مَلامِحُ النّقد الأدبي وَمقاييسهُ في العصر الجاهِلِيِّ
د. محمد عارف محمود حسين
النقد الأدبي ملكة وذوق وفطرة، قبل أن يكون علماً وأصولاً وقواعد، وكما وجد الأديب المنشئ الذي وهب ملكة الإنشاء والإِبداع الأدبي، الذي يستطيع أن يصور في أسلوب مثير ما يجيش به خاطره، وما يَعتمل في فؤاده من أفكار وخواطر وأحاسيس..- كما وجد الأديب المنشئ المبدع، فقد وجد- كذلك- الإنسان الذواقة، المرهف الإحساس، النافذ النظر، الذي يستطيع أن يكشف عما في العمل الأدبي من جمال أو قبح، وأن يصل إلى ما خفي من سماته وشاراته، التي تكسبه المكانة العالية إن كانت سماته وشاراته جميلة، أو التي تنزل به إلى الدرك الأسفل في باب الفن الأدبي، إن كانت قبيحة.
ونخلص من هذا إلى القول بأنه إذا كان العرب قد وهبوا ملكة الإنشاء والإبداع الأدبي، وجادت ملكتهم بروائع الشعر والنثر، فقد وهبوا- كذلك- ملكة النقد والتذوق الأدبي، لما أنشأه المنشئون من شعرائهم، ونخلص- أيضاً- إلى القول بأن النقد الأدبي نشأ مع النتاج الأدبي جنباً إلى جنب، وأن الناقد الأدبي وجد في الوقت الذي وجد فيه الأديب المنتج.
وهذا يعنى أن العرب القدامى قد عرفوا النقد الأدبي وزاولوه، عرفوه فطرة وطبيعة، وزاولوه ذوقاً وإحساساً، وطبقوه على نتاجهم الشعري، ولكنهم لم يعرفوه علماً وفناً، له أصوله وقواعده إذ لم يسموا عملهم هذا نقداً، ولم يصفو هذا الوصف، لأن كلمة (نقد) - مقصوداً بها تمييز جيد الكلام من رديئه- لم تستعمل إلا في القرن الثالث الهجري حيث أضيفت إلى الشعر مرة، وإلى النثر ثانية، والى الكلام مرة ثالثة، وأخذ الناس يقولون: نقد الكلام، وهو من نقدة الشعر ونقاده، وانتقد الشعر على قائله [1] واستعمل الشعراء النقد بهذا المعنى كذلك، فقال بعضهم:
رف صعب فكيف نقد الكلام [2]
إن نقد الدينار إلا على الصي
واستخدم المؤلفون هذا التعبير، وأول من استعمله (قدامة [3] بن جعفر) وذلك حين أطلق على كتابه (نقد الشعر) ثم مضى الناس على إثره، فوجدنا كتاب (نقد النثر) فالأرجح أنه لغيره وليس له، ووجدنا (ابن رشيق [4] ) يعنون كتابه ب (العمدة في صناعة الشعر ونقده) .
ملامح النقد الجاهلي:
والناقد الأدبي يعنى النظر الدائب الفاحص في النتاج الأدبي، للكشف عما فيه من جوانب الجمال، أو مواضع القبح، ولذا كان أول شيء مارسه العرب القدامى من شئون النقد الأدبي، هو نظر الشعراء منهم إلى نتاجهم، فكان أغلبهم يتناول شعره بالنظر والتأمل، فلا يزيده النظر والتأمل إلا احتفاءً به وحباً له، ورغبة في تثقيفه، ومحاولة دائبة لصقله، حتى يصل به إلى درجة يشعر معها أنه راض كل الرضا.
وقد اشتهر من هؤلاء الشعراء الذين عنوا بأشعارهم، ووقفوا بأبواب قوافيه، بل باتوا بها- كما كانوا يقولون- اشتهر من هؤلاء زهير [5] بن أبى سلمى، وكعب [6] بن زهير، والحطيئة [7] .. فكان الواحد منهم يمضى عاماً كاملاً ينقح قصيدة واحدة، حتى يصل بها إلى درجة يظن معها أن قصيدته نالت رضاه واستحسانه، وقد سميت هذه القصائد - لذلك- بالحوليات والمنقحات والمحككات.
فها هو ذا كعب بن زهير، يذكر الشعر وحاجته إلى التقويم والتثقيف، ويذكر فضله وفضل الحطيئة في هذا الشأن فيقول:
إذا ما ثوى كعب وفوز جرول [8]
فمن للقوافي شانها من يحوكها
فيقصر عنيا كل ما يتمثل [9]
يقومها حتى تلين متونها
والحطيئة يذكر صعوبة المرتقى إلى جيد الشعر، وحاجة الشاعر إزاءه إلى الجهد والخبرة؛ إذ يقول: [10]
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
الشعر صعب وطويل سلمه
يريد أن يعربه فيعجمه [11]
زلت به إلى الحضيض قدمه
وهو الذي يقول: "خير الشعر الحولي المنقح المحكك " [12] .
وعناية الشاعر الجاهلي بشعره: بالنظر فيه وتقويمه وتثقيفه منحي نقدي جاهلي، سار على نهجه كثير من الشعراء الذين تتابعوا عبر العصور.
ومن هؤلاء الشعراء الذين جروا في طلق الشعراء الجاهليين عدى [13] بن الرقاع، وسويد [14] بن كراع، ومروان [15] بن أبي حفصه، فها هوذا عدى بن الرقاع يتحدث عن تقويمه لشعره وتثقيفه له فيقول:
حتى أقوم سيلها وسنادها [16]
وقصيدة قدبت أجمع بينها
حتى يقيم ثقافه منادها [17]
نظر المثقف في كعوب قناته
وهذا سويد بن كراع يصف نزعة الصناعة وصفاً أدبياً في وجه البداهة والإرتجال إذ يقول: [18]
أصادي بها سرباً من الوحش نزعا [19]
أبيت بأبواب القوافي كأنما
يكون سحيراً أو بعداً فأهجعا [20]
أكالئها حتى أعرس بعد ما
ثم يقول:
فثقفتها حولاً حريداً ومربعا [21]
وجشمني خوف ابن عفان ردها
فلم أر إلا أطيع وأسمعا
وقد كان في نفسي عليها زيادة
وأما مروان بن أبي حفصة فيتحدث عن صناعته لشعره، ومعاودة النظر فيه وتقديمه، فيقول: "كنت أعمل القصيدة في أربعة أشهر، وأحككها في أربعة أشهر، وأعرضها في أربعة أشهر، ثم أخرج بها إلى الناس، فقيل له: فهذا هو الحولي المنقح " [22] .
ولم يقف الأمر بالشعراء الجاهليين عند حد شعرهم بالتأمل فيه والنظر إليه، ومحاولة تنقيحه وتهذيبه ... بل تعدوا ذلك، فكان منهم من يتجاوز النظر في شعره إلى النظر في شعر غيره، فيتناوله بالفحص والتدقيق وإنعام النظر فيه مرة بعد مرة، ثم يعقب على ذلك، بما يرى من استحسان أو استهجان.
ومن الأمثلة التي روتها كتب الأدب لحكم بعض الشعراء على بعض، ما روى أن النابغة [23] الذبياني فقد حسان [24] بن ثابت، حصان أنشده قوله:
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
نقده بقوله: أقللت جفانك وسيوفك (لأن الجفنات هي الجمع لأدنى العدد، أما الكثرة فتجمع على جفان، وكذلك الأسياف لأدنى العدد، والكثرة سيوف) وقلت: (يلمعن في الضحى) ولو قلت: يبرقن في الدجى لكان أبلغ، لأن الضيف في الليل أكثر، وقلت: (يقطرن من نجدة دما) فدللت على قلة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لانصباب الدم.
ومنها ما روى أن أهل المدينة نقدوا شعر النابغة الذي وقع فيه (الإِقواء) [25] وهو قوله:
عجلان ذا زاد وغير مزود [26]
من آل مية رائح أو مغتد
وبذاك خبرنا الغراب الأسود [27]
زعم البوارح أن رحلتنا غداً
وقوله:
فتناولته واتقتنا باليد [28]
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
عنم يكاد من اللطاف يعقد [29]
بمخضب رخص كأن بنانه
ويروي أبو عمرو [30] بن العلاء أن الذبياني، لما قدم يثرب على الأوس والخزرج - وكان أهل الحجاز من المعجبين بشعره، وكانوا قد عرفوا الإِقواء في شعره- دسّوا له قينه (جاريه) تغنيه به، فغنته ومدت صوتها بالقوافي، فظهر الإختلاف في حركتها؛وتنبه النابغة لما جاء منها مضموماً، وهى مكسورة كلها، فأصلحه على الوجه الآتي:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
زعم البوارح أن رحلتنا غداً
عنم على أعضائه لم يعقد بمخضب رخص كأن بنانه
وقال: "قدمت الحجاز وفي شعري هنة، ورحلت عنه وأنا أشعر الناس" [31] .
ومنها نقد طرفة [32] بن العبد لقول المتلمس: [33]
بناج عليه الصيعرية مكدم [34]
وقد أتناسى الهم عند ادكاره
نقده بقوله: (استنوق الجمل) [35] يعني طرفة أن الشاعر قد وصف الجمل بما توصف به الناقة، لأن الصيعرية سمة تكون في عنق الناقة لا الجمل.
ومن الأمثلة على هذا اللون من النقد- أيضاً- ما روى أن الحطيئة سئل: من أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:
يفره ومن لا يتق الشتم يشتم [36]
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يقصد بهذا زهيراً، وسئل: ثم من؟ قال الذي يقول:
وسائل الله لا يخيب
من يسأل الناس يحرموه
يقصد عبيد بن الأبرص [37] .
وليس ما تقدم من نظرات جاهلية نقدية- من نظر الشاعر في شعره، ومحاولته تهذيبه وتثقيفه، ومن نظره- أحياناً- إلى شعر غيره والحكم عليه- ليس ما تقدم هو كل ما قام به النقد الجاهلي من دور في تقويم الشعر العربي الجاهلي، والوصول به إلى درجة من الكمال الفني ... بل إن النقد الجاهلي قد ساهم بلون آخر من ألوانه التي عملت على النهضة بالشعر العربي، هذا اللون هو المفاضلة أو الموازنة بين الشعراء.
وتروي كتب الأدب أن النابغة الذبياني، كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ، حيث يفد إليه الشعراء يعرضون عليه نتاجهم، فإذا به يستمع إليهم جميعاً، ثم يحكم في النهاية لمن نالت قصيدته الرضا والاستحسان.
وقد ساعد على هذا اللون من النقد، وعمل على وجوده دواع كثيرة، ومواقف متعددة، منها (تلك المواسم والأسواق، والمجامع الجامعة، والمحافل الحافلة، التي كان العرب يحضرونها بما لديهم من المفاخر، يتبادلون عندها المنافع، ويتناشدون الأشعار، متباهين بجودتها، وقد جلس للحكم بينهم وتفضيل بعضهم على بعض فيها سادة مقدمون، ولسن معاول [38] ) ومنها تلك المواقف التي كثيراً ما (يلتقي فيها شاعران على بساط المنافسة الأدبية، أو يجريها اللجاج حول بعض الأمور إلى التماس الفوز عن طريق الحكم لأحدهما بالأصالة والمنزلة الشعرية) [39] .
وتروى لنا كتب الأدب مشهداً من تلك المشاهد التي كانت بين النابغة والشعراء في عكاظ، أنشده الأعشى مرة، ثم أنشده حسان بن ثابت، ثم شعراء من بعده، ثم الخنساء أنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر التي منها:-
كأنه علم في رأسه نار
وإن صخراً لتأتم الهداة به
فأعجب بالقصيدة، وقال لها:"لولا أن أبا بصير- يعني الأعشى- أنشدني لقلت: إنك أشعر الجن والإِنس ". فالأعشى إذن أشعر الذين أنشدوا النابغة، والخنساء تليه منزلة وجودة شعر [40] .
ومن الأمثلة على هذا اللون من النقد الذي يقوم على المفاضلة بين الشعراء ما روى أن رهطاً من شعراء تميم اجتمعوا في مجلس شراب، وهم: الزبرقان [41] بن بدر، والمخبل [42] السعدي، وعبدة [43] بن الطبيب، وعمرو [44] بن الأهتم، اجتمعوا قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وتذاكروا أشعارهم، وقال بعضهم:"لو أن قوماً طاروا من جودة الشعر لطرنا "، فتحاكموا إلى أول من يطلع عليهم، فطلع عليهم ربيعة بن حذار الأسدي أو غيره في رواية، وقالوا له:"أخبرنا أينا أشعر؟ "فقال:"أما عمرو فشعره برود يمنية تطوى وتنشر، وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزوراً قد نحرت، فأخذ من أطايبها، وخلطه بغير ذلك، أو قال له: شعرك كلحم لم ينضج فيؤكل، ولا ترك نيئاً فينتفع به، وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من الله يلقيها على من يشاء من عباده، وأما أنت يا عبدة فشعرك كمزادة أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء" [45] وفي رواية أخرى أنه قال لعمرو: "وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرود حبر، يتلألأ فيها البصر، فكلما أعيد فيها النظر نقص البصر، وقال للمخبل: وأما أنت يا مخبل، فإن شعرك قصر عن شعرهم وارتفع عن شعر غيرهم، وقال لعبدة: وأما أنت يا عبدة فإن شعرك كمزادة أحكم خرزها، فليس تقطر ولا تمطر" [46] .
ومن الأمثلة على هذا اللون- أيضاً- ما روي أن امرؤ القيس [47] كان جالساً بخبائه، وعنده زوجه (أم جندب) الطائية، فجاءه علقمة [48] بن عبدة التميمي، وتذاكرا أمر الشعر، وادعى كل منهما لنفسه فيه ما ليس عند صاحبه، فاتفقا على أن ينشدا، وتحكم بينهما (أم جندب) فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
نقضي لبانات الفؤاد المعذب
خليلي مرا بي على أم جندب
د. محمد عارف محمود حسين
النقد الأدبي ملكة وذوق وفطرة، قبل أن يكون علماً وأصولاً وقواعد، وكما وجد الأديب المنشئ الذي وهب ملكة الإنشاء والإِبداع الأدبي، الذي يستطيع أن يصور في أسلوب مثير ما يجيش به خاطره، وما يَعتمل في فؤاده من أفكار وخواطر وأحاسيس..- كما وجد الأديب المنشئ المبدع، فقد وجد- كذلك- الإنسان الذواقة، المرهف الإحساس، النافذ النظر، الذي يستطيع أن يكشف عما في العمل الأدبي من جمال أو قبح، وأن يصل إلى ما خفي من سماته وشاراته، التي تكسبه المكانة العالية إن كانت سماته وشاراته جميلة، أو التي تنزل به إلى الدرك الأسفل في باب الفن الأدبي، إن كانت قبيحة.
ونخلص من هذا إلى القول بأنه إذا كان العرب قد وهبوا ملكة الإنشاء والإبداع الأدبي، وجادت ملكتهم بروائع الشعر والنثر، فقد وهبوا- كذلك- ملكة النقد والتذوق الأدبي، لما أنشأه المنشئون من شعرائهم، ونخلص- أيضاً- إلى القول بأن النقد الأدبي نشأ مع النتاج الأدبي جنباً إلى جنب، وأن الناقد الأدبي وجد في الوقت الذي وجد فيه الأديب المنتج.
وهذا يعنى أن العرب القدامى قد عرفوا النقد الأدبي وزاولوه، عرفوه فطرة وطبيعة، وزاولوه ذوقاً وإحساساً، وطبقوه على نتاجهم الشعري، ولكنهم لم يعرفوه علماً وفناً، له أصوله وقواعده إذ لم يسموا عملهم هذا نقداً، ولم يصفو هذا الوصف، لأن كلمة (نقد) - مقصوداً بها تمييز جيد الكلام من رديئه- لم تستعمل إلا في القرن الثالث الهجري حيث أضيفت إلى الشعر مرة، وإلى النثر ثانية، والى الكلام مرة ثالثة، وأخذ الناس يقولون: نقد الكلام، وهو من نقدة الشعر ونقاده، وانتقد الشعر على قائله [1] واستعمل الشعراء النقد بهذا المعنى كذلك، فقال بعضهم:
رف صعب فكيف نقد الكلام [2]
إن نقد الدينار إلا على الصي
واستخدم المؤلفون هذا التعبير، وأول من استعمله (قدامة [3] بن جعفر) وذلك حين أطلق على كتابه (نقد الشعر) ثم مضى الناس على إثره، فوجدنا كتاب (نقد النثر) فالأرجح أنه لغيره وليس له، ووجدنا (ابن رشيق [4] ) يعنون كتابه ب (العمدة في صناعة الشعر ونقده) .
ملامح النقد الجاهلي:
والناقد الأدبي يعنى النظر الدائب الفاحص في النتاج الأدبي، للكشف عما فيه من جوانب الجمال، أو مواضع القبح، ولذا كان أول شيء مارسه العرب القدامى من شئون النقد الأدبي، هو نظر الشعراء منهم إلى نتاجهم، فكان أغلبهم يتناول شعره بالنظر والتأمل، فلا يزيده النظر والتأمل إلا احتفاءً به وحباً له، ورغبة في تثقيفه، ومحاولة دائبة لصقله، حتى يصل به إلى درجة يشعر معها أنه راض كل الرضا.
وقد اشتهر من هؤلاء الشعراء الذين عنوا بأشعارهم، ووقفوا بأبواب قوافيه، بل باتوا بها- كما كانوا يقولون- اشتهر من هؤلاء زهير [5] بن أبى سلمى، وكعب [6] بن زهير، والحطيئة [7] .. فكان الواحد منهم يمضى عاماً كاملاً ينقح قصيدة واحدة، حتى يصل بها إلى درجة يظن معها أن قصيدته نالت رضاه واستحسانه، وقد سميت هذه القصائد - لذلك- بالحوليات والمنقحات والمحككات.
فها هو ذا كعب بن زهير، يذكر الشعر وحاجته إلى التقويم والتثقيف، ويذكر فضله وفضل الحطيئة في هذا الشأن فيقول:
إذا ما ثوى كعب وفوز جرول [8]
فمن للقوافي شانها من يحوكها
فيقصر عنيا كل ما يتمثل [9]
يقومها حتى تلين متونها
والحطيئة يذكر صعوبة المرتقى إلى جيد الشعر، وحاجة الشاعر إزاءه إلى الجهد والخبرة؛ إذ يقول: [10]
إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
الشعر صعب وطويل سلمه
يريد أن يعربه فيعجمه [11]
زلت به إلى الحضيض قدمه
وهو الذي يقول: "خير الشعر الحولي المنقح المحكك " [12] .
وعناية الشاعر الجاهلي بشعره: بالنظر فيه وتقويمه وتثقيفه منحي نقدي جاهلي، سار على نهجه كثير من الشعراء الذين تتابعوا عبر العصور.
ومن هؤلاء الشعراء الذين جروا في طلق الشعراء الجاهليين عدى [13] بن الرقاع، وسويد [14] بن كراع، ومروان [15] بن أبي حفصه، فها هوذا عدى بن الرقاع يتحدث عن تقويمه لشعره وتثقيفه له فيقول:
حتى أقوم سيلها وسنادها [16]
وقصيدة قدبت أجمع بينها
حتى يقيم ثقافه منادها [17]
نظر المثقف في كعوب قناته
وهذا سويد بن كراع يصف نزعة الصناعة وصفاً أدبياً في وجه البداهة والإرتجال إذ يقول: [18]
أصادي بها سرباً من الوحش نزعا [19]
أبيت بأبواب القوافي كأنما
يكون سحيراً أو بعداً فأهجعا [20]
أكالئها حتى أعرس بعد ما
ثم يقول:
فثقفتها حولاً حريداً ومربعا [21]
وجشمني خوف ابن عفان ردها
فلم أر إلا أطيع وأسمعا
وقد كان في نفسي عليها زيادة
وأما مروان بن أبي حفصة فيتحدث عن صناعته لشعره، ومعاودة النظر فيه وتقديمه، فيقول: "كنت أعمل القصيدة في أربعة أشهر، وأحككها في أربعة أشهر، وأعرضها في أربعة أشهر، ثم أخرج بها إلى الناس، فقيل له: فهذا هو الحولي المنقح " [22] .
ولم يقف الأمر بالشعراء الجاهليين عند حد شعرهم بالتأمل فيه والنظر إليه، ومحاولة تنقيحه وتهذيبه ... بل تعدوا ذلك، فكان منهم من يتجاوز النظر في شعره إلى النظر في شعر غيره، فيتناوله بالفحص والتدقيق وإنعام النظر فيه مرة بعد مرة، ثم يعقب على ذلك، بما يرى من استحسان أو استهجان.
ومن الأمثلة التي روتها كتب الأدب لحكم بعض الشعراء على بعض، ما روى أن النابغة [23] الذبياني فقد حسان [24] بن ثابت، حصان أنشده قوله:
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
نقده بقوله: أقللت جفانك وسيوفك (لأن الجفنات هي الجمع لأدنى العدد، أما الكثرة فتجمع على جفان، وكذلك الأسياف لأدنى العدد، والكثرة سيوف) وقلت: (يلمعن في الضحى) ولو قلت: يبرقن في الدجى لكان أبلغ، لأن الضيف في الليل أكثر، وقلت: (يقطرن من نجدة دما) فدللت على قلة القتل، ولو قلت: يجرين لكان أكثر لانصباب الدم.
ومنها ما روى أن أهل المدينة نقدوا شعر النابغة الذي وقع فيه (الإِقواء) [25] وهو قوله:
عجلان ذا زاد وغير مزود [26]
من آل مية رائح أو مغتد
وبذاك خبرنا الغراب الأسود [27]
زعم البوارح أن رحلتنا غداً
وقوله:
فتناولته واتقتنا باليد [28]
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
عنم يكاد من اللطاف يعقد [29]
بمخضب رخص كأن بنانه
ويروي أبو عمرو [30] بن العلاء أن الذبياني، لما قدم يثرب على الأوس والخزرج - وكان أهل الحجاز من المعجبين بشعره، وكانوا قد عرفوا الإِقواء في شعره- دسّوا له قينه (جاريه) تغنيه به، فغنته ومدت صوتها بالقوافي، فظهر الإختلاف في حركتها؛وتنبه النابغة لما جاء منها مضموماً، وهى مكسورة كلها، فأصلحه على الوجه الآتي:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
زعم البوارح أن رحلتنا غداً
عنم على أعضائه لم يعقد بمخضب رخص كأن بنانه
وقال: "قدمت الحجاز وفي شعري هنة، ورحلت عنه وأنا أشعر الناس" [31] .
ومنها نقد طرفة [32] بن العبد لقول المتلمس: [33]
بناج عليه الصيعرية مكدم [34]
وقد أتناسى الهم عند ادكاره
نقده بقوله: (استنوق الجمل) [35] يعني طرفة أن الشاعر قد وصف الجمل بما توصف به الناقة، لأن الصيعرية سمة تكون في عنق الناقة لا الجمل.
ومن الأمثلة على هذا اللون من النقد- أيضاً- ما روى أن الحطيئة سئل: من أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:
يفره ومن لا يتق الشتم يشتم [36]
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يقصد بهذا زهيراً، وسئل: ثم من؟ قال الذي يقول:
وسائل الله لا يخيب
من يسأل الناس يحرموه
يقصد عبيد بن الأبرص [37] .
وليس ما تقدم من نظرات جاهلية نقدية- من نظر الشاعر في شعره، ومحاولته تهذيبه وتثقيفه، ومن نظره- أحياناً- إلى شعر غيره والحكم عليه- ليس ما تقدم هو كل ما قام به النقد الجاهلي من دور في تقويم الشعر العربي الجاهلي، والوصول به إلى درجة من الكمال الفني ... بل إن النقد الجاهلي قد ساهم بلون آخر من ألوانه التي عملت على النهضة بالشعر العربي، هذا اللون هو المفاضلة أو الموازنة بين الشعراء.
وتروي كتب الأدب أن النابغة الذبياني، كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ، حيث يفد إليه الشعراء يعرضون عليه نتاجهم، فإذا به يستمع إليهم جميعاً، ثم يحكم في النهاية لمن نالت قصيدته الرضا والاستحسان.
وقد ساعد على هذا اللون من النقد، وعمل على وجوده دواع كثيرة، ومواقف متعددة، منها (تلك المواسم والأسواق، والمجامع الجامعة، والمحافل الحافلة، التي كان العرب يحضرونها بما لديهم من المفاخر، يتبادلون عندها المنافع، ويتناشدون الأشعار، متباهين بجودتها، وقد جلس للحكم بينهم وتفضيل بعضهم على بعض فيها سادة مقدمون، ولسن معاول [38] ) ومنها تلك المواقف التي كثيراً ما (يلتقي فيها شاعران على بساط المنافسة الأدبية، أو يجريها اللجاج حول بعض الأمور إلى التماس الفوز عن طريق الحكم لأحدهما بالأصالة والمنزلة الشعرية) [39] .
وتروى لنا كتب الأدب مشهداً من تلك المشاهد التي كانت بين النابغة والشعراء في عكاظ، أنشده الأعشى مرة، ثم أنشده حسان بن ثابت، ثم شعراء من بعده، ثم الخنساء أنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر التي منها:-
كأنه علم في رأسه نار
وإن صخراً لتأتم الهداة به
فأعجب بالقصيدة، وقال لها:"لولا أن أبا بصير- يعني الأعشى- أنشدني لقلت: إنك أشعر الجن والإِنس ". فالأعشى إذن أشعر الذين أنشدوا النابغة، والخنساء تليه منزلة وجودة شعر [40] .
ومن الأمثلة على هذا اللون من النقد الذي يقوم على المفاضلة بين الشعراء ما روى أن رهطاً من شعراء تميم اجتمعوا في مجلس شراب، وهم: الزبرقان [41] بن بدر، والمخبل [42] السعدي، وعبدة [43] بن الطبيب، وعمرو [44] بن الأهتم، اجتمعوا قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وتذاكروا أشعارهم، وقال بعضهم:"لو أن قوماً طاروا من جودة الشعر لطرنا "، فتحاكموا إلى أول من يطلع عليهم، فطلع عليهم ربيعة بن حذار الأسدي أو غيره في رواية، وقالوا له:"أخبرنا أينا أشعر؟ "فقال:"أما عمرو فشعره برود يمنية تطوى وتنشر، وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزوراً قد نحرت، فأخذ من أطايبها، وخلطه بغير ذلك، أو قال له: شعرك كلحم لم ينضج فيؤكل، ولا ترك نيئاً فينتفع به، وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من الله يلقيها على من يشاء من عباده، وأما أنت يا عبدة فشعرك كمزادة أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء" [45] وفي رواية أخرى أنه قال لعمرو: "وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرود حبر، يتلألأ فيها البصر، فكلما أعيد فيها النظر نقص البصر، وقال للمخبل: وأما أنت يا مخبل، فإن شعرك قصر عن شعرهم وارتفع عن شعر غيرهم، وقال لعبدة: وأما أنت يا عبدة فإن شعرك كمزادة أحكم خرزها، فليس تقطر ولا تمطر" [46] .
ومن الأمثلة على هذا اللون- أيضاً- ما روي أن امرؤ القيس [47] كان جالساً بخبائه، وعنده زوجه (أم جندب) الطائية، فجاءه علقمة [48] بن عبدة التميمي، وتذاكرا أمر الشعر، وادعى كل منهما لنفسه فيه ما ليس عند صاحبه، فاتفقا على أن ينشدا، وتحكم بينهما (أم جندب) فقال امرؤ القيس قصيدته التي مطلعها:
نقضي لبانات الفؤاد المعذب
خليلي مرا بي على أم جندب

تعليق