(فَعَل) في دلالتها على الجَمْعِيَّة
د. سليمان إبراهيم العايد
ملخص البحث
جمع هذا البحث آراء اللغويين، وما قالوه في الكلمات الواردة على وزن (فَعَل) مفيداً الجمعية ودرس اشتقاقها وتصريفها من خلال:
مقدمة عن وزن (فَعَل) في العربية، وجموع التكسير، وأن دلالة الكلمة على الجمعية تكون بالمادة أو بالزيادة في آخرها، أو بتغيير صورتها ولو تقديراً، أو بالاستعمال. ثم التفريق بين جمع التكسير واسم الجمع من حيث المعنى واللفظ.
ثم سرد الباحث ما جمعه من كلمات دالة على الجمعِ، وهي على (فَعَل) ومفردها (فاعل) وأورد فيها ما قاله أهل اللغة، ثم عرض لما ورد على (فَعَل) ومفرده ثلاثي قبل آخره حرف مدٍ زائد. ثم عرض لما جاء على (فَعَل) مما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء، وهذا هو اسم الجنس الجمعي. ثم عرض لما جاء من الأسماء على (فَعَل) مفيداً الجمعية، ولا واحد له من لفظه، وهو ضربان: ضرب وضع للدلالة على الجمع، وضرب يصلح للدلالة على الجمع وغيره وضعاً، والاستعمال يُعين المراد. ثم فرق الباحث بين اسم الجمع واسم الجنس الجمعي بما هو معروف عند أهل العربية.
ثم ذكر الباحث مسائل تتعلق بصيغة (فَعَل) وما ورد عليها من ألفاظ تفيد الجمع: فَعَل جمع تكسير أو اسم جمع؟ وعرض رأي الأخفش، والفرّاء، وما يرتب عليهما من أحكام، وانتهى من هذا إلى أن إطلاق الجمع على (فَعَل) من باب التجوز. ونوقش ما يفهم من كلام بعضهم من أن (فَعَل) أصله (فَعَلة) ثم نقص بحذف تائه.
ثم عرض لما ورد من أسماء الجمع على وزنين، أحدهما (فَعَل) ، ونقل (فَعَل) عن المصدرية، وورود (فَعَل) على خلاف الأصل، في تصحيح عينه، وفك إدغامها مع استحقاقه.
ثم ختم البحث بدلالةْ (فَعَل) حين تفيد الجمعية، وأنها تفيد الكثرة.
مقدمة: عن فعل، والجمع، واسم الجمع، والتفريق بينهما:
من أوزان العربية الدَّوارة (فَعَل) وهو وزن كثير الشيوع في كلم العربية، ترد عليه الأسماء والأفعال، بل هو أم باب الأفعال الماضية، والأسماء ترد عليه، سواء كانت أسماء معنًى، أو أسماء ذاتٍ، مثل جَبَل وقَمَر، وكرم، وسَخَط، وهو من أخف أوزان العربية، ولهذا كثر استعماله، وورود الكلم عليه، وامتنعوا من تخفيفه إلى أخف منه، كأن تسكن عينه، وامتنعوا من التفريع فيه في الأفعال، فلا يقولون في (ضرَبَ) : ضَرْبَ، كما امتنعوا من التفريع فيه في الأسماء، فلا يقولون في (جَبَل) و (قَمَر) : جَبْل وقَمْر. وما ورد منه عنهم يحفظ ولا يقاس عليه.
ومجيء المفرد عليه أمر لا يستغرب، بل المستغرب ورود الجمع، وهو غير معدود من أوزانه؟ لأن الجمع الذي كُسرت فيه صورة المفرد: إما أن يكون جمع قلة، أو جمع كثرة. فالقلة له أوزان أربعة، جمعها ابن مالك بقوله:
ثُمّتَ أفعال جموعُ قِلّةْ [1]
أَفْعلَةٌ أَفْعلُ ثم فِعْلَةْ
وأما جمع الكثرة فقد حصروا أوزانه- غالباً - في ثلاثة وعشرين وزناً، هي: فُعْلٌ كحُمرِ، وفُعُل كحُمُر، وفُعَل كغُرفَ، وفِعَل كحِجَج، وفُعَلَة كقضاة، وفَعَلَة ككتبة، وفَعْلَى كقَتْلَىَ، وفِعَلَة كدِرَجَة وقِرَدَة، وفُعَّل كَرُكَّع، وفعَّال كصُوَّام، وفِعَال كجمَال، وفُعُول ككُعُوب، وفِعْلان كغِرْبان، وفُعْلان كقُضْبَان، وفُعَلاء كظُرَفاء، وأَفْعِلاء كأَغنِياء، وفَواعِل كجَواهِر، وفَعائل كرَسائِل، وفَعالي وفَعالَى كصَحاريَ، وفَعاليُّ ككَراسِيّ، وفَعالِل كَبراثِن، وشبه فَعالِل، وهو ما يُماثِل فَعالِل فَي عدد الحروف وضَبطها، وإن خالفها في الميزان الصرفي، كأفاضل ومساجد وصيارف.
هذه هي الأوزان التي ترد عليها الجموع، ولكل وزن مواضع يرد فيها، قياساً، أو غالبا، أو قليلاً، وهو مبين في موضعه من كتب العربية. وأنت ترى أنهم لم يعدوا (فَعَلاً) من أوزان جموع التكسير، وهي قد وردت دالة على الجمع، فهل هي جمع أو غير جمع؟.
إن ما يدل على الجمع في العربية أنه:
نوع يدل على الجمع بمادته مثل حزب، وفئة، وطائفة، وثُلَّة، وغير ذلك، فهذا لا يتناوله الجمع بالمصطلح الصرفي، وإن دل عليه.
ونوع يدل على الجمع بزيادة تزاد في آخره: واو أو ياء ونون، أو ألف وتاء، دون أن يحدث في صورة المفرد تغيير ما، فهذا النوع من الجمع يسمى جمع التصحيح، وهو نوعان: جمع مذكر سالم، وجمع مؤنث سالم.
ونوع يدل على الجمع بتغيير في صورة المفرد ولو تقديراً، وهذا نوعان: نوع يكون من الأوزان المعروفة السبعة والعشرين، فهذا يسمى جمع التكسير، ونوع يكون من غير الأوزان المعروفة، فهذا يسمى اسم الجمع. ثم إن هذا النوع إما أن لا يكون له مفرد فالتفريق بينه وبين الجمع سهل، إذ يكون على غير أوزان الجمع. وإما أن يكون له مفرد، فيفرق بينه وبين جمع التكسير بأن يقال:
يتفق جمع التكسير قلة أو كثرة، واسم الجمع في الدلالة على ثلاثة فأكثر وضعاً، ويختلفان في الأحكام اللفظية، لأن اسم الجمع في حقيقتِه اسم مفرد وُضع لمعنى [2] الجمع فقط، ولا فرق بينه وبين الجمع إلا من حيث اللفظ، وذلك لأن لفظ هذا مفرد، بخلاف لفظ الجمع. ولهذا أخذ أحكام المفرد اللفظية، مثل:
1- التصغير؛ إذ المسموع في تصغير نحو ركب: رُكيب، قال الشاعر:
إلى أهل نارٍ من أُناس بأسودا
وأين رُكَيْبٌ واضعون رحالهم
وأنشد أبو عثمان عن الأصمعي لأُحَيْحَةَ بن الجُلاح:
أخشى رُكَيباً أو رُجَيْلاً عاديَا
بنيته بِعُصبَةٍ من مالِيَا
وهذا نص في محل النزاع، إذ لو كان جمعاً مكسراً لرُد إلى الواحد، فأما قول أبي الحسن: رُويكبون فهو شيء يقوله على مقتضى قياس مذهبه، والمسموع غيره [3] .
ولا يعترض على هذا بتصغير جموع القلة على لفظها، دون الرد إلى المفرد، لأن دلالة اسم الجمع على الكثرة، والقلة داخلةٌ فيها.
2- الإخبار باسم الجمع عن (هو) بخلاف الجمع المكسر، لأن الجمع مؤنث، واسم الجمع مذكر، تقول: هو الرَّكْب، وهذا السَّفْر، وهو الجامِل والباقِر، والأدَم والعَمَد، ونحو ذلك، ولو كان مكسراً لقلت: هي، وهذه [4] . وتقول: هي الجمال، وهذه الجمال.
3- الإشارة إليه بالمذكر، وهو مثل ما تقدم، تقول: هذا الركب ... الخ.
4- عودة ضمير المفرد إليه، تقول: الرَّكْبُ رجع، قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [5]
5- النسب في اسم الجمع إلى لفظه، دون حاجة للرد إلى المفرد، وأما الجمع فالنسب فيه إلى المفرد، ثم يجمع بعد ذلك؟ إن كان المنسوب جمعاً [6] .
وكل اسم جاء وقد دل على الجمع بغير مادته، أو زيادة في آخره، وهو على غير وزن من أوزان جمع التكسير المعروفة، وجازت عليه الأحكام اللفظية المتقدمة، فليس بجمع، وإنما هو اسم للجمع ومن ذلك ما ورد على (فَعَلٍ) .
الفصل الأول: ما ورد على (فَعَلٍ) دالا على الجمعية، وهو أنواع أربعة:
النوع الأول: ما ورد على (فَعَلٍ) ومفرده (فاعِل) وأقربه في التناول ما جمعه ابن مالك من ألفاظ، جمعت على (فَعَل) ومفردهَا على (فاعل) ، في كتابه (نظم الفوائد) ، قال:
فصل في فَعلٍ جمع فاعل
جمعاً بالنقلِ فخذ مثلا
فعلِ للفاعل قد جعلا
خدماً رصداَ روحاً خَوَلاً
تبعاَ حرساً حفداً خبلا
غيباً فرطاً قفلاً هملا [7]
سلفاً طلباً ظعناً عسساً
فهذه ألفاظ مفردها على ورن (فاعل) وبعضها ألفاظ قرآنية، مثل:
حَرَس: في قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} [8] .
قال الراغب: (الحرس والحراس: جمع حارس، وهو حافظ المكان) [9] . وقال الزمخشري: الحرس: اسم مفرد في معنَى الحراس، كالخدم في معنى الخدام، ولذلك وُصف [بالمفرد] ولو ذهب إلى معناه لقيل: شداداًَ، ونحوه:
أخشى رُجيلاً أو رُكيباً عاديَا [10]
وقال أبو حيان: (الحرس: اسم جمع، الواحد حارس.... جمع على أحراس) [11]
رصد: في قوله تعالى: {مَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} [12] وقوله: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} . قال الراغب: والرصد: يقال: للراصد الواحد، وللجَماعة الراصدينِ، وللمرصود واحداً كان أو جمعاً. وقوله تعالى: {يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [13] يحتمل كل ذلك [14] . وقال الزمخشري: "الرصد: مثل الحرس، اسم جمع للراصد على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويجوز أن يكون صفة للشهاب بمعنى الراصد" [15] .
تبع: وهي لفظة، قد وردت في قوله: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} [16] قال الزمخشري: تبعاً: تابعين، جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم، وغائب وغيب، أو ذوي تبع، والتبع: الأتباع) [17] . وقال أبو حيان: "تبعاً: يحتمل أن يكون اسم جمع لتابع كخادم وخدم، وغائب وغيب، ويحتمل أن يكون مصدراً، كقوله: عدل ورضاً" [18] . وفي اللسان التبع: اسم للجمع، ونظيره: خادم وخدم، وطالب وطلب، وغائب وغيب، وسالف وسلف، وراصد ورصد، ورائح وروح، وفارط وفرط، وحارس وحرس، وعاس وعسس، وقافل من سفره وقَفَلٌ، وخائل وخول، وخابل وخبل، وهو الشيطان، وبعير هامل وهَمَل، وهو الضال المهمل، قال كراع: كل هذا جمع، والصحيح ما بدأنا به، وهو قول سيبويه فيما ذكر من هذا، وقياس قوله فيما لم يذكره منه.
والتبع يكون وٍاحداً وجماعة. وقوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} يكون اسماً لجمع تابع، ويكون مصدرا، أي: ذوي تبع، يجمع على أتباع [19] .
عبد: في قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوت} [20] . قرأ ابن عباس وابن أَبي عبلة "وعبد الطاغوت"يريد: وعبدة جمع عابد كفاجر وفجرة، وحذف التاء للإضافة، أو اسم جمع كخادم وخدم، وغائب وغيب، وقُرِيء "وعبدة الطاغوت"بالتاء، نحو فاجر وفجرة [21] .
خدم: يأتي بمعنى خُدَّام، واحده خادم غلاماً كان أو جارية، وإنما وقع على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وعاتق، وفي حديث عبد الرحمن: أنه طلق امرأته فمتعها بخادم سوداء، أي: جارية، وهذه خادمنا بغير هاء، لوجوبه، وهذه خادمتنا غداً.
والخدم: اسم للجمع كالعزب والروح. والأنثى خادم وخادمة، عربيتان فصيحتان، والخدم أيضاً: جمع الخَدَمةِ، وهي السير الغليظ المحكم، مثل الحلقة، يشد في رسغ البعير، ثم يشد إليها سرائح نعلها [22] .
الحفد والحفدة: الأعوان والخدمة، واحدهم حافد، مثل القاعد والقعد، ... قال ابن عرفة: الحفد عند العرب: الأعوان، فكل من عمل عملاً أطاع فيه وسارع فهو حافد ... قال:
لها حفَدٌ مما يُعَدُّ كَثِيرُ
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت
أي: خدم، حافد وحَفَدٌ، وحَفَدَةٌ جميعا، ويقال: حفدت وأحفدت، وأنا حافد ومحفود، وحفد وحفدة جمع حافد [23] .
الخبل: له معانٍ: الجنُّ، والإنس، والجراحة، والمزادة، وجودة الحُمق بلا جنون، والقربة الملأى، وخبلت يده: إذا شلت يده، والخبل، بالتحريك: الجنُّ وهم الخابل، وقيل: الخابل: الجنُّ، والخبل: اسم الجمع كالقعد والروح اسمان لجمَع قاعد ورائح، وقيل: هو جمع، قال ابن بري، ومنه قول حاتم:
مهلاً! ولو كنت أعطي الجن والخبلا
ولا تقولي لشيء كنت مهلكه
قال الخبل: ضرب من الجنَّ، يقال لهم: الخابل، أي: لا تعذليني في مالي ولو كنت أعطيه الجن، ومن لا يثني عليَّ [24] .
الخلف: انظر السلف.
الخول: اسم لجمع خائل كرائح وروح، وليس بجمع خائل، لأن فاعلاً لا يكسر على (فَعَل) وقد خال يخول خولاً، وخال على أهله خولاً وخيالاً، ويقال: إنه لخال مال، وخائل مال، وخول مال، أي: حسن القيام على نَعَمِهِ، يدبره ويقم عليه.
وخول- كعرب- مفرده خوليّ كعربيّ، وهو الراعي الحسن القيام على المال والغنم. والخول أيضاً: أصل فأس اللجام. وخول الرجل: حشمه، الواحد خائل. وقد يكون الخول واحداً، وهو اسم يقع على العبد والأمة، قال الفراء: هو جمع خائل، وهو الراعي، وقال غيره: هو مأخوذ من التخويل، وهو التمليك، قال ابن سيده: ... الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، وهو مما جاء شاذاً عن القياس، وإن اطرد في الاستعمال [25] .
الروح: مفرده الرائح اسم فاعل، من راح يروح رواحاً، مقابل قولك: غدا يغدو غدواً، ورجل رائح من قوم رَوَحٍ، اسم للجمع. وطير رَوَحٌ: متفرقة، قال الأعشىَ:
من غراب البين، أو تَيس سنحْ
ما تعيف اليوم في الطير الروَحْ
ويروى: الروح، وقيل: الروح في هذا البيت: المتفرقة، وليس بقوي، إنما هي الرائحة إلى مواضعها، فجمع الرائح على رَوحٍ، مثل خادم وخدم.
قال الأزهري في هذا البيت: قيل: أراد الروحة، مثل الكفرة والفجرة، فطرح الهاء. قال: والروح في هذا البيت: المتفرقة [26] .
سلف: سلف يسلف سلفاً، مثل طلب يطلب طلباً أي: مضى وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسُلافٌ. وقال ابن بَري: سُلاف ليس بجمع لسلف، وإنما هو جمع سالف للمتقدم، وجمع سالف أيضاً: سلف، ومثله خالف وخلف. ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ} [27] . والسلف: القوم المتقدمون في السير، قال قيس ابن الحطيم:
رَيْثَ يُضَحي جِمالَهُ السلفُ
د. سليمان إبراهيم العايد
ملخص البحث
جمع هذا البحث آراء اللغويين، وما قالوه في الكلمات الواردة على وزن (فَعَل) مفيداً الجمعية ودرس اشتقاقها وتصريفها من خلال:
مقدمة عن وزن (فَعَل) في العربية، وجموع التكسير، وأن دلالة الكلمة على الجمعية تكون بالمادة أو بالزيادة في آخرها، أو بتغيير صورتها ولو تقديراً، أو بالاستعمال. ثم التفريق بين جمع التكسير واسم الجمع من حيث المعنى واللفظ.
ثم سرد الباحث ما جمعه من كلمات دالة على الجمعِ، وهي على (فَعَل) ومفردها (فاعل) وأورد فيها ما قاله أهل اللغة، ثم عرض لما ورد على (فَعَل) ومفرده ثلاثي قبل آخره حرف مدٍ زائد. ثم عرض لما جاء على (فَعَل) مما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء، وهذا هو اسم الجنس الجمعي. ثم عرض لما جاء من الأسماء على (فَعَل) مفيداً الجمعية، ولا واحد له من لفظه، وهو ضربان: ضرب وضع للدلالة على الجمع، وضرب يصلح للدلالة على الجمع وغيره وضعاً، والاستعمال يُعين المراد. ثم فرق الباحث بين اسم الجمع واسم الجنس الجمعي بما هو معروف عند أهل العربية.
ثم ذكر الباحث مسائل تتعلق بصيغة (فَعَل) وما ورد عليها من ألفاظ تفيد الجمع: فَعَل جمع تكسير أو اسم جمع؟ وعرض رأي الأخفش، والفرّاء، وما يرتب عليهما من أحكام، وانتهى من هذا إلى أن إطلاق الجمع على (فَعَل) من باب التجوز. ونوقش ما يفهم من كلام بعضهم من أن (فَعَل) أصله (فَعَلة) ثم نقص بحذف تائه.
ثم عرض لما ورد من أسماء الجمع على وزنين، أحدهما (فَعَل) ، ونقل (فَعَل) عن المصدرية، وورود (فَعَل) على خلاف الأصل، في تصحيح عينه، وفك إدغامها مع استحقاقه.
ثم ختم البحث بدلالةْ (فَعَل) حين تفيد الجمعية، وأنها تفيد الكثرة.
مقدمة: عن فعل، والجمع، واسم الجمع، والتفريق بينهما:
من أوزان العربية الدَّوارة (فَعَل) وهو وزن كثير الشيوع في كلم العربية، ترد عليه الأسماء والأفعال، بل هو أم باب الأفعال الماضية، والأسماء ترد عليه، سواء كانت أسماء معنًى، أو أسماء ذاتٍ، مثل جَبَل وقَمَر، وكرم، وسَخَط، وهو من أخف أوزان العربية، ولهذا كثر استعماله، وورود الكلم عليه، وامتنعوا من تخفيفه إلى أخف منه، كأن تسكن عينه، وامتنعوا من التفريع فيه في الأفعال، فلا يقولون في (ضرَبَ) : ضَرْبَ، كما امتنعوا من التفريع فيه في الأسماء، فلا يقولون في (جَبَل) و (قَمَر) : جَبْل وقَمْر. وما ورد منه عنهم يحفظ ولا يقاس عليه.
ومجيء المفرد عليه أمر لا يستغرب، بل المستغرب ورود الجمع، وهو غير معدود من أوزانه؟ لأن الجمع الذي كُسرت فيه صورة المفرد: إما أن يكون جمع قلة، أو جمع كثرة. فالقلة له أوزان أربعة، جمعها ابن مالك بقوله:
ثُمّتَ أفعال جموعُ قِلّةْ [1]
أَفْعلَةٌ أَفْعلُ ثم فِعْلَةْ
وأما جمع الكثرة فقد حصروا أوزانه- غالباً - في ثلاثة وعشرين وزناً، هي: فُعْلٌ كحُمرِ، وفُعُل كحُمُر، وفُعَل كغُرفَ، وفِعَل كحِجَج، وفُعَلَة كقضاة، وفَعَلَة ككتبة، وفَعْلَى كقَتْلَىَ، وفِعَلَة كدِرَجَة وقِرَدَة، وفُعَّل كَرُكَّع، وفعَّال كصُوَّام، وفِعَال كجمَال، وفُعُول ككُعُوب، وفِعْلان كغِرْبان، وفُعْلان كقُضْبَان، وفُعَلاء كظُرَفاء، وأَفْعِلاء كأَغنِياء، وفَواعِل كجَواهِر، وفَعائل كرَسائِل، وفَعالي وفَعالَى كصَحاريَ، وفَعاليُّ ككَراسِيّ، وفَعالِل كَبراثِن، وشبه فَعالِل، وهو ما يُماثِل فَعالِل فَي عدد الحروف وضَبطها، وإن خالفها في الميزان الصرفي، كأفاضل ومساجد وصيارف.
هذه هي الأوزان التي ترد عليها الجموع، ولكل وزن مواضع يرد فيها، قياساً، أو غالبا، أو قليلاً، وهو مبين في موضعه من كتب العربية. وأنت ترى أنهم لم يعدوا (فَعَلاً) من أوزان جموع التكسير، وهي قد وردت دالة على الجمع، فهل هي جمع أو غير جمع؟.
إن ما يدل على الجمع في العربية أنه:
نوع يدل على الجمع بمادته مثل حزب، وفئة، وطائفة، وثُلَّة، وغير ذلك، فهذا لا يتناوله الجمع بالمصطلح الصرفي، وإن دل عليه.
ونوع يدل على الجمع بزيادة تزاد في آخره: واو أو ياء ونون، أو ألف وتاء، دون أن يحدث في صورة المفرد تغيير ما، فهذا النوع من الجمع يسمى جمع التصحيح، وهو نوعان: جمع مذكر سالم، وجمع مؤنث سالم.
ونوع يدل على الجمع بتغيير في صورة المفرد ولو تقديراً، وهذا نوعان: نوع يكون من الأوزان المعروفة السبعة والعشرين، فهذا يسمى جمع التكسير، ونوع يكون من غير الأوزان المعروفة، فهذا يسمى اسم الجمع. ثم إن هذا النوع إما أن لا يكون له مفرد فالتفريق بينه وبين الجمع سهل، إذ يكون على غير أوزان الجمع. وإما أن يكون له مفرد، فيفرق بينه وبين جمع التكسير بأن يقال:
يتفق جمع التكسير قلة أو كثرة، واسم الجمع في الدلالة على ثلاثة فأكثر وضعاً، ويختلفان في الأحكام اللفظية، لأن اسم الجمع في حقيقتِه اسم مفرد وُضع لمعنى [2] الجمع فقط، ولا فرق بينه وبين الجمع إلا من حيث اللفظ، وذلك لأن لفظ هذا مفرد، بخلاف لفظ الجمع. ولهذا أخذ أحكام المفرد اللفظية، مثل:
1- التصغير؛ إذ المسموع في تصغير نحو ركب: رُكيب، قال الشاعر:
إلى أهل نارٍ من أُناس بأسودا
وأين رُكَيْبٌ واضعون رحالهم
وأنشد أبو عثمان عن الأصمعي لأُحَيْحَةَ بن الجُلاح:
أخشى رُكَيباً أو رُجَيْلاً عاديَا
بنيته بِعُصبَةٍ من مالِيَا
وهذا نص في محل النزاع، إذ لو كان جمعاً مكسراً لرُد إلى الواحد، فأما قول أبي الحسن: رُويكبون فهو شيء يقوله على مقتضى قياس مذهبه، والمسموع غيره [3] .
ولا يعترض على هذا بتصغير جموع القلة على لفظها، دون الرد إلى المفرد، لأن دلالة اسم الجمع على الكثرة، والقلة داخلةٌ فيها.
2- الإخبار باسم الجمع عن (هو) بخلاف الجمع المكسر، لأن الجمع مؤنث، واسم الجمع مذكر، تقول: هو الرَّكْب، وهذا السَّفْر، وهو الجامِل والباقِر، والأدَم والعَمَد، ونحو ذلك، ولو كان مكسراً لقلت: هي، وهذه [4] . وتقول: هي الجمال، وهذه الجمال.
3- الإشارة إليه بالمذكر، وهو مثل ما تقدم، تقول: هذا الركب ... الخ.
4- عودة ضمير المفرد إليه، تقول: الرَّكْبُ رجع، قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [5]
5- النسب في اسم الجمع إلى لفظه، دون حاجة للرد إلى المفرد، وأما الجمع فالنسب فيه إلى المفرد، ثم يجمع بعد ذلك؟ إن كان المنسوب جمعاً [6] .
وكل اسم جاء وقد دل على الجمع بغير مادته، أو زيادة في آخره، وهو على غير وزن من أوزان جمع التكسير المعروفة، وجازت عليه الأحكام اللفظية المتقدمة، فليس بجمع، وإنما هو اسم للجمع ومن ذلك ما ورد على (فَعَلٍ) .
الفصل الأول: ما ورد على (فَعَلٍ) دالا على الجمعية، وهو أنواع أربعة:
النوع الأول: ما ورد على (فَعَلٍ) ومفرده (فاعِل) وأقربه في التناول ما جمعه ابن مالك من ألفاظ، جمعت على (فَعَل) ومفردهَا على (فاعل) ، في كتابه (نظم الفوائد) ، قال:
فصل في فَعلٍ جمع فاعل
جمعاً بالنقلِ فخذ مثلا
فعلِ للفاعل قد جعلا
خدماً رصداَ روحاً خَوَلاً
تبعاَ حرساً حفداً خبلا
غيباً فرطاً قفلاً هملا [7]
سلفاً طلباً ظعناً عسساً
فهذه ألفاظ مفردها على ورن (فاعل) وبعضها ألفاظ قرآنية، مثل:
حَرَس: في قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} [8] .
قال الراغب: (الحرس والحراس: جمع حارس، وهو حافظ المكان) [9] . وقال الزمخشري: الحرس: اسم مفرد في معنَى الحراس، كالخدم في معنى الخدام، ولذلك وُصف [بالمفرد] ولو ذهب إلى معناه لقيل: شداداًَ، ونحوه:
أخشى رُجيلاً أو رُكيباً عاديَا [10]
وقال أبو حيان: (الحرس: اسم جمع، الواحد حارس.... جمع على أحراس) [11]
رصد: في قوله تعالى: {مَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً} [12] وقوله: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} . قال الراغب: والرصد: يقال: للراصد الواحد، وللجَماعة الراصدينِ، وللمرصود واحداً كان أو جمعاً. وقوله تعالى: {يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [13] يحتمل كل ذلك [14] . وقال الزمخشري: "الرصد: مثل الحرس، اسم جمع للراصد على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويجوز أن يكون صفة للشهاب بمعنى الراصد" [15] .
تبع: وهي لفظة، قد وردت في قوله: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} [16] قال الزمخشري: تبعاً: تابعين، جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم، وغائب وغيب، أو ذوي تبع، والتبع: الأتباع) [17] . وقال أبو حيان: "تبعاً: يحتمل أن يكون اسم جمع لتابع كخادم وخدم، وغائب وغيب، ويحتمل أن يكون مصدراً، كقوله: عدل ورضاً" [18] . وفي اللسان التبع: اسم للجمع، ونظيره: خادم وخدم، وطالب وطلب، وغائب وغيب، وسالف وسلف، وراصد ورصد، ورائح وروح، وفارط وفرط، وحارس وحرس، وعاس وعسس، وقافل من سفره وقَفَلٌ، وخائل وخول، وخابل وخبل، وهو الشيطان، وبعير هامل وهَمَل، وهو الضال المهمل، قال كراع: كل هذا جمع، والصحيح ما بدأنا به، وهو قول سيبويه فيما ذكر من هذا، وقياس قوله فيما لم يذكره منه.
والتبع يكون وٍاحداً وجماعة. وقوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} يكون اسماً لجمع تابع، ويكون مصدرا، أي: ذوي تبع، يجمع على أتباع [19] .
عبد: في قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوت} [20] . قرأ ابن عباس وابن أَبي عبلة "وعبد الطاغوت"يريد: وعبدة جمع عابد كفاجر وفجرة، وحذف التاء للإضافة، أو اسم جمع كخادم وخدم، وغائب وغيب، وقُرِيء "وعبدة الطاغوت"بالتاء، نحو فاجر وفجرة [21] .
خدم: يأتي بمعنى خُدَّام، واحده خادم غلاماً كان أو جارية، وإنما وقع على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وعاتق، وفي حديث عبد الرحمن: أنه طلق امرأته فمتعها بخادم سوداء، أي: جارية، وهذه خادمنا بغير هاء، لوجوبه، وهذه خادمتنا غداً.
والخدم: اسم للجمع كالعزب والروح. والأنثى خادم وخادمة، عربيتان فصيحتان، والخدم أيضاً: جمع الخَدَمةِ، وهي السير الغليظ المحكم، مثل الحلقة، يشد في رسغ البعير، ثم يشد إليها سرائح نعلها [22] .
الحفد والحفدة: الأعوان والخدمة، واحدهم حافد، مثل القاعد والقعد، ... قال ابن عرفة: الحفد عند العرب: الأعوان، فكل من عمل عملاً أطاع فيه وسارع فهو حافد ... قال:
لها حفَدٌ مما يُعَدُّ كَثِيرُ
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت
أي: خدم، حافد وحَفَدٌ، وحَفَدَةٌ جميعا، ويقال: حفدت وأحفدت، وأنا حافد ومحفود، وحفد وحفدة جمع حافد [23] .
الخبل: له معانٍ: الجنُّ، والإنس، والجراحة، والمزادة، وجودة الحُمق بلا جنون، والقربة الملأى، وخبلت يده: إذا شلت يده، والخبل، بالتحريك: الجنُّ وهم الخابل، وقيل: الخابل: الجنُّ، والخبل: اسم الجمع كالقعد والروح اسمان لجمَع قاعد ورائح، وقيل: هو جمع، قال ابن بري، ومنه قول حاتم:
مهلاً! ولو كنت أعطي الجن والخبلا
ولا تقولي لشيء كنت مهلكه
قال الخبل: ضرب من الجنَّ، يقال لهم: الخابل، أي: لا تعذليني في مالي ولو كنت أعطيه الجن، ومن لا يثني عليَّ [24] .
الخلف: انظر السلف.
الخول: اسم لجمع خائل كرائح وروح، وليس بجمع خائل، لأن فاعلاً لا يكسر على (فَعَل) وقد خال يخول خولاً، وخال على أهله خولاً وخيالاً، ويقال: إنه لخال مال، وخائل مال، وخول مال، أي: حسن القيام على نَعَمِهِ، يدبره ويقم عليه.
وخول- كعرب- مفرده خوليّ كعربيّ، وهو الراعي الحسن القيام على المال والغنم. والخول أيضاً: أصل فأس اللجام. وخول الرجل: حشمه، الواحد خائل. وقد يكون الخول واحداً، وهو اسم يقع على العبد والأمة، قال الفراء: هو جمع خائل، وهو الراعي، وقال غيره: هو مأخوذ من التخويل، وهو التمليك، قال ابن سيده: ... الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، وهو مما جاء شاذاً عن القياس، وإن اطرد في الاستعمال [25] .
الروح: مفرده الرائح اسم فاعل، من راح يروح رواحاً، مقابل قولك: غدا يغدو غدواً، ورجل رائح من قوم رَوَحٍ، اسم للجمع. وطير رَوَحٌ: متفرقة، قال الأعشىَ:
من غراب البين، أو تَيس سنحْ
ما تعيف اليوم في الطير الروَحْ
ويروى: الروح، وقيل: الروح في هذا البيت: المتفرقة، وليس بقوي، إنما هي الرائحة إلى مواضعها، فجمع الرائح على رَوحٍ، مثل خادم وخدم.
قال الأزهري في هذا البيت: قيل: أراد الروحة، مثل الكفرة والفجرة، فطرح الهاء. قال: والروح في هذا البيت: المتفرقة [26] .
سلف: سلف يسلف سلفاً، مثل طلب يطلب طلباً أي: مضى وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسُلافٌ. وقال ابن بَري: سُلاف ليس بجمع لسلف، وإنما هو جمع سالف للمتقدم، وجمع سالف أيضاً: سلف، ومثله خالف وخلف. ومنه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ} [27] . والسلف: القوم المتقدمون في السير، قال قيس ابن الحطيم:
رَيْثَ يُضَحي جِمالَهُ السلفُ

تعليق