الدراسات اللغوية العربية
دواعيها ونشأتها
إبراهيم محمد أبو سكين
مفهوم الدراسات اللغوية قديمًا هو ذلك النشاط اللغوي التقعيدي Normative الذي يستهدف معرفة صحيح الكلام وجيده كتابة ونطقًا، ووضع "قواعد" تميز صحيح الكلام من خطئه، وجيده من رديئه، قواعد "متعلقة بهجاء اللغة و"نحوها" ومفرداتها و"بلاغتها" وما أشبه هذا، "قواعد" تعلم الناشئة صحة الكلام وجودته، وتتخذ مقياسًا للحكم على الصواب والخطأ، والجيد والرديء، وهو كذلك معرفة عدد كبير من اللغات، الحية أو القديمة، فضلًا عن التبحر في اللغة القومية، هذه المعرفة التي تسمى بالإنجليزية Polyglattisn وبالفرنسة Playglattisinal والتي ينظر الناس إلى صاحبها بعين الإكبار والتقدير.
والحق أن علم1 اللغة بالمفهوم الحديث ليس هذا ولا ذاك فعلم لا يدرس اللغة للكشف عن الكيفية التي يجب أن يكون عليها الكلام، وعن الكيفية التي يحسن بها الكلام، ولتعليم هاتين الكيفيتين، إنما وظيفته دراسة اللغة ذاتها، بالكشف عن خواصها ومميزاتها، وتسجيل هذه الخواص والمميزات كما هي في صورة قواعد ونظم عامة، وليس معنى هذا أن تدريس اللغة بالطرق التقليدية لا يفيد من البحث اللغوي الحديث، بل إن الأمر على العكس من ذلك، فهذا البحث اللغوي الحديث، قادر -بل قد يكون مما يفرضه الواجب عليه- أن يقدم للمشتغلين بتدريس اللغات توجيهات وإرشادات تيسر عليهم عملهم، وتصحح منه جوانب ووجوها، ويقدم له أصولًا خالية من النظرة الفلسفية والافتراضات الذهنية والتأويلات التعسفية.
ثم إن العالم اللغوي ليس من يتقن عددًا من اللغات فقد يجيد الإنسان لغات كثيرة ولا معرفة له بشيء عن "اللغة"، فعلم اللغة ليس معناه معرفة أكثر من لغة.فقد يكون الإنسان لغويًّا ناجحًا ومع ذلك لا يعرف إلا لغته القومية، فالدراسات اللغوية "علم" أما معرفة عدة لغات فهي صفة يتصف بها بعض الناس، وميزة من المميزات وهي واجبة في جوانب الدرس اللغوي كالمقارنة بين عدد من اللغات، وكالدراسة التطورية للغة من اللغات، ولكن هذه المعرفة وسيلة من وسائل اللغوي، وليس غاية من غاياته2.
وفي موضع آخر يشرح الدكتور السعران قول دي سوسير أن علم اللغة يدرس اللغة "في ذاتها" فهو أنه يدرسها من حيث هي لغة، يدرسها كما هي، يدرسها كما تظهر فليس للباحث فيها أن يغير من طبيعتها، كما أنه ليس للباحث في موضوع أي علم من العلوم أن نغير من طبيعته، فليس له أن يقتصر في بحثه على جوانب من اللغة مستحسنًا إياها، وينحي جوانب أخرى استهجانًا لها، أو استخفافًا بها، أو لغرض في نفسه، أو لأي سبب آخر من الأسباب.وبما أن علم اللغة "يدرس اللغة" من أجل ذاتها "فمعناه أنه يدرسها لغرض نفسها، يدرسها دراسة موضوعية تستهدف الكشف عن حقيقتها، فليس من موضوع دراسته أن يحقق أغراضًا تربوية مثلًا، أو أية أغراض عملية أخرى.أنه يدرسها هدفًا إلى "ترقيتها" أو إلى تصحيح جوانب منها أو تعديل آخر، إن عمله مقصور على أن يصفها ويحللها بطريقة موضوعية3.
[دواعيها]قال أبو الطيب: واعلم أن أول ما اختل من كلام العرب وأحوج إلى التعلم الإعراب؛ لأن اللحن ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم، فقد روينا أن رجلًا لحن بحضرته فقال: أرشدوا أخاكم فقد ضل، وقال أبو بكر: لِأَنْ أقرأ فأسقط أحب إلَيَّ من أن أقرأ فألحن4، وقال ياقوت: "مر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم، فقالوا: إنا قوم "متعلمين"، فأعرض مغضبًا وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد على من خطئكم في رميكم.5
وكتب كاتب لأبي موسى الأشعريّ إلى عمر فلحن فكتب إليه عمر: "إن أضرب كابك سوطًا واحدًا"6.وانتشرت جرثومة اللحن حتى أعدت الخاصة حتى صاروا يعدون من لا يلحن قال الأصمعيّ: "أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبيّ وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية والحجاج أفصحهم"7.وانتقلت جرثومة اللحن من الحاضرة إلى البادية قال الجاحظ: "قالوا وأول لحن سمُع بالبادية هذه عصاتي"8.وتحت تهديد خطر "ذيوع اللحن حاول العرب أن يحافظوا على لُغتهم نقية خالصة من الشوائب، وأن يقيموا حولها الأسوار، يقول الدكتور تمام حسان: "فلقد نشأت دراسة اللغة العربية الفصحى علاجًا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي التي
سموها "ذيوع اللحن" وعلى الرغن من أن تسمية هذه الظاهرة المذكورة لا تشير إلا إلى الخطأ في ضبط أواخر الكلمات بعد إعطائها العلامات الإعرابية الملائمة أشعر بميل شديد إلى الزعم بأن الأخطاء اللغوية التي شاعت على ألسنة الموالي وأصابت عدواها ألسنة بعض العرب لم تكن مقصورة على هذا النوع من أنواع الأخطاء، فأكبر الظن أن هذا الذي سموه "لحنًا" كان يصدق على أخطاء صوتية كالذي يشير إليه مغزى تسمية اللغة العربية الفصحى "لغة الضاد" ويفصله ما يروى من نوادر الموالي كأبي عطاء السندي وسعد الزندخاني وغيرهما، كما كان يصدق على الخطأ الصرفي الذي يتمثل في تحريف بنية الصيغة في الإلحاق أو الزيادة على الخطأ النحوي الذي كان يتعدى بمجال العلامة الإعرابية أحيانًا إلى مجالات الرتبة والمطابقة وغيرهما، وعلى الخطأ المعجمي الذي يبدو في اختيار كلمة أجنبية دون كلمة عربية لها المعنى نفسه، ويصدق على جميع هذه الأنواع من الخطأ أنها أخطاء في المبنى أولًا وأخيرًا ولو أدت في النهاية إلى خطأ في المعنى لم يكن نتيجة خطأ في القصد9.
ويقول أحمد عبد الغفور عطار: "ومن الأسباب التي دعت إلى تأليف كتب اللغة والمعجمات كثرة الأمم ذات الألسنة غير العربية التي دخلت في الإسلام واتخذت العربية لغتها وخشي العلماء أن يدخل في لغة القرآن ما ليس من كلام العرب"10.كما وجدت ظاهرة أخرى لها خطرها في تاريخ اللغة العربية تلك هي مبدأ "تنقية11 اللغة العربية" الذي حمل راية المحافظة على خلوص اللغة، وقد برهن الأمويون على أنهم حماة المبادئ العربية القديمة. فقد روي أن عبد الملك "حكم 65-86هـ" كان يحذر أبناءه من اللحن فإن اللحن في منطلق الشريف أقبح من آثار الجدري في الوجه، وأقبح من الشق في ثوب نفيس.ويروى أن هذا الخليفة لم يكن يستعمل صيغًا ملحونة حتى في المزاح وأنه كان يقدر الدقائق اللغوية حق قدرها، فحينما غير الشاعر الخارجي أبو المنهال عتبان بن وصيلة بيته:"ومنَّا أميرُ المؤمنينَ شبيبُ" إلى "وَمِنَّا أميرَ المؤمنينَ شبيبُ".نال على هذا التغيير في الجواب استحسان الخليفة حتى أطلق سراحه ومما هو جدير بالذكر أن مذهب تنقية اللغة والمحافظة على فصاحتها تعدى العرب إلى طبقة الموالي الملحة في التسامي والتعالي والتي كانت في سبيل طموحها إلى محاكاة الطبقة السائدة فيما تفعل، تجاري هذه أيضًا في الناحية اللغوية وتحتضن حركة تنقية اللغة العربية بما في ذلك من إعلاء شأن اللغة البدوية الخالصة، وكلما أخذت سلامة اللغة تصير أمرًا من أمور التربية والتعليم، قويت آمال غير العرب في أن يستبدلوا -بالصبر والاجتهاد- عربية فصحى من عربية اللهجات الدارجة في محيطهم وقديمًا تملك الحسن البصري المتوفى سنة 110هـ وهو ابن أحد أسارى الحرب من مدينة ميسان، أزمة العربية بحيث كان رجال ضليعون، كأبي عمرو بن العلاء ورؤبة، لا يجدون غضاضة في أن يضعوه إلى جانب الحجاج وكان تلاميذه المجتهدون يكتبون عبارات أستاذهم، لا لما تحتويه من علم فحسب بل لصياغتها اللغوية كذلك وكثيرة هي الأخبار والروايات التي تطلب في وصف دقة إحساسه تجاه الأخطاء اللغوية12، واستتبع هذا المذهب الذي يرى أن العربية الفصحى هي العربية النقية من الشوائب التي لم تخالطها لغة أخرى، أنهم رأوا أن أفصح اللغات هي لغات البدو، البعيدين عن الاختلاط في أواسط البيداء، وإذن فالطريق إلى الحكم على سلامة اللغة وفصاحتها ونقائها هو قياسها على لغة هؤلاء البدو، والسبيل إلى تعلم الفصحى هو معاشرتهم وقد حدث ذلك فعلًا، وقد واصل الخلفاء والكبراء ما اعتادوا عليه من تنشئة أبنائهم في البادية."فهذا سليمان بن عبد الملك الذي كان يحسن الإشادة بقيمة الجمال اللغوي وذلك لأنه تأدب أدبًا رفيعًا، وكذلك كان أخوه مسلمة رفع الثقافة وكان يكره عمرو بن مسلم، أخا قتيبة بن مسلم؛ لأنه كان يلحن في كلامه، كما روى أنه كان يمقت السائلين الذين يلحنون في لغتهم"13، ولم يكن كل الناس قادرين على إيفاد أبنائهم إلى البادية فظهرت فئة من المربين الفصحاء يتولون تنشئتهم، منهم من اختص بأبناء شريف معين، ومنهم من فتح كتابًا أو مدرسة للتعليم، وأشهر هؤلاء المدربين، الضحاك بن مزاحم وعامر الشعبي مربيًا أولاد عبد الملك ابن مروان ومحمد بن مسلم الزهري "مربي أبناء هشام بن عبد الملك"14، وظهرت فئة أخرى من العلماء لم يكن همها الأول التدريس بل العلم، من أمثال أبي الأسود الدؤلي وتلاميذه، وأراد هؤلاء العلماء الاتصال باللغة في أنقى صورها فارتحلوا إلى البوادي التي تعيش فيها القبائل العربية الفصيحة التي لم تختلط بالأجانب، ونهلوا من معارفهم، ودونوا ما سمعوا، وأشهر هؤلاء أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد والكسائي. وسيبويه15 وتلاميذهم16.يضاف إلى ما سبق ظاهرة أدبية أثرت تأثيرًا كبيرًا في الدراسات اللغوية، إذ عرف عن بني أمية حبهم الشديد للأدب وخاصة معاوية وعبد الملك بن مروان، فقربوا إليهم الأدباء والعلماء وعقدوا لهم المجالس الخاصة، يعرضون للأمور الأدبية ويتبادلون فيها الآراء شارحين ناقدين، وحاول العلماء أن يهيئوا أنفسهم لإرضاء رغبات الخلفاء فجمعوا شعر الفحول والقبائل، ودونوها، وقد روي عن حماد الراوية أنه تأهب لمقابلة الخليفة الوليد بالنظر في "كتاب قريش وثقيف"؛ لأنه كان يعتقد أن الخليفة سائلة عن أشعار القبائل التي هو على صلة بها17.وكان السبب المباشر الذي أظهر الدراسات اللغوية هو18 العناية بالقرآن الكريم وقراءته وإقرائه، فكانت العناية بالقرآن دافعًا دينيًا لطائفة القراء الذين أدركوا ضرورة الانتفاع بهذه الدراسة في ضبط القراءة وضبط أصولها، وتوضيح آيات القرآن فما اتصل بالقرآن من علوم كان أولها ظهورًا وما ابتعد عنه كان من آخرها وليس من شيء أكثر صلة به من محاولة فهمه بإدراك غريبه ومشكله، فتفسير غريب القرآن ومشكله أولى الحركات العلمية التي رآها العرب19.ويقول الدكتور السعران: "نشأت الدراسات اللغوية عند العرب خدمة للقرآن الكريم"20.وكان للحديث الشريف نصيبه في إظهار الدراسات اللغوية فقد اتجهت هذه الدراسات إلى العناية بغريب الحديث كما عنيت بغريب القرآن.
وآخر الظواهر الجديرة بالتسجيل وكانت سببًا في نشأة الدراسات اللغوية لمعاصرتها الدراسات اللغوية ومدها إياها بالروافد ظاهرة التدوين العلمي، فقد نظم العلماء أنفسهم فرقًا كل فرقة تغزو الجهل أو الفوضى في ناحيتها21، اجتمعت هذه العوامل جميعًا فأثمرت الدراسات اللغوية.
دواعيها ونشأتها
إبراهيم محمد أبو سكين
مفهوم الدراسات اللغوية قديمًا هو ذلك النشاط اللغوي التقعيدي Normative الذي يستهدف معرفة صحيح الكلام وجيده كتابة ونطقًا، ووضع "قواعد" تميز صحيح الكلام من خطئه، وجيده من رديئه، قواعد "متعلقة بهجاء اللغة و"نحوها" ومفرداتها و"بلاغتها" وما أشبه هذا، "قواعد" تعلم الناشئة صحة الكلام وجودته، وتتخذ مقياسًا للحكم على الصواب والخطأ، والجيد والرديء، وهو كذلك معرفة عدد كبير من اللغات، الحية أو القديمة، فضلًا عن التبحر في اللغة القومية، هذه المعرفة التي تسمى بالإنجليزية Polyglattisn وبالفرنسة Playglattisinal والتي ينظر الناس إلى صاحبها بعين الإكبار والتقدير.
والحق أن علم1 اللغة بالمفهوم الحديث ليس هذا ولا ذاك فعلم لا يدرس اللغة للكشف عن الكيفية التي يجب أن يكون عليها الكلام، وعن الكيفية التي يحسن بها الكلام، ولتعليم هاتين الكيفيتين، إنما وظيفته دراسة اللغة ذاتها، بالكشف عن خواصها ومميزاتها، وتسجيل هذه الخواص والمميزات كما هي في صورة قواعد ونظم عامة، وليس معنى هذا أن تدريس اللغة بالطرق التقليدية لا يفيد من البحث اللغوي الحديث، بل إن الأمر على العكس من ذلك، فهذا البحث اللغوي الحديث، قادر -بل قد يكون مما يفرضه الواجب عليه- أن يقدم للمشتغلين بتدريس اللغات توجيهات وإرشادات تيسر عليهم عملهم، وتصحح منه جوانب ووجوها، ويقدم له أصولًا خالية من النظرة الفلسفية والافتراضات الذهنية والتأويلات التعسفية.
ثم إن العالم اللغوي ليس من يتقن عددًا من اللغات فقد يجيد الإنسان لغات كثيرة ولا معرفة له بشيء عن "اللغة"، فعلم اللغة ليس معناه معرفة أكثر من لغة.فقد يكون الإنسان لغويًّا ناجحًا ومع ذلك لا يعرف إلا لغته القومية، فالدراسات اللغوية "علم" أما معرفة عدة لغات فهي صفة يتصف بها بعض الناس، وميزة من المميزات وهي واجبة في جوانب الدرس اللغوي كالمقارنة بين عدد من اللغات، وكالدراسة التطورية للغة من اللغات، ولكن هذه المعرفة وسيلة من وسائل اللغوي، وليس غاية من غاياته2.
وفي موضع آخر يشرح الدكتور السعران قول دي سوسير أن علم اللغة يدرس اللغة "في ذاتها" فهو أنه يدرسها من حيث هي لغة، يدرسها كما هي، يدرسها كما تظهر فليس للباحث فيها أن يغير من طبيعتها، كما أنه ليس للباحث في موضوع أي علم من العلوم أن نغير من طبيعته، فليس له أن يقتصر في بحثه على جوانب من اللغة مستحسنًا إياها، وينحي جوانب أخرى استهجانًا لها، أو استخفافًا بها، أو لغرض في نفسه، أو لأي سبب آخر من الأسباب.وبما أن علم اللغة "يدرس اللغة" من أجل ذاتها "فمعناه أنه يدرسها لغرض نفسها، يدرسها دراسة موضوعية تستهدف الكشف عن حقيقتها، فليس من موضوع دراسته أن يحقق أغراضًا تربوية مثلًا، أو أية أغراض عملية أخرى.أنه يدرسها هدفًا إلى "ترقيتها" أو إلى تصحيح جوانب منها أو تعديل آخر، إن عمله مقصور على أن يصفها ويحللها بطريقة موضوعية3.
[دواعيها]قال أبو الطيب: واعلم أن أول ما اختل من كلام العرب وأحوج إلى التعلم الإعراب؛ لأن اللحن ظهر في كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم، فقد روينا أن رجلًا لحن بحضرته فقال: أرشدوا أخاكم فقد ضل، وقال أبو بكر: لِأَنْ أقرأ فأسقط أحب إلَيَّ من أن أقرأ فألحن4، وقال ياقوت: "مر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم، فقالوا: إنا قوم "متعلمين"، فأعرض مغضبًا وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد على من خطئكم في رميكم.5
وكتب كاتب لأبي موسى الأشعريّ إلى عمر فلحن فكتب إليه عمر: "إن أضرب كابك سوطًا واحدًا"6.وانتشرت جرثومة اللحن حتى أعدت الخاصة حتى صاروا يعدون من لا يلحن قال الأصمعيّ: "أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبيّ وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية والحجاج أفصحهم"7.وانتقلت جرثومة اللحن من الحاضرة إلى البادية قال الجاحظ: "قالوا وأول لحن سمُع بالبادية هذه عصاتي"8.وتحت تهديد خطر "ذيوع اللحن حاول العرب أن يحافظوا على لُغتهم نقية خالصة من الشوائب، وأن يقيموا حولها الأسوار، يقول الدكتور تمام حسان: "فلقد نشأت دراسة اللغة العربية الفصحى علاجًا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن وهي التي
سموها "ذيوع اللحن" وعلى الرغن من أن تسمية هذه الظاهرة المذكورة لا تشير إلا إلى الخطأ في ضبط أواخر الكلمات بعد إعطائها العلامات الإعرابية الملائمة أشعر بميل شديد إلى الزعم بأن الأخطاء اللغوية التي شاعت على ألسنة الموالي وأصابت عدواها ألسنة بعض العرب لم تكن مقصورة على هذا النوع من أنواع الأخطاء، فأكبر الظن أن هذا الذي سموه "لحنًا" كان يصدق على أخطاء صوتية كالذي يشير إليه مغزى تسمية اللغة العربية الفصحى "لغة الضاد" ويفصله ما يروى من نوادر الموالي كأبي عطاء السندي وسعد الزندخاني وغيرهما، كما كان يصدق على الخطأ الصرفي الذي يتمثل في تحريف بنية الصيغة في الإلحاق أو الزيادة على الخطأ النحوي الذي كان يتعدى بمجال العلامة الإعرابية أحيانًا إلى مجالات الرتبة والمطابقة وغيرهما، وعلى الخطأ المعجمي الذي يبدو في اختيار كلمة أجنبية دون كلمة عربية لها المعنى نفسه، ويصدق على جميع هذه الأنواع من الخطأ أنها أخطاء في المبنى أولًا وأخيرًا ولو أدت في النهاية إلى خطأ في المعنى لم يكن نتيجة خطأ في القصد9.
ويقول أحمد عبد الغفور عطار: "ومن الأسباب التي دعت إلى تأليف كتب اللغة والمعجمات كثرة الأمم ذات الألسنة غير العربية التي دخلت في الإسلام واتخذت العربية لغتها وخشي العلماء أن يدخل في لغة القرآن ما ليس من كلام العرب"10.كما وجدت ظاهرة أخرى لها خطرها في تاريخ اللغة العربية تلك هي مبدأ "تنقية11 اللغة العربية" الذي حمل راية المحافظة على خلوص اللغة، وقد برهن الأمويون على أنهم حماة المبادئ العربية القديمة. فقد روي أن عبد الملك "حكم 65-86هـ" كان يحذر أبناءه من اللحن فإن اللحن في منطلق الشريف أقبح من آثار الجدري في الوجه، وأقبح من الشق في ثوب نفيس.ويروى أن هذا الخليفة لم يكن يستعمل صيغًا ملحونة حتى في المزاح وأنه كان يقدر الدقائق اللغوية حق قدرها، فحينما غير الشاعر الخارجي أبو المنهال عتبان بن وصيلة بيته:"ومنَّا أميرُ المؤمنينَ شبيبُ" إلى "وَمِنَّا أميرَ المؤمنينَ شبيبُ".نال على هذا التغيير في الجواب استحسان الخليفة حتى أطلق سراحه ومما هو جدير بالذكر أن مذهب تنقية اللغة والمحافظة على فصاحتها تعدى العرب إلى طبقة الموالي الملحة في التسامي والتعالي والتي كانت في سبيل طموحها إلى محاكاة الطبقة السائدة فيما تفعل، تجاري هذه أيضًا في الناحية اللغوية وتحتضن حركة تنقية اللغة العربية بما في ذلك من إعلاء شأن اللغة البدوية الخالصة، وكلما أخذت سلامة اللغة تصير أمرًا من أمور التربية والتعليم، قويت آمال غير العرب في أن يستبدلوا -بالصبر والاجتهاد- عربية فصحى من عربية اللهجات الدارجة في محيطهم وقديمًا تملك الحسن البصري المتوفى سنة 110هـ وهو ابن أحد أسارى الحرب من مدينة ميسان، أزمة العربية بحيث كان رجال ضليعون، كأبي عمرو بن العلاء ورؤبة، لا يجدون غضاضة في أن يضعوه إلى جانب الحجاج وكان تلاميذه المجتهدون يكتبون عبارات أستاذهم، لا لما تحتويه من علم فحسب بل لصياغتها اللغوية كذلك وكثيرة هي الأخبار والروايات التي تطلب في وصف دقة إحساسه تجاه الأخطاء اللغوية12، واستتبع هذا المذهب الذي يرى أن العربية الفصحى هي العربية النقية من الشوائب التي لم تخالطها لغة أخرى، أنهم رأوا أن أفصح اللغات هي لغات البدو، البعيدين عن الاختلاط في أواسط البيداء، وإذن فالطريق إلى الحكم على سلامة اللغة وفصاحتها ونقائها هو قياسها على لغة هؤلاء البدو، والسبيل إلى تعلم الفصحى هو معاشرتهم وقد حدث ذلك فعلًا، وقد واصل الخلفاء والكبراء ما اعتادوا عليه من تنشئة أبنائهم في البادية."فهذا سليمان بن عبد الملك الذي كان يحسن الإشادة بقيمة الجمال اللغوي وذلك لأنه تأدب أدبًا رفيعًا، وكذلك كان أخوه مسلمة رفع الثقافة وكان يكره عمرو بن مسلم، أخا قتيبة بن مسلم؛ لأنه كان يلحن في كلامه، كما روى أنه كان يمقت السائلين الذين يلحنون في لغتهم"13، ولم يكن كل الناس قادرين على إيفاد أبنائهم إلى البادية فظهرت فئة من المربين الفصحاء يتولون تنشئتهم، منهم من اختص بأبناء شريف معين، ومنهم من فتح كتابًا أو مدرسة للتعليم، وأشهر هؤلاء المدربين، الضحاك بن مزاحم وعامر الشعبي مربيًا أولاد عبد الملك ابن مروان ومحمد بن مسلم الزهري "مربي أبناء هشام بن عبد الملك"14، وظهرت فئة أخرى من العلماء لم يكن همها الأول التدريس بل العلم، من أمثال أبي الأسود الدؤلي وتلاميذه، وأراد هؤلاء العلماء الاتصال باللغة في أنقى صورها فارتحلوا إلى البوادي التي تعيش فيها القبائل العربية الفصيحة التي لم تختلط بالأجانب، ونهلوا من معارفهم، ودونوا ما سمعوا، وأشهر هؤلاء أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد والكسائي. وسيبويه15 وتلاميذهم16.يضاف إلى ما سبق ظاهرة أدبية أثرت تأثيرًا كبيرًا في الدراسات اللغوية، إذ عرف عن بني أمية حبهم الشديد للأدب وخاصة معاوية وعبد الملك بن مروان، فقربوا إليهم الأدباء والعلماء وعقدوا لهم المجالس الخاصة، يعرضون للأمور الأدبية ويتبادلون فيها الآراء شارحين ناقدين، وحاول العلماء أن يهيئوا أنفسهم لإرضاء رغبات الخلفاء فجمعوا شعر الفحول والقبائل، ودونوها، وقد روي عن حماد الراوية أنه تأهب لمقابلة الخليفة الوليد بالنظر في "كتاب قريش وثقيف"؛ لأنه كان يعتقد أن الخليفة سائلة عن أشعار القبائل التي هو على صلة بها17.وكان السبب المباشر الذي أظهر الدراسات اللغوية هو18 العناية بالقرآن الكريم وقراءته وإقرائه، فكانت العناية بالقرآن دافعًا دينيًا لطائفة القراء الذين أدركوا ضرورة الانتفاع بهذه الدراسة في ضبط القراءة وضبط أصولها، وتوضيح آيات القرآن فما اتصل بالقرآن من علوم كان أولها ظهورًا وما ابتعد عنه كان من آخرها وليس من شيء أكثر صلة به من محاولة فهمه بإدراك غريبه ومشكله، فتفسير غريب القرآن ومشكله أولى الحركات العلمية التي رآها العرب19.ويقول الدكتور السعران: "نشأت الدراسات اللغوية عند العرب خدمة للقرآن الكريم"20.وكان للحديث الشريف نصيبه في إظهار الدراسات اللغوية فقد اتجهت هذه الدراسات إلى العناية بغريب الحديث كما عنيت بغريب القرآن.
وآخر الظواهر الجديرة بالتسجيل وكانت سببًا في نشأة الدراسات اللغوية لمعاصرتها الدراسات اللغوية ومدها إياها بالروافد ظاهرة التدوين العلمي، فقد نظم العلماء أنفسهم فرقًا كل فرقة تغزو الجهل أو الفوضى في ناحيتها21، اجتمعت هذه العوامل جميعًا فأثمرت الدراسات اللغوية.

تعليق