المختار من نجعة الرائد الباب السادس

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابن النعمان
    عضو جديد
    • Nov 2016
    • 79

    #1

    المختار من نجعة الرائد الباب السادس

    الباب السادس: في العلم والأدب وما إليهما
    فَصْلٌ في الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ

    [فَصْلٌ في الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ]

    يُقَالُ: فُلان مِنْ ذَوِي الْعِلْمِ، وَمِنْ حَمَلَة الْعِلْم، وَحَضنَة الْعِلْم، وَأَهْلِ التَّحْصِيلِ، وَأَرْبَاب الاجْتِهَاد، وَإِنَّهُ لَمِنَ الْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ، وَمِنْ جَهَابِذَة أَهْل النَّظَرِ، وَمِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَذَوِي الْعِلْمِ الْوَاسِعِ، وَالْعِلْمِ الثَّاقِبِ.
    وَإِنَّ فُلاناً لَعَالِم عَلامَة، وَإِنَّهُ لعَالِم فَاضِل، وَعَالِم عَامِل، وَهُوَ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْلامهمْ، وَأَعْيَانهمْ، وَأَفَاضِلهمْ، وَجِلّتهمْ، وَمَشَاهِيرهمْ، وَفُحُولهمْ.
    وَهُوَ عَالِمُ أُمَّتِهِ، وَعَالِمُ جِيلِهِ، وَإِمَام وَقْتِهِ، وَعَالِم عَصْرِهِ، وَأَوْحَد زَمَانه، وَوَاحِد قُطْرِهِ، وَهُوَ عَلامَة الْعُلَمَاء، وَقُطْب أَهْل الْعِلْمِ، وَعَمِيدهمْ، وَزَعِيمهمْ، وَعُمْدَتهمْ، وَرُكْنهمْ، وَإِمَامهمْ، وَقُدْوَتهمْ، وَوُجْهَتهمْ.
    وَتَقُولُ: فُلان بَحْر الْعِلْمِ الزَّاخِرِ، وَبَدْر الْعُلَمَاء الزَّاهِر، وَكَوْكَبهُمْ اللامِع، وَنِبْرَاسهُمْ السَّاطِع، وَالَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْمُشْكِلاتِ، وَيُسْتَصْبَحُ بِضَوْئِهِ فِي الْمُعْضِلاتِ، وَتُشَدّ إِلَيْهِ الرِّحَال، وَتُضْرَبُ إِلَيْهِ أَكْبَاد الإِبِلِ، وَيُرْحَلُ إِلَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ الْبُلْدَانِ، وَهُوَ قَاضِي مَحَاكِم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَفَيْصَل أَحْكَامهَا، وَالَّذِي عِنْدَهُ مَقْطَع الْحَقّ، وَمَشْعَب السَّدَاد، وَمَفْصِل الصَّوَاب، وَفَصْل الْخِطَابِ.
    وَيُقَالُ: تَضَلَّعَ فُلان مِنْ الْعِلْمِ، وَتَبَحَّرَ فِيهِ، وَتَعَمَّقَ، وَتَبَسَّط، وَأَوْغَلَ فِي الْبَحْثِ، وَأَمْعَنَ فِي التَّنْقِيبِ، وَتَقَصَّى فِي التَّدْقِيقِ، وَقَدْ اِسْتَبْطَنَ دَخَائِل الْعِلْم، وَاسْتَجْلَى غَوَامِضه، وَخَاضَ عُبَابه، وَغَاصَ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَأَحْصَى مَسَائِلَهُ، وَاسْتَقْرَى دَقَائِقه، وَاسْتَخْرَجَ مُخبّآته، وَمَحَّصَ حَقَائِقه، وَوَقَفَ عَلَى أَغْرَاضِهِ، وَجَمَعَ أَشْتَاته، وَاسْتَقْصَى أَطْرَافه، وَأَحَاطَ بِأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَهُوَ يَغُوصُ عَلَى دَقَائِق الْمَسَائِلِ وَغَوَامِضهَا، وَيُنَقِّبُ عَنْ غَرَائِبِهَا وَنَوَادِرهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِشَاذِّهَا ومَقِيسها.
    وَهُوَ رَأْسٌ فِي عِلْمِ كَذَا، وَحُجَّة فِي عِلْمِ كَذَا، وَإِمَام فِي عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ عَالِمُ فَنِّهِ، وَهُوَ مِنْ ثِقَات هَذَا الْعِلْم، وَقَدْ اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّئَاسَةُ فِي عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ فِيهِ رَاسِخُ الْقَدَمِ، فَسِيح الْخُطْوَة، طَوِيل الْبَاعِ، غَزِير الْمَادَّةِ، وَاسِع الاطِّلاعِ، وَإِنَّهُ لَبَحْر لا يُسْبَرُ غَوْرُهُ، وَلا يُنَال دَرْكُه، وَقَدْ أَصْبَحَ فِيهِ نَسِيج وَحْدِهِ، وَأَصْبَحَ فِيهِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ، وَهُوَ إِمَام عَصْرِهِ غَيْر مُدَافِع، وَرَئِيس فَنّه غَيْر مُعَارِض.
    وَيُقَالُ: فُلان مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَطَلابَته، وَمِمَّنْ تَوَجَّه إِلَى تَحْصِيلِهِ، وَانْقَطَعَ لِطَلَبِهِ، وَخَلا لِطَلَبِهِ، وَتَخَلَّى لَهُ، وَأَخْلَى لَهُ ذَرْعه، وَوَقَفَ عَلَيْهِ جَهْدَه، وَأَنْفَقَ أَوْقَاته عَلَى طَلَبِهِ، وَاسْتَنْزَفَ أَيَّامه فِي مُعَانَاتِهِ، وَقَدْ نَبَغَ فِيهِ، وَقَدْ حَذَقَ عِلْم كَذَا، وَثَقِفَهُ، وَأَتْقَنَهُ، وَأَحْكَمَهُ، وَمَلَك عِنَانه، وَتَوَسَّطَ بَاحَته، وَبَلَغَ مِنْهُ مَوْضِعاً جَلِيلا، وَأَصْبَحَ مِمَّنْ يُرْمَى بِالأَبْصَارِ، وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ، وَمِمَّنْ تُثْنَى بِهِ الأَصَابِع، وَتُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِر.
    وَتَقُولُ: طَلَبْت الْعِلْمَ عَلَى فُلان، وَوَقَفْت فِيهِ عَلَى فُلان، وَحَصَّلْتهُ عَلَيْهِ، وَدَرَسْتهُ عَلَيْهِ، وَأَخَذْتهُ عَنْهُ، وَتَلَقَّيْته عَنْهُ، وَتَلَقَّنْته مِنْهُ، وَقَدْ تَأَدَّبْت عَلَيْهِ، وَقَرَأْت عَلَيْهِ عِلْمَ كَذَا، وَسَمِعْت عَلَيْهِ كِتَاب كَذَا، وَقَدْ وَقَّفَنِي عَلَى عِلْم كَذَا، وَدَرَّسَنِيهِ، وَلَقَّانِيهِ، وَهُوَ مَوْقِفِي، وَمُدَرِّسِي، وَمُؤَدِّبِي، وَشَيْخِي، وَأُسْتَاذِي، وَقَدْ اِسْتَضَأْت بِمِشْكَاتِهِ، وَوَرَدْتُ شِرْعَته، وَاسْتَفَدْت مِنْهُ عِلْماً، وَحَمَلْت عَنْهُ عِلْماً كَثِيراً.
    وَيُقَالُ: شَدا فُلان فِي عِلْم كَذَا، وَشَدا شَيْئاً مِنْ الْعِلْمِ، إِذَا أَخْذَ طَرَفاً مِنْهُ، وَقَدْ أَدْرَكَ شَدا مِنْ الْعِلْمِ، وَأَدْرَكَ ذَرْوا مِنْهُ، كُلّ ذَلِكَ الشَّيْء الْقَلِيل.
    وَفُلانٌ عَلَى أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَأَثَرَةٍ بِالتَّحْرِيكِ، أَي بَقِيَّة مِنْهُ يَأْثِرُهَا عَنْ الأَوَّلِينَ. وَتَقُولُ: فُلان فَنّه عِلْم كَذَا إِذَا كَانَ الْعِلْمُ الَّذِي انْصَرَف إِلَيْهِ وَأَحْكَمه، وَهُوَ مُشَارِكٌ فِي عِلْمِ كَذَا إِذَا كَانَ لَهُ اِطِّلاع عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَبَاحِثِهِ وَأُصُولِهِ عِلاوَة عَلَى فَنِّهِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَلَهُ إِلْمَامٌ بِفَنّ كَذَا وَهُوَ الْعِلْمُ الْيَسِيرُ بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ.

    [فَصْلٌ فِي الأَدَبِ]

    يُقَالُ: فُلان أَدِيب، فَاضِل، بَارِع، مُتَفَنِّن، غَزِير الأَدَبِ، غَزِير الْمَوَادِّ، كَثِير الْحِفْظِ، وَاسِع الرِّوَايَةِ، وَاسِع الاطِّلاعِ، جَيِّد الْمَلَكَةِ، وَإِنَّهُ لَكَاتِب مُجِيد، وَشَاعِر بَلِيغ، مُتَصَرِّف فِي ضُرُوبِ الإِنْشَاءِ، حَسَن التَّرَسُّل، بَلِيغ الْعِبَارَةِ لَطِيف الْكِنَايَاتِ، بَدِيع الاسْتِعَارَات، حُلْو الْمَجَاز، مُسْتَعْذَب النَّظْم، وَإِنَّ أَلْفَاظَهُ الزُّلال أَوْ أَرَقّ، وَمَعَانِيه السِّحْر أَوْ أَدَقّ، إِذَا تَكَلَّمَ مَلَكَ الأَسْمَاعَ وَالْقُلُوبَ، وَإِذَا أَخَذَ الْقَلَمَ تَدَفَّقَ تَدَفُّق الْيَعْبُوب.
    وَإِنَّهُ لَمُتَضَلِّع مِنْ فُنُونِ الأَدَبِ، مُتْقِن لِعُلُومِ اللِّسَانِ، عَارِف بِأَخْبَارِ الْعَرَبِ، مُطَّلِع عَلَى لُغَاتِهَا، جَامِع لِخُطَبِهَا وَأَقْوَالهَا، رَاوٍ لأَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا، حَافِظ لِطَرَف النَّثْرِ وَمُلَحه، وَغُرَر النَّظْم وَنُكَته، خَبِير بِقَرْضِ الشِّعْرِ، بَصِير بِمَذَاهِبِ الْكَلامِ، عَلِيم بِمَوَاضِعِ النَّقْدِ، عَرَّاف بِمَطَارِح الإِسَاءة وَالإِحْسَان.
    وَإِنَّ فُلاناً لَمِنْ أَفَاضِل الأُدَبَاء، وَأَعْيَان الْفُضَلاء، وَمِنْ مُتَقَدِّمِي الْكُتَّابِ، وَبُلَغَاء الْمُنْشِئِينَ، وَأَكَابِر الْمُصَنِّفِينَ، وَأَمَاثِل الشُّعَرَاء، وَهُوَ مِنْ خَوَاصّ أَهْلِ الأَدَبِ وعِلِّيّتهم، وَأَئِمَّتهمْ، وآحَادِهم، وَأَفْرَادهمْ، وَسُبَّاقهمْ، وَإِنَّ لَهُ الْيَدَ الطُّولَى فِي صِنَاعَةِ الأَدَبِ.

    [فَصْلٌ فِي الْحِفْظِ]

    يُقَالُ: فُلان ذَكُور، وَعِيّ، سَرِيع الْحِفْظِ، وَاسِع الْحِفْظِ، كَثِير الْمَحْفُوظ، قَوِيّ الْحَافِظَةِ، بَعِيد النِّسْيَان، وَقَدْ حَفِظَ الْكِتَابَ، وَاسْتَظْهَرَهُ، وَوَعَاهُ عَلَى ظَهْر قَلْبِه، وَأَدَّاه عَنْ ظَهْر قَلْبِه، وَقَدْ اِنْطَبَعَ عَلَى لَوْح حَافِظَته، وَارْتَسَمَ عَلَى لَوْح قَلْبِه، وَانْتَقَشَ فِي صَفْحَة ذِهْنه، وَعَلِقَتْهُ حَافِظَتُهُ، وَوَعَتْهُ ذَاكِرَتُهُ، وَقَدْ أَدَّى عَنْ ظَهْر قَلْبِه كَذَا كَذَا صَفْحَة لَمْ يَخْرِم مِنْهَا حَرْفاً.
    وَفُلان غَايَة فِي الْحِفْظِ، وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي قُوَّةِ الْحَافِظَةِ، إِذَا تَلا عَنْ لَوْح قَلْبه فَكَأَنَّمَا يَتْلُو فِي لَوْحٍ مَسْطُورٍ، وَإِنَّ فُلاناً لَيَسْتَفْرِغ مِنْ أَوْعِيَةٍ شَتَّى إِذَا كَانَ كَثِير الْمَحْفُوظ، وَإِنَّهُ لَرَجُلٌ قُفْلَةٌ أَي حَافِظ لِكُلِّ مَا يَسْمَعُهُ.
    وَتَقُولُ: هَذَا مِمَّا عَلِقَ بِذَاكِرَتِي، وَقَدْ ثَبَت هَذَا الأَمْرُ فِي مَحْفُوظِي، وَقَدْ تَلَقَّفْتهُ مِنْ فَمِ فُلان، وَحَفِظْتهُ عَنْهُ، وَحَفَّظَنِيهِ، وَقَدْ أَفْرَغَهُ مِنِّي فِي أُذُنٍ وَاعِيَةٍ.
    وَتَقُولُ: فُلان ضَعِيف الذَّاكِرَة، ضَيِّق الْحَافِظَةِ، قَلِيل الْمَحْفُوظ، نَزْر الْمَحْفُوظ، مَجَّاج الأُذُن.
    وَتَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ يَفُوت الذِّكر، وَيَضِيقُ عَنْهُ الْحِفْظ.

    [فَصْلٌ فِي التَّأْلِيفِ]

    تَقُولُ: هَذَا كِتَاب، جَلِيل، جَامِع، غَزِير الْمَادَّةِ، جَزِيل الْمَبَاحِث، جَمّ الْفَوَائِد، سَدِيد الْمَنْهَج، حَسَن الْمَنْحَى، مُطَّرِد التَّنْسِيق، قَرِيب الْمَنَالِ، دَانِي الْقُطُوف، سَهْل الأُسْلُوبِ، عَذْب الْمَوْرِدِ، نَاصِع الْبَيَانِ، وَاضِح التَّعْبِيرِ، مُشْرِق الدَّلالَةِ، مُتَسَنِّي التَّحْصِيل، تُدْرِكُ فَوَائِدَهُ عَلَى غَيْرِ مَئُونَة، وَلا كَدّ ذِهْن، وَلا جَهْد فِكْر، وَلا إِرْهَاقَ خَاطِر.
    وَقَدْ تَصَفَّحْت مُؤَلَّف كَذَا فَإِذَا هُوَ كِتَابٌ أَنِيقٌ، فَصِيح الْخُطْبَةِ، حَسَن الدِّيبَاجَةِ، مُحْكَم الْوَضْعِ، مُتَنَاسِق التَّبْوِيبِ، مُطَّرِد الْفُصُول، وَقَدْ طُوِي عَلَى كَذَا بَاباً، وَكُسِر عَلَى كَذَا بَاباً، وَتُرْجِم بِاسْمِ كَذَا، وَأُلِّف بِرَسْم فُلان.
    وَهُوَ كِتَابٌ فَرِيدٌ فِي فَنِّهِ، مَبْسُوط الْعِبَارَة، مُسْهَب الشَّرْح، مُسْتَوْعِب لأَطْرَافِ الْفَنِّ، جَامِع لِشَتِيت الْفَوَائِد، وَمَنْثُور الْمَسَائِل، وَمُتَشَعِّب الأَغْرَاضِ، قَدْ اِسْتَوْعَبَ أُصُولَ هَذَا الْعِلْمِ، وَأَحَاطَ بِفُرُوعِهِ، وَاسْتَقْصَى غَرَائِب مَسَائِلِهِ، وَشَوَاذّهَا، وَنَوَادِرهَا، وَلَمْ يَدَعْ آبِدَة إِلا قَيَّدهَا، وَلا شَارِدَة إِلا رَدَّهَا إِلَيْهِ.
    وَهُوَ الْغَايَةُ الَّتِي لَيْسَ وَرَاءهَا مَذْهَب لِطَالِب، وَلا مُرَاغ لِمُسْتَفِيد، وَلا مُرَاد لِبَاحِث، لَمْ يُصَنَّفْ فِي بَابِهِ أَجْمَع مِنْهُ، وَلا أَرْصَف تَعْبِيراً، وَلا أَمْتَن سَرْداً، وَقَدْ نُزِّه عَنْ التَّعْقِيد ِ، وَالإِشْكَال، وَالإِبْهَام، وَالتَّعْمِيَةِ، وَاللَّبْس، وَالْخَلَل، وَاللَّغْو، وَالْحَشْو، وَالرَّكَاكَة، وَالتَّعَسُّف، وَالْحَزَازَة، وَحُصِّن مِنْ نَظَرِ النَّاقِدِ، وَالْمُعْتَرِض، وَالْمُخَطِّئ، وَالْمُسَوِّئ، وَالْمُتَعَقِّب، وَالْمُسْتَدْرِك، وَارْتَفَعَ عَنْ مَقَامِ الْمُتَحَدِّي، وَالْمُعَارِض، وَإِنَّمَا قُصَارَى مُعَارِضه أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهِ، وَيَنْسِجَ فِي التَّأْلِيفِ عَلَيْهِ.
    وَتَقُولُ: هَذَا مُؤَلَّف مُخْتَصَر، وَجِيز،
    وَمُوجَز، وَمُدْمَج التَّأْلِيف، جَزْل التَّعْبِيرِ، حَسَن التَّفْرِيع لِلْمَسَائِلِ، مُتَتَابِع النَّسَقِ، مُتَشَاكِل الأَطْرَاف.
    وَهُوَ مَتْن مَتِين الرَّصْف، مُحْكَم الْقَوَاعِدِ، مَنِيع الْمَطْلَب، حَصِين الْمَدَاخِلِ، قَدْ لَخَّصْت فِيهِ قَوَاعِدَ الْعِلْمِ أَحْسَن تَلْخِيص، وَحَرَّرْت مَسَائِلَهُ أَحْسَن تَحْرِير.
    وَعَلَيْهِ شَرْحٌ لَطِيفٌ، كَافِل بِبَيَان غَامِضه، وَإِيضَاحِ مُبْهَمِه، وَحَلِّ مُشْكِله، وَتَفْصِيلِ مُجْمَلِهِ، وَبَسْط مُوجَزِه، وَتَقْرِيب بِعِيدِهِ، وَالْكَشْفِ عَنْ دَقَائِق أَغْرَاضِهِ، وَخَفِيّ مَقَاصِده، وَلَطِيف إِشَارَاتِهِ، وَمَكْنُون أَسْرَارِهِ، وَمُقْفَل مَسَائِله.
    وَهِيَ الْمُؤَلَّفَاتُ، وَالْمُصَنَّفَاتُ، وَالْمَجَامِيع، وَالدَّوَاوِينُ، وَالرَّسَائِلُ، وَالْمُتُونُ، وَالشُّرُوح، وَالْحَوَاشِي، وَالتَّعَالِيق.
    وَهِيَ الْكُتُبُ، وَالأَسْفَارُ، وَالْمَصَاحِفُ، وَالدَّفَاتِرُ، وَالْكَرَارِيسُ، وَالْمَجَالّ، وَالْمُجَلَّدَات، وَالصُّحُف، وَالأَوْرَاق، وَالأَضَامِيم، وَالأَضَابِير.

    [فَصْلٌ فِي الْفَصَاحَةِ]

    تَقُولُ: هَذَا كَلام فَصِيح، مُتَرَاصِف النَّظْم، مُتَنَاسِب الْفِقَرِ، مُتَشَاكِل الأَطْرَاف، مُتَخَيَّر الأَلْفَاظِ، مُنْتَخَل الأَسَالِيب، مُهَذَّب اللَّفْظِ، مُنَقَّح الْعِبَارَةِ، مُحْكَم السَّبْكِ، أَنِيق الدِّيبَاجَة،

    وَهَذَا كَلام رَقِيق، عَذْب، رَشِيق، سَلِس، سَهْل الْجَرْيِ عَلَى الأَلْسِنَةِ، سَهْل الْوُرُود عَلَى الطَّبْعِ، يَرْتَفِعُ لَهُ حِجَاب السَّمْع، وَيُوطَأُ لَهُ مِهَاد الطَّبْع، وَيَدْخُلُ الآذَان بِلا اِسْتِئْذَان، وَتَعْشَقُهُ الأَسْمَاع لِعُذُوبَتِهِ.
    ******
    وَتَقُولُ في ضِدِ ذلكَ: هَذِهِ لُغَة مَهْجُورَة، وَأَلْفَاظ مَتْرُوكَة، وَتَقُولُ هَذَا كَلام: رَكِيك،

    سَخِيف، سَاقِط، مُبْتَذَل، سُوقِيّ الأَلْفَاظ، لَمْ يَحْكُمْهُ طَبْع، وَلَمْ تُلَقِّنْهُ سَلِيقَة، وَلَمْ يُعِنْهُ ذَوْق، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْفَصَاحَةِ ظِلّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْجَزَالَةِ رَوْنَق، وَإِنَّهُ لَكَلام تَبْذَأه الأَسْمَاع، وَتَنْفِيه الآذَانُ، وَتَمُجُّهُ الأَذْوَاق السَّلِيمَة، وَإِنَّهُ لَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَخَلُّف الْمَلَكَة، وَخِفَّة الْبِضَاعَةِ، وَنَزَارَة الْمَادَّة، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سَقْط الْمَتَاع، وَمِمَّا عُرِضَ فِي الأَسْوَاقِ، وَإِنَّهُ لَكَلام أَسْخَف مِنْ نَسْج الْعَنْكَبُوت، وَأَسْقَم مِنْ أَجْفَان الْغَضْبَانِ


    [فَصْلٌ فِي الْبَلاغَةِ]

    يُقَالُ: هَذَا كَلام بَلِيغ، سَدِيد الْمَنْهَجِ، وَاضِح الْمَعَالِمِ، مَاثِل الأَغْرَاض، مُشْرِق الْمَعَانِي، مُحْكَم الأَدَاءِ، مُحْكَم السَّبْكِ، مُتَرَاصِف الْفِقَر، مُتَلائِم الأَطْرَاف، مُتَسَاوِق الأَغْرَاض، مُتَنَاسِق الأَجْزَاء .
    وَإِنَّهُ لَكَلام دُرِّيّ اللَّفْظ، عَسْجَدِيّ الْمَعْنَى، كَأَنَّ أَلْفَاظَهُ قِطَع الرِّيَاض، وَكَأَنَّ مَعَانِيَهُ نَسَمُ الآصَال، قَدْ تَنَزَّهَ عَنْ شَوَائِب اللَّبْس، وَخَلَصَ مِنْ أَكْدَار الشُّبُهات، وَبَرِئَ مِنْ وَصْمَة التَّعْقِيد، وَتَقُولُ: هَذَا كَلام بَالِغٌ حَدَّ الإِعْجَازِ، وَإِنَّهُ لَكَلام يَمْلِكُ الْقُلُوبَ، وَيَسْتَرِقّ الأَفْهَام، وَيَسْتَعْبِدُ الأَسْمَاع.
    وَهُوَ عُنْوَان الْبَيَان، وَآيَة الْبَرَاعَة، تَتَمَثَّلُ الْبَلاغَة فِي كُلِّ فِقْرَةٍ مِنْ فِقَرِهِ، وَتَتَجَلَّى الْفَصَاحَة فِي كُلِّ لَفْظٍ مِنْ مَنْطُوقِهِ، وَيَتَبَارَى مَعْنَاهُ وَلَفْظه إِلَى الأَفْهَامِ، وَتَكَادُ تُدْرِكُهُ الأَفْهَامُ قَبْلَ الأَسْمَاعِ.
    ******
    وَتَقُولُ فِي ضِدِّهِ: هَذَا كَلام سَخِيف، غَثّ، سَقِيم، فَاسِد الْمَعَانِي، مُضْطَرِب الْمَبَانِي، قَلِق التَّرَاكِيب، مُرْتَبِك النَّظْم، مُشَوَّش التَّأْلِيف، مُخْتَلّ الأَدَاءِ، بَادِي التَّكَلُّفِ، مُعْتَسِف عَنْ جَادَّة الْبَلاغَة، لا يَثْبُت عَلَى السَّبْكِ، وَلا يَثْبُتُ عَلَى النَّقْدِ، قَدْ فَشَت فِيهِ الرَّكَاكَة، وَالضَّعْف، وَالْخَبْط، وَالْخَلْط، وَالْخَلَل، وَقَدْ ضَرَبَتْ الرَّكَاكَة عَلَيْهِ أَطْنَابهَا، وَأَخَذَ الْعِيّ بِتَلْبِيبِهِ، وَأَخَذ الضَّعْف بِمُخَنَّقِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سَاقِطِ الْكَلامِ، وَمِنْ نُفَايَة الْكَلام، وَمِنْ فُضُول الْقَوْل.
    وإَِنَّهُ لَكَلام مُبْهَم، مُغْلَق، مُعَقَّد، يَنْبُو عَنْهُ الْفَهْم، وَتَحَارُ فِيهِ الْبَصَائِر، وَتَضِلُّ فِي تِيهِهِ الأَوْهَام، وَتَسْأَمُهُ الطِّبَاع، وَتُعْرِضُ عَنْهُ الْقُلُوبُ، لا يَشِفّ ظَاهِره عَنْ بَاطِنِهِ، وَلا تَعْرِفُ لَهُ وُجْهَة، وَلا يُسْفِرُ عَنْ مَعْنىً.
    وَإِنَّمَا هِيَ جُمَلٌ مُتَقَطِّعَة السِّلْك، مُتَنَافِرَة اللُّحْمَة، سَقِيمَة الْمَعَانِي، مُلْتَاثَة التَّعْبِير، كَأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمُعَمَّيَاتِ، وَكَأَنَّهَا طَنِينُ الذُّبَابِ.
    وَتَقُولُ فِي وَصْفِ الْمُتَكَلِّمِ: رَجُل بَلِيغ الْكَلام، بَلِيغ الْعِبَارَةِ، رَصِين التَّعْبِيرِ، مُهَذَّب اللَّفْظِ، وَاضِح الأُسْلُوبِ، مُشْرِق الدِّيبَاجَةِ، يُجَلِّي عَنْ نَفْسِهِ بِأَبْلَغ الْبَيَان، وَيُعَبِّرُ عَنْ ضَمِيرِهِ بِأَجْلَى الْعِبَارَات، وَيَبْلُغُ بِكَلامِهِ كُنْه الْقُلُوبِ، وَيَضَعُ لِسَانَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدْ قَبَضَ عَلَى أَزْمَة الْبَلاغَة، وَمَلَك أَعْنَاق الْمَعَانِي، وَسُخِّرَتْ لَهُ الأَلْفَاظ، وَأُوتِيَ فَصْلَ الْخِطَابِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنَوَابِغ الْحِكَمِ.
    وَهُوَ مِنْ أُمَرَاءِ الْكَلامِ، وَزُعَمَاء، الْخِطَاب، وَإِنَّهُ لَمِنْ أَبْلَغ النَّاس فِي مُخَاطَبَة، وَأَثْبَتهمْ فِي مُحَاوَرَة، إِذَا افْتَنَّ فَتَن الأَلْبَابِ، وَسَحر الْعُقُول، وَخَلَبَ الأَسْمَاع، وَإِنَّهُ كَلامُهُ لَيَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب، وَتَشْتَمِل عَلَيْهِ الْقُلُوب، وَإِنَّ بَيَانَهُ السِّحْر أَوْ أَغْرَب، وَإِنَّ كَلامَهُ أَنْدَى عَلَى الأَفْئِدَةِ مِنْ زُلالِ الْمَاءِ، وَإِنَّهُ لآيَة مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي بَلاغَةِ التَّعْبِيرِ، وَإِصَابَةِ مَقَاتِل الأَغْرَاض، وَالْوُقُوعِ عَلَى شَوَاكِل السَّدَاد، وَتَطْبِيق مَفَاصِل الصَّوَاب، وَهُوَ أَفْصَحُ ذِي لِسَان، وَأَبْلَغُ ذِي لُبّ.
    وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: فُلان عَيِّي اللِّسَان، حَصِر اللِّسَان، وَعْث اللِّسَان.
    وَإِنَّهُ لَرَجُل كَلِيل الذِّهْن، مُتَخَلِّف الذِّهْنِ، بَلِيد الطَّبْعِ، مَيِّت الْحِسِّ، جَامِد الْقَرِيحَة، خَامِد الْفِكْرَةِ.
    وَهُوَ غَثُّ الْكَلامِ، سَقِيم الأَدَاءِ، مُظْلِم الْعِبَارَة، رَثّ أَثْوَاب الْمَعَانِي، مُنْحَطّ عَنْ مَقَامَاتِ الْبُلَغَاءِ، مَدْفُوع عَنْ مَوَاقِفِ الْبُلَغَاءِ، قَدْ مَلَكَتْ لِسَانَه الرَّكَاكَةُ، وَمَلَك ذِهْنَه الْعِيُّ، وَإِنَّهُ لا تَخْدِمُهُ قَرِيحَة، وَإِن بِهِ لَعِياً فَاضِحاً.
    التعديل الأخير تم بواسطة ابن النعمان; الساعة 10-10-2017, 04:02 PM.
  • ابن النعمان
    عضو جديد
    • Nov 2016
    • 79

    #2
    [فَصْلٌ فِي الْخَطَابَةِ]

    يُقَالُ: فُلان خَطِيب مِصْقَع، بَسِيط اللِّسَان، قَوِيّ الْعَارِضَةِ، فَسِيح الْبَاع، رَحِيب الْمَجَالِ، بَعِيد النُّجْعَة، بَعِيد الْغَايَةِ، بَعِيد الأَمَدِ، مَصْقُول الْخَاطِرِ، طَلْق الْبَدِيهَة، سَمْح الْقَرِيحَة، وَاضِح الْمَنْهَجِ، نَاصِع الْبَيَانِ، حَسَن اللَّفْظِ، أَنِيق اللَّهْجَة، جَزْل الْمَنْطِق، رَائِع الْمَنْطِق، عَذْب الْمَنْطِقِ، رَطْب اللِّسَانِ، خَلاب الْمَنْطِق، نَدِيّ الصَّوْت.
    وَإِنَّهُ لَفَصِيح بَلِيغ، طَلِيق اللِّسَان، سَرِيع الْخَاطِرِ، غَمْر الْبَدِيهَة، حَاضِر الذِّهْنِ، كَأَنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَغْرَاضَهُ عَنْ حَبْل ذِرَاعه، وَكَأَنَّمَا يَتْلُو عَنْ ظَهْر قَلْبِه، لا يَتَلَكَّأُ فِي مَنْطِقِهِ، وَلا يَتَلَجْلَجُ، وَلا يَتَلَعْثَمُ، وَلا يَتَوَقَّفُ، وَلا يَعْتَرِضُهُ حَصْر، وَلا تَنَالُهُ حُبْسَة، وَلا تُرْهِقُهُ عُقْلَة، تَجْرِي الْفَصَاحَة بَين شَفَتَيْهِ وَلَهَاتِهِ، وَتَجْرِي الْبَلاغَة بَيْنَ لِسَانِهِ وَفُؤَادِهِ، إِذَا تَكَلَّمَ تَحَدَّرَ تَحَدُّر السَّيْل، وَتَدَفَّق تَدَفُّق الْيَعْبُوب، وَمَلأ الأَسْمَاع وَالْقُلُوب، وَإِنَّ فُلاناً لَمُحَدَّث بِمَا فِي الْقُلُوبِ، صَادِق الْفِرَاسَة بِمَا فِي الضَّمَائِرِ، كَأَنَّهُ كُوشِفَ بِمُغَيَّبَات الصُّدُور، وَاطَّلَعَ عَلَى مَا تَكُنُّ أَحْنَاء الضُّلُوع، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْغَيْبِ مِنْ سِتْرٍ رَقِيقٍ، وَقَدْ فَجَّرَ اللَّهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ عَلَى لِسَانِهِ، وَتَدَفَّقَتْ سُيُول الْبَلاغَة عَلَى لِسَانِهِ، إِذَا أَفَاضَ فِي كَلامِهِ مَلَكَ أَعِنَّة الْقُلُوب، وَرَدّ شَارِد الأَهْوَاء، وَقَادَ حَرُون الشَّهَوَات، وَقَوْم زَيْغ النُّفُوس، وَاسْتَدَرَّ مَاء الشُّئُون، وَخَشَعَتْ لَهُ الأَبْصَار، وَسَكَنَتْ الْجَوَارِحُ، وَخَفَقَتْ الأَفْئِدَةُ، وَطَارَتْ النُّفُوس خَشْيَة وَرِقَّة، وَصَارَتْ جِبَال الْقُلُوب عِهْناً.
    وَيُقَالُ: اِنْتَبَرَ الْخَطِيب إِذَا اِرْتَقَى فَوْقَ الْمِنْبَرِ، وَخَطَبَ فُلان فِي الْقَوْمِ، وَخَطَب الْقَوْمَ، وَقَامَ فِيهِمْ خَطِيباً، وَصَدَع بِكَلامِهِ، وَقَرَع الآذَان بِخِطَابِهِ، وَقَدْ اِرْتَجَلَ فُلان الْخُطْبَة، وَاقْتَضَبَهَا، إِذَا قَالَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهَيِّئَهَا.
    وَاحْتَفَلَ لِلْخُطْبَةِ وَالْكَلامِ، وَاحْتَشَدَ لَهَا، وَتَعَمَّل لَهَا، إِذَا تَهَيَّأَ لَهَا وَأَعَدَّهَا، وَيُقَالُ: اِسْتَبْحَرَ الْخَطِيب إِذَا اِتَّسَعَ لَهُ الْقَوْلُ، وَفُلان يَهْضِبُ بِالْخُطَب أَيْ يُسَحُّ سَحاً، وَقَدْ عَبَّ عُبَابه إِذَا أَفَاضَ فِي الْقَوْلِ، وَقَدْ أَطَالَ عِنَان الْقَوْل، وَامْتَدَّ بِهِ نَفَس الْكَلامِ.
    وَيُقَالُ لِلْفَصِيحِ: هَدَرَتْ شَقاشِقُه، وَفِي إِحْدَى خُطَبِ الإِمَامِ عَلِيّ: " تِلْكَ شِقْشِقَة
    هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ "، وَصَعِدَ فُلان الْمِنْبَر فَأُرْتِج عَلَيْهِ، وَحَصِرَ، إِذَا اِسْتَغْلَقَ عَلَيْهِ الْكَلامُ.
    وَفِي الأَمْثَالِ: " إِيَّاكَ وَالْخُطَب فَإِنَّهَا مِشْوَار كَثِير الْعِثَار ".
    وَيُقَالُ: هَذِهِ خُطْبَة مُجْمَعَة أَي لَمْ يَدْخُلْهَا خَلَل.
    *********
    وَيُقَالُ فِي الذَّمِّ: فُلانٌ مُتَشَدِّقٌ، ثَرْثَار، مِهْذار، غَثّ الْمَنْطِق، تَفِه الْكَلام، قَدْ مَلَكَتْ خِطَامه الرَّكَاكَة، وَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ الْعِيّ، وَإِنَّهُ لَيَمْلأ فَاه بِالْهَذَرِ، وَيَتَمَطَّق بِالْهُرَاءِ، وَيَتَنَطَّعُ بِفُضُولِ الْقَوْلِ، وَيَتَكَثَّرُ بِلَغْو الْمَقَال.
    وَإِنَّهُ لمُسْتَهْجَن اللَّفْظ، كَلِيل الْخَاطِر، إِذَا تَكَلَّمَ اِنْصَرَفَتْ عَنْهُ الْوُجُوهُ، وَتَفَادَتْ مِنْ سَمَاعِهِ الآذَان، وَأَعْرَضَتْ عَنْهُ الْقُلُوبُ، وَانْقَبَضَتْ مِنْهُ الصُّدُورُ، وَسَئِمَتْهُ النُّفُوسُ.
    وَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَلامِهِ طَلاوَة، وَلا عَلَيْهِ رَوْنَق، وَلا وَرَاءهُ مَحْصُول، وَإِنَّمَا جُلُّ بِضَاعَتِهِ حَنْجَرَة صُلْبَة، وَشِقْشِقَة عَرِيضَة، وَأَلْفَاظ يَفْنَى بِكَثْرَتِهَا الرِّيق، وَتَضِيقُ مِنْ دُونِهَا أَصْمِخَة الآذَان.

    [فَصْلٌ فِي الْكِتَابَةِ وَالإِنْشَاءِ]

    يُقَالُ: فُلانٌ كَاتِبٌ مُجِيد، بَارِع، مُتَفَنِّن، رَشِيق اللَّفْظِ، مُنَمَّق الْعِبَارَةِ، بَدِيع الإِنْشَاءِ، صَحِيح الدِّيبَاجَةِ، حَسَن التَّحْبِير، حَسَن التَّرَسُّل، وَإِنَّهُ لَسَبَّاك لِلْكَلامِ، وَإِنَّهُ لَجَيِّد السَّبْكِ، حَسَن الصِّيَاغَةِ، مَصْقُول الْعِبَارَةِ، مُنْتَقَى اللَّفْظِ، سَهْل الأُسْلُوبِ، مُنْسَجِم التَّرَاكِيبِ، مُطَّرِد السِّيَاقِ، وَاضِح الطَّرِيقَةِ، نَاصِع الْبَيَانِ، سَلِيم الذَّوْقِ، مُهَذَّب الْعِبَارَةِ، غَرِيزِيّ الْفَصَاحَة، مَطْبُوع عَلَى الْبَيَانِ، مُتَصَرِّ بِأَعِنَّة الْكَلام، مُتَفَنِّن فِي ضُرُوبِ الْخِطَابِ، لَطِيف الْمَدَاخِل وَالْمَخَارِج مَلِيح الْفُصُول، رَائِق الْفِقَر، مَقْبُول الإِطْنَابِ، بَلِيغ الإِيجَازِ، قَدْ أُنْزِلَتْ الْفَصَاحَة عَلَى قَلَمِهِ، وَأُنْزِلَت الْبَلاغَة عَلَى فُؤَادِهِ.
    وَإِنَّهُ لَمِنْ أَجْرَى الْكُتَّاب قَرِيحَة، وَأَغْزَرهمْ مَادَّة، وَأَطْوَلهمْ بَاعاً، وَأَوْسَعهمْ مَجَالا، وَأَمْضَاهُمْ سَلِيقَة، وَأَسْرَعهُمْ خَاطِرا، وَأَحْضَرهُمْ بَيَاناً.
    وَإِنَّ فُلانا لَمِنْ أَكَابِر الْكُتَّاب، وَمِنْ نُخْبَةِ الْكُتَّابِ الْمُجِيدِينَ، وَمِنْ الْكَتَبَةِ الْمَعْدُودِينَ، كَامِل الآلَةِ، مُتْقِن لأَدَوَاتِ الْكِتَابَةِ وَالإِنْشَاءِ، مُحِيط بِأَسْرَارِ الْبَلاغَةِ، مُتَبَحِّر فِي ضُرُوبِ الإِنْشَاءِ، حَافِظ لأَقْوال الْفُصَحَاء، وَخُطَب الْبُلَغَاء، مُطَّلِع عَلَى أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَالْمُوَلَّدِين، جَامِع لِلْحِكَمِ الْمَسْطُورَةِ، وَالأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ، وَالْبَلاغَاتِ الْمَأْثُورَةِ، لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْء مِنْ طَرَائِفِ الْكَلامِ، وَلَطَائِفه، وَنَوَادِره، مُتَبَحِّر فِي مَعْرِفَةِ مُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ، مَحْص لِفَرَائِدِهَا، عَارِف بِفَصِيحِهَا وَرَكِيكِهَا، ومَأْنُوسِها وَغَرِيبِهَا، عَلِيم بِأَسْرَارِ اللَّفْظِ وَاشْتِقَاقه، وَحَقِيقَته وَمَجَازه، بَصِير بِصَرْفِ الْكَلامِ، خَبِير بِنَقْدِ جَيِّده وَرَدِيئة، مُتَصَرِّف فِي رَقِيقِهِ وَجَزْلِهِ، مُجَوِّد فِي مُرْسَلِهِ، وَمُسَجَّعه.
    وَإِنَّهُ لَيَتَعَهَّد كَلامهُ، وَيُكْثِرُ فِيهِ مِنْ التَّأَنُّقِ، وَيُبَالِغُ فِي تَنْقِيحِهِ، وَتَصْحِيحِهِ، وَتَحْرِيرِهِ، وَتَحْبِيره، وَتَهْذِيبه، وَتَشْذِيبه، َلا تَرَى فِي كَلامِهِ رَكَاكَة، وَلا غَثَاثَة، وَلا تَكَلُّفاً، وَلا مُنَافَرَة، وَلا مُعَارَضَة، وَلا تَنْقَطِعُ سِلْسِلَة أَغْرَاضه، وَلا تَتَبَايَنُ لُحْمَة مَعَانِيه، وَلا يَهْجُمُ عَلَى الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ بَابِهِ.
    وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسَائِلِ الْمُحَبَّرَة، وَمِنْ كُتَّابِ الرَّسَائِلِ، وَكُتَّابِ الدَّوَاوِينِ، مُتَصَرِّف فِي جَمِيعِ فُنُون المُرَاسَلات، وَالْمُكَاتَبَات، وَالْمُخَاطَبَات، وَالْمُطَارَحَات، وَالْمُرَاجَعَات، مُحْسِن فِي جَمِيعِ ضُرُوبِ الرَّسَائِلِ، وَالْكُتُبِ، وَالرِّقَاع.
    وَقَدْ كَتَبَ الرِّسَالَةَ، وَسَطَّرَهَا، وَنَمَّقَهَا، وَدَبَّجَهَا، وَحَبّرهَا.
    وَصَدَّر رِسَالَته بِكَذَا، وَعَنْوَنَهَا بِكَذَا، وَقَرَأْت هَذَا الْخَبَرَ فِي لَحَق كِتَابِهِ وَهُوَ مَا يُلْحَقُ بِالْكِتَابِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَتُلْحِقُ بِهِ مَا سَقَطَ عَنْك، وَجَاءَ كَذَا فِي إِزَار كِتَابه وَهُوَ مَا يُكْتَبُ آخِر الْكِتَابِ مِنْ نُسْخَة عَمَل أَوْ فَصْل فِي بَعْضِ الْمُهِمَّاتِ، وَقَدْ أَزَّر كِتَابَهُ بِكَذَا.
    وَهُوَ أَكْتَب مِنْ الصَّابِئِ، وَأكْتَب مِنْ اِبْن الْمُقَفَّع، وأكْتَب مِنْ عَبْد الْحَمِيد.
    *******
    وَيُقَالُ فِي الذَّمِّ: فُلان مِنْ ضَعَفَة الْكُتَّاب، وَمِن أَصَاغِر الْكُتَّاب، وَمُتَخَلِّفِي الْكُتَّاب، سَقِيم الْعِبَارَةِ، ضَعِيف الْمَلَكَةِ، قَاصِر الآلَةِ، ضَيِّق الْحَظِيرَةِ، مُتَطَفِّل عَلَى مَوَائِد الْكَتَبَة، مُنْحَطّ عَنْ طَبَقَةِ الْمُجِيدِينَ، بَعِيد عَنْ مَذَاهِبِ الْبُلَغَاءِ، مَدْفُوع عَنْ طَبَقَةِ الْمُجِيدِينَ، عَامِّيّ اللَّفْظ، مُبْتَذَل اللَّفْظِ، مُبْتَذَل التَّرَاكِيبِ، يَتَلَمَّظُ بِرَكِيكِ الْكَلِمِ، وَيَحُومُ حَوْلَ الْمَعَانِي الْمَطْرُوقة، ضَعِيف النَّقْدِ، سَيِّئ اِخْتِيَارِ الأَلْفَاظِ، لَمْ يَطَأْ عَتَبَةَ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُصَافِحْ رَاحَة الأَدَبِ، وَقَدْ أَلِفَ مَضَاجِع الرَّكَاكَة، وَنَشَأَ عَلَى وَهْن السَّلِيقَة، وَقَعَدَ بِهِ طَبْعه عَنْ مُجَارَاةِ الْبُلَغَاءِ.
    وَفُلانٌ مِنْ صَيَارِفَة الْكَلام، جُلّ بِضَاعَتِهِ مَا يَنْسَخُهُ مِنْ كَلامِ الْفُصَحَاءِ، وَيَمْسَخُهُ مِنْ أَلْفَاظِ مُتَقَدِّمِي الْكُتَّابِ، يُبَدِّلُ جَيِّدَهُ بِالرَّدِيءِ، وَيَخْلِطُ الْفَصِيح مِنْهُ بِالْعَامِّيِّ، وَيُفْرِغُهُ فِي قَالَبٍ مِنْ أُسْلُوبِهِ تَتَعَاوَرُهُ الرَّكَاكَة، وَيُشَوِّهُهُ اللَّحْن، وَيَتَجَاذَبُهُ التَّعْقِيد، وَلا يَرْجِع إِلَى ذَوْق، وَلا تَخْدِمُهُ سَلِيقَة، وَلا يَمُدّهُ اِطِّلاع، وَلا يُمَحِّصُهُ نَقْد، وَلا يَعْلَقُهُ لِلْفَصَاحَةِ سَبَب.


    تعليق

    • ابن النعمان
      عضو جديد
      • Nov 2016
      • 79

      #3
      [فَصْلٌ فِي الشِّعْرِ]

      يُقَالُ: فُلانٌ شَاعِرٌ مُتَفَنِّنٌ، مُجِيد، مُتَأَنِّق، عَزِيز الْمَذْهَبِ، بَعِيد الْغَايَةِ، رَفِيع الطَّبَقَة، مُتَصَرِّف فِي فُنُونِ الشِّعْرِ، مُوفٍ عَلَى شُعَرَاءِ عَصْرِهِ، وَهُوَ شَاعِرُ عَصْرِهِ، وَهُوَ أَشْعَرُ أَهْل عَصْرِهِ، وَهُوَ شَاعِرٌ بِالطَّبْعِ، وَهُوَ مِنْ فُحُول الشِّعْرِ، وَزُعَمَاء الْقَوْل، وَمِنْ مَشَاهِير الشُّعَرَاءِ، وَمِنْ الشُّعَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ، جَيِّد الشِّعْر، رَصِين الشِّعْرِ، جَيِّد النَّظْمِ، الْحَبْك، صَحِيح السَّبْكِ، مُنَضَّد اللَّفْظِ، رَائِق الأُسْلُوبِ، مَلِيح الدِّيبَاجَة، رَشِيق الْمَعْنَى، دَقِيق الْمَعْنَى، دَقِيق الْفِكْرِ، لَطِيف التَّخَيُّل، شَرِيف الْمَعَانِي، وَاضِح الْمَنْهَجِ، سَدِيد الْمَسْلَكِ، لَيْسَ فِي شِعْرِهِ تَكَلُّف، وَلا تَعَسُّف، وَلا قَلَق، وَلا اِرْتِبَاك، وَلا تَعْقِيد، وَلا غُمُوض، وَلا اِلْتِبَاس، وَلا تَقْصِير، وَلَيْسَ فِيهِ حَشْو، وَلا لَغْو، وَلا تَرَى فِي قَوَافِيهِ قَلَقاً، وَلا ضَعْفاً، وَلا نُفُوراً.
      وَفُلانٌ مِنْ قَالة الشِّعْر، وَحَاكَّة الشِّعْر، وَصَاغَة الشِّعْر، وَصَاغَة الْقَرِيض، ورُوَّاض الْقَوَافِي، وَإِنَّ لَهُ شِعْراً صَافِي الدِّيبَاجَة، نَقِيّ الْمُسْتَشَفّ، كَثِير الطُّلاوَة،ِ كَثِير الْمَحاسِن، واللَّطَائِف، والْمُلَح، والنُّكَت، والْبَدَائِع، وَالطُّرَف، وَإِنَّ شِعْرَهُ لَيَتَدَفَّق طَبْعاً وَسَلاسَة، وَيَطَّرِد فِيهِ مَاء الْبَدِيع، وَيَجُولُ فِيهِ رَوْنَق الْحِسّ، رَقِيق التَّشْبِيب، رَائِق النَّسِيب، حُلْو التَّغَزُّلِ، حَسَن الْمَطَالِعِ وَالْمَقَاطِعِ، حَسَن التَّشَابِيه، بَدِيع الاسْتِعَارَات، لَطِيف الْكِنَايَاتِ.
      وَفُلانٌ إِذَا رَامَ نَظْم الشِّعْرِ قَامَتْ الأَلْفَاظُ فِي خِدْمَتِهِ، وَتَلَبَّبَتْ الْمَعَانِي لِدَعْوَتِهِ، وَإِنَّهُ لَيَرُوض الْقَوَافِيَ الصَّعْبَة، وَتَرْتَاض لَهُ شُمُس الْقَوَافِي، وَيَسْتَفْتِحُ أَغْلاق الْمَعَانِي، وَيَغُوصُ عَلَى الْمَعْنَى الْغَرِيبِ، وَالنُّكْتَةِ النَّادِرَةِ، وَلا يَزَالُ يَأْتِي بِالْبَيْتِ النَّادِرِ، وَالْمَثَلِ السَّائِرِ، وَالْحِكْمَةِ الْبَلِيغَةِ، وَالْمَعْنَى الْبَدِيعِ.
      وَإِنَّهُ لَيَبْتَكِر الْمَعَانِيَ، وَيَسْتَنْبِطهَا، وَيَخْتَرِعهَا، وَيَبْتَدِعهَا، وَيَقْتَرِحهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مِنْ مُبْتَكَرَاتِ فُلان، وَمِنْ بَنَاتِ أَفْكَارِهِ، وَمِنْ أَبْكَار مُخْتَرَعَاته، وَإِنَّ فُلاناً لَيَزُفّ بَنَات الأَفْكَارِ، وَيَجْلُو أَبْكَار الْمَعَانِي، وَقَدْ جَاءَ بِهَذَا الْكَلامِ اِسْتِنْبَاطاً، وَقَرِيحَة، وَابْتِكَاراً، وَاقْتِرَاحاً، وَهَذَا مَعْنىً لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ سَابِق، وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ مُنَازِع، وَلَمْ يَتَمَثَّلْ فِي لَوْح خَاطِر، وَلَمْ يَحُمْ عَلَيْهِ طَائِرُ فِكْر.
      وَإِنَّ فُلاناً لَيَنْظِم اللَّآلِئَ، وَيُقَرِّط الآذَان، وَيُشَنِّفُ الأَسْمَاع، وَيُسْكِر الأَلْبَاب، وَيُسْحِرُ الْعُقُول، وَيَخْلُبُ الْقُلُوب، وَإِنَّهُ لَشِعْر حَرِيّ بِأَنْ يُكْتَب عَلَى جَبْهَة الدَّهْر، وَيُعَلَّق فِي كَعْبَة الْفَخْرَ.
      وَهَذَا الشِّعْرُ مِنْ قَلائِدِ فُلان، وَمِنْ فَرَائِده، وَنَفَائِسه، وَبَدَائِعه.
      وَيُقَالُ: نَبَغَ فُلان فِي الشِّعْرِ إِذَا أَجَادَهُ
      وَلَمْ يَكُنْ فِي إِرْث الشِّعْر، وَهُوَ نَابِغَة عَصْرِهِ، وَهُوَ مِنْ رُوَّام الشِّعْر، وَمِمَّنْ يَنْظِمُ الشِّعْر، وَيَنْسِجُهُ، ويَحُوكُهُ، وَيَحْبُكُهُ، وَيَصُوغُهُ، وَيُقْرِضُهُ، وَيُنْشِئُهُ
      وَقَدْ نَظَمَ فِي كَذَا، وَعَمِل فِيهِ شِعْراً، وَقَالَ فِيهِ شِعْراً، وَقَدْ جَاشَ الشِّعْر فِي خَاطِرِهِ، وَجَاشَ فِي صَدْرِهِ، وَفِي فُؤَادِهِ، وَاسْتَنْشَأْتُهُ قَصِيدَة فِي كَذَا فَأَنْشَأَهَا لِي.
      وَقَدْ سَنَحَ لَهُ شِعْر كَذَا أَي عَرَض أَوْ تَيَسّر، وَإِنَّهُ لَيَرْتَجِل الشِّعْر، وَيَقْتَضِبُهُ، وَيَقُولُهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ، لا يُسْهِر عَلَيْهِ جَفْناً، وَلا يَكُدّ فِيهِ طَبْعاً، وَقَدْ قَالَ هَذِهِ الأَبْيَات عَلَى رِيقٍ لَمْ يَبْلَعْهُ، وَنَفَس لَمْ يَقْطَعْهُ، وَهِيَ مِنْ عَفْو السَّاعَة، وَمِنْ فَيْضِ الْخَاطِر، وَفَيْضِ الْقَرِيحَة، وَفَيْضِ الْقَلَم، وَفَيْضِ الْيَدِ، وَمُجَارَاة الْخَاطِر، وَإِنَّهُ لَسَرِيع الْخَاطِرِ، غَمْر الْبَدِيهَة، طَلْق الْبَدِيهَة، سَمْح الْقَرِيحَة، غَمْر الْقَرِيحَة، حَافِل الْقَرِيحَةِ فَيَّاض الْقَرِيحَة، مُتَدَفِّق الْقَرِيحَةِ، شَدِيد الْعَارِضَةِ، حَادّ الْبَادِرَةِ، سَرِيع الذِّهْنِ، حَاضِر الذِّهْنِ، وَإِنِّي لَمْ أَرَ أَحْضَرَ مِنْهُ ذِهْناً، وَلا أَسْرَعَ خَاطِراً، وَلا أَوْسَعَ خَاطِراً.
      وَيُقَالُ: فُلان يَخْشُب الشِّعْر، وَيَخْتَشِبُهُ، إِذَا أَرْسَلَهُ كَمَا يَجِيءُ وَلَمْ يَتَنَوَّقْ فِيهِ وَلَمْ يُنَقِّحْهُ، وَهَذَا شِعْر مَخْشُوب، وَخَشِيب، وَخَيْر الشِّعْرِ الْحَوْلِيّ الْمُنَقَّح، وَفِي الأَسَاسِ كَانَ الْفَرَزْدَق يُنَقِّحُ الشِّعْرَ وَكَانَ جَرِير يَخْشُبُ وَكَانَ خَشْب جَرِير خَيْراً مِنْ تَنْقِيح الْفَرَزْدَق، وَتَقُولُ: عَارَضْت فُلاناً فِي الشِّعْرِ، وَرَاسَلْتهُ، وَقَارَضْتهُ، وَهِيَ الْمُبَارَاةُ فِي نَظْمِ الشِّعْرِ، وَهُمَا يَتَقَارَضَانِ الأَشْعَار.
      وَتَقُولُ: أَجِزْ هَذَا الْبَيْت أَوْ هَذَا الشَّطْر إِذَا نَظَمْتهُ أَوْ أَخَذْتهُ مِنْ شِعْرِ غَيْرِك وَسَأَلْتهُ أَنْ يَنْظِمَ عَلَيْهِ لِيُتِمَّهُ، وَيُقَالُ: فُلان شَاعِر فَصَّال وَهُوَ الَّذِي يَمْدَحُ النَّاسَ لِيَأْخُذ الْجَوَائِزَ.
      وَتَقُولُ فِي الذَّمِّ: فُلان شَاعِر ضَعِيف، سَخِيف النَّظْمِ، مُهَلْهَل الشِّعْر، مُقَصِّر عَنْ طَبَقَةِ الْفُحُولِ، نَازِل عَنْ رُتْبَةِ الْمُجِيدِينَ مِنْ الشُّعَرَاءِ، وَهُوَ مِنْ سَاقَة أَهْل الشِّعْرِ، لا مَلَكَة عِنْدَهُ لِلنَّظْم، وَلَمْ يُرَكَّبْ فِي طَبْعِهِ الشِّعْرُ، وَلَيْسَ فِي سَلِيقَتِهِ الشِّعْر.
      وَإِنَّهُ لَصَالِد الْفِكْر، كَابِي الزَّنْد، سَخِيف الطَّبْعِ، مُتَخَلِّف الطَّبْع، سَقِيم الْخَاطِر، مُقْعَد الْخَاطِر، زَمِن السَّلِيقَة، نَاضِب الْقَرِيحَة، جَامِد الرَّوِيَّة، خَامِد الْبَدِيهَة، نَكِد الْقَرِيحَة، صَلْد الْخَاطِر.
      رَثّ الأَلْفَاظ، قَلِق الأَلْفَاظ، قَلِق الأَسَالِيب، سَقِيم الْمَعَانِي، فَاسِد الْمَعَانِي، مُبْتَذَل الْمَعَانِي، فَاسِد التَّعْبِيرِ، مُشَوَّش الْقَوَالِب، ضَعِيف النَّقْدِ، كَثِير التَّكَلُّفِ.
      وَإِنَّ شِعْرَهُ لِبَشِع فِي الذَّوْقِ، وَلَيْسَ عَلَى شِعْرِهِ طُلاوَة، وَلا حَلاوَة، وَلا رَوْنَق، وَلا رَشَاقَة، وَلا بَدَاهَة، وَلا قُدْرَة لَهُ عَلَى الاخْتِرَاعِ، وَلا فَضْل فِيهِ لِلاسْتِنْبَاطِ.
      وَيُقَالُ: كَسَرَ الشِّعْر إِذَا لَمْ يُقِمْ وَزْنَهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْرِق الشِّعْر، وَيُغِير عَلَيْهِ، وَيَنْتَحِلهُ، وَإِنَّهُ لَيُغِير عَلَى أَبْيَاتِ الشُّعَرَاءِ، وَيَعْدُو عَلَى بَنَاتِ الأَفْكَارِ، وَقَدْ أَطْلَقَ يَدَهُ فِي شِعْرِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَحَكَّمَ رَاحَته فِي شِعْر الأَوَائِل، وَقَدْ تَحَيَّف شِعْر فُلان، وَأَخَذ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ فُلان، وَأَلَمّ بِبَيْتِ فُلان، وَهَذَا الْبَيْت مِنْ قَوْلِ فُلان، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِ فُلان وَيُقَالُ: أَصْفَى الشَّاعِر إِذَا اِنْقَطَعَ شِعْره.
      وَقَالَ: فُلان كَذَا بَيْتا وَأَكْدَى إِذَا اِمْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَقَدْ أُرْتِج عَلَيْهِ، وَرُجِيَ عَلَيْهِ، وَصَلُد خَاطِره، وَتَقُولُ لا يَسْتَذِيقُ لِي الشِّعْر إِلا فِي فُلان، وَإِلا فِي غَرَضِ كَذَا، أَيْ لا يَنْقَادُ لِي.
      وَتَقُول: هَذِهِ قَصِيدَة عَائِرَة، وَكَلِمَة عَائِرَة، وَقَافِيَةٌ شَارِدَةٌ.
      وَإِنَّهَا لَكَلِمَة شَاعِرَة، وَهِيَ مِنْ غُرَر الْقَصَائِد، وَمِنْ الْقَصَائِدِ الْمُخْتَارَةِ، وَمِنْ حُرِّ الْكَلامِ، وَمِنْ عُيُونِ الشِّعْرِ، وَمَحْفُوظ الشِّعْرِ، وَعَقَائِل الشِّعْر، وَمِنْ مُحْكَمِ الشِّعْرِ وَجَيِّده، وَهَذِهِ قَصِيدَة حَذَّاء أَي سَائِرَة أَوْ مُنْقَطِعَة الْقَرِين.
      وَهِيَ مِنْ مُقَلَّدَات الشِّعْرِ، وَقَلائِده، أَي الْبَوَاقِي عَلَى الدَّهْرِ، وَإِنَّهَا لَحَسَنَة الشَّبَابِ أَي التَّشْبِيبِ، وَهَذِهِ قَصِيدَة حَكِيمَة أَي فِيهَا كَلام حِكْمَة، وَهَذَا شِعْر مُقَصَّد أَي مُهَذَّب مُنَقَّح، وَهَذَا الْبَيْتُ فِقْرَة هَذِهِ الْقَصِيدَةِ أَي أَجْوَد بَيْتٍ فِيهَا، وَهُوَ بَيْتُ الْقَصِيدِ، وَتَقُولُ: هَذِهِ قَصِيدَة رَيِّضَة أَي لَمْ تُحْكَمْ.
      وَإِنَّهَا لَمِنْ سَفْسَاف الشِّعْر أَي مِنْ رَدِيئِهِ أَوْ مَا لَمْ يُحْكَمْ مِنْهُ، وَفُلانٌ يُنْشِد مُقَطَّعَات الشِّعْرِ وَهِيَ قِصَارُهُ وَأَرَاجِيزه.
      وَتَقُولُ: شِعْر فُلان أَحْسَن مِنْ حَوْلِيَّات زُهَيْر، وَأَحْسَن مِنْ حَوْلِيَّات مَرْوَان بْن أَبِي حَفْصَة، وَأَحْسَن مِنْ اِعْتِذَارَاتِ النَّابِغَةِ، حَمَاسِيَّات عَنْتَرَة، وَهَاشِمِيَّات الْكُمَيْت، وَنَقَائِضِ جَرِير، وَخَمْرِيَّات أَبِي نُوَاس، وَتَشْبِيهَات اِبْنِ الْمُعْتَزِّ، وَزُهْدِيَّات أَبِي الْعَتَاهِيَةِ، وَرَوْضِيَّات الصَّنَوْبَرِيّ، وَلَطَائِف كُشَاجِم.
      وَهَذَا أَحْسَن مِنْ ابْتِدَاءات أَبِي نُوَاس، وَمِنْ تَخَلُّصَات الْمُتَنَبِّئ، وَمَقَاطِع أَبِي تَمَّام.

      [فَصْلٌ فِي النَّقْدِ]

      يُقَالُ: نَقَدْت الْكَلام، وَانْتَقَدْتهُ، وَفَلَيْتُه، وَتَدَبَّرْتهُ، وَتَأَمَّلْتهُ، وَتَبَصَّرْته، وَنَظَرْت فِيهِ، وَتَثَبَّت فِيهِ، وَأَعْمَلْت فِيهِ النَّظَر، وَقَلَّبْت فِيهِ النَّظَرَ، وَأَنْعَمْت فِيهِ النَّظَر، وَحَكَكْت مَعْدِنَه، وَسَبَرْت غَوْرَهُ، وَعَجَمْت عُوده وَقَلَّبْتهُ بَطْناً لِظَهْر.
      وَفُلان نَقَّاد، بَصِير، خَبِير، عَارِف، جَهْبَذ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ أَهْل النَّقْد، وَمِنْ جَهَابِذَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ النَّافِذَةِ، صَحِيح النَّقْدِ، صَائِب الْفِكْرِ، ثَاقِب الْفِكْر، ثَاقِب النَّظَرِ، دَقِيق النَّظَرِ، صَادِق النَّظَرِ، بَعِيد مَرْمَى النَّظَر ، مُدَقِّق، شَدِيد التَّنْقِيبِ، كَثِير التَّنْقِير، دَقِيق الْبَحْثِ، بَعِيد الْغَوْرِ، يَغُوصُ عَلَى الْحَقَائِقِ، وَيُثِيرُ الدَّفَائِن، وَيَكْشِفُ عَنْ الْغَوَامِض، عَارِف بِمَوَارِدِ الْكَلام وَمَصَادِرِهِ، خَبِير بِمَحَاسِنِهِ وَمَسَاوِئِهِ، عَلِيم بِصَحِيحِهِ
      وَفَاسِده، بَصِير بِجَيِّدِهِ وَسَفْسافِه.
      وَتَقُولُ: هَذَا كَلام لا يَثْبُتُ عَلَى النَّقْدِ، وَلا يَثْبُتُ عَلَى السَّبْكِ، وَإِنَّ فِيهِ لَمَطْعَناً، وَمَغْمَزًا، وَمَأْخَذًا.
      وَإِنَّهُ مَجَالُ نَظَر، وَمَحَلُّ نَظَر، وَفِيهِ نَظَر، وَفِيهِ كَلام، وَفِيهِ مَوْضِعٌ لِلْقَوْلِ، وَمَوْضِعٌ لِلنَّقْدِِ.
      وَإِنَّهُ لا يَخْلُو مِنْ حَزَازَة، وَلا يَخْلُو مِنْ اِعْتِسَاف، وَمِنْ شَطَط، وَلا يَخْلُو مِنْ مُبَايَنَةٍ لِوَجْهِ الصَّوَابِ.
      وَتَقُولُ: هَذَا كَلام لَمْ يُرْزَق حَظّه مِنْ التَّثَبُّتِ، وَلَمْ تَتَوَلَّهُ رَوِيَّة صَادِقَة، وَلَمْ يَصْدُرْ عَنْ عِلْمٍ رَاسِخٍ. وَلَمْ يُمْلِهِ عِلْم صَحِيح، وَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنْ التَّخَرُّصِ، وَضَرْب مِنْ الْخَبْطِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلام مُجَازِف، وَإِنَّهُ لَمُعْتَسِف عَنْ جَادَّة الصَّوَاب، بَعِيد عَنْ مَرْمَى السَّدَادِ، وَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوَابِ مَرَاحِلَ.
      وَهُوَ مَأْتِيٌّ مِنْ وَجْه كَذَا، وَقَدْ كَانَ الْوَجْه أَنْ يُقَالَ كَذَا، وَالصَّوَاب أَنْ يُقَالَ كَذَا، وَلَوْ قِيلَ فِي مَوْضِعِهِ كَذَا لَكَانَ أَسْلَم، وَكَانَ أَقْرَب إِلَى الصَّوَابِ، وَكَانَ هُوَ الْوَجْه، وَهُوَ الصَّوَابُ.
      وَتَقُولُ: هَذَا كَلام قَدْ حُصِّنَ عَنْ نَظَرِ النَّاقِدِ، وَصُرِفَ عَنْهُ بَصَر النَّاقِدِ، وَإِنَّهُ لَكَلام لا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَلا نَكِير فِيهِ، وَلا وَجْه فِيهِ لِلاعْتِرَاضِ، وَلا شُبْهَة فِيهِ لِنَاظِر، وَلا مَطْعَن فِيهِ لِغَامِز، وَلا سَبِيل عَلَيْهِ لآخِذ، وَلا مُنْكِر، وَلا مُعْتَرِض، وَلا مُتَعَقِّب، وَلا مُفَنِّد، وَلا مُنَدِّد، وَلا مُسَوِّئ، وَلا مُخَطِّئ، وَلا مُغَلِّط، وَلا طَاعِن، ولا قَادِح.

      [فَصْلٌ فِي الْجَدَلِ]

      يُقَالُ: فُلانٌ شَدِيد الْمِرَاء، شَدِيد اللِّدَاد، مَتِين الْحُجَّةِ، قَوِيّ الْحُجَّةِ، وَثِيق الْحُجَّةِ، سَدِيد الْبُرْهَانِ، نَاصِع الْبُرْهَان، ثَاقِب الْبُرْهَان، حَاضِر الدَّلِيلِ حَسَن الاسْتِدْلالِ، صَحِيح الاسْتِدْلالِ، بَصِير بِمَوَاضِع الْحَقّ، بَصِير بِاسْتِنْبَاطِ الأَدِلَّةِ.
      وَقَدْ جَادَلَ خَصْمَهُ، وَمَارَأَهُ، وَنَاظَرَهُ، وَبَاحَثَهُ، وَنَاقَشَهُ، وَحَاجَّهُ، وَلاجَّهُ.
      وَإِنَّهُ لَيُجَادِل عَنْ نَفْسِهِ، وَيُحَاجّ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَدْلَى بِحُجَّتِهِ، وَصَدَع بِحُجَّتِهِ، وَاحْتَجَّ عَلَى خَصْمِهِ بِحُجَّةٍ شَهْبَاءَ، وَحُجَّة بَتْرَاء، وَحُجَّة دَامِغَة، وَجَاءهُ بِالدَّلِيلِ الْمُقْنَعِ، وَالدَّلِيلِ الْمُفْحِمِ، وَالدَّلِيل الْفَاصِل، وَالْبُرْهَان الْقَيِّم، وَأَيَّدَ قَوْله بِالْحُجَجِ الْقَوَاطِع وَالْبَيِّنَات النَّوَاصِع، وَالأَدِلَّة اللَّوَامِع، وَالْبَرَاهِين السَّوَاطِع.
      وَأَثْبَتَ رَأْيَهُ بِالأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ، وَالْحُجَجِ اللائِحَة، وَالْحُجَج الْمُلْزِمَة، وَاسْتَظْهَرَ عَلَى خَصْمِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَأَيَّدَ مَذْهَبه بِشَوَاهِد الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول، وَأَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِ النُّصُوصَ الصَّرِيحَةَ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِنُصُوص الأَثْبَات.
      وَأَثْبَتَ قَوْلَه مِنْ طَرِيق الْبُرْهَان.
      وَقَدْ أَبْكَم خَصْمَهُ، وَأَفْحَمَهُ، وَدَحَضَ حُجَّتَهُ، وَأَدْحَضَهَا، وَدَفَعَ قَوْله، وَدَفَعَ اِسْتِدْلالَهُ، وَزَيَّفَ بُرْهَانَهُ، وَرَدّ حُجَّتَه عَلَيْهِ، وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَفَلَّجَ عَلَيْهِ، وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِ، وَتَرَكَهُ مُعْتَقَل اللِّسَان.
      وَإِنَّهُ لَرَجُل شَدِيد الْعَارِضَةِ، غَرْب اللِّسَانِ، طَوِيل النَّفَسِ فِي الْبَحْثِ، بَعِيد غَوْر الْحُجَّة، وَإِنَّهُ لَيَضَع لِسَانهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَمْ أَجِدْ فِيمَنْ عَبَرَ وَغَبَرَ أَبْسَط مِنْهُ لِسَاناً، وَلا أَحْضَر ذِهْناً، وَلا أَقْدَر عَلَى كَلامِ.
      وَتَقُولُ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْيَقِين، وَالْحَقّ الصُّرَاح، وَالْحَقّ الْمُبِين، وَقَدْ سَفَرَ الْحَقّ، وَحَصْحَصَ الْحَقُّ، وَصَرَّح الْحَق عَنْ مَحْضِهِ، وَتَبَيَّنَ وَجْه السَّدَاد، وَوَضَحَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وَانْكَشَفَ قِنَاع الشَّكّ عَنْ مَحْيَا الْيَقِين.
      وَإِنَّهُ لأَمْر لا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلا مِرَاء فِيهِ، وَلا رَيْبَ فِي صِحَّتِهِ، وَلا مَوْضِعَ فِيهِ لِلشُّبْهَةِ، وَلا مَسَاغَ لِلشَّكِّ، وَهَذَا أَمْر لا يَخْتَلِفُ فِيهِ اِثْنَانِ، وَلا يَتَمَارَى فِيهِ عَاقِل، وَإِنَّهُ لَمَعْلُوم فِي بَدَائِهِ الْعُقُول، وَقَدْ تَنَاصَرَتْ عَلَيْهِ الْحُجَج، وَقَامَ عَلَيْهِ بُرْهَانُ الْعَقْلِ، وَصَحَّحَهُ الْقِيَاس، وَأَيَّدَهُ الْوِجْدَان، وَنَطَقَتْ بِصِحَّتِهِ الدَّلائِل
      وَتَقُولُ فِي خِلافِ ذَلِكَ: فُلان ضَعِيف الْحِجَاج، ضَعِيف الْحُجَّةِ، سَقِيم الْبُرْهَان، وَاهِن الدَّلِيل، ضَعِيف الْبَصِيرَةِ، بَلِيد الْفِكْرِ، خَامِد الذِّهْنِ.
      وَهَذَا قَوْل مَدْفُوع، وَقَوْل مَرْدُود، وَقَوْل لا يَنْهَضُ، وَقَوْل لا يُسْمَعُ، وَإِنَّهُ لَقَوْل ضَعِيف السَّنَد، وَاهِي الدَّلِيل، بَارِز عَنْ ظِلّ الصِّحَّة، لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنْ الْحَقِّ، وَهَذَا أَمْر ظَاهِر الْبُطْلان، وأَمْر لا تُعْقَل صِحَّتُهُ، وَلا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيل، وَلا تُؤَيِّدُهُ حُجَّة، وَلا يَنْهَضُ فِيهِ بُرْهَان، وَلا يَثْبُتُ عَلَى النَّظَرِ.
      وَتَقُولُ: قَدْ بَرِمَ الرَّجُلُ بِحُجَّتِهِ إِذَا لَمْ تَحْضُرْهُ، وَهَذِهِ حُجَّة وَاهِيَة، وَوَاهِنَة، وَإِنَّ حُجَّتَهُ لأَوْهَى مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، وَهَذِهِ حُجَّة بَاطِلَة، وَحُجَّة دَاحِضَة، وَقَدْ دَحَضْت حُجَّتهُ، وَانْتَقَضَ عَلَيْهِ بُرْهَانه، وَتَقَوَّضَتْ دَعَائِم بُرْهَانه.
      وَتَقُولُ: قَدْ اِنْقَطَعَ الرَّجُلُ، وَأَبْلَس إِبْلاساً، إِذَا اِنْقَطَعَتْ حُجَّته، وَإِنَّهُ لأَجْذَم الْحُجَّة أَي مُنْقَطِعهَا.
      وَتَقُولُ: هَذِهِ أَقْوَال مُتَدَافِعَة، وَحُجَج مُتَخَاذِلَة، وَأَدِلَّة مُتَعَارِضَة، لا تَتَجَارَى فِي حَلْبَة، وَلا تَتَسَايَرُ إِلَى غَايَة، وَإِنَّهَا لَيُصَادِم بَعْضهَا بَعْضاً، وَيَقْدَح بَعْضهَا فِي بَعْض، وَيَدْفَع بَعْضهَا فِي صَدْر بَعْض.
      وَفُلانٌ مُمَاحِكٌ، مُتَعَنِّت، سَيِّئ اللِّجَاج، صَلِف الْمِرَاء، صَلِف الْحِجَاج، يُمَارِي فِي الْبَاطِلِ، وَلا تَرَاهُ إِلا مُعَانِداً، أَوْ مُكَابِراً، أَوْ مُغَالِطاً، أَوْ مُشَاغِباً.

      .

      تعليق

      يعمل...