نشر هذا البحث في المجلة المغاربية للغات واللسانيات والتعليمية، العدد 07، السنة 2011، ص173-198، منشورات دار القدس، وهران - الجزائر
الكلمات المفتاحية: اللسان، النموذج المعنى-نص، مستويات التمثيل.
Mots-clés : langue, modèle sens-****e, niveaux de représentation.
الملخص:
يهدف هذا البحث إلى إبراز إحدى النظريات اللسانية الحديثة (النظرية المعنى-نص). تقدم هذه النظرية وصفا للسان وتفسيرا لاشتغاله، وهي تسعى من وراء ذلك إلى صياغة نماذج صورية وابتكار برامج من أجل المعالجة الآلية للغة.
Résumé :
Dans cet exposé, nous cherchons à faire connaître une théorie linguistique contemporaine (Théorie Sens-****e). De la de******ion de la langue à l’interprétation de son fonctionnement, la TST vise à construire des modèles formels et de développer des programmes pour le traitement automatique du langage.
1. تمهيد
ظهرت النظرية اللسانية المعنى-نص في سياق البحوث التي كانت تعالج الترجمة الآلية، في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين على يد اللسانيين الروسيين شلكوفسكي Žolkovskij وملتشوك Mel’čuk. تصنف هذه النظرية إبيستيمولوجيا ضمن المنظور الاتصالي المعرفي؛ حيث اللسان هو أداة للاتصال ووسيلة للاستدلال والمفهمة داخل العملية المعرفية، وتتحدد علاقاته مع الأنظمة المعرفية الأخرى من خلال دراسة بنيته الداخلية .
إذا اللسان، من وجهة نظر هذا الاتجاه، عبارة عن جهاز مجرد أو نظام من القواعد يمكن للمتكلم أن ينفِّذ عبره عمليتين متباينتين:
• التكلم: أي له القدرة، من جهة، على أن يقيم توافقا بين المعاني التي ينشئها في نفسه، وبين نصوص لسانه كلها التي يمكن أن تدل على تلك المعاني. كما أن له القدرة، من جهة أخرى، على أن يختار من بين تلك النصوص أو الخطابات ما يطابق مقتضى الحال لدى فعل لغوي معطى.
• فهم الكلام: أي له القدرة، من جهة، على أن يقيم توافقا بين نص متلقًّى وبين كل المعاني التي يمكن أن يزجيها ذلك النص. ومن جهة أخرى، يستطيع المتكلم أن يختار من بين تلك المعاني ما يناسب ملابسات المقام لدى فعل لغوي معطى .
وظيفة اللساني هنا أساسا هي إنشاء نظام القواعد للسان المدروس أو صياغته صوريا مثل برنامج حاسوبي، هذه القواعد تحدد التوافقات التي يقيمها المتكلمون بين المعاني والنصوص، وهو يهدف إلى تحقيق هدفين عامين:
• نظري: هذا النظام المُنشأ هو معيار لمعارف الباحث ومسبار لمدى تطابقها مع الواقع اللغوي، حيث يسمح بتصحيح الفرضيات ومراجعتها.
• تطبيقي: يسهم هذا النظام المنشأ في الإجابة عن إشكاليات تطرحها اختصاصات مجاورة للسانيات، منها المعالجة الآلية للغة الطبيعية، وغيرها من المجالات التي تتقاسم معها الاهتمام باللغة .
يمثل المعنى تلك الخاصية التي تشترك في الكشف عنها مجموعة الجمل المترادفة، حيث يمكن التعبير عن ذلك المعنى بطرق مختلفة تدعى إعادة الصياغة paraphrasage. لا يعني هذا أن المعنى هو معطى مبدئي بل هو متلقًّى بعد دراسة الممارسة الفعلية للسان من قبل المتخاطبين. أما النص فنقصد به تلك السلسلة اللسانية المنطوقة أو المكتوبة التي تشكل وحدة اتصالية أو إبلاغية، لذلك قد يتقاطع مع الجملة أو جزء منها، أو مع مجموعة من الجمل .
قد يتساءل القارئ عن سبب الاهتمام بهذه النظرية حصريا، وهل هناك مميزات تجعل بعض الباحثين يفضلها عن غيرها من النظريات اللسانية ؟
2. مميزات النظرية
إن النظرية المعنى-نص وإن كانت تشارك النظرية التوليدية التحويلية بعض المبادئ لكنها تخالفها في طبيعة النظام المنشأ أو النموذج المبتغى. وظيفة النحو (نموذج القدرة compétence) عند أتباع تشومسكي Chomskyتتحدد كالآتي: « ينبغي، في لسان مدروس، أن يكون النحو قادرا بوضوح على تعديد كل الجمل الفصيحة التي ليس فيها لحن، كما أن له القدرة بوضوح على إهمال كل التراكيب التي تتضمن لحنا، في ذلك اللسان » . وهو يشبه بذلك الآلة الحاسبة، حيث يقوم بتوليد الجمل الفصيحة عن طريق مجموعة التعليمات instructions التي تشمل هنا القواعد النحوية. في حين يعتبر أتباع ملتشوك النحو جهازا إجرائيا منطقيا قادرا على محاكاة النشاط اللغوي الإنساني عبر وسائل آلية خالصة.
يهدف الباحث في النظرية المعنى-نص إلى وصف اللسان من خلال الارتكاز على مبادئ أو كليات تنطبق على كل الألسنة، ويحاول إنشاء نماذج صورية، وبالتالي ليست تلك الكليات غاية في حد ذاتها بل يستعين بها في إنشاء نماذج جزئية خاصة بكل لسان، ومنها اللسان العربي. يتميز ذلك الوصف بأنه حركي لا سكوني، حيث لا يهتم بالنظر في الوحدات اللفظية في ذاتها بل في كيفية تحصيلها وتحقيقها. كما أنه لا يطمح إلى تفسير الوقائع النفسية للسان، وهي التي تخص صلة اللسان بالواقع وحال الاستعمال، ويفضل دراسة ووصف الظواهر الداخلية للسان المتمثلة في بنياته المعجمية والنحوية.
نموذجها اللساني المعنى-نص دالي يعتمد على مجموعة من القواعد تقيم توافقا بين مستويات وسطى لتمثيل العبارات اللسانية ، هذه القواعد تمثل دالة رياضية بحيث يقابل كل تمثيل لمستوى م تمثيل لمستوى م+1. كما يشتمل على معجم ونحو ومجموعة عمليات تسمح بتفعيل هاتين المؤلفتين لوصل المعنى بالنص، نرمز لها بـ: معنى نص. بما أن كل مؤلفات هذا النموذج صورية فإنها قابلة للحساب، وبالتالي يمكن أن يفعِّله نظام منطقي أو برنامج حاسوبي، لذلك فإن هذه النماذج حاسوبية بطبيعتها؛ يمكن أن تُفحص حاسوبيا وتستعمل كتطبيقات لمعارف معجمية ونحوية للسان .
يمكن إذًا أن يحدد هدف هذه النظرية انطلاقا من وصف التوافق معنى نص عبر إنشاء نماذج صورية ، هذه النماذج تعتبر جهازا منطقيا افتراضيا تدخل فيه التمثيلات الخاصة بمعنى العبارات فيعطي مجموعة من النصوص، هذه المجموعة تحتوي على كل الجمل المترادفة التي تسمح بالتعبير عن المعنى الموضوع لدى الدخول .
إن هذه النظرية كغيرها من النظريات ترتكز على مسلمات أو أسس تنطلق منها وتبني عليها جميع فرضياتها وحججها، ثم تستنبط منها نتائجها وكشوفاتها.
3. مسلمات النظرية
تعتمد النظرية المعنى-نص على ثلاث مسلمات أساسية ذات طبيعة غير متجانسة. تتعلق الأولى بموضوع الدراسة وهي تصورها العام للسان. أما الثانية فتخص نتيجة الدراسة المتوقعة، وهي تعرض تصورها لكيفية البحث والوصف اللساني. وأما الأخيرة فتتعلق بالصلة بين اللسان ووصفه بعرضها عددا من السمات الأساسية للسان والتي تنعكس مباشرة على الوصف.
1.3. ما اللسان ؟
اللسان نظام منتهٍ من القواعد، يخصص توافقا متعدد الأطراف بين مجموعة غير منتهية معدودة (قابلة للعد) من المعاني وبين مجموعة غير منتهية معدودة من النصوص. تظهر المعاني في النموذج على شكل مواضيع أو مكونات رمزية صورية تدعى التمثيلات الدلالية، وتتجلى النصوص على شكل مواضيع صورية تدعى التمثيلات الصوتية.
يكتب التمثيل الصوتي بأي نظام خطي كان، أما التمثيل الدلالي فيدون حسب "كتابة دلالية" خاصة بكل لسان لأنه يتعلق بالقيمة التي لا يمكن أن تكون لها أهمية خارج اللسان الواحد، والتي هي مرتبطة أيضا بالمفصلة الخاصة بذلك اللسان أي بطريقة تقطيعه للواقع.
تقتضي هذه المسلمة الطابع المنقطع للتمثيلات لوجودها في مستويات متباينة، وبالتالي تنسحب هذه الصفة على النموذج، وإن كان بعض الباحثين يفضلون صياغة النماذج اللسانية المستمرة والمتشابهة مثل ريني توم R.Thom الذي يعتقد أنه من الضروري إعادة تبني النماذج التي تحمل تلك الصفة بعد أن أبعدها الاتجاه الصوري، لكن ملتشوك لا يرى داعيا لإقصاء النماذج المنقطعة، لأن معينها المعرفي وفعاليتها في ميدان تعليم اللغات والمعالجة الآلية للنصوص يثبتان قيمة هذه المقاربة من الناحية العلمية، حيث تحرص تلك المقاربة على إقامة علاقة الثنائية والتقابل بين كل عناصر البنية بصفة منقطعة: (صحيح x خاطئ)، (حاضر x غائب) .
2.3. كيف نقارب اللسان ؟
ينبغي أن يوصف التوافق بين المعنى والنص عبر جهاز منطقي يشكل نموذجا وظيفيا للسان، وأن يعرض ويصاغ في هذا الاتجاه معنى <= نص، يستقبل في المدخل تمثيلات دلالية فينتج تمثيلات صوتية، محافظا قدر الإمكان على طريقة المتكلم عند إعادة إنتاج التوافق بين المعنى الذي يريد التعبير عنه وبين النص الذي يسوق هذا المعنى.
يُفضَّل في الدراسة الانتقال معنى <= نص على الانتقال معنى => نص لأن الأول يحاكي نشاط المتكلم فهو أشد انتماء إلى موضوع اللسانيات لاعتماده على ممارسة لسانية خالصة مقارنة مع نشاط المستقبل أو المخاطَب الذي يحتاج عند استخلاصه معنى من نص إلى معرفة لا بأس بها حول العالم والقدرات المنطقية المصاحبة للنص .
3.3. ما هي السمات الأساسية للسان ؟
يجب، لدى وصف التوافق بين المعنى والنص، توافر مستويين أوسطين لتمثيل العبارات وعرض الوقائع اللسانية، هما التمثيل التركيبي الذي يحيل على الانتظام الخاص بالجملة، والتمثيل الصرفي الذي يحيل على الانتظام الخاص بالكلمة. الجملة والكلمة هما على الترتيب الوحدتان الكبرى والصغرى للكلام، وحدتان مستقلتان وشاملتان بحيث تنحصر أحكام اللسان فيهما تقريبا. يهتم اللساني في إطار الجملة مثلا بترتيب الكلمات والبناء الإبلاغي، وكذا التواقع المعجمي ، بينما في إطار الكلمة يهتم بالتصريف والاشتقاق...
يتم استخلاص خصائص تينك الوحدتين من خلال وضع مسلمة المستويين الفرعيين بين المعنى والنص. مفهوم "المستوى" مستعمل لدى كثير من المدارس اللسانية، حتى إن تشومسكي يعتبره مفهوما مركزيا في النظرية اللسانية حيث يمثل بالأساس مجموعة من المكنزمات الوصفية المناسبة لبناء الأنحاء، ويشكل طريقة لتمثيل النصوص ويسهل ذلك التمثيل لأنه يجزئ النظام العام للسان إلى أنظمة صغرى. ومن هنا يمكن اعتبار النحو مكونا من مجموعة من المستويات اللسانية، يمثل كل واحد منها الوحدات اللغوية على شكل متتالية من العناصر المسلسلة .
4. خصائص النموذج
يملك هذا النموذج ثلاث خصائص هامة هي:
1.4. كونه معادليا أو ترجميا
هذا النموذج، على عكس النماذج التوليدية، لا ينحصر دوره في توليد الجمل، بل يقيم توافقا بين كل تمثيل دلالي وبين كل تمثيل صوتي في لسان ما، لذلك يوصف بأنه معادلي حيث يربط بين تمثيلات في مستويات متجاورة: نأخذ تمثيلا من مستوى م ونصله بتمثيلات متوافقة معه في مستوى م+1 نتجت عن التمثيل الأول دون أن يحدث لها تغيير، فهي ليست تحويلية أيضا، وفي الوقت نفسه نقوم باختيار التمثيل الأمثل والمناسب في المستوى م+1.
من خلال ذلك، يحاول النموذج أن يقترب من نشاط المتكلم الذي لا يمضي وقته في توليد مجموعة من الجمل الفصيحة (السليمة نحويا)، كما أنه لا يقوم بتحويل البنى المجردة، فهو يتكلم أي يعبر من خلال النصوص عما يريد تبليغه من المعاني. ينجز هذا النموذج العمل نفسه فهو يترجم معنى ما إلى نص، لذلك يوصف بأنه ترجمي.
2.4. اعتماده على الجمل المترادفة
تشمل الملكة اللسانية مقدرة المتكلم على أن ينتج ابتداء من معنى ما كلَّ النصوص التي يمكن أن تعبر عن ذلك المعنى، ومقدرته على أن يختار من بين تلك النصوص ما يوافق مقاما ما، وهذا ما يعكس مبدأ الترادف بين الملفوظات حيث تعطي إعادة صياغة لملفوظ ما ملفوظا آخر ذا محتوى دلالي مرادف لمحتوى الملفوظ الأول. تشكل هذه الصفة أساسا للنموذج المعنى-نص وميدانا لتجريبه في الوقت نفسه، إذ يعمل على صياغة كل الجمل المترادفة التي تعبر عن معنى ما ضمن لسان معين، والتي هي مستحسنة عند جمهور المتحدثين بذلك اللسان.
3.4. هو إجمالي ومتكامل
يحاول الباحث من خلال هذا النموذج أن يصف اللسان في كليته دون أن يجزئه إلى مقاطع معزولة، فلا يقوم بوصف كل جزء منه على حدة، لذلك يعمل على أن تكون كل مؤلفاته متلاحمة، بما في ذلك معجمه وكل أجزاء نحوه، لأنها معدة لتعمل سوية من أجل تركيب النصوص. لذلك، ينعت بأنه إجمالي لتناوله كل عناصر اللسان في حال ارتباطها، ومتكامل لأنه لا يهمل أيًّا منها في كل مستوياته التمثيلية .
5. مؤلِّفات النموذج
يتكون النموذج المعنى-نص من مؤلفتين: إحداهما تضم المعجم والنحو، وتتمثل في مجموعة من القواعد التقريرية لأنها لا تعرض على شكل تعليمات منطقية وإنما يكتفى فيها بالوصف، وثانيهما تضم مجموعة من القواعد الإجرائية تعمل على تفعيل القواعد التقريرية وتشغيلها من خلال برنامج تنفيذ.
1.5. المؤلفة التقريرية
1.1.5. المعجم التفسيري التأليفي
يحتل معجم لسان ما قلب النموذج على عكس بعض النظريات الصورية التي اهتمامها بالنحو أكثر. هذا المعجم يهتم بالمعاني اللغوية للألفاظ وليس بوظائفها النحوية. وقد سمي المعجم الخاص بهذه النظرية تفسيريا تأليفيا لأنه يعمل على وصف الألفاظ عن طريق وضع حدود تحليلية وتفكيكيها إلى وحدات دلالية مميزة ومرقمة، ثم وصفها داخل التأليف التركيبي والمعجمي حيث تحدد المقولات التركيبية التي تضم تلك الألفاظ، ومختلف التوزيعات التي يمكن أن تظهر فيها .
مثال: يتيم = (1. إنسان 2. غير بالغ 3. ميْت الأب)
بعض التوزيعات التي ترد فيها هذه اللفظة:
- قال تعالى: « وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ » (سورة الكهف، الآية 82).
- هل قرأت يتيمة الدهر ؟
- الجمعة اليتيمة آخر جمعة من رمضان...
2.1.5. النحو
يتكون النحو من مستويات لسانية حيث تمثل كل واحدة منها الجملة على شكل متتالية من عناصر متسلسلة. نجد بين هذه المستويات علاقة هرمية؛ كل مستوى يتحدد عبر مجموعة عناصر أصغر وعبر مجموعة قواعد خاصة بمعنى أن كل مستوى يرتبط بالمستوى الأدنى الذي يليه من خلال قواعد التمثيل . مثال: المكونة التركيبية العميقة للنحو هي مجموعة من القواعد على الشكل التالي:
بنية تركيبية عميقة جزئية بنية تركيبية سطحية جزئية (بشروط)
2.5. المؤلفة الإجرائية
من أجل كتابة برنامج حاسوبي وباستعمال المعلومات التي توفرها المكونتان المعجمية والنحوية، نضطر إلى صياغة مجموعة من الإجراءات تسمح بإقامة العمليات الآتية:
1- إدخال تمثيلات البداية من أجل تعيين البنى الجزئية التي يراد ترجمتها؛
2- تسجيل القواعد المعجمية والنحوية التي تصف ترجمة البنى الجزئية المعينة؛
3- إنشاء البنى الجزئية للتمثيل المستهدف؛
4- ضم تلك البنى الجزئية في كلٍّ متناسق.
تتسم هذه الإجراءات بالتعقيد خاصة الدلالية والتركيبية، وهي تأخذ بعين الاعتبار الانتقال من مستويات التمثيل المختلفة: من الشبكات الدلالية إلى المشجرات التركيبية ثم إلى السلاسل الخطية .
البنية الوظيفية للنموذج المعنى-نص الخاص بضمير المتكلم
6. التمثيلات اللسانية ومستويات التمثيل
يتم عرض بنية النموذج وكيفية اشتغاله بتبيين ما يلي: كيف يمكن لتمثيل معنى ما أن يترجم إلى مجموعة الجمل المترادفة ؟ في كل مرحلة من عملية الترجمة تجرى اختيارات لسانية تقود إلى إنتاج ملفوظ ما، وذلك الاختيار يقع ضمن كل الجمل الممكنة التي تسمح بالتعبير عن المعنى الذي أدخِل في النموذج.
يخضع التمثيل اللساني للمستوى الذي ينتمي إليه، لذلك نجد تمثيلات في المستوى الدلالي والتركيبي والصرفي والصوتي. تلك المستويات هي أنظمة مسلسلة ومعينة بمجموعة منتهية من العناصر والقواعد التي تحدد العلاقات بين تلك العناصر. كما أن العلاقات بينها تعيَّن بواسطة مجموعة قواعد التمثيل التي تعبر عن الكيفية التي من خلالها تمثل عناصر من مستوى أعلى عناصر أخرى من مستوى أدنى .
تتفرع كل مستويات التمثيل اللساني للملفوظات، ما عدا الدلالي، إلى مستوى فرعي عميق وآخر سطحي. يوجه المستوى الفرعي العميق نحو المعنى ووظيفته التعبير بوضوح عن كل الفروق الدلالية المتصلة بمستواه. ويوجه المستوى الفرعي السطحي إلى النص ووظيفته التعبير عن كل الفروق الصورية المتعلقة بمستواه بكل وضوح. بعد إضافة هذه الثنائية "سطحي ≠ عميق"، نحصل على مجموعة لسبع تمثيلات لسانية خاصة بملفوظ ما.
يتكون النموذج من ست مؤلفات تتوافق مع التفريعات المعروفة في اللسانيات: علم الدلالة sémantique، علم التركيب syntaxe، علم الصرف morphologie، الصوتيات الوظيفية phonologie، باستثناء المستويات الفرعية العميقة والسطحية التي هي من ابتكار هذه النظرية . كل مؤلفة محددة بتمثيل البداية، فعلم الدلالة ينطلق من تمثيل دلالي من أجل بناء كل التمثيلات التركيبية العميقة التي تحمل المعنى نفسه المعبر عنه في التمثيل الدلالي، وعلم التركيب العميق ينطلق من تمثيل تركيبي عميق، ويوفر كل التمثيلات التركيبية السطحية التي يمكن أن تحقق هذا التمثيل التركيبي العميق، وهلم جرا (كما هو مبين في الجدول الموالي) . بالإضافة إلى ذلك، تتآلف التمثيلات المستعملة في هذا النموذج من عدة مواضيع صورية تدعى بنيات.
مكونات اللسانيات التوافقات
1) علم الدلالة التمثيل الدلالي التمثيل التركيبي العميق
2) علم التركيب العميق التمثيل التركيبي العميق التمثيل التركيبي السطحي
3) علم التركيب السطحي التمثيل التركيبي السطحي التمثيل الصرفي العميق
4) علم الصرف العميق التمثيل الصرفي العميق التمثيل الصرفي السطحي
5) علم الصرف السطحي التمثيل الصرفي السطحي التمثيل الصوتي العميق
6) علم الأصوات العميق التمثيل الصوتي العميق التمثيل الصوتي السطحي
1.6. التمثيل الدلالي
أول مشكلة تعترض الباحث هنا هي صياغة مدخل للنموذج المعنى-نص. من الناحية النظرية، إقامة رسالة لسانية وترجمتها في تمثيل دلالي هي عملية لا تنتمي إلى النموذج اللساني وحده، بل هي شركة بينه وبين صياغة نماذج العالم أي العمليات المعرفية غير اللغوية التي تساهم في إنشائها بقية العلوم المعرفية sciences cognitives. لذلك نفترض في هذه الحالة أن التمثيل الدلالي هو معطى أولي للانتقال معنى <= نص.
إذا من أجل أن نصل معنى غير صوري بتمثيل صوري نحتاج على الأقل إلى البنيات التالية:
رضا بابا أحمد– جامعة معسكر
من أجل معالجة آلية للغة
النظرية اللسانية المعنى-نص
من أجل معالجة آلية للغة
النظرية اللسانية المعنى-نص
الكلمات المفتاحية: اللسان، النموذج المعنى-نص، مستويات التمثيل.
Mots-clés : langue, modèle sens-****e, niveaux de représentation.
الملخص:
يهدف هذا البحث إلى إبراز إحدى النظريات اللسانية الحديثة (النظرية المعنى-نص). تقدم هذه النظرية وصفا للسان وتفسيرا لاشتغاله، وهي تسعى من وراء ذلك إلى صياغة نماذج صورية وابتكار برامج من أجل المعالجة الآلية للغة.
Résumé :
Dans cet exposé, nous cherchons à faire connaître une théorie linguistique contemporaine (Théorie Sens-****e). De la de******ion de la langue à l’interprétation de son fonctionnement, la TST vise à construire des modèles formels et de développer des programmes pour le traitement automatique du langage.
1. تمهيد
ظهرت النظرية اللسانية المعنى-نص في سياق البحوث التي كانت تعالج الترجمة الآلية، في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين على يد اللسانيين الروسيين شلكوفسكي Žolkovskij وملتشوك Mel’čuk. تصنف هذه النظرية إبيستيمولوجيا ضمن المنظور الاتصالي المعرفي؛ حيث اللسان هو أداة للاتصال ووسيلة للاستدلال والمفهمة داخل العملية المعرفية، وتتحدد علاقاته مع الأنظمة المعرفية الأخرى من خلال دراسة بنيته الداخلية .
إذا اللسان، من وجهة نظر هذا الاتجاه، عبارة عن جهاز مجرد أو نظام من القواعد يمكن للمتكلم أن ينفِّذ عبره عمليتين متباينتين:
• التكلم: أي له القدرة، من جهة، على أن يقيم توافقا بين المعاني التي ينشئها في نفسه، وبين نصوص لسانه كلها التي يمكن أن تدل على تلك المعاني. كما أن له القدرة، من جهة أخرى، على أن يختار من بين تلك النصوص أو الخطابات ما يطابق مقتضى الحال لدى فعل لغوي معطى.
• فهم الكلام: أي له القدرة، من جهة، على أن يقيم توافقا بين نص متلقًّى وبين كل المعاني التي يمكن أن يزجيها ذلك النص. ومن جهة أخرى، يستطيع المتكلم أن يختار من بين تلك المعاني ما يناسب ملابسات المقام لدى فعل لغوي معطى .
وظيفة اللساني هنا أساسا هي إنشاء نظام القواعد للسان المدروس أو صياغته صوريا مثل برنامج حاسوبي، هذه القواعد تحدد التوافقات التي يقيمها المتكلمون بين المعاني والنصوص، وهو يهدف إلى تحقيق هدفين عامين:
• نظري: هذا النظام المُنشأ هو معيار لمعارف الباحث ومسبار لمدى تطابقها مع الواقع اللغوي، حيث يسمح بتصحيح الفرضيات ومراجعتها.
• تطبيقي: يسهم هذا النظام المنشأ في الإجابة عن إشكاليات تطرحها اختصاصات مجاورة للسانيات، منها المعالجة الآلية للغة الطبيعية، وغيرها من المجالات التي تتقاسم معها الاهتمام باللغة .
يمثل المعنى تلك الخاصية التي تشترك في الكشف عنها مجموعة الجمل المترادفة، حيث يمكن التعبير عن ذلك المعنى بطرق مختلفة تدعى إعادة الصياغة paraphrasage. لا يعني هذا أن المعنى هو معطى مبدئي بل هو متلقًّى بعد دراسة الممارسة الفعلية للسان من قبل المتخاطبين. أما النص فنقصد به تلك السلسلة اللسانية المنطوقة أو المكتوبة التي تشكل وحدة اتصالية أو إبلاغية، لذلك قد يتقاطع مع الجملة أو جزء منها، أو مع مجموعة من الجمل .
قد يتساءل القارئ عن سبب الاهتمام بهذه النظرية حصريا، وهل هناك مميزات تجعل بعض الباحثين يفضلها عن غيرها من النظريات اللسانية ؟
2. مميزات النظرية
إن النظرية المعنى-نص وإن كانت تشارك النظرية التوليدية التحويلية بعض المبادئ لكنها تخالفها في طبيعة النظام المنشأ أو النموذج المبتغى. وظيفة النحو (نموذج القدرة compétence) عند أتباع تشومسكي Chomskyتتحدد كالآتي: « ينبغي، في لسان مدروس، أن يكون النحو قادرا بوضوح على تعديد كل الجمل الفصيحة التي ليس فيها لحن، كما أن له القدرة بوضوح على إهمال كل التراكيب التي تتضمن لحنا، في ذلك اللسان » . وهو يشبه بذلك الآلة الحاسبة، حيث يقوم بتوليد الجمل الفصيحة عن طريق مجموعة التعليمات instructions التي تشمل هنا القواعد النحوية. في حين يعتبر أتباع ملتشوك النحو جهازا إجرائيا منطقيا قادرا على محاكاة النشاط اللغوي الإنساني عبر وسائل آلية خالصة.
يهدف الباحث في النظرية المعنى-نص إلى وصف اللسان من خلال الارتكاز على مبادئ أو كليات تنطبق على كل الألسنة، ويحاول إنشاء نماذج صورية، وبالتالي ليست تلك الكليات غاية في حد ذاتها بل يستعين بها في إنشاء نماذج جزئية خاصة بكل لسان، ومنها اللسان العربي. يتميز ذلك الوصف بأنه حركي لا سكوني، حيث لا يهتم بالنظر في الوحدات اللفظية في ذاتها بل في كيفية تحصيلها وتحقيقها. كما أنه لا يطمح إلى تفسير الوقائع النفسية للسان، وهي التي تخص صلة اللسان بالواقع وحال الاستعمال، ويفضل دراسة ووصف الظواهر الداخلية للسان المتمثلة في بنياته المعجمية والنحوية.
نموذجها اللساني المعنى-نص دالي يعتمد على مجموعة من القواعد تقيم توافقا بين مستويات وسطى لتمثيل العبارات اللسانية ، هذه القواعد تمثل دالة رياضية بحيث يقابل كل تمثيل لمستوى م تمثيل لمستوى م+1. كما يشتمل على معجم ونحو ومجموعة عمليات تسمح بتفعيل هاتين المؤلفتين لوصل المعنى بالنص، نرمز لها بـ: معنى نص. بما أن كل مؤلفات هذا النموذج صورية فإنها قابلة للحساب، وبالتالي يمكن أن يفعِّله نظام منطقي أو برنامج حاسوبي، لذلك فإن هذه النماذج حاسوبية بطبيعتها؛ يمكن أن تُفحص حاسوبيا وتستعمل كتطبيقات لمعارف معجمية ونحوية للسان .
يمكن إذًا أن يحدد هدف هذه النظرية انطلاقا من وصف التوافق معنى نص عبر إنشاء نماذج صورية ، هذه النماذج تعتبر جهازا منطقيا افتراضيا تدخل فيه التمثيلات الخاصة بمعنى العبارات فيعطي مجموعة من النصوص، هذه المجموعة تحتوي على كل الجمل المترادفة التي تسمح بالتعبير عن المعنى الموضوع لدى الدخول .
إن هذه النظرية كغيرها من النظريات ترتكز على مسلمات أو أسس تنطلق منها وتبني عليها جميع فرضياتها وحججها، ثم تستنبط منها نتائجها وكشوفاتها.
3. مسلمات النظرية
تعتمد النظرية المعنى-نص على ثلاث مسلمات أساسية ذات طبيعة غير متجانسة. تتعلق الأولى بموضوع الدراسة وهي تصورها العام للسان. أما الثانية فتخص نتيجة الدراسة المتوقعة، وهي تعرض تصورها لكيفية البحث والوصف اللساني. وأما الأخيرة فتتعلق بالصلة بين اللسان ووصفه بعرضها عددا من السمات الأساسية للسان والتي تنعكس مباشرة على الوصف.
1.3. ما اللسان ؟
اللسان نظام منتهٍ من القواعد، يخصص توافقا متعدد الأطراف بين مجموعة غير منتهية معدودة (قابلة للعد) من المعاني وبين مجموعة غير منتهية معدودة من النصوص. تظهر المعاني في النموذج على شكل مواضيع أو مكونات رمزية صورية تدعى التمثيلات الدلالية، وتتجلى النصوص على شكل مواضيع صورية تدعى التمثيلات الصوتية.
يكتب التمثيل الصوتي بأي نظام خطي كان، أما التمثيل الدلالي فيدون حسب "كتابة دلالية" خاصة بكل لسان لأنه يتعلق بالقيمة التي لا يمكن أن تكون لها أهمية خارج اللسان الواحد، والتي هي مرتبطة أيضا بالمفصلة الخاصة بذلك اللسان أي بطريقة تقطيعه للواقع.
تقتضي هذه المسلمة الطابع المنقطع للتمثيلات لوجودها في مستويات متباينة، وبالتالي تنسحب هذه الصفة على النموذج، وإن كان بعض الباحثين يفضلون صياغة النماذج اللسانية المستمرة والمتشابهة مثل ريني توم R.Thom الذي يعتقد أنه من الضروري إعادة تبني النماذج التي تحمل تلك الصفة بعد أن أبعدها الاتجاه الصوري، لكن ملتشوك لا يرى داعيا لإقصاء النماذج المنقطعة، لأن معينها المعرفي وفعاليتها في ميدان تعليم اللغات والمعالجة الآلية للنصوص يثبتان قيمة هذه المقاربة من الناحية العلمية، حيث تحرص تلك المقاربة على إقامة علاقة الثنائية والتقابل بين كل عناصر البنية بصفة منقطعة: (صحيح x خاطئ)، (حاضر x غائب) .
2.3. كيف نقارب اللسان ؟
ينبغي أن يوصف التوافق بين المعنى والنص عبر جهاز منطقي يشكل نموذجا وظيفيا للسان، وأن يعرض ويصاغ في هذا الاتجاه معنى <= نص، يستقبل في المدخل تمثيلات دلالية فينتج تمثيلات صوتية، محافظا قدر الإمكان على طريقة المتكلم عند إعادة إنتاج التوافق بين المعنى الذي يريد التعبير عنه وبين النص الذي يسوق هذا المعنى.
يُفضَّل في الدراسة الانتقال معنى <= نص على الانتقال معنى => نص لأن الأول يحاكي نشاط المتكلم فهو أشد انتماء إلى موضوع اللسانيات لاعتماده على ممارسة لسانية خالصة مقارنة مع نشاط المستقبل أو المخاطَب الذي يحتاج عند استخلاصه معنى من نص إلى معرفة لا بأس بها حول العالم والقدرات المنطقية المصاحبة للنص .
3.3. ما هي السمات الأساسية للسان ؟
يجب، لدى وصف التوافق بين المعنى والنص، توافر مستويين أوسطين لتمثيل العبارات وعرض الوقائع اللسانية، هما التمثيل التركيبي الذي يحيل على الانتظام الخاص بالجملة، والتمثيل الصرفي الذي يحيل على الانتظام الخاص بالكلمة. الجملة والكلمة هما على الترتيب الوحدتان الكبرى والصغرى للكلام، وحدتان مستقلتان وشاملتان بحيث تنحصر أحكام اللسان فيهما تقريبا. يهتم اللساني في إطار الجملة مثلا بترتيب الكلمات والبناء الإبلاغي، وكذا التواقع المعجمي ، بينما في إطار الكلمة يهتم بالتصريف والاشتقاق...
يتم استخلاص خصائص تينك الوحدتين من خلال وضع مسلمة المستويين الفرعيين بين المعنى والنص. مفهوم "المستوى" مستعمل لدى كثير من المدارس اللسانية، حتى إن تشومسكي يعتبره مفهوما مركزيا في النظرية اللسانية حيث يمثل بالأساس مجموعة من المكنزمات الوصفية المناسبة لبناء الأنحاء، ويشكل طريقة لتمثيل النصوص ويسهل ذلك التمثيل لأنه يجزئ النظام العام للسان إلى أنظمة صغرى. ومن هنا يمكن اعتبار النحو مكونا من مجموعة من المستويات اللسانية، يمثل كل واحد منها الوحدات اللغوية على شكل متتالية من العناصر المسلسلة .
4. خصائص النموذج
يملك هذا النموذج ثلاث خصائص هامة هي:
1.4. كونه معادليا أو ترجميا
هذا النموذج، على عكس النماذج التوليدية، لا ينحصر دوره في توليد الجمل، بل يقيم توافقا بين كل تمثيل دلالي وبين كل تمثيل صوتي في لسان ما، لذلك يوصف بأنه معادلي حيث يربط بين تمثيلات في مستويات متجاورة: نأخذ تمثيلا من مستوى م ونصله بتمثيلات متوافقة معه في مستوى م+1 نتجت عن التمثيل الأول دون أن يحدث لها تغيير، فهي ليست تحويلية أيضا، وفي الوقت نفسه نقوم باختيار التمثيل الأمثل والمناسب في المستوى م+1.
من خلال ذلك، يحاول النموذج أن يقترب من نشاط المتكلم الذي لا يمضي وقته في توليد مجموعة من الجمل الفصيحة (السليمة نحويا)، كما أنه لا يقوم بتحويل البنى المجردة، فهو يتكلم أي يعبر من خلال النصوص عما يريد تبليغه من المعاني. ينجز هذا النموذج العمل نفسه فهو يترجم معنى ما إلى نص، لذلك يوصف بأنه ترجمي.
2.4. اعتماده على الجمل المترادفة
تشمل الملكة اللسانية مقدرة المتكلم على أن ينتج ابتداء من معنى ما كلَّ النصوص التي يمكن أن تعبر عن ذلك المعنى، ومقدرته على أن يختار من بين تلك النصوص ما يوافق مقاما ما، وهذا ما يعكس مبدأ الترادف بين الملفوظات حيث تعطي إعادة صياغة لملفوظ ما ملفوظا آخر ذا محتوى دلالي مرادف لمحتوى الملفوظ الأول. تشكل هذه الصفة أساسا للنموذج المعنى-نص وميدانا لتجريبه في الوقت نفسه، إذ يعمل على صياغة كل الجمل المترادفة التي تعبر عن معنى ما ضمن لسان معين، والتي هي مستحسنة عند جمهور المتحدثين بذلك اللسان.
3.4. هو إجمالي ومتكامل
يحاول الباحث من خلال هذا النموذج أن يصف اللسان في كليته دون أن يجزئه إلى مقاطع معزولة، فلا يقوم بوصف كل جزء منه على حدة، لذلك يعمل على أن تكون كل مؤلفاته متلاحمة، بما في ذلك معجمه وكل أجزاء نحوه، لأنها معدة لتعمل سوية من أجل تركيب النصوص. لذلك، ينعت بأنه إجمالي لتناوله كل عناصر اللسان في حال ارتباطها، ومتكامل لأنه لا يهمل أيًّا منها في كل مستوياته التمثيلية .
5. مؤلِّفات النموذج
يتكون النموذج المعنى-نص من مؤلفتين: إحداهما تضم المعجم والنحو، وتتمثل في مجموعة من القواعد التقريرية لأنها لا تعرض على شكل تعليمات منطقية وإنما يكتفى فيها بالوصف، وثانيهما تضم مجموعة من القواعد الإجرائية تعمل على تفعيل القواعد التقريرية وتشغيلها من خلال برنامج تنفيذ.
1.5. المؤلفة التقريرية
1.1.5. المعجم التفسيري التأليفي
يحتل معجم لسان ما قلب النموذج على عكس بعض النظريات الصورية التي اهتمامها بالنحو أكثر. هذا المعجم يهتم بالمعاني اللغوية للألفاظ وليس بوظائفها النحوية. وقد سمي المعجم الخاص بهذه النظرية تفسيريا تأليفيا لأنه يعمل على وصف الألفاظ عن طريق وضع حدود تحليلية وتفكيكيها إلى وحدات دلالية مميزة ومرقمة، ثم وصفها داخل التأليف التركيبي والمعجمي حيث تحدد المقولات التركيبية التي تضم تلك الألفاظ، ومختلف التوزيعات التي يمكن أن تظهر فيها .
مثال: يتيم = (1. إنسان 2. غير بالغ 3. ميْت الأب)
بعض التوزيعات التي ترد فيها هذه اللفظة:
- قال تعالى: « وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ » (سورة الكهف، الآية 82).
- هل قرأت يتيمة الدهر ؟
- الجمعة اليتيمة آخر جمعة من رمضان...
2.1.5. النحو
يتكون النحو من مستويات لسانية حيث تمثل كل واحدة منها الجملة على شكل متتالية من عناصر متسلسلة. نجد بين هذه المستويات علاقة هرمية؛ كل مستوى يتحدد عبر مجموعة عناصر أصغر وعبر مجموعة قواعد خاصة بمعنى أن كل مستوى يرتبط بالمستوى الأدنى الذي يليه من خلال قواعد التمثيل . مثال: المكونة التركيبية العميقة للنحو هي مجموعة من القواعد على الشكل التالي:
بنية تركيبية عميقة جزئية بنية تركيبية سطحية جزئية (بشروط)
2.5. المؤلفة الإجرائية
من أجل كتابة برنامج حاسوبي وباستعمال المعلومات التي توفرها المكونتان المعجمية والنحوية، نضطر إلى صياغة مجموعة من الإجراءات تسمح بإقامة العمليات الآتية:
1- إدخال تمثيلات البداية من أجل تعيين البنى الجزئية التي يراد ترجمتها؛
2- تسجيل القواعد المعجمية والنحوية التي تصف ترجمة البنى الجزئية المعينة؛
3- إنشاء البنى الجزئية للتمثيل المستهدف؛
4- ضم تلك البنى الجزئية في كلٍّ متناسق.
تتسم هذه الإجراءات بالتعقيد خاصة الدلالية والتركيبية، وهي تأخذ بعين الاعتبار الانتقال من مستويات التمثيل المختلفة: من الشبكات الدلالية إلى المشجرات التركيبية ثم إلى السلاسل الخطية .
البنية الوظيفية للنموذج المعنى-نص الخاص بضمير المتكلم
6. التمثيلات اللسانية ومستويات التمثيل
يتم عرض بنية النموذج وكيفية اشتغاله بتبيين ما يلي: كيف يمكن لتمثيل معنى ما أن يترجم إلى مجموعة الجمل المترادفة ؟ في كل مرحلة من عملية الترجمة تجرى اختيارات لسانية تقود إلى إنتاج ملفوظ ما، وذلك الاختيار يقع ضمن كل الجمل الممكنة التي تسمح بالتعبير عن المعنى الذي أدخِل في النموذج.
يخضع التمثيل اللساني للمستوى الذي ينتمي إليه، لذلك نجد تمثيلات في المستوى الدلالي والتركيبي والصرفي والصوتي. تلك المستويات هي أنظمة مسلسلة ومعينة بمجموعة منتهية من العناصر والقواعد التي تحدد العلاقات بين تلك العناصر. كما أن العلاقات بينها تعيَّن بواسطة مجموعة قواعد التمثيل التي تعبر عن الكيفية التي من خلالها تمثل عناصر من مستوى أعلى عناصر أخرى من مستوى أدنى .
تتفرع كل مستويات التمثيل اللساني للملفوظات، ما عدا الدلالي، إلى مستوى فرعي عميق وآخر سطحي. يوجه المستوى الفرعي العميق نحو المعنى ووظيفته التعبير بوضوح عن كل الفروق الدلالية المتصلة بمستواه. ويوجه المستوى الفرعي السطحي إلى النص ووظيفته التعبير عن كل الفروق الصورية المتعلقة بمستواه بكل وضوح. بعد إضافة هذه الثنائية "سطحي ≠ عميق"، نحصل على مجموعة لسبع تمثيلات لسانية خاصة بملفوظ ما.
يتكون النموذج من ست مؤلفات تتوافق مع التفريعات المعروفة في اللسانيات: علم الدلالة sémantique، علم التركيب syntaxe، علم الصرف morphologie، الصوتيات الوظيفية phonologie، باستثناء المستويات الفرعية العميقة والسطحية التي هي من ابتكار هذه النظرية . كل مؤلفة محددة بتمثيل البداية، فعلم الدلالة ينطلق من تمثيل دلالي من أجل بناء كل التمثيلات التركيبية العميقة التي تحمل المعنى نفسه المعبر عنه في التمثيل الدلالي، وعلم التركيب العميق ينطلق من تمثيل تركيبي عميق، ويوفر كل التمثيلات التركيبية السطحية التي يمكن أن تحقق هذا التمثيل التركيبي العميق، وهلم جرا (كما هو مبين في الجدول الموالي) . بالإضافة إلى ذلك، تتآلف التمثيلات المستعملة في هذا النموذج من عدة مواضيع صورية تدعى بنيات.
مكونات اللسانيات التوافقات
1) علم الدلالة التمثيل الدلالي التمثيل التركيبي العميق
2) علم التركيب العميق التمثيل التركيبي العميق التمثيل التركيبي السطحي
3) علم التركيب السطحي التمثيل التركيبي السطحي التمثيل الصرفي العميق
4) علم الصرف العميق التمثيل الصرفي العميق التمثيل الصرفي السطحي
5) علم الصرف السطحي التمثيل الصرفي السطحي التمثيل الصوتي العميق
6) علم الأصوات العميق التمثيل الصوتي العميق التمثيل الصوتي السطحي
1.6. التمثيل الدلالي
أول مشكلة تعترض الباحث هنا هي صياغة مدخل للنموذج المعنى-نص. من الناحية النظرية، إقامة رسالة لسانية وترجمتها في تمثيل دلالي هي عملية لا تنتمي إلى النموذج اللساني وحده، بل هي شركة بينه وبين صياغة نماذج العالم أي العمليات المعرفية غير اللغوية التي تساهم في إنشائها بقية العلوم المعرفية sciences cognitives. لذلك نفترض في هذه الحالة أن التمثيل الدلالي هو معطى أولي للانتقال معنى <= نص.
إذا من أجل أن نصل معنى غير صوري بتمثيل صوري نحتاج على الأقل إلى البنيات التالية:

تعليق