بلاغة الصّمت (من خلال نماذج من الرواية العربية)(2)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.علي بن الحبيب عبيد
    عضو جديد
    • May 2013
    • 5

    #1

    بلاغة الصّمت (من خلال نماذج من الرواية العربية)(2)

    كما يسجّل الحوار ثغرات زمنيّة كثيرة لعلّ أبرزها تلك الفترة التي قضّاها غيلان يسيح في تضاريس المكان مــتفحّصا الجبلَ وعـينَه الجاريةَ والـقريةَ وواديـَها وقومَـها وهو يستعدّ لتشييد سدّه ولا تُستشفّ إلاّ من خطاب غيلان الارتدادي في المنـظر الأوّل. وشأن تلك البرهة الزّمنية المحذوفة شأن ما تضمّنها ملفوظ غيلان أيضا وهو يتوجّــه إلى ميمونة بالسّؤال مستفسرا كالتالي:"لم أبطأ أصحابنا والعملة والآلات إلى الآن؟ " حيــث يتّضح من تفطــينه إياها إلى قـدومهم مدجّجين عزما وآلات لاحقا أنّه قد مضى عـليه وقـت طويل وهو يصطفي من الرّجال جيشا لإنجاز مشروعه وقد زوّدهم بالعدّة والعتاد وضرب لهم موعدا مع الفجر. وفضلا عن هذه الإضمارات نصادف في مطلع المنظر الخامس إشارة إلى مدّة زمنية هائلة تستّر عليها الخطاب السّردي وقد قدّرها الرّاوي بستّة أشهر ونبّه على انصرافها لمحا. وحتّى إنْ حاولت ميمونة مع غيلان تعداد ما تمّ غضونها شهرا فشهرا فإنّ تلخيصها ذاك ليس بـقادر على إكمال النّقص. ويتـكرّر حذف مدّة أخرى إلاّ أنّها لا تـتعـدّى هـذه المرّة أربعة أشهر يعلن عنها الرّاوي في مفتتح المنظر السّابع على هذا النحو:" بعد المناظر السابقة بأربعة أشهر. الساعة الزّوال". ولا يظفر المتلقّي من الكلام المنطوق عنها بتوضيح . بل تستقرّ هناك في علم الصّمت حيزَ فراغ يضخّ استفسارات. كما نَرصُد برهة زمنية تُقدّر بساعة سواء في ملفوظ الرّاوي أو الشخصيات ترد مختزلة من السرد أو الـحوار وما تفتأ تتعاود ولانعلم ما دار فيها. وحسبُنا استدلالا عليها بما جاء على لسان الرّاوي كالتّالي:" ويمسكان ساعة، فلا يسمع إلاّ أنفاس اللّيل."
    ـ3ـ2) لئن تبدّى إضمار"السدّ" في معـظمه من النّوع المعـلن(Ellipse explicite) فإنّ هذه النتيجة المسـتخلصة قد تنطبق أيضا على جزء كبير من إضـمار" ثرثرة فوق النيل". فــقد وردت فيها مُــدد زمنيّة محذوفة لكنّها مُحددّة. من ذلك أنّنا نستـشفّ عبر حوار أنيس زكــي مع ذاته أنّ فترة تقدّر بشـهر قد مضت على إقامته بالعوّامة ومعاشرته العمَّ عبــده دون أن يُدلي الــسّرد بأحداثها. كما يتكرّر ذلك في مناسبات أخرى. فيغدو المدى أقصر لا يتجاوز الأسبوع. من ذلك ما قضّاه رجب وسناء متلازمين إثر تعارفهما مباشرة ومنه ما يرتبـط بانقطاع سمارة بهجت عن العوّامة مرتين متتاليتين . وقد تزداد الحصّة الزمنية تقلّصا لتصبح مقدّرة إمّا بنصف ساعة أو حتى بربع ساعة وقد يتّسع مداها ليبلغ عشرين سنة بأكملها .
    أمّا الجزء الباقي من الإضمار في "الثرثرة"ـ وهو قليل نسبيا ـ فإنّه يأتي ضمنيّا غـير محــدّد بزمن. لعلّ أبرزه ما يتعلّق بالفترة التي مرّت على العمّ عبده وهو يقوم بشـؤون العوّامـــة. فرغم إلحاح أنيس عليه فإنّه لم يتوصّل إلى معرفة ذلك منه أو ذلـك الذي يتّصل بوجــود أنيس زكي نفسه في القاهرة وحيدا والذي أشار إليه رجب أثناء تقديمه لسناء:" ولكنّه يعيش منذ دهر وحيدا في القاهرة " . وقد يرتدّ السبب في تعرّض زمن القصّة لثغرات يعكسـها السّرد بوضوح أحيانا إلى التوقــيت الزمني المركّز في العــوّامة على حـضور شخصية أو غـيابها. من ذلك سمارة بهجت مثلا. فـقد أثبت رجب غـيابها أكــثر من مرّة بـقوله:" ومـمّا يؤكّد ذلك أنّها منقطعة عنّا منذ أيّام..."
    ـ3ـ3) أمّا "في بيت العنكبوت" فإضمارها وافر، وهو من النّوع الضّمنيّ غير المحدّد في أغـلبه ويتميّز بصــعوبة رصده. وقد يُعزى ذلك أساسا إلى أسلوبها الاستبطاني وارتدادها الزّمني. ذلك أنّ متابعة القصّة تتمّ، في معظمها، من خلال مناجاة الشخصية المحورية (من قبيل الأب: صالح أو الابن: محمود) ذاتَها المتقلقلة الـمضطربة وتوسّــلها بالذكريات المقـطوعة والكوابـيس المرعبة والأوهام والتخيّلات. فينجم عن ذلك في الخـطاب السّـردي تمزّق شـريط الأحداث وحـدوث ثـغرات عديدة. فيضطرّ الرّاوي ـ الشخـصيّة إلى الـتعـويل على ما علق بالذاكرة من بقايا الواقع(ماضيا وحاضرا). وقد تأكّدت هذه القناعة في خاتمة الرّواية عبــر ما أسرّ به محمود لنفسه قائلا:"وأعرف نتـفا من هـذا الواقع المرّ... وهــو مـا يعذّبني.. أريده عاريا مفضوحا؟ أودّ أن أراه صريحا ناطقا.."
    حسبُنا تلك الومضات الورائية المبتورة التي ترد ملتبسة غامـضة في ذهن محمود تحيل على فترات الطفولة المعذبة . أو ذاك الفراغ الزّمني الحاصل بـين ذكريات ثلاث تتصارع في مخيّلة محمود: ذكرى الأمّ العاهرة التي تلوح عنكبوتا ينـصبُ حـوله خـيوطه وذكرى استجابته لإغــراء المـومس في المـاخور وذكرى مـضـاجعته سعاد الطالبة زمـيلته في الدراسة . فقد جاءت متقاطعة، كلٌ منها تنازع الأخرى، مولّدة فـي ذهن المتلقّي بؤرة صمت شـاسعة. كما يلوح ذلك جـليّا في سكوت السرد عن مقدار الفـترة الزّمنية التي قــضّاها الأب صالح في الخدمة العسـكرية وأيضا عن المدّة التي مرّت عليه بعد عودته إلى القرية وقبل أن يتزوّج ومغادرته بيت أخته مطرودا هو وابنه إثر نـزوحـهما إلى العاصمة . علاوة على إسقاطه أحداثا دارت طيلة عشرين يوما وأخرى استغرقت مـن حياة الابن محمود أكثر من أربعة سنوات قضّاها يدرُس في الجامعة ليخرج منها محرزا على إجازة في الرّياضيات وليدرّس في أحد المعاهد ولا يظفر عنها المرويّ له بعلم .
    كما أنّ حوار محمود الباطني الذي فيه يستعرض مغامراته الجنسيّة العديدة ملمّحا إلى بعض اللّقطات، مداريا أخرى يتوفّر على مواطن صمت كثيرة أرغم الرّاوي على توظيفها حفاظا على الأعراف والمواثيق.
    أمّا عن الإضمار المعلن في الرّواية فـإنّ حضوره نادر وحتى إن وُجد فإنّه يأتي ترجـيحيّا، غير دقيق من قبيل ما لاح في استبطان صالح إزاء المدّة التي انصرمت وهو يجوب شوارع المدينة مشرّدا، عاطلا:" وأنت بعد أشهر طويلة... بعد سنوات وأشهر من الطّواف في بعض أنهجها لم تحاول أن تعرفها كلّها...ومرّت أشهر وأنت لا تعمل..."
    وإجمالا، فإنّ الإضمار المكرّس في النماذج أكّد لنا أنّه علامة صمت زمني توفرت عليها. ولعلّ اقتصارنا عليه في هذا السياق دون التعرّض للتلخيص مردّه إلى أنّ التلخيص تقليص لزمن القصّة وتحلّل من الاستطراد وإعراض عن الإفشاء (Paralèpse). وحتّى إن قُصد به التستّر (Paralipse)فإنه لا يمكن أن ينقلب إلى حذف صريح .
    ـ4ـ) المكان:
    أشار "فان دان هيفل" في معرض حديثه عن أصناف الصّمت في الخطاب إلى وصف الأمكنة وعلاقته بالصّمت. فاعتبر أنّه يكتسي أهمّية بالغة حيث يتبدّى كأنّه موضوع لرسم الإطار المكاني الرّوائي(من طبيعة صامتة إلى صمت حجرة قاتل).إذ يضطلع بدور يشبه دور الضّوء والموسيقى: صنويْه الآخرين في الكلام.
    ـ4ـ1) وإنّ رصدا سريعا للأمكنة في "السدّ " يسلمنا إلى أنها وردت مرتهنة خاصّة بحاسّتي الـبصر والسّمع. يسـتمدّهما المـتلقّي من فـضاء الكـلمات الذي يـفيض أحاسيس وتصوّرات ذهنيّة. ففي مفتتح حوار ميمونة وغـيلان يبرز التّركيز على الإبصار والسّماع والصّلة العضويّة بينهما . ويظهر الجبل من خلال ملفوظ الرّاوي راسخا، عتيقا، مطلقا، صعب المــراس، لا يقدر على صعوده أحد،"أخشبَ غليظا حزيزا، نباته كالإبر وأرضه ظمأى وغباره كثير وسماؤه صفراء". فهو موحش ، مقفر إلاّ من الرّبة صاهبّاء التي تسكن قمّته، يذكّر بالأبد وبزمن النزول الأوّل حين كانت الأرض صامتة خالية من لغط الإنسان. وفي سكينته وشـموخه وانـتصابه يلفت حتى انتباه البغل حيث يشير الرّاوي إلى ذلك . بل إنّ خـطاب الجبل الصـّمتُ خلافا للبشر. وقد فطّنت ميمونة(رمز الحسّ في الإنسان)غيلان إلى هذه الحقيقة حين أردفت قائلة:" بل انظر إليه يدعوك. أفلا تفهم الأدعية الصّامتة؟"
    وفي الجبل نفسه كهفٌ شبيه بكهف أفلاطون أو الرّقيم مُطرق يأوي إليه الـبطلان لا يُسمع فيه صوت ولا لاغية، وخيمة مضروبة ثابتة في القحط لا تحرّكها ريح ولا زمهرير،وعـقبة تنذر بفكّ الرّقبة، وعين جارية تغور مياهها في الهاوية منذ آلاف السنين، ومنحدر وعـر وواد كأنه وادي البُرص أو الجذام تسكنه قبيلة أهلها صمّ بكم لا يفقهون.
    واللاّفت للنّظر أنّ هذه الأمكنة بانغلاقها على نفسها وسكونها سرعان ما تتحوّل منذ حلول ميمونة وغيلان إلى أمكنة صاخبة تُصارع الضجيج والحركة تارة بأصوات مؤلمة تُسمع كأنّها خارجة من الجبل، من عواء الذّئب الذي يتردّد صداه وحفيف الأفعى وضحك الطّائر وهتاف الهواتف ،وحديث الحجرات إلى وقع أقدام سدنة صاهباء وضربات طبلهم ، وطورا بصلصلة الرّعود وقصف البروق وانهمار الأمطار وبسواعد الغيب وأيديه التي تدكّ السّماء والأرض والنجوم والأجبل... فهي بخروجها عن صمتها تلوح منصاعة لأوامر صاهبّاء، تُقارع بدويّ الآلهة صخب الإنسان رغبة في إحلال السكينة والاستقرار وحضّ غيلان على الإذعان.
    ـ4ـ2) أمّا المكان "في ثرثرة فــوق الــنّيل " فـهو محكوم أيـــضا بثـنائية الـصّمت والصّخب.
    صمت يـستمدّ مدلــوله من العــوامة ذاتها باعـتبارها بيتا يطفو على شطّ النيل يـشي مظهره الخارجي بالهـدوء والسكينة، لا يَلفت إليه انتباه الجـواسيس ولا فـضول المارّة، وبوصفها أيـضا "زورقا يسبح في الـملكوت" لدى روادها و"مكان الانـتماء وحده" لا يحـيطـها إلاّ الخلاء، فلا تسمع حولها من جلبة إلاّ نقيق الضفادع وصراخ صرار الليل ، وأبواب غــرفها سرعان ما تُوصد على عشّاقها فيلوذون بالسكوت والمتعة. كما يُستشفّ ذلك الصّمت أيضا من كوخ عمّ عبده الذي يبدو ثابتا لا يتغـيّر كأنّه الأبد، ومن طريق النزهة الليلية المــظلم والمقفر الذي يكتنفه من الناحيتين فضاء ريفيّ المنظر والنسمة والوحشة ويـجلّله الصــمت. وصخب ينبعث من العوّامة ذاتها بحكم أنها فضاء للثرثرة والمجون وحلبة للسباب والصّدام. بيد أنّ ذلك الصّخب لايلبث أن ينسحب بمثرثريه تاركا العوّامة في انفراد لصمت عم عبده وأنيس زكي.
    ـ4ـ3) ـ لعلّ أبرز مكان للصمت في رواية محمد الهادي بن صالح وحسب ما يجلّيه عـنوانها هو بيت العنكبوت حيث لايني يتـردّد في مخيّلة محمود الذي يتوهّم نفـسه ذبابة وأمّه عـنكب تلفّه خيوطها القذرة وتوشك أن تخنقه. وفي لحظة الانتظار التي تنشأ عن ذلك المشهد يتولّد صمت وإحساس عدمي بحتمية الأقدار داخل الذات ومراوحة بين الاستسلام والرفـض. وإنّ هذا المكان ليبدو بشبَاكه المنصوبة ودوائره المنغــلقة مخيّما على كامل الرواية بما في ذلك مسيرة صالح الوجودية.فهو لم يستطع مثل ابنه أن ينجو من شراكها. فقد لوّثت شرفه بعهرها وصيّرته مشرّدا يجرّ أذيال الخزي والعار ويلوذ بصـمته ساجنا نفسه في أعـماقه ومـناجاته الدّاخلية الصّاخبة.
    وتبعا لهيمنة ذاك الـمكان بـصمته بدت بقية الأمكنة الخارجية من وجهة نـظر الأب يـجتاحها الفراغ: "وران صمت على المكان. وجثمت سكينة عميقة.." مثلما انتاب الابنَ هذا الشعورُ أيضا حين استرجع لقطة فجور أمّه وهو إذّاك طفل يربو على الـثّامنة وقد ضبطها تضاجع عشيقها. فقد التَهم سكوتُه كلامه واستسلم لشروده وانكفائه على ذاته. وغدا المكان الخـارجي ساكـنا لديه سكون العدم لا تربطه به علاقة سوى الغياب:"صلبت هامتك وخرجت...تمـسح قطرات العرق الناتئة على جبينك وقد خيمت سكينة على المكان فوخزك صوت المنادي.."
    وبناءً على ما تقدّم، نتبيّن أنّ المكان في النماذج المختارة يتبدّى ضمنيا قائما على ثنائيات ضدّية منها المتناهي/ اللامتناهي والخارج / الدّاخل...ولعلّ أهـمّها في نظرنا الصّخب/ الصّمت. وبقدر ما لاحت علاقة الذات بالعالم الموضوعي مبنية على قطيعة التّخاطب اللّغوي مُتجسّمة في السّكوت فإنها تبرز مع ذاتها في مناجاة باطـنيّة مُتواصلة لا يعُوقها إلاّ الموت كـصالح مثلا في "في بيت العنكبوت ".
    ـ5ـ) الشخصيات:
    لئن تركّز اهتمام "فان دان هيفل" أثناء تناول الصّمت في الخطاب على علاقته بالوقفة الوصفية (La Pause de******ive) وذلك نتيجة إجراء منهجي بحت فإنّه فضلا عـن ذلك أبدى عناية فائقة بصمت الصّوت (Le Silence de la Voix) معتبرا أنّ مسألة رفض التّخاطب بإمـكانها أن تقوم بدور شخصية محورية مُمسكة بزمام الموقف ومُثيرة إشكالية َالموت والحياة .
    وإنّ ما يعنينا من هذا ـ وفي نطاق مقاربتنا النماذجَ ـ هو أننا سنقصر النظر على صلة الرّاوي والمروي له والشخصيات بالصّمت دون تفصيل لأنّ القصد من مبحثنا هذا لا يتعدّى حـدود مدخل لدراسة الصّمت في الخطاب السّردي.
    ـ5ـ1) يُتبيّن انطلاقا من فاتحة السدّ وضمير الغائب الذي ينهض بالسّرد حـضورَ راو خفيّ يروي من خارج الحكاية (Narrateur Extra diégétique)أحداثا لم يشارك فيها. فهو إذن لا يشارك في الأحداث (Hétéro diégétique) كلّيّ الحضور، يـتدخّل متى شاء. وقد يُوهم انسياب حوار الشخصيات وكثافته بأنّنا لسنا حـيال نـصّ سردي بالمرّة . إلاّ أنّنا سرعان ما نكـتشف أنّ البؤرة الـتي منها نتابع ما يجري هي بؤرة الرّاوي ذاك، ولولا نقله هو لما كان هناك نصّ مطلقا. ومع ذلك فهو مجهول الهويّة لا يعلن عنه غيرُ ملفوظه الذي يرد في الخـطاب محدودا نسـبيّا إنْ قورن بالحوار. لذلك يمكننا أن نعدّه أقرب إلى عالم الصّمت والغياب منه إلى عالم الــكلام والحضور. بل إنّ ما أفضى به إلى أعوان تلقّيه (القارئ المجرّد والمرويّ له) تلفّظا ليس إلاّ نزرا.
    ومُعلنات ذلك كثيرةٌ. منها أنّ مجال رصده يظلّ محدّدا بما يدور أمام الكهف والخيمة وحـذو البغل. فهو عاجز عن نقل الأحداث كلّها. فلا يدرك المروي له ما يجري مثلا داخل الكهـف ولا في الخيمة بين البطلين عندما يختليان. إنه يبقى يشايعهما بالنظر فحسب. كما أنّه ما يـنفكّ يردّد هذه الجملة كلّما لاحظ غيلان وميمونة نازلين:"فينحدران في العقبة ذاهبيْن نحو الرّجال والآلات الطّالعة مع الشمس" . بل إنّنا نكاد نجزم أنّه لا يبرح مكانه أيضا قرب تلك الصخرة التي شُدّ إليها البغل لأنّ بقية الأماكن تظلّ قابعة في الصمت والغياب. ومنها أنّه أحيانا يـتوسّل إلى أداء وظيفته في النقل بالشخصيّة. فيضحي خطابه"خطابا مرويّا"(discours narrativisé) من قبيل" فتنظر ميمونة فترى دخانا متصاعدا من جهة الجذال المسند إليها بناء السدّ ويلوح لها الرّجال على السدّ يهدمونه أو يرمون من أعلاه حجارة على النّار". وتارة يتوخّى في سرده تشابيهَ عديدة تعكس التباسا في الرّؤية والسّماع وعجزا عن التعبير التلفّظي. وطورا يـسجّل سكوتُه في مواطنَ شتى من النصّ وينتفي وجوده تماما مثل الصفحات:[54ـ55ـ58ـ56ـ76ـ100ـ108 ـ117ـ118ـ119ـ120ـ122 ـ123...]. وفضلا عن ذلك فإنّ مــلفوظه يتوفّر على نقط تتابع وبياضات قد يُخطئها العدّ. من قبيل ما تضمّنته الصفحات:[47ـ61ـ 72ـ95ـ 99ـ115ـ123ـ124ـ126ـ 131ـ 132ـ145ـ 146 ـ150] . فلعلّ صانعَه وظّف الامّحاء التلفّظي عن قصد. وهو، كما نعلم، وجه من وجوه الصمت متميّز.
    وأمام هذا الرّاوي ينتصب مرويّ له من خارج الحكاية أيضا لا يشارك في الأحداث يـتقبّل المرويّ تقديرا وهو ضمير مستتر، متمحّض للتّماهي مع القارئ المجرّد، معتصم مثله بصمت مطبق.
    أمّا الشخصيات فإنّها تستجيب في شكلها العامّ لثنائية الغائب والشّاهد. فمنها ما هو منظور كالإنسان الذي يمثّله غيلان وميمونة والجارية وقوم الرّبة وأهل الوادي والرّجال البنّائين والحيوان كالبغل والطائر والحيّة والذّئب...والجماد(الحجرات...)، ومنها ما هو غير مـنظور كصاهبّاء والنبيّ والهواتف وميارى نفسها . يترجم عن غيابها ضغث الكلام حينا وبلاغة الصّمت غالبا. فالملفوظ الذي يحويه النصّ والذي يتجسّم حوارا إنّما يدور أغلبه في باطن الإنسان، مُسايرا درجاته المعرفيةَ، لائذا بجدليّة الذّات مع الآخر. ويتبدّى حاضنا علامات الحذف والبياض.
    ـ5 ـ2) تتميّز "ثرثرة فوق النّيل" بتوفّرها على راوييْن أحدهما أوّلي(Primaire) من خارج الحكاية، لا يشارك في الأحداث، مُضمر. وهو رغم انحسار خطابه المنطوق فإنه مُمسك بزمام السّرد في صمت. يُتحسّس وجودُه من خلال مقاطعَ نصّية كان فيها نقلُه مُسـلّطا على أنيس زكي، من قبيل: "وقال أنيس لنفسه إنّها سمراء وعصبيّة وتحبّ الضّحك." أو ما ورد في الفصل الثّامن عشر عندما صـوّر الخصومة التي حصلت بين أنيس ورجب "وتابع أنيس المنظر بغرابة..." في حين أنّ الرّاوي الآخر هو راوـ شخصيّة: أنيس زكي الذي يتلقّى المرويُّ له الأحداث عادة من وعيه وعبْر حواره الباطني.
    وإنّ المرويّ له مزدوج أيضا. فـفضلا عن ذلك المتماهي مع القارئ المجرّد، والحـاضر/ الغائب تعدّ ذات أنيس مرويّا له مُحايثا، يُصغي في نشوة وصمت إلى راويه الثّاوي هناك في صميم أعماقه.
    كما تحضر في " الثرثرة..." شخصيات صامتة لعلّ أبرزها:
    ـ عمّ عبده الذي يقدّمه علي السيّد لسمارة بهجت على هذا النحو:" هو عملاق حقا ولكن لا يكاد يتكلّم، يعمل كلّ شيء ولكنه لا يتكلّم إلاّ في ما ندر ويخيّل إلينا أنّه غارق في لحظته الرّاهنة[...] وهو موجود وغير موجود..." ، إنّه وحيد دون أقارب ، من نسل الدينصور ، واقف كالنّخلة ، لا ينبس غالبا بكلمة غير" أووه" التي يفضي بها إلى أنيـس عند إلحاحه عليه.
يعمل...