الأفعال الملازمة للمجهُول بين النحويين واللغويين
الدكتور مصطفى أحمد النماس
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه وأفضل رسله سيدنا محمد الذي اصطفاه مولاه بلسان عربي مبين وجعل فصاحته في ربوة ذات قرار ومعين وعلى آله المفوهين وصحابته الغر الميامين بعد:
مقدمة:
فالأفعال من الأبنية التي عنى بها العلماء، لأنها جذبت أنظار الباحثين أولاً لكثرة تصرفاتها والتغيرات التي تعتريها ومشقة العلم بها ويؤيد ذلك قول ابن القوطية في مقدمة كتابه (الأفعال) : اعلم أن الأفعال أصول مباني أكثر الكلام، وبذلك سماها العلماء الأبنية ولذلك بدأ التأليف فيها وألف فيها من العلماء (قطرب سنة 206) ، والفراء سنة 207 هـ، وأبو عبيده سنة 210، والأصمعي سنة 213 هـ، وأبو زيد الأنصاري سنة 215 وأبو عبيد القاسم ابن سلام سنة 224 هـ وأبو محمد عبد الله التوزى سنة 233 هـ ويعقوب بن السكيت سنة246هـ والسجستاني سنة 255 هـ وابن قتيبة سنة 276 هـ وثعلب سنة 291هـ وألف فيه من أهل القرن الرابع الزجاج سنة 311 هـ، وابن دريد سنة 321 هـ، وابن درستويه سنة347 هـ، وأبو على القالي سنة 356هـ، وأبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن القرطبة سنة 317 هـ ثم ألف فيه أبو بكر بن الأنباري سنة 577هـ ثم القاسم بن القاسم سنة 626 هـ وأبو عثمان سعيد بن محمد المعافري السرقسطي سنة 400 هـ، وعلي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع سنة 515هـ وابن سيدة سنة 458 هـ في المخصص السفر الخامس عشر والرابع عشر.
واللغة العربية من اللغات الإشتقاقية التي تصوغ للمعاني المختلفة أبنية متنوعة من المادة الواحدة وقد عني النحويون والصرفيون بهذه الأبنية ودلالاتها وتصرفاتها منذ أمد مبكر وألفوا فيها الرسائل الصغيرة والكتب الكبيرة التي تبلغ مبلغ المعاجم، وأفرد لها بعض العلماء كثيراً من الأبواب الخاصة وأحاول في هذا البحث أن ألقي نظرة سريعة على جهود اللغويين في صنف معيّن من الأفعال، وهو الفعل الذي وضعه علماء تحت قائمة الأفعال التي جاءت على صورة الفعل المبني للمجهول وأطلقوا عليه اسم (الفعل الذي لم يسم فاعله) وقد فهم بعض النحاة أن المراد من هذه التسمية هو عدم استعمالها في معانيها السالفة مبنية للمعلوم وصرّح بعضهم بذلك في كتابه الفصيح وهو أبو العباس أحمد بين يحيى ثعلب المتوفى (291هـ) فهذه الأفعال حرمت البناء للمعلوم كما يقول البعض وها أنا ذا أحاول وضع هذه الأفعال تحت بساط البحث لنرى هل كان وضعها تحت هذا العنوان مفضياً لهذا الفهم أو يصح أن تكون مبنية للمعلوم تارة وتارة أخرى تكون مبنية للمجهول… وهي الصورة المسموعة عن أكثر قبائل العرب. سأحاول الرجوع إلى أمهات كتب اللغة بكل فعل من هذه الأفعال لأعالج ما يصادفه الباحث من عناء في فهم المراد من هذه الأفعال والآثار التي تترتب على هذا الفهم، والله أسأل أن يسدد خطانا لمعرفة أسرار اللغة العربية التي هي وعاء للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
الأصل في وضع الفعل أن يكون مبنياً للمعلوم؛ لأن كلّ فعل لا بدّ له من فاعل غالباً هذا بغض النظر عن الأفعال التي تتصل بها (ما) مثل: قلّما، وكثرما، وطالما، فالأخيرة لا تتطلب فاعلاً؛ لأن الفعل لقد كف عن العمل بناء على مذهب سيبويه وعلى هذا لا يليها إلاّ جملة فعلية، ومن العلماء من يزعم أن (ما) في نحو (طالما شكرتك) مصدرية سابكة لما بعدها بمصدر هو فاعل طال والتقدير: طال شكري إيّاك، وهذا يوافق الأصل العام الذي يقتضي بأن يكون لكل فعل أصلي فاعل، فلا داعي لإخراج هذه الأفعال من نطاق الأصل، وكذلك كان الزائدة لا تحتاج إلى مرفوع مثل قول الشاعر:
لله درّ أنو شرون من رجل
ما كان أعرفه بالدون والسفل
فالراجح عند المحققين من العلماء أن (كان) الزائدة لا فاعل لها، وكذلك قول بعضهم وهو قيس ابن غالب في فاطمة بنت الخرشب من بني أنمار من بني غطفان:
ولّت فاطمة بنت الخرشب الأنمارية الكملية من بني عبس لم يوجد كان أفضل منهم، وقال سيبويه:" وقال الخليل: إن من أفضلهم كان زيداً على إلغاء (كان) "، وشبهه بقول الشاعر وهو الفرزدق:
فكيف إذا مررت بدار قوم
وجيران لنا كانوا كرام
وكقول الشاعرة وهي أم عقيل بن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيل
إذا تهب شمأل بليل
فهذه لا تحتاج إلى مرفوع [1]
فكل فعل لا بد له من فاعل إما أن يكون ظاهراً أو ضميراً بارزاً أو مستتراً كما قال ابن مالك في ألفيته:
وبعد فعل فاعل فإن ظهر
فهو وإلا فضمير استتر
ولا يستغني الفعل الأصلي عن الفاعل إلا إذا غيّر وبني للمجهول فيحذف الفاعل ويسند الفعل للمفعول فيبنى الفعل لهذا المفعول، والملحوظ أن البناء للمجهول يجيء عرضاً لا أصلاً؛ بدليل أن الفعل المفتوح الفاعل تضم فأوه فالفاعل جزء أساسي في جملته لا بد منه لذا فهو عمدة يبنى الفعل الأصلي له وهو الذي فعل الفعل أو قام به الفعل.
فإذا غير أول الفعل وبني للمفعول الحقيقي فهذا أمر أقره النحاة والصرفيون؛ لأن الفعل إذا أسند إلى المفعول فإذا جاء الفعل على صورة المبني للمجهول، وبني للفاعل فهل يصح لنا أن نطلق عليه بأنه أسلوب المبني للمجهول؟ وهل نضع الفعل في أبواب معينة تحت (الأفعال الملازمة للبناء للمجهول) خاصة كما قلت وأن الاسم الذي بعدها هو الذي فعل الفعل أو قام به هذا ما أحببت أن أعالجه لنرى كيف نظر العلماء إلى الفعل الذي جاء على صورة المبني للمجهول ناطوا به بعض البحوث كالبحث في التعجب وأفعل التفضيل، وشذوذ بعض الأبنية على اسم المفعول من غير الثلاثي على وزن مفعول.
نتيجة أنهم نظروا للفعل نظرة المبني للمجهول حقيقة؛ فشذ بذلك نظرهم في مجموعة كبيرة من الأساليب، ولو حققنا هذه الأساليب تبعاً لأفعالها لوجدناها سائغة وقياسية وأنها وردت عن كثير من شعراء وأدباء العرب قديماً ولكنها من الأمور التي ترجع إلى اللغات مثل تعدد صور المضارع واختلاف الصيغ في الماضي من فعل، وفعل، وفعل بفتح الفاء والعين، وفتحها مع كسر العين، وضمها مع كسر العين مع اتفاق المعنى واختلافه في المادة الواحدة، ومن الملحوظ أن اللغويين قد أفردوا باباً لما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله، فابن سيده [2] المتوفى سنة 458هـ في السفر- 15 (باب ما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله) يقول: وهذا الباب على ضربين فمنه ما لا يستعمل إلا على تلك الصيغة (كـ عنيت بحاجتك، ونفست المرأة) ومنه ما تكون على هذه الصيغة أغلب، وقد يستعمل بصيغة ما سمي فاعله (كـ زهيت علينا) فإن ابن السكيت حكى زهوت، وإنما أفرد ما لم يسم فاعله أفعال (ما) على صيغة (ما) ؛ لأن ما لم يسم فاعله نائب مناب الفاعل فافردوه بمثال لا يكون لغيره كما أن للفاعل أفعالاً على صيغة خص بها نحو (فعل) وانفعل فمن هذا الباب: عنيت بحاجتك ووعك الرجل، وحم، وقحطت الأرض، وقد أولعت بالشيء وقد بهت الرجل، وقد وثئت يده وقد شغلت عنك وقد شهر في الناس، وطلّ دمه، وهدر دمه، ووقص الرجل إذا سقط عن دابته فاندقت عنقه، ووضع الرجل في التجارة، ووكس وغبن في البيع غبناً وغبن رأيه إذا كان ضعيف الرأي، وهزل الرجل والدابة ونكب الرجل، ورهصت الدابة ونتجت، وعقمت المرأة (إذا لم تحبل) وفلج الرجل من الفالج، وقد غم الهلال على الناس، وأغمي المريض وغشي عليه، وقد أهل الهلال على الناس، واستهل، وقد شدهت: وقد برّ حجك وثلج فؤادك إذا كان بليداً، وثلج بخير أتاه إذا سر به وقد امتقع لونه (تغير) ، وكذلك انتقع والتمع واهتقع وانشف وانتشف كله بمعنى، وانقطع بالرجل وهذا كله حكاية كقولك: لتعن بحاجتي، ولتوضع في تجارتك، ولتزه علينا، وقعصت الدابة أصابها القعاص وقد يقال بالسين، وهقع بسؤة رمى بها، وعجز الرجل وثمد، ألح عليه في ماله، وعضد الرجل شكا عضده، ويطرد على هذا باب في جميع الأعضاء، وعدس الرجل أصابته عدسة وهي بثرة قاتلة كالطاعون، وسدع الرجل نكب يمانية وسعر الرجل ضربته السموم، وسعف الرجل- أصابته سعفة وهى قرحة ورمع الرجل ورمع أصابه الرماع وهو داء في البطن يصغر منه الوجه، وأوزعت به، وأولعت وحنش الرجل - غمز حسبه ورحض الرجل - عرق، وأرق الزرع - أصابه الأرقان وكذلك جميع آفات النبات، وفقئت الأرض - مطرت وفقيها نبت فحمل عليه فأفسده وضنك الرجل (أصابه الضناك وهو الزكام) ونكس في المرض كظن الرجل- سكت، وكلب أصابه الكلاب وهو ذهاب العقل من الكلب، وأكمت الأرض- أكل جميع ما فيها، وأشب لي الرجل إذا رفعت طرفك فرأيته، وأشرب حب فلا نه- أي خالط قلبه وحنبث به، ضرب وضمئد الرجل- زكم، كذلك أرض وفضم جانب البيت- انهدم، وسل الرجل من السلّ وسلس- ذهب عقله، وسرفت الشجرة - أصابتها السرفة، وأسر بوله - احتبس، ونسئت المرأة- تأخر حيضها، ووطب البعير- احتبس نجوه، وأطلف الرجل ذهب ماله ودمه هدراً، ولبط الرجل أصابه زكام وسعال وبدى جدر أو حصب، وافتلت- مات فلتة وأهتر عدم لبه من الكبر، وهبت- عدم عقله وشخص به - أتي إليه أمر بقلقه ونشعت به أو لعت- وأغرب الرجل- لجّ في الضحك.
جولة في كتب اللغة مع هذه الأفعال:
وعك: قال في اللسان - ورد في الحديث ذكر الوعك وهو الحمى وقيل: المها وقد وعكه المرض وعكا، ووعك فهو موعوك. وقد وعكته الحمى تعكه.
حم: حم هذا الأمر حماً إذا قضى، وحم له ذلك قدر فأما ما أنشده ثعلب من قول جميل:
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي
وحمّوا لقائي يابثين لقوني
فإنه لم يفسر حموا لقائي.. قال ابن سيده:"والتقدير عندي للقائي فحذف أي حم لهم لقائي "ثم يقول في اللسان:
وحم (بفتح الحاء) الله له كذا وأحمه قضاه قال عمر وذو الكلب الهذلي:
أحم الله ذلك من لقاء
أحاد أحاد في الشهر الحلال
وحم الشيء وأحم أي قدر فهو محموم أنشد ابن برى لخباب بن غزّي:
وأرمى بنفسي في فروج كثيرة
وليس لأمر حمّه الله صارف
وحمّه (بفتح الحاء) .
وقال البعيث:
ألا يا لقوم كل ما حم واقع
وللطير مجرى والجنوب مصارع
قحطت الأرض: قال في اللسان: القحط احتباس المطر وقد قحط بفتح الحاء والقاف وقحط (بكسر القاف والحاء) والفتح أعلى قحطاً وقحطوطاً، وقحط الناس (بضم الأول وكسر الثاني) على ما لم يسم فاعله لا غير قحطاً وأقحطوا وكرهها بعضهم وقال ابن سيدة:
لا يقال: قحطوا (بضم القاف وكسر الحاء) ولا اقحطوا.
وحكى أبو حنيفة:"قحط المطر (ضم القاف) على صيغة ما لم يسم فاعله واقحط على فعل الفاعل، وقحطت الأرض على صيغة ما لم يسم فاعله فهي مقحوطة "قال ابن برى:"قال بعضهم: قحط المطر (بفتح القاف والحاء) وقحط المكان (بفتح القاف وكسر الحاء) هو الصواب "ويقال أيضاً قحط القطر (بضم القاف وكسر الحاء) .
قال الأعشى:
وهم يطعمون إن قحط القطر
هبت بشمأل وضريب
وقال ابن سيدة:"وقد يشتق القحط في كل شيء قلة خيره والأصل للمطر ".
وفي الحديث:" إذا أتى الرجل القوم فقالوا قحطاً قحطاً له يوم يلقى ربه "أي أنه إذا كان ممن يقال له عند قدومه على الناس هذا القول فإنه يقال له مثل ذلك يوم القيامة، وهو دعاء بالجدب فاستعاره لانقطاع الخير عنه وجدبه من الأعمال الصالحة.
بهت الرجل: بهت الرجل يبهته بهتاً وبهتاناً فهو بهّات أي قال عليه ما لم يفعله فهو مبهوت، وبهته بهتاً، أخذه بغتة؛ وفي النزيل: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} أما قول ابن النجم: (سبّي الحماة وابهتى عليها) فان على مقحمة لا يقال بهت عليه إنما الكلام بهته.
ثم يقول: وقد بهت وبهت (بفتح فضم، ثم فتح فكسر) وبهت الخصم استولت عليه الحجة، في التنزيل: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} .
تأيله: انقطع سكت متحيراً عنها، ابن جني:"قرأه السميفع فبهت الذي كفر (بفتح الباء والهاء) ؛ أي: فبهت إبراهيم الكافر"، قرأه ابن حيوة (فبهت) بفتح الباء وضم الهاء) لغة في بهت (بفتح وكسر) قال:" قد يجوز أن يكون بهت (بالفتح فيهما) لغة في بهت (بفتح وكسر) ".
ثم يقول: وأفصح منهما (بهت) (بضم فكسر) كما قال عزّ وجلّ: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} ؛ لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال باهت ولا بهيت.
شغل به: قال في القاموس: شغله كمنعه شغلاً، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة، اشتغل به وشغل كـ عني ويقال منه ما أشغله وهو شاذ لأنه لا يتعجب من المجهول.
وثئت يده: قال في القاموس: الوثاء، والوثأة وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم، أو توجع في العظم بلا كسر، أو هو الفك ووثئت يده كفرح تثأ وثأ ووثأ (بسكون الثاء وفتحها) فهي وثئة كفرحة، ووثئت كعني فهي موثوأة ووثيئة وهذه ضربة قد أوثأت اللحم.
شهر في الناس: قال في القاموس: شهره كمنعه وشهّره والشهير والمشهور: المكان المعروف.
طل دمه: قال في القاموس: وطلّ دمه (بفتح الطاء) يطلّ كيزلّ ويملّ، وأطل بالضم فهو مطل، وطله حقه كمدّه: نقصه إيّاه وأبطله، وغريمه مطله هدر دمه: قال في القاموس: الهدر محركة ما يبطل من دم وغيره هدر يهدر (كضرب يضرب) ويهدر (كنصر ينصر) هدراً وهدرته لازم متعد وأهدرته فعل وأفعل بمعنى.
الدكتور مصطفى أحمد النماس
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه وأفضل رسله سيدنا محمد الذي اصطفاه مولاه بلسان عربي مبين وجعل فصاحته في ربوة ذات قرار ومعين وعلى آله المفوهين وصحابته الغر الميامين بعد:
مقدمة:
فالأفعال من الأبنية التي عنى بها العلماء، لأنها جذبت أنظار الباحثين أولاً لكثرة تصرفاتها والتغيرات التي تعتريها ومشقة العلم بها ويؤيد ذلك قول ابن القوطية في مقدمة كتابه (الأفعال) : اعلم أن الأفعال أصول مباني أكثر الكلام، وبذلك سماها العلماء الأبنية ولذلك بدأ التأليف فيها وألف فيها من العلماء (قطرب سنة 206) ، والفراء سنة 207 هـ، وأبو عبيده سنة 210، والأصمعي سنة 213 هـ، وأبو زيد الأنصاري سنة 215 وأبو عبيد القاسم ابن سلام سنة 224 هـ وأبو محمد عبد الله التوزى سنة 233 هـ ويعقوب بن السكيت سنة246هـ والسجستاني سنة 255 هـ وابن قتيبة سنة 276 هـ وثعلب سنة 291هـ وألف فيه من أهل القرن الرابع الزجاج سنة 311 هـ، وابن دريد سنة 321 هـ، وابن درستويه سنة347 هـ، وأبو على القالي سنة 356هـ، وأبو بكر محمد بن عمر المعروف بابن القرطبة سنة 317 هـ ثم ألف فيه أبو بكر بن الأنباري سنة 577هـ ثم القاسم بن القاسم سنة 626 هـ وأبو عثمان سعيد بن محمد المعافري السرقسطي سنة 400 هـ، وعلي بن جعفر السعدي المعروف بابن القطاع سنة 515هـ وابن سيدة سنة 458 هـ في المخصص السفر الخامس عشر والرابع عشر.
واللغة العربية من اللغات الإشتقاقية التي تصوغ للمعاني المختلفة أبنية متنوعة من المادة الواحدة وقد عني النحويون والصرفيون بهذه الأبنية ودلالاتها وتصرفاتها منذ أمد مبكر وألفوا فيها الرسائل الصغيرة والكتب الكبيرة التي تبلغ مبلغ المعاجم، وأفرد لها بعض العلماء كثيراً من الأبواب الخاصة وأحاول في هذا البحث أن ألقي نظرة سريعة على جهود اللغويين في صنف معيّن من الأفعال، وهو الفعل الذي وضعه علماء تحت قائمة الأفعال التي جاءت على صورة الفعل المبني للمجهول وأطلقوا عليه اسم (الفعل الذي لم يسم فاعله) وقد فهم بعض النحاة أن المراد من هذه التسمية هو عدم استعمالها في معانيها السالفة مبنية للمعلوم وصرّح بعضهم بذلك في كتابه الفصيح وهو أبو العباس أحمد بين يحيى ثعلب المتوفى (291هـ) فهذه الأفعال حرمت البناء للمعلوم كما يقول البعض وها أنا ذا أحاول وضع هذه الأفعال تحت بساط البحث لنرى هل كان وضعها تحت هذا العنوان مفضياً لهذا الفهم أو يصح أن تكون مبنية للمعلوم تارة وتارة أخرى تكون مبنية للمجهول… وهي الصورة المسموعة عن أكثر قبائل العرب. سأحاول الرجوع إلى أمهات كتب اللغة بكل فعل من هذه الأفعال لأعالج ما يصادفه الباحث من عناء في فهم المراد من هذه الأفعال والآثار التي تترتب على هذا الفهم، والله أسأل أن يسدد خطانا لمعرفة أسرار اللغة العربية التي هي وعاء للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
الأصل في وضع الفعل أن يكون مبنياً للمعلوم؛ لأن كلّ فعل لا بدّ له من فاعل غالباً هذا بغض النظر عن الأفعال التي تتصل بها (ما) مثل: قلّما، وكثرما، وطالما، فالأخيرة لا تتطلب فاعلاً؛ لأن الفعل لقد كف عن العمل بناء على مذهب سيبويه وعلى هذا لا يليها إلاّ جملة فعلية، ومن العلماء من يزعم أن (ما) في نحو (طالما شكرتك) مصدرية سابكة لما بعدها بمصدر هو فاعل طال والتقدير: طال شكري إيّاك، وهذا يوافق الأصل العام الذي يقتضي بأن يكون لكل فعل أصلي فاعل، فلا داعي لإخراج هذه الأفعال من نطاق الأصل، وكذلك كان الزائدة لا تحتاج إلى مرفوع مثل قول الشاعر:
لله درّ أنو شرون من رجل
ما كان أعرفه بالدون والسفل
فالراجح عند المحققين من العلماء أن (كان) الزائدة لا فاعل لها، وكذلك قول بعضهم وهو قيس ابن غالب في فاطمة بنت الخرشب من بني أنمار من بني غطفان:
ولّت فاطمة بنت الخرشب الأنمارية الكملية من بني عبس لم يوجد كان أفضل منهم، وقال سيبويه:" وقال الخليل: إن من أفضلهم كان زيداً على إلغاء (كان) "، وشبهه بقول الشاعر وهو الفرزدق:
فكيف إذا مررت بدار قوم
وجيران لنا كانوا كرام
وكقول الشاعرة وهي أم عقيل بن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيل
إذا تهب شمأل بليل
فهذه لا تحتاج إلى مرفوع [1]
فكل فعل لا بد له من فاعل إما أن يكون ظاهراً أو ضميراً بارزاً أو مستتراً كما قال ابن مالك في ألفيته:
وبعد فعل فاعل فإن ظهر
فهو وإلا فضمير استتر
ولا يستغني الفعل الأصلي عن الفاعل إلا إذا غيّر وبني للمجهول فيحذف الفاعل ويسند الفعل للمفعول فيبنى الفعل لهذا المفعول، والملحوظ أن البناء للمجهول يجيء عرضاً لا أصلاً؛ بدليل أن الفعل المفتوح الفاعل تضم فأوه فالفاعل جزء أساسي في جملته لا بد منه لذا فهو عمدة يبنى الفعل الأصلي له وهو الذي فعل الفعل أو قام به الفعل.
فإذا غير أول الفعل وبني للمفعول الحقيقي فهذا أمر أقره النحاة والصرفيون؛ لأن الفعل إذا أسند إلى المفعول فإذا جاء الفعل على صورة المبني للمجهول، وبني للفاعل فهل يصح لنا أن نطلق عليه بأنه أسلوب المبني للمجهول؟ وهل نضع الفعل في أبواب معينة تحت (الأفعال الملازمة للبناء للمجهول) خاصة كما قلت وأن الاسم الذي بعدها هو الذي فعل الفعل أو قام به هذا ما أحببت أن أعالجه لنرى كيف نظر العلماء إلى الفعل الذي جاء على صورة المبني للمجهول ناطوا به بعض البحوث كالبحث في التعجب وأفعل التفضيل، وشذوذ بعض الأبنية على اسم المفعول من غير الثلاثي على وزن مفعول.
نتيجة أنهم نظروا للفعل نظرة المبني للمجهول حقيقة؛ فشذ بذلك نظرهم في مجموعة كبيرة من الأساليب، ولو حققنا هذه الأساليب تبعاً لأفعالها لوجدناها سائغة وقياسية وأنها وردت عن كثير من شعراء وأدباء العرب قديماً ولكنها من الأمور التي ترجع إلى اللغات مثل تعدد صور المضارع واختلاف الصيغ في الماضي من فعل، وفعل، وفعل بفتح الفاء والعين، وفتحها مع كسر العين، وضمها مع كسر العين مع اتفاق المعنى واختلافه في المادة الواحدة، ومن الملحوظ أن اللغويين قد أفردوا باباً لما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله، فابن سيده [2] المتوفى سنة 458هـ في السفر- 15 (باب ما جاء من الأفعال على صيغة ما لم يسم فاعله) يقول: وهذا الباب على ضربين فمنه ما لا يستعمل إلا على تلك الصيغة (كـ عنيت بحاجتك، ونفست المرأة) ومنه ما تكون على هذه الصيغة أغلب، وقد يستعمل بصيغة ما سمي فاعله (كـ زهيت علينا) فإن ابن السكيت حكى زهوت، وإنما أفرد ما لم يسم فاعله أفعال (ما) على صيغة (ما) ؛ لأن ما لم يسم فاعله نائب مناب الفاعل فافردوه بمثال لا يكون لغيره كما أن للفاعل أفعالاً على صيغة خص بها نحو (فعل) وانفعل فمن هذا الباب: عنيت بحاجتك ووعك الرجل، وحم، وقحطت الأرض، وقد أولعت بالشيء وقد بهت الرجل، وقد وثئت يده وقد شغلت عنك وقد شهر في الناس، وطلّ دمه، وهدر دمه، ووقص الرجل إذا سقط عن دابته فاندقت عنقه، ووضع الرجل في التجارة، ووكس وغبن في البيع غبناً وغبن رأيه إذا كان ضعيف الرأي، وهزل الرجل والدابة ونكب الرجل، ورهصت الدابة ونتجت، وعقمت المرأة (إذا لم تحبل) وفلج الرجل من الفالج، وقد غم الهلال على الناس، وأغمي المريض وغشي عليه، وقد أهل الهلال على الناس، واستهل، وقد شدهت: وقد برّ حجك وثلج فؤادك إذا كان بليداً، وثلج بخير أتاه إذا سر به وقد امتقع لونه (تغير) ، وكذلك انتقع والتمع واهتقع وانشف وانتشف كله بمعنى، وانقطع بالرجل وهذا كله حكاية كقولك: لتعن بحاجتي، ولتوضع في تجارتك، ولتزه علينا، وقعصت الدابة أصابها القعاص وقد يقال بالسين، وهقع بسؤة رمى بها، وعجز الرجل وثمد، ألح عليه في ماله، وعضد الرجل شكا عضده، ويطرد على هذا باب في جميع الأعضاء، وعدس الرجل أصابته عدسة وهي بثرة قاتلة كالطاعون، وسدع الرجل نكب يمانية وسعر الرجل ضربته السموم، وسعف الرجل- أصابته سعفة وهى قرحة ورمع الرجل ورمع أصابه الرماع وهو داء في البطن يصغر منه الوجه، وأوزعت به، وأولعت وحنش الرجل - غمز حسبه ورحض الرجل - عرق، وأرق الزرع - أصابه الأرقان وكذلك جميع آفات النبات، وفقئت الأرض - مطرت وفقيها نبت فحمل عليه فأفسده وضنك الرجل (أصابه الضناك وهو الزكام) ونكس في المرض كظن الرجل- سكت، وكلب أصابه الكلاب وهو ذهاب العقل من الكلب، وأكمت الأرض- أكل جميع ما فيها، وأشب لي الرجل إذا رفعت طرفك فرأيته، وأشرب حب فلا نه- أي خالط قلبه وحنبث به، ضرب وضمئد الرجل- زكم، كذلك أرض وفضم جانب البيت- انهدم، وسل الرجل من السلّ وسلس- ذهب عقله، وسرفت الشجرة - أصابتها السرفة، وأسر بوله - احتبس، ونسئت المرأة- تأخر حيضها، ووطب البعير- احتبس نجوه، وأطلف الرجل ذهب ماله ودمه هدراً، ولبط الرجل أصابه زكام وسعال وبدى جدر أو حصب، وافتلت- مات فلتة وأهتر عدم لبه من الكبر، وهبت- عدم عقله وشخص به - أتي إليه أمر بقلقه ونشعت به أو لعت- وأغرب الرجل- لجّ في الضحك.
جولة في كتب اللغة مع هذه الأفعال:
وعك: قال في اللسان - ورد في الحديث ذكر الوعك وهو الحمى وقيل: المها وقد وعكه المرض وعكا، ووعك فهو موعوك. وقد وعكته الحمى تعكه.
حم: حم هذا الأمر حماً إذا قضى، وحم له ذلك قدر فأما ما أنشده ثعلب من قول جميل:
فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي
وحمّوا لقائي يابثين لقوني
فإنه لم يفسر حموا لقائي.. قال ابن سيده:"والتقدير عندي للقائي فحذف أي حم لهم لقائي "ثم يقول في اللسان:
وحم (بفتح الحاء) الله له كذا وأحمه قضاه قال عمر وذو الكلب الهذلي:
أحم الله ذلك من لقاء
أحاد أحاد في الشهر الحلال
وحم الشيء وأحم أي قدر فهو محموم أنشد ابن برى لخباب بن غزّي:
وأرمى بنفسي في فروج كثيرة
وليس لأمر حمّه الله صارف
وحمّه (بفتح الحاء) .
وقال البعيث:
ألا يا لقوم كل ما حم واقع
وللطير مجرى والجنوب مصارع
قحطت الأرض: قال في اللسان: القحط احتباس المطر وقد قحط بفتح الحاء والقاف وقحط (بكسر القاف والحاء) والفتح أعلى قحطاً وقحطوطاً، وقحط الناس (بضم الأول وكسر الثاني) على ما لم يسم فاعله لا غير قحطاً وأقحطوا وكرهها بعضهم وقال ابن سيدة:
لا يقال: قحطوا (بضم القاف وكسر الحاء) ولا اقحطوا.
وحكى أبو حنيفة:"قحط المطر (ضم القاف) على صيغة ما لم يسم فاعله واقحط على فعل الفاعل، وقحطت الأرض على صيغة ما لم يسم فاعله فهي مقحوطة "قال ابن برى:"قال بعضهم: قحط المطر (بفتح القاف والحاء) وقحط المكان (بفتح القاف وكسر الحاء) هو الصواب "ويقال أيضاً قحط القطر (بضم القاف وكسر الحاء) .
قال الأعشى:
وهم يطعمون إن قحط القطر
هبت بشمأل وضريب
وقال ابن سيدة:"وقد يشتق القحط في كل شيء قلة خيره والأصل للمطر ".
وفي الحديث:" إذا أتى الرجل القوم فقالوا قحطاً قحطاً له يوم يلقى ربه "أي أنه إذا كان ممن يقال له عند قدومه على الناس هذا القول فإنه يقال له مثل ذلك يوم القيامة، وهو دعاء بالجدب فاستعاره لانقطاع الخير عنه وجدبه من الأعمال الصالحة.
بهت الرجل: بهت الرجل يبهته بهتاً وبهتاناً فهو بهّات أي قال عليه ما لم يفعله فهو مبهوت، وبهته بهتاً، أخذه بغتة؛ وفي النزيل: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} أما قول ابن النجم: (سبّي الحماة وابهتى عليها) فان على مقحمة لا يقال بهت عليه إنما الكلام بهته.
ثم يقول: وقد بهت وبهت (بفتح فضم، ثم فتح فكسر) وبهت الخصم استولت عليه الحجة، في التنزيل: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} .
تأيله: انقطع سكت متحيراً عنها، ابن جني:"قرأه السميفع فبهت الذي كفر (بفتح الباء والهاء) ؛ أي: فبهت إبراهيم الكافر"، قرأه ابن حيوة (فبهت) بفتح الباء وضم الهاء) لغة في بهت (بفتح وكسر) قال:" قد يجوز أن يكون بهت (بالفتح فيهما) لغة في بهت (بفتح وكسر) ".
ثم يقول: وأفصح منهما (بهت) (بضم فكسر) كما قال عزّ وجلّ: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} ؛ لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال باهت ولا بهيت.
شغل به: قال في القاموس: شغله كمنعه شغلاً، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة، اشتغل به وشغل كـ عني ويقال منه ما أشغله وهو شاذ لأنه لا يتعجب من المجهول.
وثئت يده: قال في القاموس: الوثاء، والوثأة وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم، أو توجع في العظم بلا كسر، أو هو الفك ووثئت يده كفرح تثأ وثأ ووثأ (بسكون الثاء وفتحها) فهي وثئة كفرحة، ووثئت كعني فهي موثوأة ووثيئة وهذه ضربة قد أوثأت اللحم.
شهر في الناس: قال في القاموس: شهره كمنعه وشهّره والشهير والمشهور: المكان المعروف.
طل دمه: قال في القاموس: وطلّ دمه (بفتح الطاء) يطلّ كيزلّ ويملّ، وأطل بالضم فهو مطل، وطله حقه كمدّه: نقصه إيّاه وأبطله، وغريمه مطله هدر دمه: قال في القاموس: الهدر محركة ما يبطل من دم وغيره هدر يهدر (كضرب يضرب) ويهدر (كنصر ينصر) هدراً وهدرته لازم متعد وأهدرته فعل وأفعل بمعنى.

تعليق