بسم الله الرحمن الرحيم
آفاق جديدة في دراسة اللغة و الذهن - نعوم تشومسكي
ترجمة : حمزة بن قبلان المزينى
المشروع القومي للترجمة - المجلس الأعلى للثقافة – الطبعة الأولى 2005 - القاهرة
=---------------------------------------------=
يقول المترجم عن هذا الكتاب " يمثل مراجعة شاملة للمنطلقات الفكرية و الفلسفية و العلمية التي يقوم عليها المنهج الذي شرعه في دراسة اللغة" .
و في كتاب اللساني البريطاني المعاصر ر.هـ.روبنز "موجز تاريخ علم اللغة" الذي صدرت طبعته الأخيرة في 1990م ، و ترجمه إلى العربية الدكتور أحمد عوض ، و نشر في سلسلة عالم المعرفة الكويتية في عددها 277 ، رجب 1418هـ/نوفمبر 1997م :
" ومن هذا الموقف ظهر بشكل ثابت مفهوم قواعد أساسية و عمومية [كلية] ، و هو بحث متكرر منذ ذلك الوقت للغويين النظريين... و قد صرح روجر بيكون الذي كتب هو نفسه قواعد لليونانية كانت من أولى القواعد التأملية ...بأن القواعد قواعد واحدة ، وهي نفسها في كل اللغات من حيث جوهرها ، و أن الخلافات السطحية فيما بينها هي مجرد خلافات عرضية " (ص 136-137).
و هذا كلام و نظرية نابعين من البحث و الدراسة و التأمل في قواعد الألسنة المختلفة ، موافقة تماما للنظرة المنطقية للألسنة و ما تحويه من معاني و دلالات و معقولات ، و هذا ما سماه الفارابي النحو العام مقابل النحو الخاص و هو الذي يختص به لسان عن أخر و ربما يكون ما عناه روجر بيكون هو هذا فوصفه بـ (خلافات سطحية – خلافات عرضية) أي أنه غير مؤثر على الدلالة و الكفاية البيانية و لا يعدو أكثر من عرفيات صوتية تخص كل لسان و قد تتشابه أو تختلف مع ألسنة أخرى و لكن في النهاية ليست ذات بال في الأداء الدلالي الكافي في البيان ، و الفارابي جعل بعض الحركات الإعرابية من هذا القبيل في اللسان العربي . بينما جعل تقسيم الكلام إلى ثلاث (الإسم – الكلمة – الأداة) و هو ما يقابل عند النحاة (الإسم – الفعل – الحرف) و ما ينتج عنهم من تراكيب تؤدي المعاني العقلية التي يتم احتوائها كلها من خلال المعاني الكلية (الأجناس العشرة) التي تصف كل شيء مفردا كان أو ذو علاقة مع غيره ، على تنوع هذه العلاقات التي تتكون من هذه الكلمات الثلاث ، فهي لم تترك أي معنى ممكن يخرج عن معانيها الكلية ، و كانت هذه نظرة اخوان الصفا ايضا ، و كلها مشابهة لما نقل من الفلاسفة اليونانيين ، هذا لوضوح هذه المعاني و شموليتها للموجودات كلها أو يكون مجرد امتداد لهذه النظرية بالشرح و البيان ، أو الإثنين .
و هناك قول لتشومسكي يجلي فكرة العصيان اللساني على ان يقيد بقاعدة أو قانون توجه المتحدث أو تجبر المستمع على فهم معين أو قول معين ، فيقول في كتابه:القضايا الراهنة في النظرية اللسانية 1964: " فإذا صيغ النحو صياغة جيدة فيمكن لمستعمله عندئذ أن ينجح في استعماله ، لكن الاطرادات العميقة للغة التي يمكن له اكتشافها تستعصي على الصياغة المنضبطة ، كما أن طبيعة القدرات التي مكنته من استخدام النحو و اكتشاف تللك الاطرادات ستظل أمرا محيرا . و يمكن أن نقدر مدى اتساع هذه الفجوات إذا ما حاولنا أن نصوغ قواعد واضحة لكامل الحقائق البنيوية المتاحة للمستعمل الناضج للغة (ص 16-17). " ، لأن عمق اللسان من عمق المعاني ، و عمق المعاني من عمق الفكر و العقل ، و لا يتصور أن يضع العقل (كمفكر) لنفسه قواعد يجب أن يسير عليها في تفكيره و تناوله للموجودات و علائقها ببعض ، فلا شيء في الوجود يحجر على العقل تعقله سواء لنفسه أو لغيره ، أما القواعد و القوانين الصارمة بل الحتمية التي لا تخالف أبدا و لا يخالفها شيء أبدا إلا أن يُأول ، هي تعقل أخر لا يستطيع فيه العقل إلا أن يسلم و ينحنى لكي يعبر في طريقه المرسوم له ، هذه الطبيعة لا ينال منها العقل إلا بالشعور فقط ، أي أنه يدرك شيء موجود بالفعل ، هذا المعنى هو الفطرة أو الغريزة . و قد سبق للمناطقة و الفلاسفة الذين تناولوا قضية الاسم و المسمى أو ما يعرف اللفظ و المعنى ، أو الدال و المدلول ، التقرير على ان المعنى أو المدلول أو المسمى هو تصور ذهني أو معقول ناتج عن معلومات مرسلة من الأعضاء الحاسة إلى العقل الذي طبع هذه المعلومات في صورة ذهنية ، هذه العملية الكل متفق على فطريتها و خِلقيتها و غريزيتها ، لأنها ليست محل تناول بحثي لعدم القدرة على ذلك ، فهي خارج نطاق القدرة البشرية ، ولكن طمع و نهم الإنسان لا يتوقف على درب المحاولة ، و لكنها محاولات قاصرة حتى في المنهجية نفسها ناهيك عن الوسائل أو الأدوات التي من خلالها يمكن معايرة هذه الفطرة أو قياسها ، لأن بداية أي فكرة قياسية تتناول أي شيء بقياسه أو معايرته هي الخروج عن ماهية هذا الشيء أولا ، لتحليله لأصغر وحدة ممكنة منه و تكون المعايرة بعد ذلك بمضاعفات هذه الوحدة ، و هذا لا يمكن في العقل أو الفطرة . إلا عن طريق وسيط يمثل ظاهرة مرتبطة بقوة بالذي يراد قياسه ، فلو قلنا للعقل قد يكون عن طريق الألفاظ الدالة في أي وسيلة ما أو أداة ما ، المهم أنه ستكون الألفاظ هي الوسيط الذي سيعاير على أنه هو العقل لشدة الترابط الظاهري بينهما ، لأنه ليس هناك مظهر عقلي إلا عن طريق الألفاظ أو ما يقوم مقامها من التعبير عن الأفكار . و هو الذي أراه أنه لا فرق بين الألفاظ و بين الأشعة التي يمكن قياسها من المخ من حيث النظرة لهما ، فإنهما ما زالا مظهرين من مظاهر التفكير العقلي ، و ليس التفكير العقلي نفسه ، و الفطرة أقوى في غموضها و ظهورها في نفس الوقت من العقل و التفكير .
و يقول مترجم الكتاب : "و أن التشابه بين نظريته التوليدية و النحو العربي إنما جاءت من اهتمام الانحاء[جمع نحو] التقليدية كلها ، و منها النحو العربي ، ببعض القضايا الجوهرية في بنية اللغة ، و هي التي جاء تشومسكي ليصوغها صياغة نظرية حديثة منضبطة ."
و عن علاقة النحو و المنطق يقول ديفد بارسكي عن سيرة تشومسكي ، يقول بارسكي (ص111) : "يشير تشومسكي في نقاشه للبنى العميقة و البنى السطحية في كتابه (اللسانيات الديكارتية) إلى قيمة النظرية الكلية أو الفلسفية لدراسة النحو التوليدي التحويلي . و هو يقوم بذلك مشيرا إلى النحو و المنطق كليهما كما وصفا في نحو جماعة بورت رويال ، فهو يقول [أي تشومسكي]:
تهتم هذه النظرية على وجه التأكيد بالقواعد التي تحدد البنى العميقة و تصلها بالبنى السطحية ، و كذلك بقواعد التمثيل الدلالي التي تعمل على البنية العميقة و قواعد التمثيل الصواتي التي تعمل على البنى السطحية . و بكلمات أخرى ، فليست هذه النظرية إلا تطويرا و صياغة شكلية للأفكار الموجودة بشكل ضمني [في النحو الديكارتي]...لذلك يبدو لي ، من أوجه عديدة ، أنه لا يبعد عن الصواب أن نعد نظرية النحو التحويلي التوليدي ، بشكلها الذي تطورت به في الدراسة المعاصرة ، و جها معاصرا و أكثر جلاء للنظرية التي يتضمنها نحو بورت رويال ."
و هذه شهادة موثقة من تشومسكي نفسه عن نظريته أنها في أساسها نحوية منطقية ديكارتية ، و لكن بصورة جديدة تكونت من بعض الروافد الأخرى من العلوم الحديثة و التنظير الجديد ، فالأمر لا يعدو أكثر من صياغة جديدة لنفس الفكرة أو النظرة ، المهم مدى الربط بين النحو و المنطق ، أي أن المحرك الأساسي منطقي عقلي و مادته المعقولات الذهنية و التي بالتأكيد ستكون متأثرة بالنظرة المعرفية و روافد المعرفة و أصولها التي في النهاية تصب في العقل تصوراته فتجعلها المعاني التي تنطبع للخارج على صورة صواتية ، فالعلاقة التي تربط الصورة الصواتية بالصورة العقلية و تمثيلها في قواعد أو أنها تكون هي محل البحث و الدراسة هي لب النظرية التوليدية . و هي في حققية الأمر لا تختلف كثيرا عن نفس النظرية القديمة المنطقية و الفلسفية لكثير من المناطقة و الفلاسفة اليونان و العرب من بعدهم ، أن المعاني التي تقف وراء القواعد النحوية في التراكيب الكلامية هي المعاني العقلية ، فهي منشؤها المعاني من حيث هي معاني مدلول عليها بأصوات لها قواعد صواتية في الأداء العرفي لأهل هذا اللسان ، و ليس محل إهتمام هذه المعاني هي الألفاظ من حيث هي ألفاظ لها معاني تدل عليها .
و انا على يقين أن ما يولده أي عقل من نحو على حسب معرفة هذا الشخص و نظرته للكون و لنفسه و للقوة التي وراء ذلك أيا كانت ، ستختلف عن نظرة المسلم و ما ينتجه عقله و فطرته و شريعته من نحو ، لأن دخول الغيبيات و صفات الله و أفعاله و أسماؤه و تكاليفه و كلامه عن الخلق و المخلوقات ، و غير ذلك من معاني و تصورات خاصة جدا بالدين و لا يتم معرفتها إلا عن طريق الأخبار و التوقيف فليست هي من تناول العقل و الفكر و لا من نتائجه ، و لذلك فهذه المعاني ؛ و التي منها بالطبع معاني غير منطقية بمعنى غير خاضعة للتجريب و الحس المباشر و لا في متناول العقل ، لن تكون ممثلة في القاعدة المعنوية العقلية لهذا الشخص ، و بالتالي لن يكون لها انعكاس على تصوره و قواعده سواء العميقة أو السطحية ، بما يقابل التمثيل الدلالي في العقل و الفكر و التمثيل لهذه الدلالة في الصوتيات و تراكيبها . و لا ننكر أنه من الممكن أن يوجد تشابه في هذه المعاني خاصة و ان الفطرة و الغريزة و واحدية مكونات الجهاز المعرفي كلها متماثلة في البشرية كلها ، فلا بد من تماثل معنوي بين البشرية كلها في معانيها و معقولاتها ، و بالتالي في نحو كل لسان فيها ، و سنجد هذا التماثل متجسدا في الجوهرية اللغوية و اللسانية ، و هذا ما كان فعلا من العلماء سواء القدماء منهم أو المحدثين كما نوهنا منذ قليل على قول أحدهم أن اللغات في جوهرها واحد و متشابه جدا ، و أن الاختلافات تعتبر عرضية و ليست معنوية . و هو نفس قول الفارابي و اخوان الصفاء و من قبلهم ، و هو قول أي عاقل تدبر معنى اللغة و اللسان و المعاني و كيفية تواصل البشر مع بعضهم و مع من سبقهم مع اختلاف السنتهم .
-==============================================-
و نظرية الفردية التي تخص كل فرد من ناحية اللغة ، ليس معناها و لا من لوازمها أن يتنصل الفرد من المشترك الذي بين الأفراد كلهم ، لأن هذا الفرد خالقه واحد و عليه فأعضائه الحاسة و كيفية احساسها بالخارج و كيفية ترجمة هذه التغيرات فيها عن طريق المخ كلها محكومة بنظام واحد ، و من وضع فيه هذه اللغة و الفطرة و العقل و جهاز النطق الذي يخرج الأفكار عن طريق الأصوات فخالق هذا النظام واحد ، و بفرضية قوية مفروضة على العقل تقول بأن الماهيات الخارجية ثابتة و لها حقائق ثابتة و خالقها هو نفس الخالق ايضا و هو واحد ، فكل ما سبق يجعل الفردية في التكوين المعرفي و العقلي و اللغوي شبه معدوم من ناحية الكفاية البيانية و الادراكية ، أما من ناحية ما يزيد على ذلك من معرفة أو ادراك أو علم ينطلي على لغة الفرد و يخرج على لسانه فلا ننكر مثل ذلك ، و لكن لا نعطيه أكثر من وضعه في التصور الكامل عن اللغة و اللسان و الذهن و المعرفة .
و بذلك يقول نيل سميث عن تشومسكي : "معرفة اللغة فردية و داخلية في الذهن/الدماغ البشري . و يترتب على هذا أنه يجب أن توجه الدراسة الحقيقية للغة اهتمامها إلى هذه البنية الذهنية ، و هي وحدة نظرية يسميها بالمصطلح الجديد ’اللغة – د‘، أي أنها خصيصة داخلية للفرد."
و "د" تعني أنها : فردية داخلية مفهومية ، و الثلاثة في الانجليزية تبدأ بحرف "i" و لذك اختار المترجم حرف "د" اكتفاء بـ داخلية ، و لكن كلما تذكر فالمقصود بها الثلاثة .
- نص أخر لـ (سميث) عن تشومسكي ، يوضح فيه قدم فكرة الفطرة أو القدرة اللغوية الموروثة التي تكون مع أي طفل و أن هذا ما يفسر اكتساب الطفل اللسان دون القطة أو الحجر أو النبات ، و هذا كما قلنا من قبل و هو مختصر بكل هذه المعاني و أكثر بكثير في قوله تعالى (خلق الإنسان علمه البيان) ، ففكرة تشومسكي فكرة منطقية و عقلية أيضا مثل أدلة القدماء التي تعتمد على التأمل العقلي و المنطقي ، و لهم أيضا ما هو متصل بعلم اللسان أيضا و ما يتصل به من علوم أخرى قد يصيبوا فيها أو يخطئوا و هذا قانون جاري على كل من يشتغل بالعلوم المختلفة ، ثم يأتي بعد ذلك الاستعانة بالجديد من العلوم لكي يدلل على ذلك ، فيقول : "و هناك مظهران لما هو جديد [هنا]. أولهما أن فيها أنواعا جديدة من الأدلة على المواقف القديمة ؛ وثانيهما ، أن من الممكن الآن إثارة أسئلة كان من المستحيل في الماضي حتى صياغتها . و لا نملك الآن الإجابات عن هذه الأسئلة ، لكن قدرتنا على إثارتها دليل مثير بنفسه .
و يمكن أن نوضح أول هذين المظهرين بالإشارة إلى زعم اشتهر به تشومسكي منذ أمد طويل (أو اشتهر بالغلو في الإصرار عليه) ، و هو : أن جزءا كبيرا من معرفتنا باللغة محدد وراثيا ، أو هو فطري . و البرهان على أن هناك شيئا لغويا فطريا واضحا بنفسه يبينه أن الأطفال يكتسبون اللغة – أما القطط و العقارب و الأحجار فلا . و تتوجه أغلب أبحاث تشومسكي في الأربعين سنة الماضية إلى تبيين التفاصيل التقنية لما نعزوه بدقة إلى "الحالة الأولى" الملكة اللغوية البشرية من أجل تفسير تلك الحقيقة الأولية . و قد نتج عن التقدم في اللسانيات و التخصصات القريبة منها وضع أتاح الآن "إمكانا بعيدا" للمجيء بأدلة من علوم الدماغ و علوم الوراثة لتبيين الكيفية التي تحدث بها هذه الحتمية و من ثم إمكان توحيد هذا الجزء من اللسانيات مع العلوم الاخرى . و ليس هذا التوحيد مركزيا لأبحاث تشومسكي نفسه ، لكن درجة النضج و التعقيد التي تتصف بها اللسانيات التي اقترحها تجعل هذا مشروعا ممكنا ."
آفاق جديدة في دراسة اللغة و الذهن - نعوم تشومسكي
ترجمة : حمزة بن قبلان المزينى
المشروع القومي للترجمة - المجلس الأعلى للثقافة – الطبعة الأولى 2005 - القاهرة
=---------------------------------------------=
يقول المترجم عن هذا الكتاب " يمثل مراجعة شاملة للمنطلقات الفكرية و الفلسفية و العلمية التي يقوم عليها المنهج الذي شرعه في دراسة اللغة" .
و في كتاب اللساني البريطاني المعاصر ر.هـ.روبنز "موجز تاريخ علم اللغة" الذي صدرت طبعته الأخيرة في 1990م ، و ترجمه إلى العربية الدكتور أحمد عوض ، و نشر في سلسلة عالم المعرفة الكويتية في عددها 277 ، رجب 1418هـ/نوفمبر 1997م :
" ومن هذا الموقف ظهر بشكل ثابت مفهوم قواعد أساسية و عمومية [كلية] ، و هو بحث متكرر منذ ذلك الوقت للغويين النظريين... و قد صرح روجر بيكون الذي كتب هو نفسه قواعد لليونانية كانت من أولى القواعد التأملية ...بأن القواعد قواعد واحدة ، وهي نفسها في كل اللغات من حيث جوهرها ، و أن الخلافات السطحية فيما بينها هي مجرد خلافات عرضية " (ص 136-137).
و هذا كلام و نظرية نابعين من البحث و الدراسة و التأمل في قواعد الألسنة المختلفة ، موافقة تماما للنظرة المنطقية للألسنة و ما تحويه من معاني و دلالات و معقولات ، و هذا ما سماه الفارابي النحو العام مقابل النحو الخاص و هو الذي يختص به لسان عن أخر و ربما يكون ما عناه روجر بيكون هو هذا فوصفه بـ (خلافات سطحية – خلافات عرضية) أي أنه غير مؤثر على الدلالة و الكفاية البيانية و لا يعدو أكثر من عرفيات صوتية تخص كل لسان و قد تتشابه أو تختلف مع ألسنة أخرى و لكن في النهاية ليست ذات بال في الأداء الدلالي الكافي في البيان ، و الفارابي جعل بعض الحركات الإعرابية من هذا القبيل في اللسان العربي . بينما جعل تقسيم الكلام إلى ثلاث (الإسم – الكلمة – الأداة) و هو ما يقابل عند النحاة (الإسم – الفعل – الحرف) و ما ينتج عنهم من تراكيب تؤدي المعاني العقلية التي يتم احتوائها كلها من خلال المعاني الكلية (الأجناس العشرة) التي تصف كل شيء مفردا كان أو ذو علاقة مع غيره ، على تنوع هذه العلاقات التي تتكون من هذه الكلمات الثلاث ، فهي لم تترك أي معنى ممكن يخرج عن معانيها الكلية ، و كانت هذه نظرة اخوان الصفا ايضا ، و كلها مشابهة لما نقل من الفلاسفة اليونانيين ، هذا لوضوح هذه المعاني و شموليتها للموجودات كلها أو يكون مجرد امتداد لهذه النظرية بالشرح و البيان ، أو الإثنين .
و هناك قول لتشومسكي يجلي فكرة العصيان اللساني على ان يقيد بقاعدة أو قانون توجه المتحدث أو تجبر المستمع على فهم معين أو قول معين ، فيقول في كتابه:القضايا الراهنة في النظرية اللسانية 1964: " فإذا صيغ النحو صياغة جيدة فيمكن لمستعمله عندئذ أن ينجح في استعماله ، لكن الاطرادات العميقة للغة التي يمكن له اكتشافها تستعصي على الصياغة المنضبطة ، كما أن طبيعة القدرات التي مكنته من استخدام النحو و اكتشاف تللك الاطرادات ستظل أمرا محيرا . و يمكن أن نقدر مدى اتساع هذه الفجوات إذا ما حاولنا أن نصوغ قواعد واضحة لكامل الحقائق البنيوية المتاحة للمستعمل الناضج للغة (ص 16-17). " ، لأن عمق اللسان من عمق المعاني ، و عمق المعاني من عمق الفكر و العقل ، و لا يتصور أن يضع العقل (كمفكر) لنفسه قواعد يجب أن يسير عليها في تفكيره و تناوله للموجودات و علائقها ببعض ، فلا شيء في الوجود يحجر على العقل تعقله سواء لنفسه أو لغيره ، أما القواعد و القوانين الصارمة بل الحتمية التي لا تخالف أبدا و لا يخالفها شيء أبدا إلا أن يُأول ، هي تعقل أخر لا يستطيع فيه العقل إلا أن يسلم و ينحنى لكي يعبر في طريقه المرسوم له ، هذه الطبيعة لا ينال منها العقل إلا بالشعور فقط ، أي أنه يدرك شيء موجود بالفعل ، هذا المعنى هو الفطرة أو الغريزة . و قد سبق للمناطقة و الفلاسفة الذين تناولوا قضية الاسم و المسمى أو ما يعرف اللفظ و المعنى ، أو الدال و المدلول ، التقرير على ان المعنى أو المدلول أو المسمى هو تصور ذهني أو معقول ناتج عن معلومات مرسلة من الأعضاء الحاسة إلى العقل الذي طبع هذه المعلومات في صورة ذهنية ، هذه العملية الكل متفق على فطريتها و خِلقيتها و غريزيتها ، لأنها ليست محل تناول بحثي لعدم القدرة على ذلك ، فهي خارج نطاق القدرة البشرية ، ولكن طمع و نهم الإنسان لا يتوقف على درب المحاولة ، و لكنها محاولات قاصرة حتى في المنهجية نفسها ناهيك عن الوسائل أو الأدوات التي من خلالها يمكن معايرة هذه الفطرة أو قياسها ، لأن بداية أي فكرة قياسية تتناول أي شيء بقياسه أو معايرته هي الخروج عن ماهية هذا الشيء أولا ، لتحليله لأصغر وحدة ممكنة منه و تكون المعايرة بعد ذلك بمضاعفات هذه الوحدة ، و هذا لا يمكن في العقل أو الفطرة . إلا عن طريق وسيط يمثل ظاهرة مرتبطة بقوة بالذي يراد قياسه ، فلو قلنا للعقل قد يكون عن طريق الألفاظ الدالة في أي وسيلة ما أو أداة ما ، المهم أنه ستكون الألفاظ هي الوسيط الذي سيعاير على أنه هو العقل لشدة الترابط الظاهري بينهما ، لأنه ليس هناك مظهر عقلي إلا عن طريق الألفاظ أو ما يقوم مقامها من التعبير عن الأفكار . و هو الذي أراه أنه لا فرق بين الألفاظ و بين الأشعة التي يمكن قياسها من المخ من حيث النظرة لهما ، فإنهما ما زالا مظهرين من مظاهر التفكير العقلي ، و ليس التفكير العقلي نفسه ، و الفطرة أقوى في غموضها و ظهورها في نفس الوقت من العقل و التفكير .
و يقول مترجم الكتاب : "و أن التشابه بين نظريته التوليدية و النحو العربي إنما جاءت من اهتمام الانحاء[جمع نحو] التقليدية كلها ، و منها النحو العربي ، ببعض القضايا الجوهرية في بنية اللغة ، و هي التي جاء تشومسكي ليصوغها صياغة نظرية حديثة منضبطة ."
و عن علاقة النحو و المنطق يقول ديفد بارسكي عن سيرة تشومسكي ، يقول بارسكي (ص111) : "يشير تشومسكي في نقاشه للبنى العميقة و البنى السطحية في كتابه (اللسانيات الديكارتية) إلى قيمة النظرية الكلية أو الفلسفية لدراسة النحو التوليدي التحويلي . و هو يقوم بذلك مشيرا إلى النحو و المنطق كليهما كما وصفا في نحو جماعة بورت رويال ، فهو يقول [أي تشومسكي]:
تهتم هذه النظرية على وجه التأكيد بالقواعد التي تحدد البنى العميقة و تصلها بالبنى السطحية ، و كذلك بقواعد التمثيل الدلالي التي تعمل على البنية العميقة و قواعد التمثيل الصواتي التي تعمل على البنى السطحية . و بكلمات أخرى ، فليست هذه النظرية إلا تطويرا و صياغة شكلية للأفكار الموجودة بشكل ضمني [في النحو الديكارتي]...لذلك يبدو لي ، من أوجه عديدة ، أنه لا يبعد عن الصواب أن نعد نظرية النحو التحويلي التوليدي ، بشكلها الذي تطورت به في الدراسة المعاصرة ، و جها معاصرا و أكثر جلاء للنظرية التي يتضمنها نحو بورت رويال ."
و هذه شهادة موثقة من تشومسكي نفسه عن نظريته أنها في أساسها نحوية منطقية ديكارتية ، و لكن بصورة جديدة تكونت من بعض الروافد الأخرى من العلوم الحديثة و التنظير الجديد ، فالأمر لا يعدو أكثر من صياغة جديدة لنفس الفكرة أو النظرة ، المهم مدى الربط بين النحو و المنطق ، أي أن المحرك الأساسي منطقي عقلي و مادته المعقولات الذهنية و التي بالتأكيد ستكون متأثرة بالنظرة المعرفية و روافد المعرفة و أصولها التي في النهاية تصب في العقل تصوراته فتجعلها المعاني التي تنطبع للخارج على صورة صواتية ، فالعلاقة التي تربط الصورة الصواتية بالصورة العقلية و تمثيلها في قواعد أو أنها تكون هي محل البحث و الدراسة هي لب النظرية التوليدية . و هي في حققية الأمر لا تختلف كثيرا عن نفس النظرية القديمة المنطقية و الفلسفية لكثير من المناطقة و الفلاسفة اليونان و العرب من بعدهم ، أن المعاني التي تقف وراء القواعد النحوية في التراكيب الكلامية هي المعاني العقلية ، فهي منشؤها المعاني من حيث هي معاني مدلول عليها بأصوات لها قواعد صواتية في الأداء العرفي لأهل هذا اللسان ، و ليس محل إهتمام هذه المعاني هي الألفاظ من حيث هي ألفاظ لها معاني تدل عليها .
و انا على يقين أن ما يولده أي عقل من نحو على حسب معرفة هذا الشخص و نظرته للكون و لنفسه و للقوة التي وراء ذلك أيا كانت ، ستختلف عن نظرة المسلم و ما ينتجه عقله و فطرته و شريعته من نحو ، لأن دخول الغيبيات و صفات الله و أفعاله و أسماؤه و تكاليفه و كلامه عن الخلق و المخلوقات ، و غير ذلك من معاني و تصورات خاصة جدا بالدين و لا يتم معرفتها إلا عن طريق الأخبار و التوقيف فليست هي من تناول العقل و الفكر و لا من نتائجه ، و لذلك فهذه المعاني ؛ و التي منها بالطبع معاني غير منطقية بمعنى غير خاضعة للتجريب و الحس المباشر و لا في متناول العقل ، لن تكون ممثلة في القاعدة المعنوية العقلية لهذا الشخص ، و بالتالي لن يكون لها انعكاس على تصوره و قواعده سواء العميقة أو السطحية ، بما يقابل التمثيل الدلالي في العقل و الفكر و التمثيل لهذه الدلالة في الصوتيات و تراكيبها . و لا ننكر أنه من الممكن أن يوجد تشابه في هذه المعاني خاصة و ان الفطرة و الغريزة و واحدية مكونات الجهاز المعرفي كلها متماثلة في البشرية كلها ، فلا بد من تماثل معنوي بين البشرية كلها في معانيها و معقولاتها ، و بالتالي في نحو كل لسان فيها ، و سنجد هذا التماثل متجسدا في الجوهرية اللغوية و اللسانية ، و هذا ما كان فعلا من العلماء سواء القدماء منهم أو المحدثين كما نوهنا منذ قليل على قول أحدهم أن اللغات في جوهرها واحد و متشابه جدا ، و أن الاختلافات تعتبر عرضية و ليست معنوية . و هو نفس قول الفارابي و اخوان الصفاء و من قبلهم ، و هو قول أي عاقل تدبر معنى اللغة و اللسان و المعاني و كيفية تواصل البشر مع بعضهم و مع من سبقهم مع اختلاف السنتهم .
-==============================================-
و نظرية الفردية التي تخص كل فرد من ناحية اللغة ، ليس معناها و لا من لوازمها أن يتنصل الفرد من المشترك الذي بين الأفراد كلهم ، لأن هذا الفرد خالقه واحد و عليه فأعضائه الحاسة و كيفية احساسها بالخارج و كيفية ترجمة هذه التغيرات فيها عن طريق المخ كلها محكومة بنظام واحد ، و من وضع فيه هذه اللغة و الفطرة و العقل و جهاز النطق الذي يخرج الأفكار عن طريق الأصوات فخالق هذا النظام واحد ، و بفرضية قوية مفروضة على العقل تقول بأن الماهيات الخارجية ثابتة و لها حقائق ثابتة و خالقها هو نفس الخالق ايضا و هو واحد ، فكل ما سبق يجعل الفردية في التكوين المعرفي و العقلي و اللغوي شبه معدوم من ناحية الكفاية البيانية و الادراكية ، أما من ناحية ما يزيد على ذلك من معرفة أو ادراك أو علم ينطلي على لغة الفرد و يخرج على لسانه فلا ننكر مثل ذلك ، و لكن لا نعطيه أكثر من وضعه في التصور الكامل عن اللغة و اللسان و الذهن و المعرفة .
و بذلك يقول نيل سميث عن تشومسكي : "معرفة اللغة فردية و داخلية في الذهن/الدماغ البشري . و يترتب على هذا أنه يجب أن توجه الدراسة الحقيقية للغة اهتمامها إلى هذه البنية الذهنية ، و هي وحدة نظرية يسميها بالمصطلح الجديد ’اللغة – د‘، أي أنها خصيصة داخلية للفرد."
و "د" تعني أنها : فردية داخلية مفهومية ، و الثلاثة في الانجليزية تبدأ بحرف "i" و لذك اختار المترجم حرف "د" اكتفاء بـ داخلية ، و لكن كلما تذكر فالمقصود بها الثلاثة .
- نص أخر لـ (سميث) عن تشومسكي ، يوضح فيه قدم فكرة الفطرة أو القدرة اللغوية الموروثة التي تكون مع أي طفل و أن هذا ما يفسر اكتساب الطفل اللسان دون القطة أو الحجر أو النبات ، و هذا كما قلنا من قبل و هو مختصر بكل هذه المعاني و أكثر بكثير في قوله تعالى (خلق الإنسان علمه البيان) ، ففكرة تشومسكي فكرة منطقية و عقلية أيضا مثل أدلة القدماء التي تعتمد على التأمل العقلي و المنطقي ، و لهم أيضا ما هو متصل بعلم اللسان أيضا و ما يتصل به من علوم أخرى قد يصيبوا فيها أو يخطئوا و هذا قانون جاري على كل من يشتغل بالعلوم المختلفة ، ثم يأتي بعد ذلك الاستعانة بالجديد من العلوم لكي يدلل على ذلك ، فيقول : "و هناك مظهران لما هو جديد [هنا]. أولهما أن فيها أنواعا جديدة من الأدلة على المواقف القديمة ؛ وثانيهما ، أن من الممكن الآن إثارة أسئلة كان من المستحيل في الماضي حتى صياغتها . و لا نملك الآن الإجابات عن هذه الأسئلة ، لكن قدرتنا على إثارتها دليل مثير بنفسه .
و يمكن أن نوضح أول هذين المظهرين بالإشارة إلى زعم اشتهر به تشومسكي منذ أمد طويل (أو اشتهر بالغلو في الإصرار عليه) ، و هو : أن جزءا كبيرا من معرفتنا باللغة محدد وراثيا ، أو هو فطري . و البرهان على أن هناك شيئا لغويا فطريا واضحا بنفسه يبينه أن الأطفال يكتسبون اللغة – أما القطط و العقارب و الأحجار فلا . و تتوجه أغلب أبحاث تشومسكي في الأربعين سنة الماضية إلى تبيين التفاصيل التقنية لما نعزوه بدقة إلى "الحالة الأولى" الملكة اللغوية البشرية من أجل تفسير تلك الحقيقة الأولية . و قد نتج عن التقدم في اللسانيات و التخصصات القريبة منها وضع أتاح الآن "إمكانا بعيدا" للمجيء بأدلة من علوم الدماغ و علوم الوراثة لتبيين الكيفية التي تحدث بها هذه الحتمية و من ثم إمكان توحيد هذا الجزء من اللسانيات مع العلوم الاخرى . و ليس هذا التوحيد مركزيا لأبحاث تشومسكي نفسه ، لكن درجة النضج و التعقيد التي تتصف بها اللسانيات التي اقترحها تجعل هذا مشروعا ممكنا ."

تعليق