الأخطاء الشائعة في نظام الجملة بين طلاب الجامعات
د. كمال بشر
لن نعرض هنا لذلك الحوار المضطرب بين الدارسين فيما يتعلق بتحديد الجملة، إذ قد كثرت آراؤهم في ذلك الأمر وتنوعت إلى درجة يصعب معها الوقوف على تعريف متفق عليه أو يشبه أن يكون كذلك.
ولقد وضعنا لأنفسنا في هذا البحث "وفي غيره" تحديدا للجملة يفي بحاجة المناقشة والتحليل، ويعين القارئ على الفهم والمتابعة. الجملة عندنا: "هي كل منطوق مفيد في موقعه محدود بسكتتين". ولا يضير بعد هذا أن يكون هذا المنطوق قصيرا أو طويلا، بسيطا أو مركبا، كما يجوز أن يكون مركبا من كلمة أو كلمتين في سياقات معينة، كما في الإجابة عن السؤال مثلا.
والإشارة إلى "الجملة" بعنوان البحث لا يعني إهمال النظر في أجزاء الجملة أو أشباهها أو ما شاكل ذلك من مختلف أنواع التراكيب، كالتركيب الإضافي والوصفي وغيرهما؛ لأن الخطأ ليس مقصورا على نمط دون آخر من أنماط التأليف، ولأن هذه الأنواع ذاتها لا تعدو أن تكون بمثابة الوحدات البنائية للجملة، فما ينطبق عليها ينطبق على مكوناتها. وفي رأينا أنه كان الأولى بالعنوان أن يأتي بصورة أخرى هي: "الخطأ الشائع في نظام الكلام" باستعمال المصطلح "الكلام" بدلا من "الجملة" لأنه أعم، ويصدق على ما لا يصدق عليه تعريف الجملة عندنا وعند غيرنا على سواء، ولله در عبد القاهر الجرجاني حين أشار إلى نظريته المعروفة "بالنظم" دون التورط في تحديد أو تقييد يفوت الغرض.
أما "نظام الجملة" فسوف نأخذه بمعنى واسع غير معهود لكثير من الدارسين، قدامى ومحدثين على سواء. إن "نظام الجملة" عندنا يعني وجوه صحتها، أو بعبارة أدق، نستطيع أن نقول: إن نظام الجملة يشتمل على جملة القوانين والقواعد التي تضبط طرائق التأليف ووجوهه المتفق عليها في البيئة اللغوية المعينة. إنه ينتظم الوجوه أو الجهات التالية في اللغة العربية:
1- الاختيار.
2- الموقعية.
3- المطابقة.
4- الإعراب.
ونحن بهذا النهج نريد أن نؤكد حقيقتين مهمتين:
أولاهما: ليس صحيحا أن نظام الجملة يعني مجرد ترتيب الكلم في التركيب، كما قد يتوهم بعضهم. إن مجرد ترتيب الكلمات أو ضمها بعضها إلى بعض ليس بشيء في ذاته ما لم نراع قواعد "التوليف" أو السبك وقوانين التعليق أو الربط، حتى يصير البناء وحدة متكاملة منسوقة الأطراف منظومة الوحدات.
ثانيهما: نود أن نزيح الوهم بأن الإعراب ليس عضوا من عناصر نظام الجملة، إن الإعراب الصحيح هو دليل السبك الصحيح، وأن المخطئ في وجوهه غير مدرك -لا محالة- لوسائل البناء وأداته. وقديما قالوا: الإعراب دليل الموقعية. ولعل هذا هو سر اهتمام العرب به اهتماما كبيرا، لأنه نهاية المطاف والحصيلة المحسة للجوانب "التوليفية" الأخرى للتركيب. ولا يعترض علينا بعدم اهتمام عبد القاهر الجرجاني به بصورة تشبه أو تقرب من اهتمامه بالوجوه الأخرى للنظم. ذلك أن عبد القاهر في مسلكه هذا كان ينعى على الدارسين اهتمامهم بالإعراب بمعنى مجرد النظر في أواخر الكلم إعرابا وبناء، دون كبير عناية بوسائل التأليف الأخرى التي هي في الواقع بمثابة الروافد أو العناصر التي تصنعه.
ونحن بهذا النهج نكون قد فسرنا "نظام الجملة" بما يعني مفهوم "النحو" ووظائفه بالمعنى العلمي الدقيق. فليس النحو الإعراب كما وهم كثير من متأخري النحاة، وكما سار على ذلك معظم المشتغلين بهذا العلم ومسائله في معاهدنا وجامعاتنا، وهو الأمر الذي أساء إلى النحو تعليما وتعلما واستيعابا واستخداما وتطبيقا. ولقد كان البلاغيون أكثر توفيقا وأقرب إلى الصحة حين ركزوا جهودهم في "علم المعاني" على التراكيب وخواصها "التوليفية" تاركين الإعراب أو راغبين عن الدخول في مسائله لا لعدم أهميته، وإنما لافتراضهم تحققه ووجوده على وجهه الصحيح عند النظر في الوجوه الأخرى للتركيب أو نظام الجملة، أو للابتعاد عن الجدل العقيم الذي وقع فيه النحاة المحترفون حول الإعراب، أو للاعتراض السلبي على مسلك هؤلاء النحاة في هذا الشأن.
ورأينا في هذه المشكلة -وهي جد مهمة- أن نعدل من أسلوب تدريسنا للنحو، فنعمد إلى التراكيب ونصنفها إلى أنماطها المختلفة، ثم نقوم بعد ذلك بتحليلها في إطار الجوانب الأربعة المذكورة سابقا، والتي تمثل العناصر الأساسية لنظام الجملة. ولا ضير من الاهتمام بالإعراب -نوع اهتمام- على أساس أنه أهم دليل من أدلة التعليق الذي ينتظم الجوانب الثلاثة الأخرى، ونعني بها "الاختيار" و"الموقعية" و"المطابقة".
بقي علينا في هذا المجال أن نشير إلى مصدر مادة الدراسة وطبيعة هذه المادة. المادة هي العربية الفصيحة التي يستخدمها طلاب الجامعات، وبخاصة في أقسام اللغة العربية. وهذه اللغة الفصيحة لغة مكتوبة في الأغلب الأعم، والأمثلة كلها أو جلها مستقاة من أعمالهم التحريرية في البحوث والاختبارات. وإنما كان اعتمادنا على اللغة المكتوبة، لأن لغتهم المنطوقة لا تفيدنا في شيء في هذا المجال: إنها لغة لا يمكن أن تدخل في إطار الفصيحة بالمعنى الذي يرتضيه المعياريون، وإنه لمن الظلم لها ولهم أن تؤخذ هذا المأخذ، فهي خليط مسوخ من أنواع شتى من اللهجات ومن ضروب شتى من الأساليب العربية التي ندر أن يكون أحدها فصيحا أو ما أشبه.
حتى لو تعمد الطلاب الكلام بالفصيحة لوقعنا في حرج معهم ومع أنفسنا، إذ لن يستطيع الواحد منهم أن يرسل الكلام الصحيح إرسالا لمدة تزيد عن الدقيقة الواحدة. وفي الحق أنهم معذورون، فكثير من المتخصصين والمهتمين بشئون العربية لا تسعفهم قدراتهم اللغوية بمادة منطوقة صحيحة لأكثر من دقائق معدودة.
والأخذ من اللغة المكتوبة يشكل صعوبة حقيقية أمام الدارسين. ذلك أن هذه اللغة محرومة من بعض الظواهر الصوتية ذات الأهمية في التحليل اللغوي على مستوى التراكيب "وغيرها". ونعني بذلك مثلا التنغيم والفواصل الصوتية من وقفات وسكنات واستراحات. وكلها ظواهر مهمة في تحديد أنماط الكلام وأنواع الجمل، وتعين على الكشف عن خواص التركيب، فيما يتعلق بالموقعية في أقل تقدير. وفيما تفيدنا علامات الترقيم في تعرف هذه الظواهر أو بعضها، لكن -يبدو أن الطلاب شأنهم في ذلك شأن غيرهم من المواطنين- لا يدركون هذه العلامات ولا يعرفون قيمها في الكلام المكتوب. ومعنى هذا كله أن الدارس -ما لم يكن ذا خبرة واسعة بهذه الأمور- لا يستطيع أن يأتي بشيء ذي قيمة في هذا المجال.
أضف إلى هذا أن هؤلاء الطلاب متأثرون في كتاباتهم بمصدرين أجنبيين عن مادة الدارسة. أما أولهما فهو اللغات الأجنبية. إما بطريق مباشر أو بطريق ما يجري في السوق من ترجمات قام ويقوم بها أنصاف المثقفين. المصدر الثاني اللهجات العامية، فكثيرا ما نلحظ في مادة الطلاب المكتوبة أمثلة صيغت على نهج قواعد النظم في هذه اللهجات.
ولننصرف الآن إلى مناقشة أخطاء الطلاب في نظام الجملة، وفقا للنهج الذي اخترنا لمفهوم النظم، وهو أن ينتظم أربعة جوانب متصلة غير منفصلة، هي الاختيار والموقعية والمطابقة والإعراب. ولسوف تتركز المناقشة على الشائع من هذه الأخطاء.
أولا: الإعراب
وإنما كان البدء به لكثرة وقوع الخطأ فيه، وتعدد أنواعه ومناحيه، حتى ليظن الدارس أن هؤلاء الطلاب غير عارفين بقواعده الأساسية، أو متجاهلون لها، أو غير مبالين بما يفعلون. وهذا السلوك المعيب واضح في كلامهم المكتوب والمنطوق، وإن كان في هذا الأخير أكثر وقوعا وشيوعا. وهم في ذلك لا يختلفون كثيرا عن أضرابهم من المثقفين وأشباههم. ودليل ذلك ما نلحظه من أخطاء صارخة في الإعراب، في وسائل الإعلام المنطوقة والمكتوبة، وفي بعض الأعمال الجادة كالمجلات الثقافية والعلمية والكتب الرسمية وغير الرسمية، بل إننا نلحظه في بعض الكتب الجامعية، وربما وقع فيه أساتذة اللغة العربية ومدرسوها وهم في حلقة الدرس النحوي نفسه.
وكان البدء بالإعراب كذلك لنؤكد ما ألمحنا إليه سابقا من أن الإعراب عنصر من عناصر نظام الجملة في العربية، وليس شيئا منعزلا عن هذا النظام، كما يتوهم كثير منهم بالقول أو بالفعل، مثلا في طرائقهم ومناهجهم في تقديم مادة النحو وتعليمه. إن الإعراب دليل الموقعية، أو قل: إنه من أهم دلائل التعليق، أي: ربط الكلم بعضه ببعض على طريقة مخصوصة، فهو يشير إلى وظيفة الصيغة ومدى ارتباطها بما يسبقها أو يلحقها، مهما يكن موقعها من الجملة. والعربية بهذه الخاصة -خاصة الإعراب- تمتاز من غيرها من اللغات، إذ هي تتصف بالمرونة في قواعد ترتيب الكلام ونظمه في الجملة من حيث التقديم والتأخير. ويكفي للتدليل على ذلك أن نشير مثلا إلى حال المفعول به. فهو سبق الفعل جوازا ووجوبا ويتوسط بين الفعل والعامل جوازا ووجوبا ويتأخر عن العامل جوازا ووجوبا كذلك، وهو في كل الحالات محدد الوظيفة معروف. بفضل وسائل التعليق أو الربط، ومن أهمها الإعراب الخاص به وهو النصب. تأمل معي الأمثلة الثلاثة الآتية وهي جميعا من باب واحد تقريبا، من حيث مكونات البناء الأساسية:
1- فعل + مفعول به "متصل بضمير الفاعل" + الفاعل، مثل:
خاف رَبَّه عمرُ
2- فعل + مفعول به + فاعل "متصل بضمير المفعول"، مثل:
"وإذ" ابتلى إبراهيمَ ربُّه
3- فعل + فاعل "متصل بضمير المفعول" + مفعول به، مثل:
زان نورُه الشجرَ
ففي المثالين الأول والثاني تقدم المفعول على فاعله، وهو في الأول كثير شائع، ولكن هذا التقدم واجب في الثاني "بحسب رأيهم" لاتصال الفاعل "المتأخر" بضمير المفعول. وفي كلتا الحالتين كان الإعراب دليلا من أدلة الوظيفة للصيغة الواقعة مفعولا، أو هو مانع للبس، كما يقولون. أما المثال الثالث "وهو شاذ في رأيهم" فقد جاء بناؤه مضطربا بسبب اتصال الفاعل المتقدم بضمير المفعول المتأخر، ومع ذلك صح الكلام "نوع صحة، لوقوعه في استعمالهم" وأمن اللبس بوجود الإعراب بوصفه دليلا من أدلة التعليق، بالإضافة إلى عنصر "الاختيار" المتمثل في كلمتي "زان + نور".
وقد أشار ابن مالك إلى الحالتين الأولى والثالثة بقوله:
وشاع نحو خاف ربه عمر ... وشذ نحو زان نوره الشجر
وسكت عن الصورة الثانية، لأنها مفهومة بداهة، إذ شذوذ الثالثة هذه يعني ضمنا وجوب عكسها وهي هذه الصورة.
ولسوف يلاحظ القارئ أن معظم الأمثلة تشير إلى الخطأ في الإعراب بالحروف، وذلك لسبب بسيط، وهو أن المادة أو جلها مستقاة من اللغة المكتوبة، وهذه الحروف موجودة في صلب الكلمات، ومن ثم يسهل التقاط الأخطاء وتعرفها والخطأ في الإعراب بالحركات القصيرة موجود كذلك ويكثر وقوعه، ولكنه لا يدرك في الكلام المكتوب إلا في حالات نادرة، كما في نصب غير الممنوع من الصرف، حيث تصحب الفتحة ألف في آخر الكلمة، كما في رأيت رجلا. وكذلك الحال في جزم المضارع الأجوف الصحيح الآخر، في مثل: لم يكون، لم يبيع، لم ينام. فثبوت حرف العلة "أو عدم تقصير الحركة الطويلة الممثلة في الواو والياء والألف" يدل على خطأ في الإعراب، حتى على فرض تسكين آخر الفعل لأن تسكين الجزم في هذه الحالة يصحبه وجوبا تقصير هذه الحركات الطوال، وفقا لنظام التركيب المقطعي في العربية الفصحى.
والخطأ في الإعراب لا يعني الخطأ في علامته وحدها، وإنما يعني بالإضافة إلى ذلك الجهل بالحالة الإعرابية "الرفع والنصب والجر والجزم" أي: الجهل بالموقعية وعدم إدراك وظيفة الصيغة المعنية في التركيب، فلا يدرى أهي فاعل أم مفعول، أهي اسم "إن" أم خبرها إلخ، ومن ثم تأتي العلامة غير مناسبة للموقعية الصحيحة. وأغلب الظن أن معظم حالات الخطأ الإعرابية إنما ترجع إلى هذا الاحتمال الثاني "وهو الجهل بالمواقعية والوظيفة"، غير أن دليلنا في الكشف عن الخطأ في هذا الوجه "وغيره" يتمثل في العلامة الإعرابية، ونعني بها العلامة الإعرابية الظاهرة بالذات، بدليل عدم تعُّرف على الخطأ في هذا الباب في حالة البناء أو الإعراب التقديري.
ولما كانت العلامات الإعرابية هي دليلنا الواضح في تعرف الأخطاء هنا فقد جاءت أمثلتنا مصنفة -في مجموعها- على هذا الأساس، وإن كان الخطأ في كثير من الحالات يتمثل في الجهل بالموقعية "أو الوظيفة" وبعلامة الإعراب كذلك. ففي قولهم مثلا:
وضع أرسطو كتابان في النقد:
تشير النظرة العاجلة إلى أن الطالب استعمل "الألف" بدلا من الياء في إعراب هذا المثنى، ولكن ليس من البعيد -بل هو المحتمل الراجح- أن الطالب لم يدرك موقعية المثنى أو وظيفته في هذا التركيب، فاختار هذه العلامة.
ولقد أثبتت الدراسة أن هناك اتجاهات معينة في الخطأ في الإعراب "بوجوهه المختلفة على نحو ما بينا" في لغة الطلاب "مكتوبة ومنطوقة" يكثر اتباعها ويغلب أن تكون مطردة في الاستعمال على نحو واضح ملموس تظهر هذه الاتجاهات في إعراب أجناس نحوية متعددة، من أهمها ما يلي:
1- يقع الخطأ كثيرا في إعراب اسم "إن" وأخواتها إذا كان خبرها شبه جملة متقدما على الاسم "كما في نحو: إن ثمة رأي آخر حيث جاء الاسم مرفوعا، إما جهلا بالموقعية وما يناسبها من علامات إعرابية أو جهلا بالقيمة النحوية لشبه الجملة ثمة" التي لا يمكن أن تكون هنا إلا خبرا، ووقع متقدما. ولا يقتصر هذا السلوك على هذا المثال ونحوه مما تستخدم فيه "ثمة" وأخواتها" ثم وهنا وهناك إلخ "وهي أشباه جمل تخفى قيمها على كثير من المثقفين"، بل يحدث الشيء نفسه مع أشباه الجمل العادية، مثل:
إن في كلامك خلط كبير
وكذلك يقع الخطأ بكثرة في إعراب اسم كان وأخواتها إذا كان خبرها من النمطين السابقين، وجاء متقدما على الاسم، حيث ينصب هذا الاسم:
وكان هناك رأيا آخر
كان في الدرس نقاطا غير مفهومة
وليس هذا فقط، فقد يلفق الطالب، في هذه الأنماط ونحوها بين الخطأ والصواب في المثال الواحد، كأن يقول:
وكانت خلفهم نارا مشتعلة وحائط قصير
حيث جاء اسم "كان" منصوبا، ولكن ما عطف عليه وقع مرفوعا، وهو دليل الخلط وعدم الإدراك لوظائف الكلم في التركيب.
ومن المؤسف أن نقابل أحيانا في كتابات طلاب الفرق الأولى "حديثي العهد بالجامعة" أمثلة يقع فيها الخطأ في أسماء إن وكان وأخبارهم بوجه عام:
إن الباحثون كانوا يريدون
إن المرأة إنسانا مستقلا
كان المسلمين متأثرين برأي غيرهم
الحرية عمل وليست كلام
ولا نعدم أن نجد في كلام هؤلاء وأمثالهم أخطاء في إعراب المبتدأ والخبر:
الشاهدان موجودين
بل هناك حدودا
2- إعراب الأسماء الخمسة1 يغلب عليه أن يكون بالواو في كل الحالات الإعرابية، فقد جاء بهما في حالتي النصب والجر، كما في قولهم مثلا:
كانت سلاحا ذو حدين
خالف البلاغيون أبو عبيدة
وفي كتاب الجاحظ وكتاب أبو عبيدة
ويبدو على كل حال أن الخطأ في هذا الباب "وغيره" لا يرجع إلى سوء التقدير في اختيار العلامة المناسبة بقدر ما يرجع إلى الجهل بمواقع الكلم ووظائفه، بدليل قولهم مثلا:
توفي أبي الفرج
واستخدم أبي عبيدة عدة مصطلحات
حيث أعرب بالياء وهما في موقع الرفع. ومن الطريف أن الطلاب لم يستعملوا الإعراب بالألف في هذه الأسماء إلا في موضعها الصحيحة، وهي
__________
1 القول بأنها خمسة "أو ستة" في لغة الطلاب فيه تجوز إذ المستعمل في لغتهم هو: أب وأخ، وكذلك "ذو" أحيانا. أما "حم" فنادرا ما تستعمل وتلزم الألف غالبا تأثرا بالعامية. ولم نلاحظ استعمالهم للاسمين "فو، هن" إلا مرددين لهما في نصوص مكتوبة من صنع غيرهم.
د. كمال بشر
لن نعرض هنا لذلك الحوار المضطرب بين الدارسين فيما يتعلق بتحديد الجملة، إذ قد كثرت آراؤهم في ذلك الأمر وتنوعت إلى درجة يصعب معها الوقوف على تعريف متفق عليه أو يشبه أن يكون كذلك.
ولقد وضعنا لأنفسنا في هذا البحث "وفي غيره" تحديدا للجملة يفي بحاجة المناقشة والتحليل، ويعين القارئ على الفهم والمتابعة. الجملة عندنا: "هي كل منطوق مفيد في موقعه محدود بسكتتين". ولا يضير بعد هذا أن يكون هذا المنطوق قصيرا أو طويلا، بسيطا أو مركبا، كما يجوز أن يكون مركبا من كلمة أو كلمتين في سياقات معينة، كما في الإجابة عن السؤال مثلا.
والإشارة إلى "الجملة" بعنوان البحث لا يعني إهمال النظر في أجزاء الجملة أو أشباهها أو ما شاكل ذلك من مختلف أنواع التراكيب، كالتركيب الإضافي والوصفي وغيرهما؛ لأن الخطأ ليس مقصورا على نمط دون آخر من أنماط التأليف، ولأن هذه الأنواع ذاتها لا تعدو أن تكون بمثابة الوحدات البنائية للجملة، فما ينطبق عليها ينطبق على مكوناتها. وفي رأينا أنه كان الأولى بالعنوان أن يأتي بصورة أخرى هي: "الخطأ الشائع في نظام الكلام" باستعمال المصطلح "الكلام" بدلا من "الجملة" لأنه أعم، ويصدق على ما لا يصدق عليه تعريف الجملة عندنا وعند غيرنا على سواء، ولله در عبد القاهر الجرجاني حين أشار إلى نظريته المعروفة "بالنظم" دون التورط في تحديد أو تقييد يفوت الغرض.
أما "نظام الجملة" فسوف نأخذه بمعنى واسع غير معهود لكثير من الدارسين، قدامى ومحدثين على سواء. إن "نظام الجملة" عندنا يعني وجوه صحتها، أو بعبارة أدق، نستطيع أن نقول: إن نظام الجملة يشتمل على جملة القوانين والقواعد التي تضبط طرائق التأليف ووجوهه المتفق عليها في البيئة اللغوية المعينة. إنه ينتظم الوجوه أو الجهات التالية في اللغة العربية:
1- الاختيار.
2- الموقعية.
3- المطابقة.
4- الإعراب.
ونحن بهذا النهج نريد أن نؤكد حقيقتين مهمتين:
أولاهما: ليس صحيحا أن نظام الجملة يعني مجرد ترتيب الكلم في التركيب، كما قد يتوهم بعضهم. إن مجرد ترتيب الكلمات أو ضمها بعضها إلى بعض ليس بشيء في ذاته ما لم نراع قواعد "التوليف" أو السبك وقوانين التعليق أو الربط، حتى يصير البناء وحدة متكاملة منسوقة الأطراف منظومة الوحدات.
ثانيهما: نود أن نزيح الوهم بأن الإعراب ليس عضوا من عناصر نظام الجملة، إن الإعراب الصحيح هو دليل السبك الصحيح، وأن المخطئ في وجوهه غير مدرك -لا محالة- لوسائل البناء وأداته. وقديما قالوا: الإعراب دليل الموقعية. ولعل هذا هو سر اهتمام العرب به اهتماما كبيرا، لأنه نهاية المطاف والحصيلة المحسة للجوانب "التوليفية" الأخرى للتركيب. ولا يعترض علينا بعدم اهتمام عبد القاهر الجرجاني به بصورة تشبه أو تقرب من اهتمامه بالوجوه الأخرى للنظم. ذلك أن عبد القاهر في مسلكه هذا كان ينعى على الدارسين اهتمامهم بالإعراب بمعنى مجرد النظر في أواخر الكلم إعرابا وبناء، دون كبير عناية بوسائل التأليف الأخرى التي هي في الواقع بمثابة الروافد أو العناصر التي تصنعه.
ونحن بهذا النهج نكون قد فسرنا "نظام الجملة" بما يعني مفهوم "النحو" ووظائفه بالمعنى العلمي الدقيق. فليس النحو الإعراب كما وهم كثير من متأخري النحاة، وكما سار على ذلك معظم المشتغلين بهذا العلم ومسائله في معاهدنا وجامعاتنا، وهو الأمر الذي أساء إلى النحو تعليما وتعلما واستيعابا واستخداما وتطبيقا. ولقد كان البلاغيون أكثر توفيقا وأقرب إلى الصحة حين ركزوا جهودهم في "علم المعاني" على التراكيب وخواصها "التوليفية" تاركين الإعراب أو راغبين عن الدخول في مسائله لا لعدم أهميته، وإنما لافتراضهم تحققه ووجوده على وجهه الصحيح عند النظر في الوجوه الأخرى للتركيب أو نظام الجملة، أو للابتعاد عن الجدل العقيم الذي وقع فيه النحاة المحترفون حول الإعراب، أو للاعتراض السلبي على مسلك هؤلاء النحاة في هذا الشأن.
ورأينا في هذه المشكلة -وهي جد مهمة- أن نعدل من أسلوب تدريسنا للنحو، فنعمد إلى التراكيب ونصنفها إلى أنماطها المختلفة، ثم نقوم بعد ذلك بتحليلها في إطار الجوانب الأربعة المذكورة سابقا، والتي تمثل العناصر الأساسية لنظام الجملة. ولا ضير من الاهتمام بالإعراب -نوع اهتمام- على أساس أنه أهم دليل من أدلة التعليق الذي ينتظم الجوانب الثلاثة الأخرى، ونعني بها "الاختيار" و"الموقعية" و"المطابقة".
بقي علينا في هذا المجال أن نشير إلى مصدر مادة الدراسة وطبيعة هذه المادة. المادة هي العربية الفصيحة التي يستخدمها طلاب الجامعات، وبخاصة في أقسام اللغة العربية. وهذه اللغة الفصيحة لغة مكتوبة في الأغلب الأعم، والأمثلة كلها أو جلها مستقاة من أعمالهم التحريرية في البحوث والاختبارات. وإنما كان اعتمادنا على اللغة المكتوبة، لأن لغتهم المنطوقة لا تفيدنا في شيء في هذا المجال: إنها لغة لا يمكن أن تدخل في إطار الفصيحة بالمعنى الذي يرتضيه المعياريون، وإنه لمن الظلم لها ولهم أن تؤخذ هذا المأخذ، فهي خليط مسوخ من أنواع شتى من اللهجات ومن ضروب شتى من الأساليب العربية التي ندر أن يكون أحدها فصيحا أو ما أشبه.
حتى لو تعمد الطلاب الكلام بالفصيحة لوقعنا في حرج معهم ومع أنفسنا، إذ لن يستطيع الواحد منهم أن يرسل الكلام الصحيح إرسالا لمدة تزيد عن الدقيقة الواحدة. وفي الحق أنهم معذورون، فكثير من المتخصصين والمهتمين بشئون العربية لا تسعفهم قدراتهم اللغوية بمادة منطوقة صحيحة لأكثر من دقائق معدودة.
والأخذ من اللغة المكتوبة يشكل صعوبة حقيقية أمام الدارسين. ذلك أن هذه اللغة محرومة من بعض الظواهر الصوتية ذات الأهمية في التحليل اللغوي على مستوى التراكيب "وغيرها". ونعني بذلك مثلا التنغيم والفواصل الصوتية من وقفات وسكنات واستراحات. وكلها ظواهر مهمة في تحديد أنماط الكلام وأنواع الجمل، وتعين على الكشف عن خواص التركيب، فيما يتعلق بالموقعية في أقل تقدير. وفيما تفيدنا علامات الترقيم في تعرف هذه الظواهر أو بعضها، لكن -يبدو أن الطلاب شأنهم في ذلك شأن غيرهم من المواطنين- لا يدركون هذه العلامات ولا يعرفون قيمها في الكلام المكتوب. ومعنى هذا كله أن الدارس -ما لم يكن ذا خبرة واسعة بهذه الأمور- لا يستطيع أن يأتي بشيء ذي قيمة في هذا المجال.
أضف إلى هذا أن هؤلاء الطلاب متأثرون في كتاباتهم بمصدرين أجنبيين عن مادة الدارسة. أما أولهما فهو اللغات الأجنبية. إما بطريق مباشر أو بطريق ما يجري في السوق من ترجمات قام ويقوم بها أنصاف المثقفين. المصدر الثاني اللهجات العامية، فكثيرا ما نلحظ في مادة الطلاب المكتوبة أمثلة صيغت على نهج قواعد النظم في هذه اللهجات.
ولننصرف الآن إلى مناقشة أخطاء الطلاب في نظام الجملة، وفقا للنهج الذي اخترنا لمفهوم النظم، وهو أن ينتظم أربعة جوانب متصلة غير منفصلة، هي الاختيار والموقعية والمطابقة والإعراب. ولسوف تتركز المناقشة على الشائع من هذه الأخطاء.
أولا: الإعراب
وإنما كان البدء به لكثرة وقوع الخطأ فيه، وتعدد أنواعه ومناحيه، حتى ليظن الدارس أن هؤلاء الطلاب غير عارفين بقواعده الأساسية، أو متجاهلون لها، أو غير مبالين بما يفعلون. وهذا السلوك المعيب واضح في كلامهم المكتوب والمنطوق، وإن كان في هذا الأخير أكثر وقوعا وشيوعا. وهم في ذلك لا يختلفون كثيرا عن أضرابهم من المثقفين وأشباههم. ودليل ذلك ما نلحظه من أخطاء صارخة في الإعراب، في وسائل الإعلام المنطوقة والمكتوبة، وفي بعض الأعمال الجادة كالمجلات الثقافية والعلمية والكتب الرسمية وغير الرسمية، بل إننا نلحظه في بعض الكتب الجامعية، وربما وقع فيه أساتذة اللغة العربية ومدرسوها وهم في حلقة الدرس النحوي نفسه.
وكان البدء بالإعراب كذلك لنؤكد ما ألمحنا إليه سابقا من أن الإعراب عنصر من عناصر نظام الجملة في العربية، وليس شيئا منعزلا عن هذا النظام، كما يتوهم كثير منهم بالقول أو بالفعل، مثلا في طرائقهم ومناهجهم في تقديم مادة النحو وتعليمه. إن الإعراب دليل الموقعية، أو قل: إنه من أهم دلائل التعليق، أي: ربط الكلم بعضه ببعض على طريقة مخصوصة، فهو يشير إلى وظيفة الصيغة ومدى ارتباطها بما يسبقها أو يلحقها، مهما يكن موقعها من الجملة. والعربية بهذه الخاصة -خاصة الإعراب- تمتاز من غيرها من اللغات، إذ هي تتصف بالمرونة في قواعد ترتيب الكلام ونظمه في الجملة من حيث التقديم والتأخير. ويكفي للتدليل على ذلك أن نشير مثلا إلى حال المفعول به. فهو سبق الفعل جوازا ووجوبا ويتوسط بين الفعل والعامل جوازا ووجوبا ويتأخر عن العامل جوازا ووجوبا كذلك، وهو في كل الحالات محدد الوظيفة معروف. بفضل وسائل التعليق أو الربط، ومن أهمها الإعراب الخاص به وهو النصب. تأمل معي الأمثلة الثلاثة الآتية وهي جميعا من باب واحد تقريبا، من حيث مكونات البناء الأساسية:
1- فعل + مفعول به "متصل بضمير الفاعل" + الفاعل، مثل:
خاف رَبَّه عمرُ
2- فعل + مفعول به + فاعل "متصل بضمير المفعول"، مثل:
"وإذ" ابتلى إبراهيمَ ربُّه
3- فعل + فاعل "متصل بضمير المفعول" + مفعول به، مثل:
زان نورُه الشجرَ
ففي المثالين الأول والثاني تقدم المفعول على فاعله، وهو في الأول كثير شائع، ولكن هذا التقدم واجب في الثاني "بحسب رأيهم" لاتصال الفاعل "المتأخر" بضمير المفعول. وفي كلتا الحالتين كان الإعراب دليلا من أدلة الوظيفة للصيغة الواقعة مفعولا، أو هو مانع للبس، كما يقولون. أما المثال الثالث "وهو شاذ في رأيهم" فقد جاء بناؤه مضطربا بسبب اتصال الفاعل المتقدم بضمير المفعول المتأخر، ومع ذلك صح الكلام "نوع صحة، لوقوعه في استعمالهم" وأمن اللبس بوجود الإعراب بوصفه دليلا من أدلة التعليق، بالإضافة إلى عنصر "الاختيار" المتمثل في كلمتي "زان + نور".
وقد أشار ابن مالك إلى الحالتين الأولى والثالثة بقوله:
وشاع نحو خاف ربه عمر ... وشذ نحو زان نوره الشجر
وسكت عن الصورة الثانية، لأنها مفهومة بداهة، إذ شذوذ الثالثة هذه يعني ضمنا وجوب عكسها وهي هذه الصورة.
ولسوف يلاحظ القارئ أن معظم الأمثلة تشير إلى الخطأ في الإعراب بالحروف، وذلك لسبب بسيط، وهو أن المادة أو جلها مستقاة من اللغة المكتوبة، وهذه الحروف موجودة في صلب الكلمات، ومن ثم يسهل التقاط الأخطاء وتعرفها والخطأ في الإعراب بالحركات القصيرة موجود كذلك ويكثر وقوعه، ولكنه لا يدرك في الكلام المكتوب إلا في حالات نادرة، كما في نصب غير الممنوع من الصرف، حيث تصحب الفتحة ألف في آخر الكلمة، كما في رأيت رجلا. وكذلك الحال في جزم المضارع الأجوف الصحيح الآخر، في مثل: لم يكون، لم يبيع، لم ينام. فثبوت حرف العلة "أو عدم تقصير الحركة الطويلة الممثلة في الواو والياء والألف" يدل على خطأ في الإعراب، حتى على فرض تسكين آخر الفعل لأن تسكين الجزم في هذه الحالة يصحبه وجوبا تقصير هذه الحركات الطوال، وفقا لنظام التركيب المقطعي في العربية الفصحى.
والخطأ في الإعراب لا يعني الخطأ في علامته وحدها، وإنما يعني بالإضافة إلى ذلك الجهل بالحالة الإعرابية "الرفع والنصب والجر والجزم" أي: الجهل بالموقعية وعدم إدراك وظيفة الصيغة المعنية في التركيب، فلا يدرى أهي فاعل أم مفعول، أهي اسم "إن" أم خبرها إلخ، ومن ثم تأتي العلامة غير مناسبة للموقعية الصحيحة. وأغلب الظن أن معظم حالات الخطأ الإعرابية إنما ترجع إلى هذا الاحتمال الثاني "وهو الجهل بالمواقعية والوظيفة"، غير أن دليلنا في الكشف عن الخطأ في هذا الوجه "وغيره" يتمثل في العلامة الإعرابية، ونعني بها العلامة الإعرابية الظاهرة بالذات، بدليل عدم تعُّرف على الخطأ في هذا الباب في حالة البناء أو الإعراب التقديري.
ولما كانت العلامات الإعرابية هي دليلنا الواضح في تعرف الأخطاء هنا فقد جاءت أمثلتنا مصنفة -في مجموعها- على هذا الأساس، وإن كان الخطأ في كثير من الحالات يتمثل في الجهل بالموقعية "أو الوظيفة" وبعلامة الإعراب كذلك. ففي قولهم مثلا:
وضع أرسطو كتابان في النقد:
تشير النظرة العاجلة إلى أن الطالب استعمل "الألف" بدلا من الياء في إعراب هذا المثنى، ولكن ليس من البعيد -بل هو المحتمل الراجح- أن الطالب لم يدرك موقعية المثنى أو وظيفته في هذا التركيب، فاختار هذه العلامة.
ولقد أثبتت الدراسة أن هناك اتجاهات معينة في الخطأ في الإعراب "بوجوهه المختلفة على نحو ما بينا" في لغة الطلاب "مكتوبة ومنطوقة" يكثر اتباعها ويغلب أن تكون مطردة في الاستعمال على نحو واضح ملموس تظهر هذه الاتجاهات في إعراب أجناس نحوية متعددة، من أهمها ما يلي:
1- يقع الخطأ كثيرا في إعراب اسم "إن" وأخواتها إذا كان خبرها شبه جملة متقدما على الاسم "كما في نحو: إن ثمة رأي آخر حيث جاء الاسم مرفوعا، إما جهلا بالموقعية وما يناسبها من علامات إعرابية أو جهلا بالقيمة النحوية لشبه الجملة ثمة" التي لا يمكن أن تكون هنا إلا خبرا، ووقع متقدما. ولا يقتصر هذا السلوك على هذا المثال ونحوه مما تستخدم فيه "ثمة" وأخواتها" ثم وهنا وهناك إلخ "وهي أشباه جمل تخفى قيمها على كثير من المثقفين"، بل يحدث الشيء نفسه مع أشباه الجمل العادية، مثل:
إن في كلامك خلط كبير
وكذلك يقع الخطأ بكثرة في إعراب اسم كان وأخواتها إذا كان خبرها من النمطين السابقين، وجاء متقدما على الاسم، حيث ينصب هذا الاسم:
وكان هناك رأيا آخر
كان في الدرس نقاطا غير مفهومة
وليس هذا فقط، فقد يلفق الطالب، في هذه الأنماط ونحوها بين الخطأ والصواب في المثال الواحد، كأن يقول:
وكانت خلفهم نارا مشتعلة وحائط قصير
حيث جاء اسم "كان" منصوبا، ولكن ما عطف عليه وقع مرفوعا، وهو دليل الخلط وعدم الإدراك لوظائف الكلم في التركيب.
ومن المؤسف أن نقابل أحيانا في كتابات طلاب الفرق الأولى "حديثي العهد بالجامعة" أمثلة يقع فيها الخطأ في أسماء إن وكان وأخبارهم بوجه عام:
إن الباحثون كانوا يريدون
إن المرأة إنسانا مستقلا
كان المسلمين متأثرين برأي غيرهم
الحرية عمل وليست كلام
ولا نعدم أن نجد في كلام هؤلاء وأمثالهم أخطاء في إعراب المبتدأ والخبر:
الشاهدان موجودين
بل هناك حدودا
2- إعراب الأسماء الخمسة1 يغلب عليه أن يكون بالواو في كل الحالات الإعرابية، فقد جاء بهما في حالتي النصب والجر، كما في قولهم مثلا:
كانت سلاحا ذو حدين
خالف البلاغيون أبو عبيدة
وفي كتاب الجاحظ وكتاب أبو عبيدة
ويبدو على كل حال أن الخطأ في هذا الباب "وغيره" لا يرجع إلى سوء التقدير في اختيار العلامة المناسبة بقدر ما يرجع إلى الجهل بمواقع الكلم ووظائفه، بدليل قولهم مثلا:
توفي أبي الفرج
واستخدم أبي عبيدة عدة مصطلحات
حيث أعرب بالياء وهما في موقع الرفع. ومن الطريف أن الطلاب لم يستعملوا الإعراب بالألف في هذه الأسماء إلا في موضعها الصحيحة، وهي
__________
1 القول بأنها خمسة "أو ستة" في لغة الطلاب فيه تجوز إذ المستعمل في لغتهم هو: أب وأخ، وكذلك "ذو" أحيانا. أما "حم" فنادرا ما تستعمل وتلزم الألف غالبا تأثرا بالعامية. ولم نلاحظ استعمالهم للاسمين "فو، هن" إلا مرددين لهما في نصوص مكتوبة من صنع غيرهم.

تعليق