التكرار في القرآن العظيم
د. أحمد جمال العمري
الحمد لله.. أضاء بصائرنا وأبصارنا بنور القرآن. وجعله آية خالدة على مر الزمان، أحمده سبحانه، جلّت حكمته، وعظمت مشيئته، له في كل مجال آية، وفي كل خلق حكمة تشهد بعظمته الباهرة، وقدرته القاهرة.
والصلاة السلام على من لا نبي بعده، الذي شرفه الله بالقرآن.. محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان.
سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنَا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
القرآن كلام الله المعجز للخلق في بلاغته وأسلوبه ونظمه، المعجز في تأثير هدايته المعجز في تشريعاته، المعجز في علومه وحكمه، المعجز في كشف الحجب عن الغيوب الماضية.. وفي كل باب من هذه الأبواب للإعجاز فصول وفي كل فصل منها فروع ترجع إلى أصول.. ولقد حار العلماء في كشف حجب البيان عن وجوه إعجاز القرآن.. فمن آيات هذا الإعجاز.. الإعجاز البلاغي..
ومن صور الإعجاز البلاغي ظاهرة التكرار.
والتكرار: مصدر كَرًرَ إذا رَدًدَ وأعاد، وهو (تَفْعَال) يفتح التاء، وليس بقياس. بخلاف (التًفْعيل) وهذا مذهب سيبويه البصري. أما الكوفيون، فقالوا: هز مصدر (فَعًل) والألف عوضٌ عن الياء في التًفْعيل.
وقد أنكر بعض العلماء كون التكرار من أساليب الفصاحة، وظنوا أنه لا فائدة له.. وهذا أمر مردود.. فالتكرار من محاسن أساليب الفصاحة العربية، خاصة إذا تعلق بعضه ببعض. وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه.. كررته توكيداً.
وإنما نزل القرآن المجيد بلسانهم، وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة.
وعلى ذلك يحتمل كل ما جاء في القرآن من تكرار المواعظ والوعد والوعيد، لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة، وكلها داعية إلى الشهوات، ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع. قال الحق تبارك وتعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر} .
قال الزمخشري [1] : ((أي سهلناه للإدِكار والاتعاظ بأن نسجناه بالمواعظ الشافية، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد..)) .
والتكرار- في القرآن العظيم- قد يكون بتكرير الجملة مرتين
كقوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [2] .
{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [3] .
{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [4] .
{كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} [5] .
وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [6] .
وفائدته العظمى هنا التقرير. - لذلك قال العلماء: الكلام إذا تكرًر تقرًر.
وقد يكون بتكرير اللفظ.. وهذه هي حقيقته- أي إعادة اللفظ أو مرادفه، لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول في الكلام.. كما في قوله تعالى:
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [7] .
وفي قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [8] .
فإن أعيد اللفظ لا لتقرير المعنى الأول، لم يكن من التكرار.
ففي قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه} [9] .
فأعاد قوله {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي} بعد قوله {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} - لا لتقرير الأول، بل لغرض آخر..
لأن معنى الأول: الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها.
ومعنى الثاني: أنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص، لذلك قدم المفعول على فعل العبادة في الثاني، وأخَر في الأول.. لأن الكلام أولا في الفعل، وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل.
قال البلاغيون: إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل. أما إذا وافق الأصل فلا.. ولهذا السبب لا يتجه سؤالهم:
لم كرَرً (إيًاك) في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} نقول: إنما كررت لغرض عظيم هو التأكيد.
ونقول أيضا: إنما كررت لارتفاع أن يتوهم-إذا حذفت- أن مفعول (نستعين) ضمير متصل واقع بعد الفعل، فتفوت إذْ ذاك الدلالة على المعنى المقصود، بتقديم المعمول على عامله.. هكذا قال النحويون.
وقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى بالأسباب التي من أجلها كررت الأقاصيص والأخبار في الكتاب العزيز فقال:
{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [10] .
وقال سبحانه: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [11] .
وللتكرار -في القرآن العظيم- فوائد جمة تشهد بروعة البيان الإلهي.. أهمها:
1- أن التكرار يأتي من مقام التعظيم والتهويل:
كقوله تعالى: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} [12] {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ} [13] {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [14] {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [15] {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [16] .
2- أنه قد يأتي في مقام الوعيد والتهديد:
كقوله تعالى: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [17] وقد ذكر (ثم) في المكرر، دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول.
وفي هذا القول أيضا، تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى، وإن تعاقبت عليه الأزمنة، لا يتطرق إليه تغيير، بل هو مستمر دائما.
3- التعجب:
كقوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [18] فكرر تعجبا من تقديره وإصابته الغرض، على حد ((قاتله الله ما أشجعه)) .
4- زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، ليكمل تلقي الكلام بالقبول:
كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} [19] فإنه كرر فيه النداء لذلك.
5- الأمن من النسيان أو السهو:
فالكلام إذا طال وخشي تناسي الأول أعيد ثانية تطرية له، وتجديدا لعهده. كقوله تعالى:
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .. ثم قال {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} [20] فهذا تكرار للأول.
وقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [21] فقوله (أنكم) الثاني بناء على الأول، إذكارا به خشية تناسيه.
وكذلك قوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [22] .. إلى قوله {كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} بغير (إنا) ، وفي غيره من مواضع ذكر (إنا كذلك) ، لأنه يبنى على ما سبقه في هذه القصة (إنا كذلك) فكأنه طرح فيما اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا.
ولأن التأكيد بالنسبة، فاعتبر اللفظ من حيث هو دون توكيده.
6- وتظهر روعة إعجاز هذا الباب أكثر ما تظهر عند تعدد المتعلق.
كما كرره الله تعالى من قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} لأنه تعالى- ذكر نعمة بعد نعمة، وعقب كل نعمة بهذا القول.. فإنها وإن تعددت، فكل واحد منها متعلق بما قبله، وأن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن، وعدد عليهم نعمة الله التي خلقها لهم، فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه، وهي أنواع مختلفة، وصور شتى. فإن قيل.. فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها.. فلما عقب بهذا القول ما ليس نعمة، كما في قوله:
{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ} [23] .
وقوله: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [24] وأي نعمة هنا؟ وإنما هو وعيد..
أجاب القزويني فقال: العذاب وجهنم-وإن لم يكونا من آلاء الله تعالى- فإن ذكرهما ووضعهما عن طريق الزجر عن المعاصي، والترغيب في الطاعات، من آلائه تعالى، ونحوه قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [25] ، لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة، واتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه قال عقب كل قصة: (ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة) [26] .ونقول أيضا: إن الله أنعم فيما أنذر به، وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها فيرتدعوا عنها نظير أنعمه على ما وعده، وبشر من ثوابه على طاعته، ليرغبوا فيها، ويحرصوا عليها، وإنما تتحقق معرفة الشيء بأن تعتبره بضده، والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذروتهما، فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوفيق على ملاك الأمر منهما.. وعليه قول الشاعر:
والحادثات وإن أصابك بؤسها
فهو الذي أنباك كيف نعيمها
ومن هذا النوع من التكرار قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [27] في ثمانية مواضع، لأجل الوعظ فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة.
وأما قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام. والعجب من تخلف من لا يتأملها مع ظهورها.
وأما مناسبة قوله {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر، فدل بالمفهوم على إيمان الأقل، فكانت العزة على من لم يؤمن، والرحمة لمن آمن، وهما مرتبتان كترتب الفريقين [28] .ومن هذا التكرار أيضا قوله تعالى: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [29] .
قال الزمخشري [30] ((كرر ليجدوا عند سماع كل نبأ منها اتعاظاً وتنبيها، وأن كلا من تلك الأنباء مستحق باعتبار يختص بها، وأن ينتبهوا كي لا يغلبهم السرور والغفلة)) .
ومنه كذلك- تكرار الأمر بالتوجه إلى بيت الله الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة. وهو قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [31] .
لأن المنكرين لتحويل القبلة -كما ذكر المفسرون- كانوا ثلاثة أصناف في الناس:
- اليهود.. لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم.
- وأهل النفاق.. وكانوا أشد إنكارا له، لأنه كان أول نسخ نزل.
- وكفار قريش.. الذين قالوا: ندم محمد على فراق ديننا، فيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا، وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: بزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قبلتهما وآثر عليها قبلة اليهود.
فقال الحق تبارك وتعالى حين أمره بالصلاة إلى الكعبة:
{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [32] والاستثناء في هذه الآية منقطع - أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال جل جلاله: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [33] أي الذين أشركوا فلا تمتر في ذلك.
وقال تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [34] أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء.
ومن هذا التكرار أيضا- قوله عز وجل في سورة الصافات [35] : {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} .
ثم كرر هاتين الآيتين بعد ذلك في قوله سبحانه [36] :
{وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} .
قال المفسرون- في غريب القرآن: إنما كرر للتأكيد وتشديد الوعيد.
وقالوا أيضا: يحتمل أن يكون ((الحين)) في الأولين [37] يوم بدر، والحين في هاتين [38] يوم فتح مكة. وفرقوا بينهما فقالوا: إن من فوائد قوله تعالى في الأولين {أَبْصِرْهُمْ} وفي هاتين {فأَبْصِرْ} - أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا، وهزيمة ورعبا، فلما تضمنت التشفي بهم قيل له:
{أَبْصِرْهُمْ} . وأما يوم الفتح، فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم، والهداية إلى إيمانهم، فلم يكن وفقا للتشفي بهم، بل كان في استسلامهم، وإسلامهم لعينه قرة، ولقلبه مسرة، فقيل له: {أَبْصِرْ} .
ومن التكرار كذلك- قول الحق تبارك وتعالى:
{لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ} [39] .
قال علماء الفقه: للتكرار هنا فائدتان..
أما الفائدة الأولى: أن التحريم قد يكون في الطرفين، ولكن يكون المانع من إحداهما كما لو ارتدت الزوجة قبل الدخول، يحرم النكاح من طرفين، والمانع من جهتهما، فذكر الله سبحانه الثانية، ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين، كذلك المانع منهما.
وأما الفائدة الثانية: أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي، ولهذا أتي فيها بالاسم الدال على الثبوت، والثانية في المستقبل، ولهذا أتي فيها بالفعل المستقبل.
ومن التكرار في القرآن المجيد أنواع كثيرة.. كلها تشهد بعظمة الحق سبحانه، وتعترف بإعجاز كتابه المبين. أهمها:
1- تكرار الإضراب [40] :
وقد ورد في القرآن العظيم منه ضربان:
أولهما: أن يكون ما فيه من الرد راجعا إلى العباد.
كقوله تعالى: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [41] .
وثانيهما: أن يكون إبطالا، ولكنه على أنه قد مضى وانقضى وقته، وأن الذي بعده أولى بالذكر. كقوله تعالى:
د. أحمد جمال العمري
الحمد لله.. أضاء بصائرنا وأبصارنا بنور القرآن. وجعله آية خالدة على مر الزمان، أحمده سبحانه، جلّت حكمته، وعظمت مشيئته، له في كل مجال آية، وفي كل خلق حكمة تشهد بعظمته الباهرة، وقدرته القاهرة.
والصلاة السلام على من لا نبي بعده، الذي شرفه الله بالقرآن.. محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان.
سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنَا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
القرآن كلام الله المعجز للخلق في بلاغته وأسلوبه ونظمه، المعجز في تأثير هدايته المعجز في تشريعاته، المعجز في علومه وحكمه، المعجز في كشف الحجب عن الغيوب الماضية.. وفي كل باب من هذه الأبواب للإعجاز فصول وفي كل فصل منها فروع ترجع إلى أصول.. ولقد حار العلماء في كشف حجب البيان عن وجوه إعجاز القرآن.. فمن آيات هذا الإعجاز.. الإعجاز البلاغي..
ومن صور الإعجاز البلاغي ظاهرة التكرار.
والتكرار: مصدر كَرًرَ إذا رَدًدَ وأعاد، وهو (تَفْعَال) يفتح التاء، وليس بقياس. بخلاف (التًفْعيل) وهذا مذهب سيبويه البصري. أما الكوفيون، فقالوا: هز مصدر (فَعًل) والألف عوضٌ عن الياء في التًفْعيل.
وقد أنكر بعض العلماء كون التكرار من أساليب الفصاحة، وظنوا أنه لا فائدة له.. وهذا أمر مردود.. فالتكرار من محاسن أساليب الفصاحة العربية، خاصة إذا تعلق بعضه ببعض. وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذا أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه.. كررته توكيداً.
وإنما نزل القرآن المجيد بلسانهم، وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة.
وعلى ذلك يحتمل كل ما جاء في القرآن من تكرار المواعظ والوعد والوعيد، لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة، وكلها داعية إلى الشهوات، ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع. قال الحق تبارك وتعالى:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْر} .
قال الزمخشري [1] : ((أي سهلناه للإدِكار والاتعاظ بأن نسجناه بالمواعظ الشافية، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد..)) .
والتكرار- في القرآن العظيم- قد يكون بتكرير الجملة مرتين
كقوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [2] .
{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [3] .
{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [4] .
{كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} [5] .
وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [6] .
وفائدته العظمى هنا التقرير. - لذلك قال العلماء: الكلام إذا تكرًر تقرًر.
وقد يكون بتكرير اللفظ.. وهذه هي حقيقته- أي إعادة اللفظ أو مرادفه، لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول في الكلام.. كما في قوله تعالى:
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [7] .
وفي قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [8] .
فإن أعيد اللفظ لا لتقرير المعنى الأول، لم يكن من التكرار.
ففي قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِه} [9] .
فأعاد قوله {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي} بعد قوله {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} - لا لتقرير الأول، بل لغرض آخر..
لأن معنى الأول: الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها.
ومعنى الثاني: أنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص، لذلك قدم المفعول على فعل العبادة في الثاني، وأخَر في الأول.. لأن الكلام أولا في الفعل، وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل.
قال البلاغيون: إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل. أما إذا وافق الأصل فلا.. ولهذا السبب لا يتجه سؤالهم:
لم كرَرً (إيًاك) في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} نقول: إنما كررت لغرض عظيم هو التأكيد.
ونقول أيضا: إنما كررت لارتفاع أن يتوهم-إذا حذفت- أن مفعول (نستعين) ضمير متصل واقع بعد الفعل، فتفوت إذْ ذاك الدلالة على المعنى المقصود، بتقديم المعمول على عامله.. هكذا قال النحويون.
وقد أخبرنا الحق تبارك وتعالى بالأسباب التي من أجلها كررت الأقاصيص والأخبار في الكتاب العزيز فقال:
{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [10] .
وقال سبحانه: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [11] .
وللتكرار -في القرآن العظيم- فوائد جمة تشهد بروعة البيان الإلهي.. أهمها:
1- أن التكرار يأتي من مقام التعظيم والتهويل:
كقوله تعالى: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} [12] {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ} [13] {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [14] {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [15] {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [16] .
2- أنه قد يأتي في مقام الوعيد والتهديد:
كقوله تعالى: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [17] وقد ذكر (ثم) في المكرر، دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول.
وفي هذا القول أيضا، تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى، وإن تعاقبت عليه الأزمنة، لا يتطرق إليه تغيير، بل هو مستمر دائما.
3- التعجب:
كقوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [18] فكرر تعجبا من تقديره وإصابته الغرض، على حد ((قاتله الله ما أشجعه)) .
4- زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، ليكمل تلقي الكلام بالقبول:
كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} [19] فإنه كرر فيه النداء لذلك.
5- الأمن من النسيان أو السهو:
فالكلام إذا طال وخشي تناسي الأول أعيد ثانية تطرية له، وتجديدا لعهده. كقوله تعالى:
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .. ثم قال {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} [20] فهذا تكرار للأول.
وقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [21] فقوله (أنكم) الثاني بناء على الأول، إذكارا به خشية تناسيه.
وكذلك قوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [22] .. إلى قوله {كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} بغير (إنا) ، وفي غيره من مواضع ذكر (إنا كذلك) ، لأنه يبنى على ما سبقه في هذه القصة (إنا كذلك) فكأنه طرح فيما اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا.
ولأن التأكيد بالنسبة، فاعتبر اللفظ من حيث هو دون توكيده.
6- وتظهر روعة إعجاز هذا الباب أكثر ما تظهر عند تعدد المتعلق.
كما كرره الله تعالى من قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} لأنه تعالى- ذكر نعمة بعد نعمة، وعقب كل نعمة بهذا القول.. فإنها وإن تعددت، فكل واحد منها متعلق بما قبله، وأن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن، وعدد عليهم نعمة الله التي خلقها لهم، فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه، وهي أنواع مختلفة، وصور شتى. فإن قيل.. فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها.. فلما عقب بهذا القول ما ليس نعمة، كما في قوله:
{يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ} [23] .
وقوله: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [24] وأي نعمة هنا؟ وإنما هو وعيد..
أجاب القزويني فقال: العذاب وجهنم-وإن لم يكونا من آلاء الله تعالى- فإن ذكرهما ووضعهما عن طريق الزجر عن المعاصي، والترغيب في الطاعات، من آلائه تعالى، ونحوه قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [25] ، لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة، واتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه قال عقب كل قصة: (ويل يومئذ للمكذبين بهذه القصة) [26] .ونقول أيضا: إن الله أنعم فيما أنذر به، وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها فيرتدعوا عنها نظير أنعمه على ما وعده، وبشر من ثوابه على طاعته، ليرغبوا فيها، ويحرصوا عليها، وإنما تتحقق معرفة الشيء بأن تعتبره بضده، والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذروتهما، فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوفيق على ملاك الأمر منهما.. وعليه قول الشاعر:
والحادثات وإن أصابك بؤسها
فهو الذي أنباك كيف نعيمها
ومن هذا النوع من التكرار قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [27] في ثمانية مواضع، لأجل الوعظ فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة.
وأما قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام. والعجب من تخلف من لا يتأملها مع ظهورها.
وأما مناسبة قوله {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر، فدل بالمفهوم على إيمان الأقل، فكانت العزة على من لم يؤمن، والرحمة لمن آمن، وهما مرتبتان كترتب الفريقين [28] .ومن هذا التكرار أيضا قوله تعالى: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [29] .
قال الزمخشري [30] ((كرر ليجدوا عند سماع كل نبأ منها اتعاظاً وتنبيها، وأن كلا من تلك الأنباء مستحق باعتبار يختص بها، وأن ينتبهوا كي لا يغلبهم السرور والغفلة)) .
ومنه كذلك- تكرار الأمر بالتوجه إلى بيت الله الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة. وهو قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [31] .
لأن المنكرين لتحويل القبلة -كما ذكر المفسرون- كانوا ثلاثة أصناف في الناس:
- اليهود.. لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم.
- وأهل النفاق.. وكانوا أشد إنكارا له، لأنه كان أول نسخ نزل.
- وكفار قريش.. الذين قالوا: ندم محمد على فراق ديننا، فيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا، وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: بزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قبلتهما وآثر عليها قبلة اليهود.
فقال الحق تبارك وتعالى حين أمره بالصلاة إلى الكعبة:
{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [32] والاستثناء في هذه الآية منقطع - أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال جل جلاله: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [33] أي الذين أشركوا فلا تمتر في ذلك.
وقال تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [34] أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء.
ومن هذا التكرار أيضا- قوله عز وجل في سورة الصافات [35] : {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} .
ثم كرر هاتين الآيتين بعد ذلك في قوله سبحانه [36] :
{وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} .
قال المفسرون- في غريب القرآن: إنما كرر للتأكيد وتشديد الوعيد.
وقالوا أيضا: يحتمل أن يكون ((الحين)) في الأولين [37] يوم بدر، والحين في هاتين [38] يوم فتح مكة. وفرقوا بينهما فقالوا: إن من فوائد قوله تعالى في الأولين {أَبْصِرْهُمْ} وفي هاتين {فأَبْصِرْ} - أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا، وهزيمة ورعبا، فلما تضمنت التشفي بهم قيل له:
{أَبْصِرْهُمْ} . وأما يوم الفتح، فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم، والهداية إلى إيمانهم، فلم يكن وفقا للتشفي بهم، بل كان في استسلامهم، وإسلامهم لعينه قرة، ولقلبه مسرة، فقيل له: {أَبْصِرْ} .
ومن التكرار كذلك- قول الحق تبارك وتعالى:
{لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ} [39] .
قال علماء الفقه: للتكرار هنا فائدتان..
أما الفائدة الأولى: أن التحريم قد يكون في الطرفين، ولكن يكون المانع من إحداهما كما لو ارتدت الزوجة قبل الدخول، يحرم النكاح من طرفين، والمانع من جهتهما، فذكر الله سبحانه الثانية، ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين، كذلك المانع منهما.
وأما الفائدة الثانية: أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي، ولهذا أتي فيها بالاسم الدال على الثبوت، والثانية في المستقبل، ولهذا أتي فيها بالفعل المستقبل.
ومن التكرار في القرآن المجيد أنواع كثيرة.. كلها تشهد بعظمة الحق سبحانه، وتعترف بإعجاز كتابه المبين. أهمها:
1- تكرار الإضراب [40] :
وقد ورد في القرآن العظيم منه ضربان:
أولهما: أن يكون ما فيه من الرد راجعا إلى العباد.
كقوله تعالى: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [41] .
وثانيهما: أن يكون إبطالا، ولكنه على أنه قد مضى وانقضى وقته، وأن الذي بعده أولى بالذكر. كقوله تعالى:

تعليق