أحكام لا سِيَّما وما يتعلَّق بها
تأليف
أحمد بن أحمد بن محمَّد السُّجَاعِيّ - ت: 1197 هـ
دراسة وتحقيق
الدكتور حسان بن عبد الله الغنيمان
الأستاذ المساعد في قسم اللغة العربية
بكلية المعلمين بالرياض
ملخص البحث
يقع الاسم المفرد بعد «لا سِيَّما» كثيرا، وهو إما أن يكون نكرة أو معرفة، فإذا كان نكرة جاز فيه ثلاثة أوجه من الإعراب، وإذا كان معرفة جاز فيه وجهان هما: الجر، والرفع. وتقع الجملة الاسمية والفعلية بعد «لا سِيَّما» ، وكذلك الظرف، وهذا قليل.لا يجوز حذف «لا» من «لا سِيَّما» ؛ لأن حذفها يُغيِّر المعنى المراد من استخدام «لا سِيَّما» .
استعمل بعض العرب «لا سِيَّما» مخففة الياء، فينطقونها بياء مفتوحة من غير تشديد فيقولون: (لا سِيَما) .
«لا سِيَّما» لا يصحُّ استخدامها أداةَ استثناءٍ؛ لأن حكم ما بعدها داخل في حكم ما قبلها من غير مساواة، فهي بعكس أدوات الاستثناء؛ إذ ما بعدها خارج عن حكم ما قبلها.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فلقد امتنَّ الله (علينا حينما أرسل إلينا أفضل رسله، وخير خلقه، محمد (، فأنزل عليه كتابه الكريم، بلسانٍ عربيٍّ مبين، وتعهَّده (بالحفظ، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولقد كان من آثار حفظ الكتاب العزيز أن قيَّض (له مَنْ حفظه ومَنْ تعلَّمه وعلَّمه، وكان من هؤلاء الذين تعلَّموا كتاب الله وعلَّموه علماءُ العربية، فلقد تسابقوا على تعلُّم لغة القرآن وتعليمها والتأليف فيها؛ لأنَّ حفظها حفظٌ لكتاب الله (.ولقد ابتدر علماء العربية الأوائل وبخاصة النحاة إلى تقييد أصول المسائل النحوية في مؤلفاتهم، وبثِّ كثيرٍ من الفروع في ثناياها، ثم تعاقب النحاة على تعليم النحو والتأليف فيه، فأخرجوا مؤلفات ظهرت فيها الدقة في التبويب، والعناية بذكر الفروع منسابَةً تحت أصولها، وكان من مسائل النحو الفرعية «لا سِيَّما» وأحكامها، فقد ذكرها كثير من النحاة في باب الاستثناء؛ لأنَّها تدل على إخراج ما بعدها من مساواة ما قبلها، وأدوات الاستثناء تدل على إخراج ما بعدها عن حكم ما قبلها، ولم يُفرد النحاة المتقدمون لها مؤلَّفا خاصا أو بابا مستقلا في كتاب نحوي، أمَّا النحاة المتأخرون فقد أفردها بعضهم بمؤلَّف خاص، وبعضهم أفرد الحديث عنها في مبحث مستقل داخل كتاب نحوي، وكان ممن أفردها بمؤلَّف خاص العلامة أحمد بن أحمد بن محمد السُّجاعي، المتوفى سنة 1197 هـ، فلقد نظم أبياتا في أحكامها، ثم شرح هذه الأبيات، وهي هذه الرسالة التي أقدمها محقَّقَةً للقراء، يسبقها دراسة لمؤلِّفها ودراسة لها، راجيا من الله أن تكون نافعة ومفيدة لأبناء العربية.
ولقد اجتهدت في دراسة شخصية المؤلف، وحاولت قدر الإمكان إلقاء الضوء على كثير من جوانب حياته المختلفة، على الرغم من قلة المراجع التي تحدثت عنه وعن حياته، كما أَنَّني لم أدَّخر جهدا في التحقيق، فقد اهتممت بالمخطوطة من جهة الكتابة والتوثيق والتخريج وخدمة النص.
وقد حرصت في الدراسة والتحقيق على توثيق المعلومات التي أذكرها من مصادرها؛ لذلك سلكت عند ذكر مصنفات المؤلِّف أن أذكر عدد نسخها المخطوطة وأماكن وجودها؛ لأَنَّ هذا كان الوسيلة المتاحة للتوثيق أمامي؛ لعدم ذكر غالب مؤلَّفاته في الكتب التي ترجمت له، وقد استنزف مني هذا جهدا كبيرا، ثم بعد انتهائي من كتابة البحث وقفت على كتاب (الخطط التوفيقيَّة) ، ووجدت فيه ترجمةً للسُّجاعي مضمنة رسالة لأحد تلاميذه ذكر فيها مؤلفات شيخه، فقمت بتوثيق مؤلفاته منها، إلا أَنَّني رأيت أن أُبْقِيَ على ذكر الإحالة إلى مكان وجود هذه المؤلفات المخطوطة؛ لأَنَّ في ذلك زيادة في التوثيق وخدمة للقارئ؛ إذ سيكفيه هذا مشقة البحث عنها عند إرادته الاطلاع عليها، وسيُيَسِّر له الحصول على نسخها المخطوطة عند عزمه على تحقيقها، أما مؤلفات السُّجاعي المطبوعة فلم ألتزم بذكر أماكن وجود نسخها المخطوطة؛ لعدم جدوى ذلك.
ومما أود التنبيه إليه هنا أَنَّني أغفلت في مسرد المصادر والمراجع ذكر فهارس المكتبات التي وثَّقت منها مؤلفات السُّجاعي؛ رغبة مني في عدم إطالة هذا البحث؛ لأَنَّ أغلب هذه الفهارس إن لم يكن كلها لم يُطبع إلا مرة واحدة، فلن يحصل لبس عند الإحالة إليها، ولأَنَّ الفهارس التي رجعت إليها كثيرة جدا، فأحيانا فهرس المكتبة الواحدة يستلزم ذكره في مسرد المراجع مرات متعددة؛ نظرا لاختلاف زمن طبع كل مجلد، كفهارس المكتبة الأزهرية، أو اختلاف جامع الفهرس، كفهارس المكتبة الظاهرية، وهذا راجعٌ إلى اختلاف فنِّ كل مجلد.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر إلى كلِّ من قدَّم لي يد العون، وأعانني على إخراج هذه الرسالة على الوجه المأمول، وأخصُّ بالشكر شيخي وأستاذي الأستاذ الدكتور عبد العظيم فتحي خليل، الذي زوَّدني بصورةٍ من نسخة هذه الرسالة الموجودة في دار الكتب المصرية، كما أخص بالشكر أيضا المسئولين في قسم المخطوطات في مركز الملك فيصل، الذين يسَّرُوا لي معرفة أماكن وجود مؤلفات السُّجاعي، فللجميع مني الشكر والتقدير ومن الله المثوبة والعطاء، والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه، والحمد له أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
***
التعريف بمؤلف الرسالة:
هو أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد البدراوي الأزهري الشافعي السُّجَاعِيّ، نسبة إلى «السُّجَاعِيَّة» : قرية من مديرية الغربية بمركز المحلة الكبرى بمصر.
ولد بمصر ونشأ بها في أسرة علمية، فلقد كان أبوه من شيوخ الأزهر؛ ولذا طلب العلم منذ صغره، ساعده على هذا الحركة العلمية النَّشِطَة التي كانت تمر بها مصر في عصره، والمتمثلة في تأسيس المدارس في مختلف أرجاء البلاد، فضلا عن المساجد التي كانت منتشرة في كل مكان آخذة بنشر النور وبث وسائل المعرفة، فتنوعت الثقافة في دور العلم هذه (1) .
فكانت هذه العوامل جديرة بجعل أحمد السُّجاعي حريصا على طلب العلم، فقد ابتدر إلى ذلك، فقرأ العلم على والده وعلى كثير من مشايخ عصره، كالعلامة حسن بن علي المدابغي (1170 هـ) ، والشيخ حسن بن إبراهيم الجبرتي (1188 هـ) الذي لازمه فأخذ عنه علم الحكمة الهندية وغيره من العلوم، ومحمد مرتضي الزبيدي (1205 هـ) .
__________
(1) ينظر الحياة الأدبية في عصر الحروب الصليبية ص 21.
وقد بلغ أحمد السُّجاعي مكانةً عالية في العلم، وكان ذلك في حياة والده، فتصدَّرَ للتدريس في مواضعه، واستمر في هذا أيضا بعد موت والده سنة 1190 هـ، وصار من أعيان العلماء، وشارك في معظم العلوم، وتميَّز بالعلوم الغريبة، وكان فقيها حافظا مُلِمًّا باللغة، وله تآليف عديدة بارعة في كثيرٍ من الفنون تشهد بعلو مكانته وسَبْقِهِ في العلم. ولم تزوِّدنا المراجع التي ترجمت له بتفصيلات كثيرة عن حياته أو أسماء تلاميذه، إلا أَنَّني تيسر لي الوقوف على اسم أحدهم، وهو الشيخ علي بن الشيخ سعد بن سعد البيسوسي السطوحي الشافعي الذي كتب رسالة ذكر فيها مؤلفات شيخه أحمد السُّجاعي.
وبعد حياة مليئة بالعطاء توفي عَلَمنا أحمد بن أحمد السُّجاعي في القاهرة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر سنة 1197 هـ، وصُلِّي عليه في الأزهر، ودُفن عند أبيه بالقرافة الكبرى بتربة المجاورين.
مؤلفاته:
كان أحمد السُّجاعي من العلماء المُبَرِّزين في كثيرٍ من فنون العلم، وله مؤلفات كثيرة تدل على ذلك، ولم يذكر مَنْ ترجم له وبخاصة الجبرتي الذي عليه المعوَّل في ترجمته إلا الشيء القليل من هذه المؤلفات، إلا أَنَّ أحد تلاميذ السُّجاعي، وهو الشيخ علي بن الشيخ سعد بن سعد البيسوسي السطوحي الشافعي كتب رسالة ترجم فيها للسُّجاعي وذكر مؤلفاته، وقد أوردها علي باشا مبارك في كتابه (الخطط التوفيقية) في أثناء ترجمته للسُّجاعي.
وأغلب مؤلفات السُّجاعي شروحٌ، وحواشٍ، ورسائلُ، ومتونٌ متنوعةٌ بين منثورٍ ومنظومٍ. وإليك هذه المؤلفات بحسب تصنيفها علميا:
علوم القرآن:
فتح رب البَرِيَّات بتفسير وخواص الآيات السبع المُنجِيَات (1) .
رسالةٌ في الرسم العثماني (2) .
__________
(1) ينظر الخطط التوفيقية 12/11، وهدية العارفين 1/180.
(2) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
منظومة في معنى الورود (1) في قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ((2) .
شرح المنظومة السابقة (3) .
الحديث:
شرح مختصر البخاري لابن أبي جمرة (695 هـ) ، المسمَّى: (جمع النهاية في بدء الخير والغاية) ، سمَّاه: (النور الساري على متن مختصر البخاري) (4) ، له نسخ خطية متعددة: منها خمس نسخ في المكتبة الأزهرية (5) ، وواحدة في كل من: مكتبة رامبور بالهند (6) ، والمكتبة الوطنية بتونس (7) ، وجامعة الملك عبد العزيز (8) ، ومكتبة مكة المكرمة (9) ، ودار الكتب المصرية (10) ، والخزانة التيمورية (11) ، ومكتبة الكونجرس.
حاشية على الجامع الصغير للسيوطي (12) .
شرح حديث (في كل أرضٍ نبيٌّ كنبيِّكم) (13) ، له نسخة خطية في خزانة تطوان بالمغرب (14) ، وأخرى في المكتبة الخديوية (15) .
شرح حديث (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) (16) ، له نسختان خطيتان في المكتبة الأزهرية (17) .
__________
(1) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
(2) سورة مريم، من الآية 71.
(3) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
(4) ينظر الخطط التوفيقية 12/10، وهدية العارفين 1/180.
(5) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 1/479 و 636.
(6) ينظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (الطبعة الألمانية) 2/446.
(7) ينظر فهرس مخطوطات دار الكتب الوطنية بتونس 5/8.
(8) ينظر فهرس مخطوطات جامعة الملك عبد العزيز 2/41.
(9) ينظر فهرس مخطوطات مكتبة مكة المكرمة ص 66.
(10) ينظر فهرست المخطوطات التي اقتنتها الدار 2/66.
(11) ينظر فهرس الخزانة التيمورية 2/152.
(12) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
(13) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(14) ينظر فهرس مخطوطات خزانة تطوان 2/128.
(15) ينظر فهرس المكتبة الخديوية 1/344.
(16) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(17) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 1/529.
شرح حديث (العينان وكاء السَّهِ، فَمَنْ نامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) (1) ، له نسخة خطية في الخزانة التيمورية (2) .
العقيدة:
الدرة الفريدة بشرح العقيدة المسماة ب (الحفيدة) ، وهو شرح لكتاب العقيدة للسنوسي (895 هـ) (3) ، له نسختان خطيتان في الأزهرية (4) ، ونسخة خطية في مركز الملك فيصل (5) ، وأخرى في مكتبة مكة المكرمة (6) .
نَظْمٌ في بيان الرسل التي في القرآن وترتيبهم (7) .
فتح المنَّان ببيان الرسل التي في القرآن (8) ، وهو شَرْحٌ للنظم السابق (9) ، له نسختان خطيتان في دار الكتب المصرية (10) ، وأخرى في الخديوية (11) ، وأخرى في الأزهرية (12) ، ونسختان في التيمورية (13) . وقد طبع هذا الشرح (14) .
رسالةٌ في استخراج عدة الأنبياء والرسل من اسم نَبِيِّه محمد ((15) .
__________
(1) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(2) ينظر فهرس الخزانة التيمورية 2/297.
(3) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(4) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 3/191.
(5) ينظر فهرس مخطوطات مركز الملك فيصل، العدد 8 ص 43.
(6) ينظر فهرس مخطوطات مكتبة مكة المكرمة ص 93.
(7) ينظر الخطط التوفيقية 12/11، وإيضاح المكنون 2/174.
(8) ينظر هدية العارفين 1/180.
(9) ينظر الخطط التوفيقية 12/11، وإيضاح المكنون 2/174.
(10) ينظر فهرس دار الكتب المصرية 1/56، و 5/282.
(11) ينظر فهرس المكتبة الخديوية الجزء 7 القسم 1 ص 60.
(12) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 5/505.
(13) ينظر فهرس الخزانة التيمورية 1/220، وقد ذُكرت المنظومة في أول إحدى النسختين.
(14) طبع الكتاب في مصر سنة 1309 مع كتاب (مفحمات الأقران في مبهمات القرآن) للسيوطي. ينظر معجم المطبوعات العربية 1/1084 و 1007.
(15) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
تأليف
أحمد بن أحمد بن محمَّد السُّجَاعِيّ - ت: 1197 هـ
دراسة وتحقيق
الدكتور حسان بن عبد الله الغنيمان
الأستاذ المساعد في قسم اللغة العربية
بكلية المعلمين بالرياض
ملخص البحث
يقع الاسم المفرد بعد «لا سِيَّما» كثيرا، وهو إما أن يكون نكرة أو معرفة، فإذا كان نكرة جاز فيه ثلاثة أوجه من الإعراب، وإذا كان معرفة جاز فيه وجهان هما: الجر، والرفع. وتقع الجملة الاسمية والفعلية بعد «لا سِيَّما» ، وكذلك الظرف، وهذا قليل.لا يجوز حذف «لا» من «لا سِيَّما» ؛ لأن حذفها يُغيِّر المعنى المراد من استخدام «لا سِيَّما» .
استعمل بعض العرب «لا سِيَّما» مخففة الياء، فينطقونها بياء مفتوحة من غير تشديد فيقولون: (لا سِيَما) .
«لا سِيَّما» لا يصحُّ استخدامها أداةَ استثناءٍ؛ لأن حكم ما بعدها داخل في حكم ما قبلها من غير مساواة، فهي بعكس أدوات الاستثناء؛ إذ ما بعدها خارج عن حكم ما قبلها.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فلقد امتنَّ الله (علينا حينما أرسل إلينا أفضل رسله، وخير خلقه، محمد (، فأنزل عليه كتابه الكريم، بلسانٍ عربيٍّ مبين، وتعهَّده (بالحفظ، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولقد كان من آثار حفظ الكتاب العزيز أن قيَّض (له مَنْ حفظه ومَنْ تعلَّمه وعلَّمه، وكان من هؤلاء الذين تعلَّموا كتاب الله وعلَّموه علماءُ العربية، فلقد تسابقوا على تعلُّم لغة القرآن وتعليمها والتأليف فيها؛ لأنَّ حفظها حفظٌ لكتاب الله (.ولقد ابتدر علماء العربية الأوائل وبخاصة النحاة إلى تقييد أصول المسائل النحوية في مؤلفاتهم، وبثِّ كثيرٍ من الفروع في ثناياها، ثم تعاقب النحاة على تعليم النحو والتأليف فيه، فأخرجوا مؤلفات ظهرت فيها الدقة في التبويب، والعناية بذكر الفروع منسابَةً تحت أصولها، وكان من مسائل النحو الفرعية «لا سِيَّما» وأحكامها، فقد ذكرها كثير من النحاة في باب الاستثناء؛ لأنَّها تدل على إخراج ما بعدها من مساواة ما قبلها، وأدوات الاستثناء تدل على إخراج ما بعدها عن حكم ما قبلها، ولم يُفرد النحاة المتقدمون لها مؤلَّفا خاصا أو بابا مستقلا في كتاب نحوي، أمَّا النحاة المتأخرون فقد أفردها بعضهم بمؤلَّف خاص، وبعضهم أفرد الحديث عنها في مبحث مستقل داخل كتاب نحوي، وكان ممن أفردها بمؤلَّف خاص العلامة أحمد بن أحمد بن محمد السُّجاعي، المتوفى سنة 1197 هـ، فلقد نظم أبياتا في أحكامها، ثم شرح هذه الأبيات، وهي هذه الرسالة التي أقدمها محقَّقَةً للقراء، يسبقها دراسة لمؤلِّفها ودراسة لها، راجيا من الله أن تكون نافعة ومفيدة لأبناء العربية.
ولقد اجتهدت في دراسة شخصية المؤلف، وحاولت قدر الإمكان إلقاء الضوء على كثير من جوانب حياته المختلفة، على الرغم من قلة المراجع التي تحدثت عنه وعن حياته، كما أَنَّني لم أدَّخر جهدا في التحقيق، فقد اهتممت بالمخطوطة من جهة الكتابة والتوثيق والتخريج وخدمة النص.
وقد حرصت في الدراسة والتحقيق على توثيق المعلومات التي أذكرها من مصادرها؛ لذلك سلكت عند ذكر مصنفات المؤلِّف أن أذكر عدد نسخها المخطوطة وأماكن وجودها؛ لأَنَّ هذا كان الوسيلة المتاحة للتوثيق أمامي؛ لعدم ذكر غالب مؤلَّفاته في الكتب التي ترجمت له، وقد استنزف مني هذا جهدا كبيرا، ثم بعد انتهائي من كتابة البحث وقفت على كتاب (الخطط التوفيقيَّة) ، ووجدت فيه ترجمةً للسُّجاعي مضمنة رسالة لأحد تلاميذه ذكر فيها مؤلفات شيخه، فقمت بتوثيق مؤلفاته منها، إلا أَنَّني رأيت أن أُبْقِيَ على ذكر الإحالة إلى مكان وجود هذه المؤلفات المخطوطة؛ لأَنَّ في ذلك زيادة في التوثيق وخدمة للقارئ؛ إذ سيكفيه هذا مشقة البحث عنها عند إرادته الاطلاع عليها، وسيُيَسِّر له الحصول على نسخها المخطوطة عند عزمه على تحقيقها، أما مؤلفات السُّجاعي المطبوعة فلم ألتزم بذكر أماكن وجود نسخها المخطوطة؛ لعدم جدوى ذلك.
ومما أود التنبيه إليه هنا أَنَّني أغفلت في مسرد المصادر والمراجع ذكر فهارس المكتبات التي وثَّقت منها مؤلفات السُّجاعي؛ رغبة مني في عدم إطالة هذا البحث؛ لأَنَّ أغلب هذه الفهارس إن لم يكن كلها لم يُطبع إلا مرة واحدة، فلن يحصل لبس عند الإحالة إليها، ولأَنَّ الفهارس التي رجعت إليها كثيرة جدا، فأحيانا فهرس المكتبة الواحدة يستلزم ذكره في مسرد المراجع مرات متعددة؛ نظرا لاختلاف زمن طبع كل مجلد، كفهارس المكتبة الأزهرية، أو اختلاف جامع الفهرس، كفهارس المكتبة الظاهرية، وهذا راجعٌ إلى اختلاف فنِّ كل مجلد.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر إلى كلِّ من قدَّم لي يد العون، وأعانني على إخراج هذه الرسالة على الوجه المأمول، وأخصُّ بالشكر شيخي وأستاذي الأستاذ الدكتور عبد العظيم فتحي خليل، الذي زوَّدني بصورةٍ من نسخة هذه الرسالة الموجودة في دار الكتب المصرية، كما أخص بالشكر أيضا المسئولين في قسم المخطوطات في مركز الملك فيصل، الذين يسَّرُوا لي معرفة أماكن وجود مؤلفات السُّجاعي، فللجميع مني الشكر والتقدير ومن الله المثوبة والعطاء، والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه، والحمد له أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
***
التعريف بمؤلف الرسالة:
هو أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد البدراوي الأزهري الشافعي السُّجَاعِيّ، نسبة إلى «السُّجَاعِيَّة» : قرية من مديرية الغربية بمركز المحلة الكبرى بمصر.
ولد بمصر ونشأ بها في أسرة علمية، فلقد كان أبوه من شيوخ الأزهر؛ ولذا طلب العلم منذ صغره، ساعده على هذا الحركة العلمية النَّشِطَة التي كانت تمر بها مصر في عصره، والمتمثلة في تأسيس المدارس في مختلف أرجاء البلاد، فضلا عن المساجد التي كانت منتشرة في كل مكان آخذة بنشر النور وبث وسائل المعرفة، فتنوعت الثقافة في دور العلم هذه (1) .
فكانت هذه العوامل جديرة بجعل أحمد السُّجاعي حريصا على طلب العلم، فقد ابتدر إلى ذلك، فقرأ العلم على والده وعلى كثير من مشايخ عصره، كالعلامة حسن بن علي المدابغي (1170 هـ) ، والشيخ حسن بن إبراهيم الجبرتي (1188 هـ) الذي لازمه فأخذ عنه علم الحكمة الهندية وغيره من العلوم، ومحمد مرتضي الزبيدي (1205 هـ) .
__________
(1) ينظر الحياة الأدبية في عصر الحروب الصليبية ص 21.
وقد بلغ أحمد السُّجاعي مكانةً عالية في العلم، وكان ذلك في حياة والده، فتصدَّرَ للتدريس في مواضعه، واستمر في هذا أيضا بعد موت والده سنة 1190 هـ، وصار من أعيان العلماء، وشارك في معظم العلوم، وتميَّز بالعلوم الغريبة، وكان فقيها حافظا مُلِمًّا باللغة، وله تآليف عديدة بارعة في كثيرٍ من الفنون تشهد بعلو مكانته وسَبْقِهِ في العلم. ولم تزوِّدنا المراجع التي ترجمت له بتفصيلات كثيرة عن حياته أو أسماء تلاميذه، إلا أَنَّني تيسر لي الوقوف على اسم أحدهم، وهو الشيخ علي بن الشيخ سعد بن سعد البيسوسي السطوحي الشافعي الذي كتب رسالة ذكر فيها مؤلفات شيخه أحمد السُّجاعي.
وبعد حياة مليئة بالعطاء توفي عَلَمنا أحمد بن أحمد السُّجاعي في القاهرة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر سنة 1197 هـ، وصُلِّي عليه في الأزهر، ودُفن عند أبيه بالقرافة الكبرى بتربة المجاورين.
مؤلفاته:
كان أحمد السُّجاعي من العلماء المُبَرِّزين في كثيرٍ من فنون العلم، وله مؤلفات كثيرة تدل على ذلك، ولم يذكر مَنْ ترجم له وبخاصة الجبرتي الذي عليه المعوَّل في ترجمته إلا الشيء القليل من هذه المؤلفات، إلا أَنَّ أحد تلاميذ السُّجاعي، وهو الشيخ علي بن الشيخ سعد بن سعد البيسوسي السطوحي الشافعي كتب رسالة ترجم فيها للسُّجاعي وذكر مؤلفاته، وقد أوردها علي باشا مبارك في كتابه (الخطط التوفيقية) في أثناء ترجمته للسُّجاعي.
وأغلب مؤلفات السُّجاعي شروحٌ، وحواشٍ، ورسائلُ، ومتونٌ متنوعةٌ بين منثورٍ ومنظومٍ. وإليك هذه المؤلفات بحسب تصنيفها علميا:
علوم القرآن:
فتح رب البَرِيَّات بتفسير وخواص الآيات السبع المُنجِيَات (1) .
رسالةٌ في الرسم العثماني (2) .
__________
(1) ينظر الخطط التوفيقية 12/11، وهدية العارفين 1/180.
(2) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
منظومة في معنى الورود (1) في قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ((2) .
شرح المنظومة السابقة (3) .
الحديث:
شرح مختصر البخاري لابن أبي جمرة (695 هـ) ، المسمَّى: (جمع النهاية في بدء الخير والغاية) ، سمَّاه: (النور الساري على متن مختصر البخاري) (4) ، له نسخ خطية متعددة: منها خمس نسخ في المكتبة الأزهرية (5) ، وواحدة في كل من: مكتبة رامبور بالهند (6) ، والمكتبة الوطنية بتونس (7) ، وجامعة الملك عبد العزيز (8) ، ومكتبة مكة المكرمة (9) ، ودار الكتب المصرية (10) ، والخزانة التيمورية (11) ، ومكتبة الكونجرس.
حاشية على الجامع الصغير للسيوطي (12) .
شرح حديث (في كل أرضٍ نبيٌّ كنبيِّكم) (13) ، له نسخة خطية في خزانة تطوان بالمغرب (14) ، وأخرى في المكتبة الخديوية (15) .
شرح حديث (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) (16) ، له نسختان خطيتان في المكتبة الأزهرية (17) .
__________
(1) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
(2) سورة مريم، من الآية 71.
(3) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
(4) ينظر الخطط التوفيقية 12/10، وهدية العارفين 1/180.
(5) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 1/479 و 636.
(6) ينظر تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (الطبعة الألمانية) 2/446.
(7) ينظر فهرس مخطوطات دار الكتب الوطنية بتونس 5/8.
(8) ينظر فهرس مخطوطات جامعة الملك عبد العزيز 2/41.
(9) ينظر فهرس مخطوطات مكتبة مكة المكرمة ص 66.
(10) ينظر فهرست المخطوطات التي اقتنتها الدار 2/66.
(11) ينظر فهرس الخزانة التيمورية 2/152.
(12) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.
(13) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(14) ينظر فهرس مخطوطات خزانة تطوان 2/128.
(15) ينظر فهرس المكتبة الخديوية 1/344.
(16) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(17) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 1/529.
شرح حديث (العينان وكاء السَّهِ، فَمَنْ نامَ فَلْيَتَوَضَّأْ) (1) ، له نسخة خطية في الخزانة التيمورية (2) .
العقيدة:
الدرة الفريدة بشرح العقيدة المسماة ب (الحفيدة) ، وهو شرح لكتاب العقيدة للسنوسي (895 هـ) (3) ، له نسختان خطيتان في الأزهرية (4) ، ونسخة خطية في مركز الملك فيصل (5) ، وأخرى في مكتبة مكة المكرمة (6) .
نَظْمٌ في بيان الرسل التي في القرآن وترتيبهم (7) .
فتح المنَّان ببيان الرسل التي في القرآن (8) ، وهو شَرْحٌ للنظم السابق (9) ، له نسختان خطيتان في دار الكتب المصرية (10) ، وأخرى في الخديوية (11) ، وأخرى في الأزهرية (12) ، ونسختان في التيمورية (13) . وقد طبع هذا الشرح (14) .
رسالةٌ في استخراج عدة الأنبياء والرسل من اسم نَبِيِّه محمد ((15) .
__________
(1) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(2) ينظر فهرس الخزانة التيمورية 2/297.
(3) ينظر الخطط التوفيقية 12/10.
(4) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 3/191.
(5) ينظر فهرس مخطوطات مركز الملك فيصل، العدد 8 ص 43.
(6) ينظر فهرس مخطوطات مكتبة مكة المكرمة ص 93.
(7) ينظر الخطط التوفيقية 12/11، وإيضاح المكنون 2/174.
(8) ينظر هدية العارفين 1/180.
(9) ينظر الخطط التوفيقية 12/11، وإيضاح المكنون 2/174.
(10) ينظر فهرس دار الكتب المصرية 1/56، و 5/282.
(11) ينظر فهرس المكتبة الخديوية الجزء 7 القسم 1 ص 60.
(12) ينظر فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية 5/505.
(13) ينظر فهرس الخزانة التيمورية 1/220، وقد ذُكرت المنظومة في أول إحدى النسختين.
(14) طبع الكتاب في مصر سنة 1309 مع كتاب (مفحمات الأقران في مبهمات القرآن) للسيوطي. ينظر معجم المطبوعات العربية 1/1084 و 1007.
(15) ينظر الخطط التوفيقية 12/11.

تعليق