مَجالِي الاستصحاب عند النحاة العرب
(1) سيبويه (ت185هـ)
د. تامر عبدالحميد أنيس
الاستصحاب النحويُّ عملية عقلية يُستبقى بموجبها الشيءُ على صورته أو حُكمه، مع وجود انتقال مِن حالٍ إلى حال، وهذه العملية لم تُسَمَّ بهذا الاسم (الاستصحاب) إلا في حدود القرن السادس الهجريِّ؛ لكنها كانت حاضرةً في الفكر النحويِّ منذ بداياته، وهذا الحضور كان يَكتسي عددًا من العبارات العلمية التي تحتاج إلى تتبُّع وإبراز؛ حتى يتمكَّن الدارس مِن استجلاء الظاهرة واستبانة علاقاتها وآثارها على نحو يتَّسم بالدقة والإتقان.
وسنحاول في هذه السلسلة من المقالات تتبُّع عملية الاستصحاب تتبُّعًا تاريخيًّا، ورصد مَجالِيها - أي: مظاهرها التي تبدَّت فيها، والعبارات التي استُعمِلت في الدلالة عليها - لدى أبرز النحاة، بَدءًا بسيبوَيْهِ (ت185هـ) رحمه الله تعالى؛ إذ يُعَدُّ أقدمَ ما وصلنا من المؤلفات النحوية مع اكتماله وأثره الظاهر في خالفيه، مُعتنين ببيان العبارات الدالة عليها، وأبرز المسائل التي استُعملت فيها، وتطوُّر استعمال هذا الإجراء.
♦♦ ♦♦
تظهر عند سيبويه عملية الاستصحاب في عددٍ مِن المسائل، غير أنه لم يَستعمل في التعبير عنها مصطلح (الاستصحاب)؛ وإنما استعمل عباراتٍ أخرى، أذكرها فيما يلي موزِّعًا المسائلَ عليها:
1- عدم التغيير عن الحال:
وذلك في قوله: "هذا باب إذا حَذَفْتَ منه الهاء، وجَعَلْتَ الاسم بمنزلة ما لم تكن فيه الهاء، أبدلت حرفًا مكان الحرف الذي يلي الهاء، وإن لم تجعله بمنزلة اسمٍ ليس فيه الهاء، لم يتغير عن حاله التي كان عليها قبل أن تحذف"[1].
وقوله: "هذا باب ما إذا لحقته (لا) لم تُغَيِّره عن حاله التي كان عليها قبل أن تلحق؛ وذلك لأنها لحِقت ما قد عمِل فيه غيرها، كما أنها إذا لحِقت الأفعال التي هي بدل منها، لم تُغيرها عن حالها التي كانت عليها قبل أن تلحق"[2].
وقوله: "واعلم أنَّ ما كان فصلًا لا يُغَيِّرُ ما بعده عن حاله التي كان عليها قبل أن يذكر، وذلك قولك: حسبتُ زيدًا هو خيرًا منك، وكان عبدالله هو الظريفَ، وقال الله عزَّ وجَلَّ: ï´؟ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ï´¾ [سبأ: 6]"[3].
وقوله: "واعلم أنَّ الاسم إذا كان مَحْكِيًّا لم يُثَنَّ ولم يُجْمَع، إلّا أن تقول: كلهم تأبَّط شرًّا، وكلاهما ذَرَّى حَبًّا، لم تغيِّره عن حالِه قبل أن يكون اسمًا، ولو ثنَّيت هذا وجمعتَه لثنَّيت: "أَحَقُّ الخَيلِ بالرَّكضِ المُعارُ"[4] إذا رأيته في موضعين"[5].
وقوله: "هذا باب ما يتغيَّر في الإضافة إلى الاسم إذا جعلته اسم رجلٍ أو امرأة، وما لا يتغير إذا كان اسم رجل أو امرأة"[6].
♦♦ ♦♦
2- عدم التحريف عن الحال:
وذلك في قوله: "ولو سَمَّيْتَ رجلًا بغلامهم أو غلامهما، لم تحرِّف واحدًا منهما عن حاله قبل أن يكون اسمًا، ولتركتَه على حاله الأوَّل في كلِّ شيءٍ"[7].
♦♦ ♦♦
3- الترك على الحال:
وذلك كما في المسألة السابقة، وكقوله عند قول جرير:
يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبَا لَكُمُ ♦♦♦ لا يُلْفِيَنَّكُمُ في سَوْءَةٍ عُمَرُ[8]
وقول الشاعر:
يا زَيْدَ زَيْدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبَّلِ[9]
يقول: "قال الخليل - رحمه الله - هو مثل (لا أَبا لك)، قد علم أنه لو لم يَجئ بحرف الإضافة [10]، قال: أبا، فتركه على حاله الأولى، ولا لامَ ها هنا بمنزلة الاسم الثاني في قوله: يا تَيْمَ عَدِيٍّ"[11].
وهو بهذا يشير إلى الترك على الحال الأولى في مسألتين؛ إحداهما: إبقاء المنادى المضاف على نصبه إذا كُرِّرَ، والثانية: إبقاء اسم (لا) المضاف على نصبه إذا أُقْحِمت اللامُ بينه وبين المضاف إليه.
ومِن استعماله (الترك على الحال) أيضًا قوله: "إذا وافقت ياء الإضافة ألفًا لم تحرك الألف؛ لأنها إنْ حُرِّكت صارت ياءً، والياء لا تدخلها كسرة في هذا الموضع، فلمَّا كان تغييرهم إيَّاها يدعوهم إلى ياء أخرى وكسرة، تركوها على حالها كما تركت ياء (قاضي) إذ لم يخافوا التباسًا، وكانت أخفَّ، وأثبتوا ياء الإضافة ونصبوها؛ لأنه لا يَنجزم حرفان"[12].
وقوله: "وتقول في حَيْوَةَ: يا حَيْوَ أَقْبل، فإن رفعت الواو تركتها على حالها؛ لأنه حرف أُجري على الأصل، وجُعِل بمنزلة (غَزْو)، ولم يكن التغيير لازمًا وفيه الهاء"[13].
وقوله عن قول العرب: "لا أبا لك، ولا غلامَيْ لك، ولا مُسْلِمَيْ لك"[14]: "فلمَّا جاؤوا بلام الإضافة ترَكوا الاسم على حاله قبل أن تَجيءَ اللام؛ إذ كان المعنى واحدًا، وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثُنِّي به في النداء، ولم يُغَيِّروا الأوَّلَ عن حاله قبل أن تَجيءَ به"[15]. ويلاحظ هنا استعمال (عدم التغيير عن الحال) و(الترك على الحال) بمعنى واحد في السياق نفسه.
ويقول عن كلمة (امرئ): "فإذا سَمَّيْتَ بامرئٍ رجلًا ترَكته على حاله؛ لأنك نقلتَه من اسم إلى اسم"[16]؛ أي: تركته على حاله من كون همزته همزةَ وصلٍ.
ومن مسائل الاستصحاب التي عبَّر فيها عنه بالترك على الحال أيضًا قوله: "هذا باب الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين، فإن شئتَ تركته في الإضافة على حاله قبل أن تضيف، وإن شئتَ حذفتَ الزوائد ورددتَ ما كان له في الأصل، وذلك: ابن، واسم، واست، واثنان، واثنتان وابنة، فإذا تركتَه على حاله قلتَ: اسمِيٌّ، وابْنِيٌّ، واثْنِيٌّ في اثنين واثنتين"[17].
وقوله: "وإذا جاء شيء من هذه الأبنية [18] التي توقع الإضافة على واحدها - اسمًا لشيء واحد، ترَكته في الإضافة على حاله، ألا تراهم قالوا في (أنمار): أنمارِيٌّ؛ لأنَّ أنمارًا اسم رجل، وقالوا في (كلاب): كلابيٌّ"[19].
وقريب من هذا التعبير قوله في باب التضعيف: "وإن كان الذي قبل المسكَّن متحرِّكًا تركتَه على حركته [20]، وذلك قولك: مرتدٌّ، وأصله: مُرْتَدِد، كانت حركته أُولى فتركتَه على حركته إذ لم تُضْطرَّ إلى تحريكه"[21].
♦♦ ♦♦
4- البقاء على الحال:
وذلك في مسألة لغة من ينتظر في الترخيم، يقول سيبويه: "اعلم أنَّ الحرف الذي يلي ما حذفت ثابت على حركته التي كانت فيه قبل أن تحذف - إن كانت فتحًا، أو كسرًا، أو ضمًّا، أو وقفًا - لأنك لم تُرِد أن تجعل ما بَقِيَ من الاسم اسمًا ثابتًا في النداء وغير النداء، ولكنك حذفت حرف الإعراب تخفيفًا في هذا الموضع، وبقِي الحرف الذي يلي ما حُذِفَ على حاله؛ لأنه ليس عندهم حرفَ الإعراب، وذلك قولك في حارث: يا حارِ، وفي سلمة: يا سَلَمَ، وفي بُرْثُن: يا بُرْثُ، وفي هِرَقْل يا هِرَقْ"[22].
وقد عبَّر عن ذلك أيضًا بالثبات على الحركة.
♦♦ ♦♦
5- المجيء على الأصل:
واستعمله سيبويه في قوله: "وإنْ حذفت من اسم مُحْمَارٍّ أو مُضارٍّ، قلت: يا مُحْمارِ، ويا مُضَارِ، تجيء بالحركة التي هي له في الأصل، كأنك حذفت من (محمارِر)؛ حيث لم يجز لك أن تسكن الراء الأولى"[23].
وفي مسألة عدم إعلال (مَفْعَلَة) يقول: "وقد قال قوم في (مَفْعَلَة)، فجاؤوا بها على الأصل كما قالوا: أجْوَدْتُ، فجاؤوا بها على الأصل، وذلك قول بعضهم: "إنَّ الفكاهة لمَقْوَدَةٌ إلى الأَذى"، وهذا ليس بمطَّرد كما أنَّ (أجودت) ليس بمطردٍ"[24].
وفي باب "ما يكون (يَفْعَلُ) من (فَعَلَ) فيه مفتوحًا"[25] يقول: "وقد جاؤوا بأشياءَ من هذا الباب على الأصل، قالوا: بَرَأَ يَبْرُؤُ كما قالوا: قتَل يقتُل، وهَنَأَ يَهْنِئ، كما قالوا: ضرَب يضرِب... ومما جاء على الأصل مِما فيه هذه الحروف عينات قولهم: زأرَ يَزْئِرُ، ونأَمَ يَنْئِم من الصَّوْت، كما قالوا: هتَف يَهتِف، وقالوا: نَهَق يَنْهِقُ، ونَهَتَ يَنْهِتُ، مثل هَتَفَ يهْتِفُ"[26].
♦♦ ♦♦
6- الإجراء أو الجريان على الأصل أو الحال:
من ذلك قوله في باب ما يحتمل الشعر: "ومن العرب مَنْ يُثَقِّلُ الكلمة إذا وقَف عليها، ولا يُثقلها في الوصل، فإذا كان في الشعر فهم يُجْرُونَه في الوصل على حاله في الوقف؛ نحو: سَبْسَبَّا، وكَلْكَلَّا؛ لأنهم قد يُثقلونه في الوقف، فأثبتوه في الوصل"[27].
وقوله: "وتقول: لا غلامَ وجاريةً فيها؛ لأنَّ (لا) إنَّما تُجْعَل وما تعمل فيه اسمًا واحدًا إذا كانت إلى جَنب الاسم، فكما لا يجوز أن تفصل (خمسة) من (عشر)، كذلك لم يَستقم هذا؛ لأنه مُشبَّهٌ به، فإذا فارَقه جرى على الأصل"[28].
ويقول سيبويه عن نعت اسم (لا) المضاف: "فلمَّا صار التنوين إنما يُكَفُّ للإضافة، جرى على الأصل"[29]؛ أي: إنَّ النعت ينوَّن على الأصل؛ لأنه غير مضاف.
ويقول في موضع آخر: "هذا باب المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر، وأصله التأنيث، فإذا جئت بالأسماء التي تُبَيَّنُ بها العدةُ، أَجريت الباب على التأنيث في التثليث إلى تِسْعَ عشرةَ، وذلك قولك: له ثلاث شياهٍ ذكور، وله ثلاثٌ من الشاء، فأَجريتَ ذلك على الأصل؛ لأنَّ الشاء أصله التأنيث، وإن وقعت على المذكر"[30].
ويقول في باب التضعيف: "أما ما كانت عينه ولامه من موضع واحدٍ، فإذا تحرَّكت اللام منه وهو فِعْلٌ ألزَموه الإدغام، وأسكنوا العين، فهذا مُتْلَئِبٌّ في لغة تميم، وأهل الحجاز، فإن أسكنت اللام فإنَّ أهلَ الحجاز يُجرونه على الأصل؛ لأنه لا يُسَكَّن حرفان"[31].
♦♦ ♦♦
(1) سيبويه (ت185هـ)
د. تامر عبدالحميد أنيس
الاستصحاب النحويُّ عملية عقلية يُستبقى بموجبها الشيءُ على صورته أو حُكمه، مع وجود انتقال مِن حالٍ إلى حال، وهذه العملية لم تُسَمَّ بهذا الاسم (الاستصحاب) إلا في حدود القرن السادس الهجريِّ؛ لكنها كانت حاضرةً في الفكر النحويِّ منذ بداياته، وهذا الحضور كان يَكتسي عددًا من العبارات العلمية التي تحتاج إلى تتبُّع وإبراز؛ حتى يتمكَّن الدارس مِن استجلاء الظاهرة واستبانة علاقاتها وآثارها على نحو يتَّسم بالدقة والإتقان.
وسنحاول في هذه السلسلة من المقالات تتبُّع عملية الاستصحاب تتبُّعًا تاريخيًّا، ورصد مَجالِيها - أي: مظاهرها التي تبدَّت فيها، والعبارات التي استُعمِلت في الدلالة عليها - لدى أبرز النحاة، بَدءًا بسيبوَيْهِ (ت185هـ) رحمه الله تعالى؛ إذ يُعَدُّ أقدمَ ما وصلنا من المؤلفات النحوية مع اكتماله وأثره الظاهر في خالفيه، مُعتنين ببيان العبارات الدالة عليها، وأبرز المسائل التي استُعملت فيها، وتطوُّر استعمال هذا الإجراء.
♦♦ ♦♦
تظهر عند سيبويه عملية الاستصحاب في عددٍ مِن المسائل، غير أنه لم يَستعمل في التعبير عنها مصطلح (الاستصحاب)؛ وإنما استعمل عباراتٍ أخرى، أذكرها فيما يلي موزِّعًا المسائلَ عليها:
1- عدم التغيير عن الحال:
وذلك في قوله: "هذا باب إذا حَذَفْتَ منه الهاء، وجَعَلْتَ الاسم بمنزلة ما لم تكن فيه الهاء، أبدلت حرفًا مكان الحرف الذي يلي الهاء، وإن لم تجعله بمنزلة اسمٍ ليس فيه الهاء، لم يتغير عن حاله التي كان عليها قبل أن تحذف"[1].
وقوله: "هذا باب ما إذا لحقته (لا) لم تُغَيِّره عن حاله التي كان عليها قبل أن تلحق؛ وذلك لأنها لحِقت ما قد عمِل فيه غيرها، كما أنها إذا لحِقت الأفعال التي هي بدل منها، لم تُغيرها عن حالها التي كانت عليها قبل أن تلحق"[2].
وقوله: "واعلم أنَّ ما كان فصلًا لا يُغَيِّرُ ما بعده عن حاله التي كان عليها قبل أن يذكر، وذلك قولك: حسبتُ زيدًا هو خيرًا منك، وكان عبدالله هو الظريفَ، وقال الله عزَّ وجَلَّ: ï´؟ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ï´¾ [سبأ: 6]"[3].
وقوله: "واعلم أنَّ الاسم إذا كان مَحْكِيًّا لم يُثَنَّ ولم يُجْمَع، إلّا أن تقول: كلهم تأبَّط شرًّا، وكلاهما ذَرَّى حَبًّا، لم تغيِّره عن حالِه قبل أن يكون اسمًا، ولو ثنَّيت هذا وجمعتَه لثنَّيت: "أَحَقُّ الخَيلِ بالرَّكضِ المُعارُ"[4] إذا رأيته في موضعين"[5].
وقوله: "هذا باب ما يتغيَّر في الإضافة إلى الاسم إذا جعلته اسم رجلٍ أو امرأة، وما لا يتغير إذا كان اسم رجل أو امرأة"[6].
♦♦ ♦♦
2- عدم التحريف عن الحال:
وذلك في قوله: "ولو سَمَّيْتَ رجلًا بغلامهم أو غلامهما، لم تحرِّف واحدًا منهما عن حاله قبل أن يكون اسمًا، ولتركتَه على حاله الأوَّل في كلِّ شيءٍ"[7].
♦♦ ♦♦
3- الترك على الحال:
وذلك كما في المسألة السابقة، وكقوله عند قول جرير:
يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبَا لَكُمُ ♦♦♦ لا يُلْفِيَنَّكُمُ في سَوْءَةٍ عُمَرُ[8]
وقول الشاعر:
يا زَيْدَ زَيْدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبَّلِ[9]
يقول: "قال الخليل - رحمه الله - هو مثل (لا أَبا لك)، قد علم أنه لو لم يَجئ بحرف الإضافة [10]، قال: أبا، فتركه على حاله الأولى، ولا لامَ ها هنا بمنزلة الاسم الثاني في قوله: يا تَيْمَ عَدِيٍّ"[11].
وهو بهذا يشير إلى الترك على الحال الأولى في مسألتين؛ إحداهما: إبقاء المنادى المضاف على نصبه إذا كُرِّرَ، والثانية: إبقاء اسم (لا) المضاف على نصبه إذا أُقْحِمت اللامُ بينه وبين المضاف إليه.
ومِن استعماله (الترك على الحال) أيضًا قوله: "إذا وافقت ياء الإضافة ألفًا لم تحرك الألف؛ لأنها إنْ حُرِّكت صارت ياءً، والياء لا تدخلها كسرة في هذا الموضع، فلمَّا كان تغييرهم إيَّاها يدعوهم إلى ياء أخرى وكسرة، تركوها على حالها كما تركت ياء (قاضي) إذ لم يخافوا التباسًا، وكانت أخفَّ، وأثبتوا ياء الإضافة ونصبوها؛ لأنه لا يَنجزم حرفان"[12].
وقوله: "وتقول في حَيْوَةَ: يا حَيْوَ أَقْبل، فإن رفعت الواو تركتها على حالها؛ لأنه حرف أُجري على الأصل، وجُعِل بمنزلة (غَزْو)، ولم يكن التغيير لازمًا وفيه الهاء"[13].
وقوله عن قول العرب: "لا أبا لك، ولا غلامَيْ لك، ولا مُسْلِمَيْ لك"[14]: "فلمَّا جاؤوا بلام الإضافة ترَكوا الاسم على حاله قبل أن تَجيءَ اللام؛ إذ كان المعنى واحدًا، وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثُنِّي به في النداء، ولم يُغَيِّروا الأوَّلَ عن حاله قبل أن تَجيءَ به"[15]. ويلاحظ هنا استعمال (عدم التغيير عن الحال) و(الترك على الحال) بمعنى واحد في السياق نفسه.
ويقول عن كلمة (امرئ): "فإذا سَمَّيْتَ بامرئٍ رجلًا ترَكته على حاله؛ لأنك نقلتَه من اسم إلى اسم"[16]؛ أي: تركته على حاله من كون همزته همزةَ وصلٍ.
ومن مسائل الاستصحاب التي عبَّر فيها عنه بالترك على الحال أيضًا قوله: "هذا باب الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين، فإن شئتَ تركته في الإضافة على حاله قبل أن تضيف، وإن شئتَ حذفتَ الزوائد ورددتَ ما كان له في الأصل، وذلك: ابن، واسم، واست، واثنان، واثنتان وابنة، فإذا تركتَه على حاله قلتَ: اسمِيٌّ، وابْنِيٌّ، واثْنِيٌّ في اثنين واثنتين"[17].
وقوله: "وإذا جاء شيء من هذه الأبنية [18] التي توقع الإضافة على واحدها - اسمًا لشيء واحد، ترَكته في الإضافة على حاله، ألا تراهم قالوا في (أنمار): أنمارِيٌّ؛ لأنَّ أنمارًا اسم رجل، وقالوا في (كلاب): كلابيٌّ"[19].
وقريب من هذا التعبير قوله في باب التضعيف: "وإن كان الذي قبل المسكَّن متحرِّكًا تركتَه على حركته [20]، وذلك قولك: مرتدٌّ، وأصله: مُرْتَدِد، كانت حركته أُولى فتركتَه على حركته إذ لم تُضْطرَّ إلى تحريكه"[21].
♦♦ ♦♦
4- البقاء على الحال:
وذلك في مسألة لغة من ينتظر في الترخيم، يقول سيبويه: "اعلم أنَّ الحرف الذي يلي ما حذفت ثابت على حركته التي كانت فيه قبل أن تحذف - إن كانت فتحًا، أو كسرًا، أو ضمًّا، أو وقفًا - لأنك لم تُرِد أن تجعل ما بَقِيَ من الاسم اسمًا ثابتًا في النداء وغير النداء، ولكنك حذفت حرف الإعراب تخفيفًا في هذا الموضع، وبقِي الحرف الذي يلي ما حُذِفَ على حاله؛ لأنه ليس عندهم حرفَ الإعراب، وذلك قولك في حارث: يا حارِ، وفي سلمة: يا سَلَمَ، وفي بُرْثُن: يا بُرْثُ، وفي هِرَقْل يا هِرَقْ"[22].
وقد عبَّر عن ذلك أيضًا بالثبات على الحركة.
♦♦ ♦♦
5- المجيء على الأصل:
واستعمله سيبويه في قوله: "وإنْ حذفت من اسم مُحْمَارٍّ أو مُضارٍّ، قلت: يا مُحْمارِ، ويا مُضَارِ، تجيء بالحركة التي هي له في الأصل، كأنك حذفت من (محمارِر)؛ حيث لم يجز لك أن تسكن الراء الأولى"[23].
وفي مسألة عدم إعلال (مَفْعَلَة) يقول: "وقد قال قوم في (مَفْعَلَة)، فجاؤوا بها على الأصل كما قالوا: أجْوَدْتُ، فجاؤوا بها على الأصل، وذلك قول بعضهم: "إنَّ الفكاهة لمَقْوَدَةٌ إلى الأَذى"، وهذا ليس بمطَّرد كما أنَّ (أجودت) ليس بمطردٍ"[24].
وفي باب "ما يكون (يَفْعَلُ) من (فَعَلَ) فيه مفتوحًا"[25] يقول: "وقد جاؤوا بأشياءَ من هذا الباب على الأصل، قالوا: بَرَأَ يَبْرُؤُ كما قالوا: قتَل يقتُل، وهَنَأَ يَهْنِئ، كما قالوا: ضرَب يضرِب... ومما جاء على الأصل مِما فيه هذه الحروف عينات قولهم: زأرَ يَزْئِرُ، ونأَمَ يَنْئِم من الصَّوْت، كما قالوا: هتَف يَهتِف، وقالوا: نَهَق يَنْهِقُ، ونَهَتَ يَنْهِتُ، مثل هَتَفَ يهْتِفُ"[26].
♦♦ ♦♦
6- الإجراء أو الجريان على الأصل أو الحال:
من ذلك قوله في باب ما يحتمل الشعر: "ومن العرب مَنْ يُثَقِّلُ الكلمة إذا وقَف عليها، ولا يُثقلها في الوصل، فإذا كان في الشعر فهم يُجْرُونَه في الوصل على حاله في الوقف؛ نحو: سَبْسَبَّا، وكَلْكَلَّا؛ لأنهم قد يُثقلونه في الوقف، فأثبتوه في الوصل"[27].
وقوله: "وتقول: لا غلامَ وجاريةً فيها؛ لأنَّ (لا) إنَّما تُجْعَل وما تعمل فيه اسمًا واحدًا إذا كانت إلى جَنب الاسم، فكما لا يجوز أن تفصل (خمسة) من (عشر)، كذلك لم يَستقم هذا؛ لأنه مُشبَّهٌ به، فإذا فارَقه جرى على الأصل"[28].
ويقول سيبويه عن نعت اسم (لا) المضاف: "فلمَّا صار التنوين إنما يُكَفُّ للإضافة، جرى على الأصل"[29]؛ أي: إنَّ النعت ينوَّن على الأصل؛ لأنه غير مضاف.
ويقول في موضع آخر: "هذا باب المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر، وأصله التأنيث، فإذا جئت بالأسماء التي تُبَيَّنُ بها العدةُ، أَجريت الباب على التأنيث في التثليث إلى تِسْعَ عشرةَ، وذلك قولك: له ثلاث شياهٍ ذكور، وله ثلاثٌ من الشاء، فأَجريتَ ذلك على الأصل؛ لأنَّ الشاء أصله التأنيث، وإن وقعت على المذكر"[30].
ويقول في باب التضعيف: "أما ما كانت عينه ولامه من موضع واحدٍ، فإذا تحرَّكت اللام منه وهو فِعْلٌ ألزَموه الإدغام، وأسكنوا العين، فهذا مُتْلَئِبٌّ في لغة تميم، وأهل الحجاز، فإن أسكنت اللام فإنَّ أهلَ الحجاز يُجرونه على الأصل؛ لأنه لا يُسَكَّن حرفان"[31].
♦♦ ♦♦

تعليق