فيها:
يا حادي العيس قف هذا البقيع فذا سلع فإن به روحي وريحاني
قصدي مرادي مرامي بغيتي طلبي تقبيل أعتاب طه فخر عدنان
وكان له مجلس أدبي يطلق عليه (مجلس الأبارية) حيث يعقد في بستان الأبارية القريب من المسجد النبوي الشريف، ويؤمه مجموعة من الأدباء والشعراء، منهم: أنور عشقي، وعمر كردي، ومحمد العمري، وإبراهيم أسكوبي، وإبراهيم بري، وغيرهم.
أخذ في تعلم العلوم الشرعية بالإضافة إلى ما ذكر، فقد درس الفرائض والفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، والحديث حيث درس البخاري، وأخذ يتردد على حلقات العلوم الإسلامية على أشياخ أكرمهم الله بالعلم والتقوى ـ بارك الله في علمهم وتلاميذهم ـ وللاستزادة من العلوم ارتحل إلى عاصمة المعز ومعقل الأزهر، حيث اتصل ببعض المشائخ هناك، وأفاد واستفاد، وكان ذلك عام 1285 هـ، وقد حصل على بعض المناصب في دولة زمانه، والبرادة: عالم وإن كان الشعر يغلب عليه، وهذا طابع الرواد حيث المزاوجة بين العلم والأدب ظاهرة معروفة، وكان له منتدى أدبي، طالب علم يدل على ذلك على ما ذهبنا إليه، وقد وافاه الأجل المحتوم بقرية الفريش في طريق عودته إلى المدينة من مكة حيث كان يقيم، وكان ذلك في بداية عام 1327 هـ، ونقل جثمانه إلى المدينة، حيث دفن في البقيع ـ رحمهم الله جميعاً.
دروسه العلمية:
لقد كان الشيخ عبد الجليل عالماً متضلعاً متمكناً ماهراً بارعاً بحق في جميع العلوم والمعارف خاصة في الأدب والفقه وأصوله والبلاغة والنحو الفلك والفرائض وغيرها من العلوم العامة وهبه الله تعالى الذكاء والنباهة والحذاقة والفطانة والحقيقة لقد كان الشيخ عبد الجليل موسوعة متحركة متنقلة في جميع العلوم بدون استثناء لا يباريه أحد، يخوض في البحث ويتعمق في التحليلات وتستهويه التحقيقات ولا يقف عند حد فأصبح ذا شهرة فائقة فنال من العلم ما نال ولما أخذ الإجازات الضخام من شيوخه أمروه بالجلوس للتدريس فاستجاب لأمرهم وتصدر للتدريس وهو في العشرين من عمره فأصبحت حلقاته من أكبر الحلقات يأتيه طلاب العلم من كل مكان فدرس وأفاد وانتفع به العباد وعقد للعلم سوقاً لا مثيل لها وكانت حلقته في الروضة الشريفة المباركة، لقد كان الشيخ عبد الجليل مشاركاً في كافة العلوم الشرعية وبارعاً في العلوم العربية
والأدبية وأجاز كثيراً من الطلاب في المشرق والمغرب فكان يجيز بكلمات جميلة وقد اطلعت على إجازتين للشيخ عبد الجليل يروي فيها عن جميع شيوخه وقد تولى رحمه الله التدريس بمكة المكرمة خلال إقامته فيها من عام 1323هـ حتى عام 1326هـ وقد كان للشيخ عبد الجليل عناية فائقة باللغة العربية فاعتبره المؤرخون من كبار اللغويين وكان يدرس نفائس الكتب الدينية والأدبية مثل الكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة وآداب القالي وديوان الحماسة وديوان المتنبي ومقامات الحريري وغير ذلك ويدرس الحديث والفقه والتوحيد والصرف والمعاني والبيان وغير ذلك وكان الناس يقصدونه في بيته ويدرسون عنده ويستجيزهم رحمه الله.
البرادة شاعر عصره
يعد الشيخ عبد الجليل برادة في مقدمة شعراء عصره في الحجاز وأكاد أجزم، أنه في العالم الإسلامي ومن أكثرهم شهرة بل هو أستاذ أكثرهم، وعرف بالإجادة في الشعر بعد أن دانت له مفردات اللغة وبعد أن استوعب ما قرأ من روائع الشعر والأدب قديمه وحديثه، والقليل الذي حصلت عليه في بحثي يدل على أصالة جمعت بين جزالة اللفظ وسمو المعنى وقد بحثت كثيراً عن دواوين الشيخ عبد الجليل لأن للشيخ ديوان كبير ودواوين أخرى مجهولة حتى يومنا هذا والله أعلم بمصيرها.
وأود قبل كل شيء أن أذكر أن ما استطعت الحصول عليه من شعر الشيخ عبد الجليل رحمه الله لا يدل دلالة كاملة على شاعريته ولكنه يعطي القارئ صورة عن هذه الشاعرية التي لا تطفئ الغلة ولا تبل الصدأ ولكنها على أي حال خير من لا شيء.
ولقد اضطررت للبحث عن النماذج التي سأوردها للقارئ والتي وجدتها في بطون الكتب والتي نشرها بعض الذين عاصروه في كثير من البلدان.
وأكرر القول أن هذا الذي أورده للقارئ لا يدل دلالة كاملة على شاعريته فإني أعلم أن للشيخ عبد الجليل برادة من القصائد الجياد الكثير الذي هو أجدر بالتقويم ولكن هذا ما استطعت الحصول عليه بعد البحث والجهد فإني لم أجد له حتى ديواناً مخطوطاً ولم أجد حتى ديواناً بلغة غير العربية للشيخ عبد الجليل.
وبعد فهذه هي النماذج ولا أقول المختارات التي استطعت الحصول عليها من شعر ونثر الشيخ عبد الجليل برادة شاعر عصره، ومن شعره حينما انتصرت الدولة العثمانية على اليونان وذلك في الحادي عشر من سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة عشرة وكان الشيخ عبد الجليل نزيل الدولة العليا باستانبول فذهب للسلطان عبد الحميد خان مادحاً:
كذا فليكن ما يحرز المجد والفخر
كذا فليكن ما يجمع الفتح والنصر
كذا فليكن ما يبلغ السؤل والمنى
كذا فليكن ما يدرك الثأر والوتر
كذا فليكن سعي الملوك مقدسا
يرافقه نسك ويتبعه أجـر
كذا فليكن قهر الأعادي وهكذا
تخاض المنايا والحديد لها جسر
حديث عن اليونان يضحك باكيا
ويطرب محزونا ويلهو به غـر
أماني نفوس في الدجى حلموا بها
وبالعكس في تعبيرها طلع الفجر
همو دبروا أمرا لأمر وفكروا
فعاد عليهم ضلة ذلك الفكر
فعاشوا وجاسوا في البلاد بجهلهم
وعم على جيرانهم منهم الغـدر
صبرنا وكم عنهم عفونا فلم يفـد
وعن مثلهم لا يحسن العفو والصبر
فقام أمير المؤمنين لردعهم
ببأس شديد لا يقوم له الصخر
فبادرهم منه هصور غضنفر
كذا الليث يخشى من بوادره الهصر
مشيد أركان الخلافة فخرها
عظيم بني عثمان يا حبذا الفخر
لقد قام في ذا العصر بالواجب الذي
هو الفرض من غزو تباهى به العصر
فأحيا مواتاً للجهاد تقادمت
عليه دهور لا يشاد له ذكر
وقام به في الله لله يبتغي
مثوبته العظمى وحق له الشكر
غزاة لعمر الله قد نال خيرها
وسالمه رغم العداة بها اليسر
بفتكته البكر التي شاع ذكرها
وأفضل فتكات الملوك هي البكر
ليهنك يا كهف الأنام وظلهم
فتوح به سُرَ المحصب والحجر
وقبر لخير الخلق مُرَ بطيبة
وحق لهذا النصر أن يفرح القبر
فأنت ملاذ للعقاة مؤمل
وفضلك جم لا قليل ولا نزر
ومن أين للمزن الكنهور جود من
بكلتا يديه ديمة صوبها التبر
لك الرأي بالحزم السديد مؤيد
تعاملهم بالمكر إن لزم المكر
فداوِ مريض الجهل بالحلم أن يفد
وإلا فداء الشر يحسمه الشر
ورأيك سيف ما ألمت شباته
بأمر عصى إلا استطاع له الأمر
ومن أين للسيف الحسام مضاؤه
إذا خامر الألباب من حادث ذعر
كهانته شق سطيح بجنبها
يحار له زيد ويعيا بها عمرو
سمعنا بأن الجبن فيهم سجية
ولما التقينا صدق الخبر الخبر
لقد تركوا الأوطان والأهل عنوة
وأجلاهموا القتل المبرح والأسر
وما وقفوا في ماقط الحرب لحظة
ولا ثبتوا كلا ولكنهم فروا
وأدهم بالدهم الجياد دهاهموا
فحاصوا كحمر الوحش صادفها نمر
وترحالة عنها ترحل جمعهم
ودكدك من أنحائها السهل والوعر
وغصت غلوص بعد ذاك بريقها
فما ساغ لولا أن تداركها البحر
ولا ريس في لاريس بعد انهزامهم
رئيس فهم فوضى كأنهم الحمر
ودوميكة تدعو اتينة جهدها
لتنجدها هيهات أشغلها عذر
ومن أشعاره وهو في سن الطفولة:
يطيب لي أن أسهر الليالي
في طلب العلوم والكمالي
على سراج واهي الذبال
حتى أرى في العلم كالغزالي
واستمد الشعر من خيالي
بذاك أضحى فارس المجال
وقدوة في الفضل للرجال
ومن بديع كلامه:
ناولت ذات البها المرآة أوهمها
بأن فيها لها شكلا يحاكيها
وعندما أبصرت فيها محاسنها
جارت وصالت على عشاقها تيها
وقال الشيخ عبد الجليل في بعض العلماء:
لعمري قد بينت سنة أحمد
وأوضحت بل حققت طرق الأوائل
ورضت لنا منها صحابا تذللت
فأمست لدينا باديات المقاتل
مجاهل علم قد سلكت طريقها
فلم تبق من بيدائها من مجاهل
فمن رام قولاً غير ما قد نقلته
تعنى وخانته وجوه الدلائل
ومن قال قولا غير ذلك لم يصب
وهيهات أن يحظى ببغية أمل
فما الحق محفوظاً تصك نصوصه
وجوه الخصوم مثل تلفيق باطل
وقال يصف ضعف البدن:
روحي مع الضعف لم تشطح لتخرج من
بين أشفاه فألقى عاجلاً أجلى
من أجل ذلك عمري امتد بي زمنا
وربما صحت الأجسام بالعلل
ومن قصائده النفيسة قول في قصيدة طويلة:
وكانت بالعقيق لنا ليال
تولت غير رجع من صداها
تبادلني الحديث به فتاة
مهذبة وكنت أنا فتاها
أليفة خمسة من بعد عشر
من السنوات مدت على ضياها
تمتع ناظري منها ببدر
وضمخ بردئي طيبا شذاها
تعاطين كؤوس الشاي صرفا
فأمزجها بشهد من لماها
طواها الترب عني وهي نفسي
فيا لله من قبر طواهـا
نسيت بفقدها أبناء جيلي
فلم أذكر من الدنيا سواها
ومن أقواله:
صاح: إن الزمان لمعة برق
فاغتنم فرصة الزمان وبادر
وافعل الخير ما استطعت فما
أنت عليه في كل وقت بقادر
وللشيخ عبد الجليل شعر جيد في السياسة يقوله سراً حتى شعر به الأتراك فأبعدوه عن المدينة المنورة إلى الأستانة فقال وهو هناك:
قدر الله أن أعيش غريباً
في بلاد أساق كرها إليها
وبفكري مخدرات معان
نزلت آية الحجاب عليها
وهذه الأبيات الجميلة تدل على أن الرجل لا تأخذه في الحق لومة لائم فلم يكتم أفكاره بل أذاعها عن طريق الشعر.
وحينما بحثت عن نثر الشيخ عبد الجليل برادة في بطون الكتب لم أجد سوى ما قرظ به الكتاب المسمى بعلم الدين، في حضرة العالم الفاضل علي باشا مبارك وهذا نصه:
ما تنسج الأيدي يبيد وإنما
يبقى لنا ما تنسج الأقلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فإني تصفحت هذا الكتاب، بل العجب العجاب، الذي نسبت للشيخ علم الدين روايته، وأسندت للسائح الإنكليزي حكايته، فوجدته نزهة للناظر، وسلوة للخاطر، فيه للقلوب ارتياح، وللخواطر نشاط وارتياح، تعرب مبانيه عن لطيف معانيه، وتفصح روائع ألفاظه الرائقة عن بدائع مضامينه الفائقة، ويشهد لمؤلفه بعلو المقدار، ولمصنفه بحسن الاختيار، جمع فيه من غرائب الفنون ونقائض الجد والمجون، الضب والنوب، وقرن إلى أسنى المقاصد أشرف المطالب، فصح أنه المرغوب لكل طالب، أظهر فيه ما خفي من أسرار الصنائع، وكشف عن وجه مخدرات العلوم، البراقع، وأضاف إلى ذلك من حكم الحكماء، ما أغفلته القدماء، ووشحه بلطائف النوادر، وما تفردت به الأواخر، وأظهرته في هذا الدور الأخير فهو مخترع لجميع المترعات جامع، وبديع في بيان معاني المبتدعات نافع، ينتقل من فصل إلى ضده، ويحكم الوصل بما أبداه من عنده فكان مؤلفه المفضال يقول فيه بلسان الحال:
تصديت في إتعاب فكري لجمعه
فجاء كتاباً في البها لا يشارك
وكنت بحمد الله فيه موفقا
فأسمى علي في الأنام مبارك

تعليق