بلاغة الصّمت (من خلال نماذج من الرواية العربية)(1)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.علي بن الحبيب عبيد
    عضو جديد
    • May 2013
    • 5

    #1

    بلاغة الصّمت (من خلال نماذج من الرواية العربية)(1)

    بلاغة الصّمت
    (من خلال نماذج من الرواية العربية)
    د. علي عبيد

    كلية الآداب والفنون والإنسانيات ــ جامعة منوبة، تونس
    ملحق بكلية اللغة العربية والدراسات الاجتماعيّة ـــ جامعة القصيم.

    "إذا كان الكلام على الكلام صعبا فإنّه على الصّمت أصعبُ."
    Iـ تمهيد
    الصمت متعدّد المعاني . فهو علامة فرح وابتهاج وهو أيضا علامة حزن وألم. فقد يكون عبئا ثقيلا وعنوان حصر وغثيان وقد يكون أيضا خفيف الظلّ وسبيلا إلى التحرّر والانطلاق. إنّه بقدر ما يؤلّف بين الأحبّة يفرّق. ومثلما يكون قبولا يكون رفضا. فله وجوهٌ لا تحصى ولا تعدّ. لذلك عدّه البعض مُبدع المعنى، ومتنوّعا تنوّع الحياة الإنسانية .
    ولعلّ تزايد الاهتمام به في الآونة الأخيرة يجعله من المداخل المميَّزة في تحليل النّصوص السرديّة. لذلك رأينا أن نركّز بحثنا فيه، ساعين إلى استجلاء خصائصه في الخطاب السّردي. وقد اخترنا لهذا الغرض مدوّنة تضمّ نصوصا سرديّة عربيّة، وهي:
    "السدّ" لمحمود المسعدي ، و"ثرثرة فوق النّيل" لنجيب محفوظ ، و"في بيت العنكبوت" لمحمّد
    الهادي بن صالح .
    ويعود سبب اختيارنا هذه النماذج إلى حرصنا على تحسّس مدى استيعاب الرّواية العربيّة الصّمتَ ومدى وعي الرّوائيين العرب به فضلا عن رغبتنا في معرفة كيفيّة توظيفهم إياه في خطابهم السّردي، كما يعود أيضا، وهذا الأهمّ في نظرنا، إلى استجابة هذه النّصوص الروائية لمبحثنا.
    إنّ دارس مسألة الصّمت يُلفي نفسه مضطرا إلى تحديد المفاهيم، وفي طليعتها مفهوم الصّمت نفسه.
    IIـ مداخل نظريّة:
    1 ـ تعريف الصّمت :
    يُعتبر الصّمت كأنّه عملية تخاطب، واعية كانت أو غير واعية، متجلّية في النصّ تحيل على التلفّظ مباشرة. إنّه تصوّر إشكالي متميّز من المكتوب والمنطوق، لا ينتج ملفوظا لسانيّا وإنّما فراغا نصّيا وبياضا ونقصا خطّيا متمخّضا عن الإنشاء ذا دلالة تساوي أو تفوق دلالة الكلام المحيّن .
    وقد يُفسّر وجوده بأمريْن اثنيْن هما العجز والرّفض.
    أمّا العجز فهو عجز المتكلّم عن تحقيق أمر تقتضيه وضعية تلفظيّة. ويكون ناجما غالبا إمّا عن نقص لغوي أو عيّ.
    وأمّا الرّفض فيتجلّى في تمرّد المخاطب على الخطاب اللّغوي الجاهز الذي لم يعد يروقه هو ولا مخاطَبُه.
    إنّ هذا الفراغ النصّي علامة مساوية الكلامَ في الأهمّية لأنّنا ندرك تماما أنّ الصّمت "يتكلّم" وأنّ فصاحته تلعب دورا أساسيا في فنّ الخطاب، بل قد يكون أخطر حتى من الصّياح ذاته .
    ولعلّه من المفيد أن نوضّح منزلته تلك في هذه المداخل النّظرية.
    2 ـ منزلة الصمت لدى العرب والغرب:
    أ) ـ منزلة الصمت في الموروث العربي:
    أدرك العرب القدامى قيمته وفضّلوه على النّطق لأنّه في نظرهم شيمةٌ يتحلّى بها الإنسان . فتمنحه فضائلَ. منها السّلامةُ في دينه، والفهمُ عن صاحبه، ودوامُ الوقار، والفراغُ للفكر والذّكر، وتقيه من آفات اللّسان. وقد دعا الجاحظ إليه مُعتبرا إياه من صنوف البلاغة حتى إنّه افتتح به تعريفَه:" البلاغةُ اسم جامعٌ لمعان تجري في وجوه كثيرة منها ما يكون في السّكوت ومنها ما يكون في الاستماع..." وتعرّض لمعنى الصّمت عند حديثه عن النِّصبة. فاعتبرها "الحالَ النّاطقةَ بغير اللّفظ، والمشيرةَ بغير اليد[...] فالصّامت ناطقٌ من جهة الدّلالة [...] ومتى دلّ الشيءُ على معنًى فقد أخبر عنه وإن كان صامتا، وأشار إليه وإن كان ساكتا...". بل ذهب الجرجاني في باب الحذف إلى أنّ " تركَ الذّكر أفصحُ من الذّكر والصمتَ عن الإفادة أزيدُ للفائدة وتَجدُكَ أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق وأتمّ َما تكون بيانا إذا لم تُبنْ" .
    وإنّ المتروّيَ في ما ذهب إليه الجاحظُ وما عداه في تمييز الصّمت من الكلام يستخلص"أنّ المسألة ليست لغويّة محضا بل إنّ مظهرها اللّسانيَّ لا يعدو أن يكون طلاءً خارجيا تحرّكه أسبابٌ باطنيّة " . فالصّمت لدى العرب مذهبُ التّحفّظ من الأذى واتّقاءِ الشرّ يُستخدم للتّقيّة . ولعلّ أبياتَ أبي نواس خيرُ ما يُلخّص ذلك، إذ يقول:[مجزوء الرمل]
    خَــــلِّ جَنْبَيْكَ لـــِرَامِي وَامْضِ عَنْهُ بِسَلاَمِ
    مُتْ بِدِاءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ دَاءِ الْكَلاَمِ
    رُبَّ لَفْظٍ سَاقَ آجَــــــــــــا لِ فِئــــــــــــَــامٍ وَفِئـَـــــــامِ
    إِنَّمَا السّالِمُ مَنْ أَلـْ جَــمَ فَـــــاهُ بِلِجَــــــامِ "
    وإن استأثر الصّمت في الموروث العربي بنصيب من العناية، وورد دالاّ على ما يناقض النّطقَ، وأفاد الإيجازَ، وخوّل لصاحبه حسنَ الإصغاء والدّرايةَ والفوزَ بالنّجاة دنيا وآخرة ـــ فإنّه بقي أسير النّظرتيْن الأخلاقيّةِ والسياسيّةِ ولم يع القائلون به أبعادَه الحقيقيةَ في التّواصل وقيمتَه في الخطاب القصصي. وإذا كانت هذه منزلةَ الصمت لدى العرب القدامى فما منزلتُه لدى الغربيين؟
    ب) ـ منزلة الصمت لدى الغربيين:
    حظي الصمت لدى الغربيين بنصيب من الاهتمام وافر ، وتدبّروه في الخطاب عموما وفي الخطاب السّردي خصوصا. فإذا كان السّرديون انشغلوا بالعلاقة التي تشدّ الصمت إلى الزّمن من حيث كونُه إسراعا للمدّة مُفرطا فإنّ التّداوليين درسوه من حيث مقولةُ المُضمرِ ناصّين على أنّ عمليّة تأويل الخطاب لا يمكن أن تقتصر على ما يصرّح به المتكلّمُ وإنّما تتجاوزه إلى ما يمكن أن يضمّنه في خطابه، ذاهبين إلى أنّ المضمر يتألّف من عناصرَ ثلاثة فرعيّة هي المُهْمت والمُقتضى والعملُ اللّغوي غير المباشر . أمّا جماعة مدرسة" كنستانس "(École de Constance) كـ"رومان أنغردن"(Roman Ingarden) و"ولفغانغ أيزر"(Wolfgang Iser) فإنّها خصّته بوظائف هامّة مُعتبرةً إياه شكلا جماليا يستهدف مُخاطبة المتلقّي قصد إشراكه لأنّ سمات الخَواء(la vacuité) والامتلاء(le plein) إنّما تمثّل استراتيجيا تأثير مُرصدة لاستدعاء القارئ .
    وبهذا الاعـتبار، يغدو النصّ مزيجا من المصرّح به والمسكوت عنه. فما لا يقدر المرء على قوله بواسطة الخطاب المكتوب قد يُدلي به بين السطور في دفْق الكلمات وفي اعتباطيّة فعل التلفّظ. فالصّمت عنصرٌ في الخطاب لا استغناء عنه . ولكنْ إلام تُرَدُّ هذه الأهمّيةُ؟
    لا جدال في أنّ الكلام قاصر عن الإيفاء بالقصد . ذلك أنّ الوجود الإنساني ينطوي على أسرار. والمرء، بحكم محدودية لغته التي يستعمل، يُواجه عند محاولته الإفصاح عن تلك الأسرار جملة من الصعوبات. فلا رصيدُ الكلمات الذي في حوزته ولا حتى مناجاته الداخلية بإمكانهما إماطة اللثام عنها. فالقول بطبيعته يشوّش العلاقة بين الدّال والمدلول. وهو بقدر ما يجلّي يعتّم وبقدر ما يظهر يبطن. وكلّ فعل كلامي إنّما هو في الحقيقة نتاج تداخل ظرفي بين ما قد قيل وبين ما لم يقل بعد. ومن ثمّ، فما من قول إلاّ وهو ناقص بالضرورة لأنّه ينطوي على كمّ هائل من المسكوت عنه لا بل من الصمت. فالكلام، يقول كثيرا ومع ذلك لا يقول ما ينبغي قوله. فهو لا يقول إلاّ ما هو قابل لأن يقال. أمّا الجوهري فيتجاوز الكلام إلى الصمت وإلى ما لا يقال .
    وقد عبّر بطل "ديدرو" (Diderot) عن الصعوبة هذه بقوله:" آه! لو أستطيع الكلام مثلما أستطيع التفكير! بيد أنّه كان من المقدّر أن تزدحم في رأسي الأشياء وألاّ تواتيني الكلمات."
    وإنّ جلّ السّرياليين وتجريبيي العشرينات والثلاثينات" ألباركامو" (Albert camus) مثلا في رواية "الغريب" (L’Etranger) والرّوائيين المحدثين كـ "ألان روب غريي" (Alain Robbe Grillet) و"نتالي ساروت" (Nathalie Sarraute) يعتبرون اللّغة كأنّها غريبة عنهم ويحذّرون من الكلام المستخدم ذاهبين إلى القول بضرورة إنشاء خطاب مغاير للسائد ناهض على وسائل تعبيريّة بصريّة مخصوصة تأخذ الصّمتَ بعين الاعتبار .
    ولمّا كان الكلام، مكتوبا أو منطوقا، قاصرا على مواكبة الأشياء التي تهجس في الذّات أو تلك التي يتيحها الوجود الخارجي فإنّ الصّمت هو خير معبّر عنها. فهو بحقّ "ضمير الكلمة، والمعنى الغائب في اللّفظ الحاضر، بل هو عمق اللّغة" .
    II ـ الصّمت من خلال النّماذج الرّوائيّة المختارة:
    إنّ تناول الصّمت في مدوّنتنا يقتضي منّا تحديدَ المنهج الذي سنتوخّاه سلفا. وقد آثرنا المـراوحة بين الدراسة التأليفية والدراسة التجزيئية حتى نتمكّن من النّظر إلى كافّة النصوص نظرة شمولية تراعي أيضا خصوصيّة كل نصّ. فأرصدنا لمبحثنا محاورَ ثلاثة توحّد بين النّماذج وهي: علامات الصّمت، وأصنافه، ووظائفه.
    I ـ علامات الصمت:
    ـ1) ـ الفاتحة:
    تعتبر الفاتحة أهمّ جزء صامت في النص السّردي .
    ـ1ـ1) وقد استوعب المسعدي هذه القاعدة وأجاد تطبيقها في نصوصه ولاسيما منها "السّد" . ففضلا عن ذلك البياض الخطّي الذي يرتطم به المتلقي منذ العنوان والإهداء وتـقديم الشخصيات والتصدير والــذي ينبجس منه صمت مُطبق يغمر المــــكتوب، تنطوي البداية على كلام محذوف مقدّر يترجمه الفراغ ويستطيع استنطاقه التأويل. من ذلك أنّ النـصّ لا يحيط قارئه علما بالمكان الذي قدِم منه غيلان وميمونة وهما يجرّان وراءهما بغلا قـبل حلولهما بالـوادي. بيد أنّ خطاب الصّمت يحيله ضمنيا على قصّة وجود الإنسان في الجنـّة وارتكابه الخطـيئة وإهباطه الأرض. ويستشفّ ذلك إيحاءً من ملفوظ غـيلان الوارد لاحقا في المنظر الأوّل:" نحن هنا كآدم وحوّاء وقد تخلّصنا من وشاة الجنّة وفضـوليي الملائكة وعيون الآلهة. ولسنا في حاجة إلى الأنبياء. إنما ترسل الأنبياء إلى ولدنا من بعدنا."
    فيتراءى موقف البطليْن موقفا وجوديا يستدعي اختيارا مسؤولا وجَهْدا مضنيا. فحينما انتهى بهما المسيرُ بدأ رحيلُهما إلى تأصيل الكيان وتطهير النّفس.
    ـ1ـ2) وإنّ فاتحة "ثرثرة فوق النّيل" لشبيهة بفاتحة "السدّ". فقد اشتملت على خطاب صامت يلفّ المدّة التي سبقت شهر أفريل زمن انطلاق أحداث الحكاية. فلا يعلم المـرويّ لـه ولا القارئ المجرّد عنها شيئا سوى أنّ أنيس زكي(الشخصية المحورية في الرواية) موظّف بإدارة المحفوظات قد فقد زوجته وابنته في وقت واحد وتناسى أهله في قريته واتّخذ من العـوّامة مقرّا يأوي إليه منذ شهـر ويتعاطى فيه إدمان المخدّرات صحبة ثـلّة من الرّفـاق وكــثيرا ما ضبطه رئيسه المباشر وزملاؤه وهو في غيبوبة ودوار. فكأنّ ذاك المـاضي البعيد من حياة أنيس يستمدّ كيانه من فراغ ويحفز المتلقّي على ملئه.
    ـ1ـ3) أمّا "في بيت العنكبوت" ، فيســجّل الصــّمت حضوره منذ العنوان. فلا يعلـم القارئ شيئا عمّا يوجـد في بيت العنكبوت. ليتواصل في كامل الرواية متجلّيا خاصّة فـي ضمير المخاطب الذي صيغ به السرد. فيكتنف الغموض حقيقة من يتـكلّم في النـصّ. ولا ندري أهو راو من خارج القصّة لا يشارك في الحكاية(Narrateur Hétéro diégétique) يتوجّه بالخطاب إلى الشخصية الرئيسية(صالح القدري)؟ أم أنّ الرّاوي الذي يحجبه الصمت ليس إلاّ صالحا نـفسه بصـدد مخاطــبة ذاتـــه وقد انشطر إلى ضميرين "أنا" و"أنت"؟ كما أن المرويّ (Le Narré) يكون عرضة ولاسيما فـي الافتتاحية إلى بـؤر فراغ كثيرة تعرب عنها علامات الحذف والبياضات الخطّية وقد أنـــتجتها المناجاة الداخلية التي يخوضها البطل مع ذاته وهو يتقلّب في فراشه .
    واستنادا إلى ما سبق، نستخلص أنّ الفاتحة هي لحظة مُواجهة بين خطابين: خطـاب صمت وخطاب كلام. وهي بقدر ما تنـطوي على التعبير بالإفضاء تتضمّن التعبير بالحـــذف وتستخدم التلميح أضعاف استخدامها التّصريحَ. .
    ـ2) ـ الخاتمة:
    وإذا كان النصُّ الإبداعيُّ كلاما بين صمتيْن وحضورا يحفّ به غيابٌ فإنّ الخاتمة لا تَعدم من الصمت حظّا أيضا.
    ـ2ـ1) وكم يبدو ذلك متوفّرا في أدب المسعدي عموما والسدّ خصوصا. فقد حرص على أن تكون النهاية فيه مفتوحة تتيح لمتلقّيها إكمال نقصها واستنطاق صمتها. ويتجلّى ذلك واضحا في اختلاف الرّؤى إلى العالم بين الشخصيات.
    فإنْ لاحت ميمونة مُردّدة بصوت عال على مسمع غيلان وميارى:"السدّ أشلاء. السدّ أنقاض تسّاقط في الهاوية." آمرة إياهما مرارا بأن يقتنعا بذلك ويعايناه:" انظرا... انظرا أســفل الجبل." ، متهكّمة من صلفهما وبهتانهما، مستغربة لزيفهما وعجزهما فإنّ غيلان ومــيارى كانا معها على طرفيْ نقيض يخالفانها الرّأيَ. فإن أثـبت غيلان لها أنّ السدّ لم ينـهدّ:" انظري السدّ يتصاعد! السدّ يعلو! " فإنّ ميارى حرصت على تعزيز ذلك بقولها لغـيلان: " ألا ترى سراجا في منتهى الغاب منيرا؟ انظر إليه يدعونا." بل إنّ غــيلان وميـارى يتعانقان ويرتفعان في خاتمة المنظر وقد طارت بهما العاصفة وهما يهتفان:" لنعلون برأســينا ولنفتحن لهما في السّماء بابا." تاركيْن ميمونة تشخص ببصرها فيهما وقد غابا عـنها في العـاصفة.
    أمّا الرّاوي فإنّه وإنْ سلّط الضّوء أثناء نقله على العاصفة واجتياحها المكانَ برعودها وبروقها وصواعقها وأمطارها وظلمتها، وفصّل القولّ في وصف سواعد الغيب وأيـديه التي برزت كقطع الجبال تدكّ السماء والأرض والنجوم والأجبل ، وأغرق في حديثه عن حالة الذّعر التي كان عليها غيلان وميارى وميمونة فإنّه سكت تماما عن ذكْر ما جرى للـسدّ. وإنّ ذلك ليعدّ بؤرة فراغ قابلة أن تملأ بما لا يُحصى من أضـغاث كلام على شاكلة ما أُرصد مــن حوار حجاجي بين الشخصيات من قبيل ما تبيّنا.
    كما تحيلنا خاتمة "السدّ" على صمت آخر يتعلّق بمشهد ميمونة عندما اكـتشفت الأرض وندّت منها صيحة كتمزيق ثوب جديد واندفعت منحدرة إلى الوهد. فــلا يستطيع الخطاب الملفوظ أن يقنعنا بوجهتها ولا أن يحيط بما حدث لها. وبالـمثل ينطبق الأمر على مصير البغل الموثوق كسيزيف إلى صخرة فــذاك وما عداه موكولان إلى بلاغة الصّمت وحدها مــن نقط تتابع وبؤر فراغ وبياض وغيرها يُقفل بها النصّ بل على الأصحّ يفتح.
    ـ2ـ2) وإذا انتقلنا إلى خاتمة "ثرثرة فوق النّيل" ألفينا خطابها التّلفّظي متدرّجا نحو التّـفتّت والإمّحاء حتى الفراغ. فالأحداث تتوقـــــّف وقد تحطّم عالم العوّامة وقد خرجت "ســمارة بهجت" فتاة المبادئ من عالم الثرثرة وقد تغيّرت هي دون أن تـتمكّن من تغيير أحد . وقد أصبح "أنـيس زكي" مشرّدا في الحياة بعد أن رُفت من شغله، دون مأوى، مستسلما إلى أوهامه وهواجسه التي تشفّ عن قرد قابض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد وهـو يتقدّم في حذر مادّا بصره إلى طريق لا نهاية له. فلا يُوافى المرويّ له بكلمة عن تلك الطّريـق ولا عن مصير قردها الإنسان لأنّ راويَه المتلفّظَ قد تعـطّل نطقُه وانسحب تاركا سرده للـصّمت.
    ـ2ـ3) أمّا خاتمة " في بيت العنكبوت" فإنّها هي الأخرى تنتهي بصمت كثيف. فـخطابها السرديّ يرد في صيغة هذيان وتلعثم وتخمينات نتيجة ما يعيشه الراوي ــــ الشخصيّة من تأزّم نفسي وإحباط. فإنْ أدرك المتلقّي أنّ حياة محمود آلت إلى الهزيمة على غرار حياة أبيه ولم يستطع التخلّص من ماضيه المقيت فإنّه لا يُوافى ببقيّة مسيرته الوجوديّة ولا يدري إلى أين تقوده حتميّة الأقدار. أينطلق باحثا عن أمّه المومس وأخته المسجونة؟ أم يتشرّد في الشوارع وينبش المزابل؟ أم يصير مجنونا يُزجّ به في مستشفى المجاذيب من حين لآخر؟
    هكذا يتّضح ممّا تقدّم أنّ الخاتمة في مدوّنتنا موطن صمت بارز. فــخطاباتها حريصة ـ من وجهة فـنّية بحتة ـ على إيجاد معنى لكلمات مشتركة تقول الكثير إيحاءً، وعلى ابـتداع سرد قائم على إمكانيات تدخّل ضافية تتحدّد في اللاّقول (Le non dit) وفي النّقص الخطّي الملموس بل وفي المستحيل واللاّ مفكّر فيه أصلا.
    ـ3ـ) الزّمن:
    للصّمت صلة عضوية بالزّمن. ويتجلّى ذلك في"الإضمار" (L’Ellipse) تحديدا. حيث يضطلع مع"التلخيص"(Le Sommaire) بدور حاسم في إسراع السّرد عبر إلغائه فترةً زمنيّة طويلة أو قصيرة من زمن القصّة لا يرغب الرّاوي في البوح بها للمرويّ له. فتلوح كأنّها ثغرة زمنيّة وقع إغفالها أوجزء من الأحداث مسكوت عنه في الحكاية كلّيا أو مســتتر، أو مشار إليه بقرائن زمنيّة تفضحه. ولئن اختلفت مصطلحات الإضمار لدى " السّرديين" (Les Narratologues) فإنّ جلّهم أجمعوا على أنّه سمة صمت. فمنه ما يجعل القارئ لا يلاقي صعوبة في متابعة السّرد ، ومنه ما يؤدي به إلى الغموض والالتباس فيغدو عاجزا عن استكناه المدّة المحذوفة.
    ـ3 ـ1) وإنّ نصّ السدّ ليتضمنّ إضمارات عدّة نستدلّ عليها مثلا بالزمن المـحذوف الذي يسبق آخر العشيّ والذي لمّح إليه الرّاوي ضمنيا في مستهلّ المنظر الأوّل دون أن يصرّح وفعلت مثله ميمونة حين خاطبت غيلان بقولها مستدركة:"لكن وصلنا يا غيلان آخر العشيّ. انظر الشّمس تغرب." فلا يعلم المتلقّي من الخطاب الملفوظ حــقيقة الزّمن الذي مضى من حياة البطلين قبل بلوغهما منحدر الجبل. و يـــتبدّى ذلك أيضا في قول ميمونة عندما دعاها غيلان إلى الإيمان:"فقد آمنت منذ زمن طويل " . فالمدّة الزمنيّة مستورة لا يدركها إلاّ المتخاطبان.
يعمل...