معلم العربية في مواجهة هوليود*
د. إسلام يسري
قبل انتشار الإنترنت كان الطلاب يأتون إلى القاهرة وغيرها لدراسة العربية ويقولون لنا "رائع أنتم عندكم سيارات وهواتف وتلفزيونات.. كنا نظنكم تعيشون في الصحراء وتتنقلون بالجمال".كانت هذه الصورة النمطية تزول بمجرد نزول الطالب في أي عاصمة عربية حيث يفاجأ بما يراه من مدنية وتصبح تلك الصورة طرفة نتندر بها. أما بعد الحادي عشر من سبتمبر فقد تغير الأمر وتولدت صور نمطية أكثر بشاعة. في أطروحته للماجستير قارن ماثيو دانا (2009) بين صورة العربي في السينما الهوليودية قبل أحداث 11/9/2001 بخمس سنوات وبعدها بخمس سنوات ووجد أن صورة العربي –سينمائيا- بعد الأحداث تظهره "أقل ذكاء" ومن ناحية التعامل "أعنف ومرتبطا بالإرهاب"، كما أظهرت الدراسة أن هذه الأفلام تصور العربي على أنه شخص شرير ومختلف عن بقية الأمريكيين وغير موثوق به.دراسة نورا العلوي (2015) قارنت تناول الشخصية العربية في فيلمين أمريكيين هما فيلم "Kingdom" وفيلم "Rendition"، وأوضحت النتائج أن كلا الفيلمين أظهرا العرب على أنهم متطرفون وغير مثقفين ومستعدين للعنف، وأن الأنشطة الإرهابية والحياة اليومية للعربي بينهما تكيف وتواؤم، وأن "الإرهاب" موجود في المجتمعات العربية بشكل غريزي. وهناك رسالة ضمنية بأن الناس في تلك المنطقة على هذا الحال غالبا نظرا لدينهم.ما رأيك عزيزي المختص بتعليم العربية للناطقين بغيرها؟ لا أظن هذه الصور تنتهي بمجرد نزول الطالب إلى المطار بل تشغل حيزا أوسع في عقله بمجرد أن تطأ قدمه أرضا عربية، وكل ما سبق يأتي به الطالب إلى الفصل، وبمجرد حدوث ألفة بينه وبين المعلم يبدأ طرح أسئلة من الشرق والغرب ويصبح المعلم في مواجهة ماكينة هوليود الهائلة، وتنزل الأسئلة على رأس المعلم من شبهات غريبة بعضها له أصل وبعضها مختلق تماما، بدءًا من: لماذا العرب إرهابيون؟ إلى كيف تنام المنتقبة بالنقاب؟ مرورا بهل الإرهاب عربي إم إسلامي أم هي دعوى ظالمة؟ هل الإسلام يظلم المرأة فعلا؟ هل المتدينون يسلمون عقولهم لمشايخهم ويطيعونهم طاعة عمياء؟ هل الإسلام يدعوكم للاستسلام للحاكم الظالم؟ هل فعلا المسلم يفجر غير المسلمين من أجل أن يحظى بسبعين حورية في الجنة؟ لماذا يتزوج المسلم "7" نساء "كما تعتقد بعض الشعوب"؟! هل الناس تساعد بعضها وتبدو كريمة لأنهم يحبون الخير أم لأن الأنظمة لا تقوم بدورها فيجد الناس في التكافل نوعا من تعويض القصور الحكومي؟ لماذا يفوز الإسلاميون بالانتخابات دائما؟ هل هم فعلا يَعِدُونَ الناسَ بأنهم سيدخلون الجنة إذا انتخبوهم؟ ولماذا لا يختار العربُ الليبراليين في الانتخابات هل فعلا ينظرون إليهم على أنهم وكلاء للغرب؟ لماذا يلعنُ العربُ أمريكا وهم أكثر الناس طلبا للهجرة إليها؟ ما العلاقة بين كون إنسان فقيرا وأن طفله يسير بدون سروال؟ لماذا ينفق العرب بسفه في شوارع أوربا؟ لماذا يستخدم العربيُّ لغةً إنجليزيةً ركيكةً بدلا من لغته؟ هل هو شعور بالنقص أم كرم زائد مع الأجنبي؟... إلخ.كمية هائلة من الأسئلة تلقيها كاميرات هوليود في وجه معلم العربية وعليه أن يجيب، فكيف يستعد؟في الحقيقة لا توجد وصفة سحرية، ولكن على المعلم أن يعرف ثقافته جيدا: المعياري الثابت الذي لا يتغير أو يتغير ببطء كالعقائد والأفكار والقيم، والسلوكي وهو كيف يطبق المعياري في المجتمع، أي تعاملات الناس مع بعضهم والعادات والتقاليد، والحضاري وهو المنتج الذي تنتجه ثقافته كالفنون والآداب والملابس... إلخ.فعلى المعلم أن يتمكن من ثقافته أولا. ثانيا: عليه أن يَدْرُس تلك الصور النمطية التي يصدرها لنا الإعلام –غير المنصف– ويعرف كيف يتعامل معها وكيف يفندها دون خطابة أو الدخول في معارك مع طلابه، بل يمكن تفكيك كل تلك الصور السلبية وفق أساليب تدريس معتبرة ومجربة وليس الحل طريقة المناقشة فقط كما يفعل معظمنا، بل هناك طرق يمكن أن يصل فيها الطالب إلى المعلومة بنفسه مثل البحث والتقصي والزيارات الميدانية ولعب الأدوار وغيرها. ثالثا: أن لا*يلعب المعلم دور المحامي فليس مسئولا عن أخطاء الأربعمائة مليون عربي والمليار وثلت مليار مسلم، إذا كان هناك خطأ فهو خطأ ولا نضيع الوقت في التبرير، والشعوب فيها الجيد والقبيح.رابعا: يتأكد من أن نسبة كبيرة من الطلاب راغبون في المعرفة الحقيقية لثقافتنا. وأتذكر أن إحدى الباحثات الغربيات ذكرت في مؤتمر بالقاهرة عام 2013م أنها عاشت في دولة عربية عدة سنوات ولاحظت أن أغلب المبتعثين من جهات استخبارية -من بلدها- لدراسة اللغة العربية في تلك الدولة ينتهي برنامجهم باستقالتهم من وظائفهم الاستخبارية لأنهم يكتشفون أن هذا الشعب طيب وليس المسلم الشرير الذي صنعته هوليود.إن الدور الثقافي للمعلم في غاية الأهمية، فهو للأسف في مواجهة ما تقدمه الآلات الإعلامية الغريبة والشرقية من صور سلبية عن العرب والمسلمين، وعليه أن يكون واعيا وأن يعرف كيف يفند تلك الصور ويفككها ويكسب "الطالب" ليصبح الأخير من سفراء الثقافة العربية الإسلامية في بلاده.
----------------------------
مراجع:علي أحمد مدكور.(2003). التربية وثقافة التكنولوجيا. دار الفكر العربي. القاهرةAlalawi, N. (2015). How Does Hollywood Movies Portray Muslims and* Arabs After 9/11? “Content Analysis of The Kingdom and Rendition* Movies”. Cross-Cultural Communication, 11(11), 58-62.Dana, Matthew, "Big-screen aftershock: How 9/11 changed Hollywood’s Middle Eastern characters" (2009). Thesis. Rochester Institute of Technology. Accessed from
د. إسلام يسري
قبل انتشار الإنترنت كان الطلاب يأتون إلى القاهرة وغيرها لدراسة العربية ويقولون لنا "رائع أنتم عندكم سيارات وهواتف وتلفزيونات.. كنا نظنكم تعيشون في الصحراء وتتنقلون بالجمال".كانت هذه الصورة النمطية تزول بمجرد نزول الطالب في أي عاصمة عربية حيث يفاجأ بما يراه من مدنية وتصبح تلك الصورة طرفة نتندر بها. أما بعد الحادي عشر من سبتمبر فقد تغير الأمر وتولدت صور نمطية أكثر بشاعة. في أطروحته للماجستير قارن ماثيو دانا (2009) بين صورة العربي في السينما الهوليودية قبل أحداث 11/9/2001 بخمس سنوات وبعدها بخمس سنوات ووجد أن صورة العربي –سينمائيا- بعد الأحداث تظهره "أقل ذكاء" ومن ناحية التعامل "أعنف ومرتبطا بالإرهاب"، كما أظهرت الدراسة أن هذه الأفلام تصور العربي على أنه شخص شرير ومختلف عن بقية الأمريكيين وغير موثوق به.دراسة نورا العلوي (2015) قارنت تناول الشخصية العربية في فيلمين أمريكيين هما فيلم "Kingdom" وفيلم "Rendition"، وأوضحت النتائج أن كلا الفيلمين أظهرا العرب على أنهم متطرفون وغير مثقفين ومستعدين للعنف، وأن الأنشطة الإرهابية والحياة اليومية للعربي بينهما تكيف وتواؤم، وأن "الإرهاب" موجود في المجتمعات العربية بشكل غريزي. وهناك رسالة ضمنية بأن الناس في تلك المنطقة على هذا الحال غالبا نظرا لدينهم.ما رأيك عزيزي المختص بتعليم العربية للناطقين بغيرها؟ لا أظن هذه الصور تنتهي بمجرد نزول الطالب إلى المطار بل تشغل حيزا أوسع في عقله بمجرد أن تطأ قدمه أرضا عربية، وكل ما سبق يأتي به الطالب إلى الفصل، وبمجرد حدوث ألفة بينه وبين المعلم يبدأ طرح أسئلة من الشرق والغرب ويصبح المعلم في مواجهة ماكينة هوليود الهائلة، وتنزل الأسئلة على رأس المعلم من شبهات غريبة بعضها له أصل وبعضها مختلق تماما، بدءًا من: لماذا العرب إرهابيون؟ إلى كيف تنام المنتقبة بالنقاب؟ مرورا بهل الإرهاب عربي إم إسلامي أم هي دعوى ظالمة؟ هل الإسلام يظلم المرأة فعلا؟ هل المتدينون يسلمون عقولهم لمشايخهم ويطيعونهم طاعة عمياء؟ هل الإسلام يدعوكم للاستسلام للحاكم الظالم؟ هل فعلا المسلم يفجر غير المسلمين من أجل أن يحظى بسبعين حورية في الجنة؟ لماذا يتزوج المسلم "7" نساء "كما تعتقد بعض الشعوب"؟! هل الناس تساعد بعضها وتبدو كريمة لأنهم يحبون الخير أم لأن الأنظمة لا تقوم بدورها فيجد الناس في التكافل نوعا من تعويض القصور الحكومي؟ لماذا يفوز الإسلاميون بالانتخابات دائما؟ هل هم فعلا يَعِدُونَ الناسَ بأنهم سيدخلون الجنة إذا انتخبوهم؟ ولماذا لا يختار العربُ الليبراليين في الانتخابات هل فعلا ينظرون إليهم على أنهم وكلاء للغرب؟ لماذا يلعنُ العربُ أمريكا وهم أكثر الناس طلبا للهجرة إليها؟ ما العلاقة بين كون إنسان فقيرا وأن طفله يسير بدون سروال؟ لماذا ينفق العرب بسفه في شوارع أوربا؟ لماذا يستخدم العربيُّ لغةً إنجليزيةً ركيكةً بدلا من لغته؟ هل هو شعور بالنقص أم كرم زائد مع الأجنبي؟... إلخ.كمية هائلة من الأسئلة تلقيها كاميرات هوليود في وجه معلم العربية وعليه أن يجيب، فكيف يستعد؟في الحقيقة لا توجد وصفة سحرية، ولكن على المعلم أن يعرف ثقافته جيدا: المعياري الثابت الذي لا يتغير أو يتغير ببطء كالعقائد والأفكار والقيم، والسلوكي وهو كيف يطبق المعياري في المجتمع، أي تعاملات الناس مع بعضهم والعادات والتقاليد، والحضاري وهو المنتج الذي تنتجه ثقافته كالفنون والآداب والملابس... إلخ.فعلى المعلم أن يتمكن من ثقافته أولا. ثانيا: عليه أن يَدْرُس تلك الصور النمطية التي يصدرها لنا الإعلام –غير المنصف– ويعرف كيف يتعامل معها وكيف يفندها دون خطابة أو الدخول في معارك مع طلابه، بل يمكن تفكيك كل تلك الصور السلبية وفق أساليب تدريس معتبرة ومجربة وليس الحل طريقة المناقشة فقط كما يفعل معظمنا، بل هناك طرق يمكن أن يصل فيها الطالب إلى المعلومة بنفسه مثل البحث والتقصي والزيارات الميدانية ولعب الأدوار وغيرها. ثالثا: أن لا*يلعب المعلم دور المحامي فليس مسئولا عن أخطاء الأربعمائة مليون عربي والمليار وثلت مليار مسلم، إذا كان هناك خطأ فهو خطأ ولا نضيع الوقت في التبرير، والشعوب فيها الجيد والقبيح.رابعا: يتأكد من أن نسبة كبيرة من الطلاب راغبون في المعرفة الحقيقية لثقافتنا. وأتذكر أن إحدى الباحثات الغربيات ذكرت في مؤتمر بالقاهرة عام 2013م أنها عاشت في دولة عربية عدة سنوات ولاحظت أن أغلب المبتعثين من جهات استخبارية -من بلدها- لدراسة اللغة العربية في تلك الدولة ينتهي برنامجهم باستقالتهم من وظائفهم الاستخبارية لأنهم يكتشفون أن هذا الشعب طيب وليس المسلم الشرير الذي صنعته هوليود.إن الدور الثقافي للمعلم في غاية الأهمية، فهو للأسف في مواجهة ما تقدمه الآلات الإعلامية الغريبة والشرقية من صور سلبية عن العرب والمسلمين، وعليه أن يكون واعيا وأن يعرف كيف يفند تلك الصور ويفككها ويكسب "الطالب" ليصبح الأخير من سفراء الثقافة العربية الإسلامية في بلاده.
----------------------------
مراجع:علي أحمد مدكور.(2003). التربية وثقافة التكنولوجيا. دار الفكر العربي. القاهرةAlalawi, N. (2015). How Does Hollywood Movies Portray Muslims and* Arabs After 9/11? “Content Analysis of The Kingdom and Rendition* Movies”. Cross-Cultural Communication, 11(11), 58-62.Dana, Matthew, "Big-screen aftershock: How 9/11 changed Hollywood’s Middle Eastern characters" (2009). Thesis. Rochester Institute of Technology. Accessed from
