حروف المعاني المركَّبة وأثر التركيب فيها
د. فائزة بنت عمر المؤيَّد
أستاذ النحو والصرف المشارك بقسم اللغة العربية وآدابها
في كليَّة الآداب للبنات بالدَّمام
ملخص البحث
لقد قسَّم النحاة (الحرف) تقسيماتٍ عدَّة؛ فمنهم من قسَّمه إلى: أحادي وثنائي وثلاثي ورباعي وخماسي، وذلك كما فعل " المرادي " في " الجنى "، ومنهم من قسَّمه إلى: محض وهو الذي لا يقع في الكلام إلاَّ حرفاً، ومشترَك وهو المشارك للأسماء أو الأفعال أو كليهما، وذلك كما فعل " الإربلي " في " جواهر الأدب "، ومنهم من قسَّمه إلى: عامل لاغير، وغير عامل لاغير، وعامل وغير عامل، وذلك كما فعل " المالقي " في " رصف المباني ".
أمَّا تقسيمه إلى: بسيط ومركَّب فلم يقسِّمه هذا التقسيم حسب علمي إلاَّ أبو حيَّان في " ارتشاف الضرب "، وما ذلك إلاَّ لأنَّ التركيب على خلاف الأصل، ولذا ستنقِّب هذه الدراسة عن الحروف المركَّبة والقائلين بتركيبها حتى لو كان القائل واحداً من النحاة.
الحرف في اللغة هو: الطَرَف والجانب، فحرف كلِّ شيءٍ ناحيته، كحرف الجبل والنهر والسيف، وحرفُ السفينة جانب شقِّها، وحرفا الرأس شقَّاه (1) ، ولذا سمَّى النحاة ما يأتي في طرف الكلام "حرفا " (2) .
والحروف (3) منها ما هو (بسيط) وهو الأصل، ومنها ما هو (مركَّب) وهو الفرع (4) ، يقول ابن يعيش (5) : (المركَّب فرعٌ على الواحد وثانٍ له؛ لأنَّ البسيط قبل المركَّب) (6) ، والتركيب يكون في جزأين لا أكثر (7) ، وهو عبارة عن (جمع الحروف البسيطة ونظمها لتكون كلمة) (8) .
ومن اللاَّفت للنظر أنَّ الحروف الدالة على معانٍ إذا زيد منها حرفٌ إلى حرف، وضُمَّ إليه دلَّت بالضمِّ على معنًى آخر لم يدلَّ عليه واحدٌ منهما قبل الضم (9) .
ولتوضيح هذا سوف تتبع هذه الدراسة بتوفيق الله أشهرَ حروف المعاني التي تركَّبت مع غيرها، وأدَّت معنًى جديدا لم تكن لتؤدِّيه قبل التركيب، كما ستتناول الأمور الأخرى التي يحدثها التركيب في هذه الحروف عدا تغيير
معانيها، وستعرِّج على الخلاف الذي دار بين النحاة حول تركيب بعض هذه الحروف؛ بما يوضِّح حجة القائلين بتركيبه، ورأي المخالفين له وحجتهم ... وهذه الحروف هي:
الحرف الأول: حرف التنبيه والاستفتاح (10) (ألا)
وهو مركَّبٌ (11) من "همزة" الاستفهام الدالة على الإنكار وحرف النفي "لا "، وبما أنَّ الإنكار ما هو إلَّا نفي، ونفي النفي إثبات، لذا أفاد هذا الحرف بعد تركيبه التوكيد والتحقيق (12) ، يقول ابن هشام (13) : (وإفادتها التحقيق من جهة تركيبها من "الهمزة" و" لا "، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق) (14) ويستدلُّ الزمخشري (15) على إفادتها التحقيق بتصدر الجملة بعدها بما تتصدر به جملة القسم؛ يقول: (ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مُصدَّرة بنحو ما يتلقى به القسم) (16) ، أمَّا عن معنى التوكيد الذي دلَّت عليه " ألا " فيبيِّن منشأه الإسفراييني (17) بقوله: (ولعلَّ التأكيد نشأ من الاهتمام المستفاد من ذكرها بشأن الكلام؛ حيث أُزيلت غفلةُ السامع بها قبل ذكره) (18) .
و (ألا) هذه تختلف عن (ألا) التي للعرض في نحو قوله تعالى:
{أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور 22]
فحرف العرض هذا لو حُذِف لتغيَّر المعنى (19) ، وهو مختصٌّ بالأفعال (20) ، أمَّا حرف التنبيه (ألا) فإنَّه يكون في الكلام كالحرف الزائد، يقول الهروي (21) : (تكون " ألا " تنبيها وافتتاحا للكلام، وتدخل على كلامٍ مكتفٍ بنفسه) (22) ، والدليل على ذلك جواز دخوله على (لا) أخرى؛ في نحو قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ عَلينا فنجهلُ فوقَ جهلِ الجاهِليِنا (23)
ولذا دخلت " ألا " على الجملة خبريةً كانت أو طلبية سواء أكانت الطلبية أمراً أم نهياً أم استفهاماً أم تمنياً أم غير ذلك (24) ، فيليها الاسم؛ في نحو قوله تعالى:
{أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} [هود 8]
ويليها الفعل؛ في نحو قول زهير:
ألا أبلغِ الأحلافَ عنِّي رِسَالةً وذُبيَانَ هَلْ أقْسَمتُم كلَّ مُقسَمِ (25)
ويليها الحرف؛ في نحو قوله تعالى:
{أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس 62]
ويكثر مجيء النداء بعدها (26) ؛ كقول الشمَّاخ:
ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنْجالِ وقبلَ منَايا قدْ حَضَرْنَ وآجالِ (27) .
الحرف الثاني: حرف الجواب (بلى).
وهو مكوَّنٌ من حرف العطف "بل" و "الألف" الزائدة، وإنَّما تركَّب مع "الألف" لأنَّه حرف جواب، وحقُّ حروف الجواب أن يوقفَ عليها؛ لأنَّها (نائبة عن جملة) (28) ، ولمَّا لم يمكن الوقوف على "بل" لأنَّه حرف عطف، وحروف العطف لا يوقف عليها، تركَّب مع "الألف" للوقف (29) ، هذا رأي الفراء (30) ووافقه ابن فارس (31) ، ويستدلان على ذلك باستعمال العرب لهذا الحرف بعد النفي ليبطله، وكأنَّه رجوعٌ عنه كما أنَّ "بل" قد استعملته العرب "للإضراب" الذي هو: الإعراض والصرف والعدل (32) ، وكلُّها تؤدي معنى الرجوع، يقول الفراء: (أصلها كان رجوعاً محضاً عن الجحد إذا قالوا: ما قال عبد الله بل زيد، فكانت "بل" كلمة عطفٍ ورجوعٍ لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا فيها ألفاً يصلح فيها الوقوف عليه، ويكون رجوعاً عن الجحد فقط، وإقراراً بالفعل الذي بعد الجحد، فقالوا "بلى" فدلَّت على معنى الإقرار والإنعام، ودلَّ لفظ "بل" على الرجوع عن الجحد فقط) (33) ويوضِّح ابن فارس المهمة التي قامت بها "الألف" سوى أنها زيدت لكي يوقف عليها بقوله: (تقول: بلى، والمعنى أنَّها "بل" وُصِلت بها ألفٌ تكون دليلا على كلام، يقول القائل: أما خرج زيد؟ فتقول: بلى، ف "بل" رجوعٌ عن جحد، و "الألف" دلالةُ كلام، كأنَّك قلت: بل خرج زيد) (34) ، وهذا من أثر التركيب على هذا الحرف.
الحرف الثالث: حرف التشبيه (كأنَّ)
وقد عدَّ ابن جني (35) تركيبَ هذا الحرف من صور إصلاح اللفظ التي عقد لها بابا في كتابه " الخصائص" أسماه (بابٌ: في إصلاح اللفظ) ، يقول: (ومن إصلاح اللفظ قولهم: كأنَّ زيدا عمرو، اعلم أنَّ أصل هذا الكلام: زيد كعمرو، ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه "إنَّ" فقالوا إنَّ زيدا كعمرو، ثم إنهم بالغوا في توكيد التشبيه فقدَّموا حرفه إلى أول الكلام عنايةً به، وإعلاماً أنَّ عقد الكلام عليه، فلمَّا تقدَّمت الكاف وهي جارة لم يجز أن تباشر "إنَّ" لأنَّها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل، فوجب لذلك فتحها، فقالوا: كأنَّ زيدا عمرو) (36) .
وبعد أن تقدَّمت (الكاف) وتركَّبت مع (إنَّ) استغنت عمَّا كانت تتعلَّق به (37) ، فلم تعدْ تتعلَّق بشيء، وهذا أوَّل تغييرٍحصل لها بسبب "التركيب" أمَّا التغيير الآخر: فإنَّ معنى التشبيه الذي كانت تؤدِّيه اختلف! ويوضِّح هذا الاختلاف ابن يعيش بقوله: (فإن قيل: فما الفرق بين الأصل والفرع في "كأنَّ "؟ - قيل: التشبيه في الفرع أقعد منه في الأصل؛ وذلك إذا قلت: زيد كالأسد، فقد بنيت كلامك على اليقين ثم طرأ التشبيه بعدُ، فسرى من الآخِر إلى الأول، وليس كذلك في الفرع الذي هو قولك: كأنَّ زيداً أسد؛ لأنَّك بنيت كلامك من أوله على التشبيه) (38) ، ويؤكِّد ابن جني الرأيَ القائل بأنَّ هذا التغيير سببه "التركيب" بقوله: (فهذا يدلُّك على أنَّ الشيئين إذا خُلطا حدث لهما حكمٌ ومعنى لم يكن لهما قبل أن يمتزجا) (39) .
الحرف الرابع: حرف الاستدراك (لكنَّ)
وهو حرفٌ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر؛ لأنَّه كغيره من الحروف الناسخة قد أشبه الفعل في لفظه ومعناه (40) ، وبهذا علَّل النحاة إعمال هذا الحرف إلاَّ الفراء فقد ردَّ سببَ إعماله إلى مسألة "التركيب"؛ يقول: (وإنَّما نصبتْ العرب بها إذا شُدِّدت نونها لأنَّ أصلها: إنَّ عبدَ الله قائم، فزيدت على (إنَّ) لامٌ وكاف فصارتا جميعا حرفا واحدا، ألا ترى أنَّ الشاعر قال: ولكنَّني من حبِّها لكميد فلم تدخل اللامُ إلاَّ لأنَّ معناها "إنَّ") (41) .
ولو وافقناه على رأيه (42) ، وقلنا إنَّ أصل هذا الحرف (إن َّ) التوكيدية قد تركَّبت مع "اللام" و" الكاف" الزائدتين، فماذا أحدث هذا التركيب ل " إنَّ" من تغيير؟ لقد أزال معنى " التوكيد" عنها تماماً، وأصبحت تدلُّ على معنًى لم يكن لها أبداً، وهو معنى "الاستدراك" الذي يُعرِّفه ابن هشام بقوله:
(هو تعقيب الكلام برفع ما توهِّم ثبوته) (43) ، ويقول الإسفراييني: (لأنَّها إنَّما يؤتىبها إذا توهِّم خلاف مضمون جملتها من سابقها؛ فإن قلت: زيد قائم، وتوهِّم منه أنَّ "عمرا " أيضا قائم تستدرك ذلك، فتقول: لكنَّ عمراً لم يقم) (44) ، ولاشكّ أنَّ هذا المعنى لم تكن لتؤديه " إنَّ" لو لم تركَّب.
الحرف الخامس: حرف الجزم (لمَّا)
وهو مركَّبٌ من (لم) الجازمة و (ما) الزائدة (45) ، وإنَّما تركَّبتا لتؤديا معاً معانيَ لا تؤدِّيها (لم) وهي مفردة بسيطة؛ وذلك لأنَّ (لم) وإن كانت تجزم الفعل المضارع وتقلب زمنه إلى الماضي وتنفي حدوثه (46) مثل (لمَّا) ، إلَّا إنَّ النفي بها يختلف (47) عن النفي ب (لمَّا) ، ويوضِّح ابن يعيش الفرق بين نفي الاثنين فيقول: ("لمَّا " نفيا لقولهم: قد فعل، وذلك أنَّك تقول "قام " فيصلح ذلك لجميع ما تقدمك من الأزمنة، ونفيه " لم يقم "، فإذا قلت " قد قام " فيكون ذلك إثباتا لقيامه في أقرب الأزمنة الماضية إلى زمن الوجود، ولذلك صلُح أن يكون حالا … ونفيُ ذلك "لمَّا يقم " زدت على النافي وهو "لم" "ما" كما زدت في الواجب حرفا وهو "قد" لأنَّهما للحال) (48) ، ولمَّا ناظرتْ (لمَّا) (قد) أُعطيت ما أعطيته (قد) من جواز حذف الفعل بعدها إذا دلَّ عليه دليل، يقول المالقي (49) : (يجوز الوقف عليها، فتقول: شارف زيدٌ المدينةَ ولمَّا، وتريد: يدخلها، فحذفتَ الفعل للدلالة عليه، وكأنَّ " ما " عوضٌ منه، وذلك لمناظرتها ل "قد" إذ يجوز الوقف عليها دون الفعل، نحو قوله: … لمَّا تزُلْ برحالنا وكأنْ قَدِ، أي: زالت) (50) وهذا لا يجوز في (لم) إلاَّ في الضرورة (51) ، ويعلِّل الفارسي (52) استحسان ذلك مع (لمَّا) دون (لم) بقوله: (وإنَّما حسُن أن تحذف الفعل بعد " لمَّا " ولم يحسن ذلك في "لم"؛ لأنَّهم لمَّا استعملوها " ظرفا " في قولهم: لمَّا جئتَ جئتُ، وقعت موقع الأسماء فأشبهتها، فلما أشبهتها حسُن أن لا يقع الفعل بعدها، ولم يحسن ذلك في " لم " وأخواتها لأنَّها لم تقع في مواقع الأسماء فلم تشبهها) (53) ، وهو بهذا يشير إلى التغيير الآخر الذي أحدثه التركيب في (لمَّا) وهو انتقالها من "الحرفية " إلى " الاسمية "؛ حيث عدَّها ظرفا بمعنى "حين " (54) وبهذا التغيير حصل لها تغيرٌ (في اللفظ والمعنى؛ فأمَّا التغيير في المعنى فكانت نافية فصارت موجبة، وأمَّا التغيير في اللفظ فكانت تدخل على المضارع فصارت تدخل على الماضي) (55) بل وأصبحت متضمِّنة معنى الشرط ولذا اقتضت جوابا، نحو: لمَّا جئتني أكرمتك، قال الله تعالى:
{إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ} [يونس 98]
وتفارق (لمَّا) (لم) في شيءٍ آخر، وهو أنَّها تأتي بمعنى (إلاَّ) وتقع موقعها، كما في قولهم: نشدتك الله لمَّا فعلت، أي: إلَّا فعلت (56) ، وكقوله تعالى:
{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق 14]
وعندها تدخل على الجملة الاسمية وعلى الفعل الماضي لفظا لا معنى، وهذا كلُّه من أثر التركيب.
الحرف السادس: حرف النصب (لن)
والذي قال بتركيبه الخليل (57) رحمه الله فقد كان يرى أنَّه مركَّب من (لا) النافية و (أن) الناصبة للفعل المستقبل؛ وذلك لأنَّه رآه ينفي كنفي (لا) وينصب الفعلَ المستقبل كنصب (أنْ) له، ثم خُفِّفت الهمزة بالحذف فصار (لانْ) فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين (58) ، أي قد صُنِع به ما صنعه القاريء (59) عندما قرأ قولَ الله عز وجل:
{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة 203]
حيث قرأها: {فَلَثْمَ عليه} (60) ، بحذف همزة (إثم) وألف (لا) .
أمَّا سيبويه (61) فقد ردَّ رأي الخليل هذا؛ لأنَّه قد لاحظ أنَّ معمول الفعل بعد (لن) قد يتقدم عليها في نحو: زيداً لن أضرب، وقال: (ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أمَّا زيداً فلن أضرب؛ لأنَّ هذا اسم والفعل صلة) (62) يريد أنَّه لو كانت (لن) مركَّبة من (أنْ) و (لا) لكان الفعل بعدها صلة الموصول الحرفي (63) (أنْ) ، ولمَّا جاز أن يتقدم معموله عليه؛ لأنَّ (أنْ لا يتقدم عليها ما في حيِّزها) (64) فلما جاز ذلك انتقض كون (لن) مركَّبة.
وقد اعتذر الأنباري (65) عن الخليل بأنَّ (الحروف إذا رُكِّبت تغيَّر حكمها بعد التركيب، عمَّا كانت عليه قبل التركيب) (66) ، ويستدلُّ على ذلك بحرف الاستفهام "هل " فإنَّه لا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لكنَّها إذا رُكِّبت مع (لا) ، ودخلها معنى التحضيض جاز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيقال: زيداً هلاَّ أكرمت (67) .
فإذا صحَّت دعوى تركيب (لن) من: (لا) و (أنْ) فواضحٌ جدًّا الفرقُ بين معنى (لن) ومعنى (أن) ؛ ف (أن) تدلُّ على إمكان الفعل دون الوجوب والاستحالة، و (لن) تنفي معنى الإمكان الذي دلَّت عليه (أنْ) (68) .
أمَّا عن الفرق بين النفي ب (لا) والنفي ب (لن) فخير مَن وضَّحه السُهيلي (69) حيث يقول: (ومن خواصها أنَّها تنفي ما قرب، لا يمتدُّ معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف " لا " إذا قلت: لا يقوم زيد أبدا، وقد قدَّمنا أنَّ الألفاظ مشاكلة للمعاني التي هي أرواحها … فحرف " لا " لامٌ بعدها ألف، يمتدُّ بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و " لن " بعكس ذلك) (70) ، ولا شكَّ أنَّ هذا الفرق الدقيق بينهما قد أحدثه التركيب.
الحرف السابع: حروف التحضيض (ألاّ) ً و (هلا) ًّ و (لولا) و (لوما) (71) .
فهذه الحروف جميعها مركَّبة؛ ف " ألاًّ " مركَّبة من " أنْ " المصدرية أو المفسِّرة التي بمعنى: أي (72) ، في نحو قوله تعالى:
{وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا} [ص 6]
معناه: أي امشوا، و " لا " النافية، فقُلبت النون لاماً وأُدغمت.
و" هلاَّ " مركَّبة من " هل " الاستفهامية و " لا " النافية (73) .
و" لولا " مركَّبة من " لو " الامتناعية و " لا " النافية (74) .
د. فائزة بنت عمر المؤيَّد
أستاذ النحو والصرف المشارك بقسم اللغة العربية وآدابها
في كليَّة الآداب للبنات بالدَّمام
ملخص البحث
لقد قسَّم النحاة (الحرف) تقسيماتٍ عدَّة؛ فمنهم من قسَّمه إلى: أحادي وثنائي وثلاثي ورباعي وخماسي، وذلك كما فعل " المرادي " في " الجنى "، ومنهم من قسَّمه إلى: محض وهو الذي لا يقع في الكلام إلاَّ حرفاً، ومشترَك وهو المشارك للأسماء أو الأفعال أو كليهما، وذلك كما فعل " الإربلي " في " جواهر الأدب "، ومنهم من قسَّمه إلى: عامل لاغير، وغير عامل لاغير، وعامل وغير عامل، وذلك كما فعل " المالقي " في " رصف المباني ".
أمَّا تقسيمه إلى: بسيط ومركَّب فلم يقسِّمه هذا التقسيم حسب علمي إلاَّ أبو حيَّان في " ارتشاف الضرب "، وما ذلك إلاَّ لأنَّ التركيب على خلاف الأصل، ولذا ستنقِّب هذه الدراسة عن الحروف المركَّبة والقائلين بتركيبها حتى لو كان القائل واحداً من النحاة.
الحرف في اللغة هو: الطَرَف والجانب، فحرف كلِّ شيءٍ ناحيته، كحرف الجبل والنهر والسيف، وحرفُ السفينة جانب شقِّها، وحرفا الرأس شقَّاه (1) ، ولذا سمَّى النحاة ما يأتي في طرف الكلام "حرفا " (2) .
والحروف (3) منها ما هو (بسيط) وهو الأصل، ومنها ما هو (مركَّب) وهو الفرع (4) ، يقول ابن يعيش (5) : (المركَّب فرعٌ على الواحد وثانٍ له؛ لأنَّ البسيط قبل المركَّب) (6) ، والتركيب يكون في جزأين لا أكثر (7) ، وهو عبارة عن (جمع الحروف البسيطة ونظمها لتكون كلمة) (8) .
ومن اللاَّفت للنظر أنَّ الحروف الدالة على معانٍ إذا زيد منها حرفٌ إلى حرف، وضُمَّ إليه دلَّت بالضمِّ على معنًى آخر لم يدلَّ عليه واحدٌ منهما قبل الضم (9) .
ولتوضيح هذا سوف تتبع هذه الدراسة بتوفيق الله أشهرَ حروف المعاني التي تركَّبت مع غيرها، وأدَّت معنًى جديدا لم تكن لتؤدِّيه قبل التركيب، كما ستتناول الأمور الأخرى التي يحدثها التركيب في هذه الحروف عدا تغيير
معانيها، وستعرِّج على الخلاف الذي دار بين النحاة حول تركيب بعض هذه الحروف؛ بما يوضِّح حجة القائلين بتركيبه، ورأي المخالفين له وحجتهم ... وهذه الحروف هي:
الحرف الأول: حرف التنبيه والاستفتاح (10) (ألا)
وهو مركَّبٌ (11) من "همزة" الاستفهام الدالة على الإنكار وحرف النفي "لا "، وبما أنَّ الإنكار ما هو إلَّا نفي، ونفي النفي إثبات، لذا أفاد هذا الحرف بعد تركيبه التوكيد والتحقيق (12) ، يقول ابن هشام (13) : (وإفادتها التحقيق من جهة تركيبها من "الهمزة" و" لا "، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق) (14) ويستدلُّ الزمخشري (15) على إفادتها التحقيق بتصدر الجملة بعدها بما تتصدر به جملة القسم؛ يقول: (ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مُصدَّرة بنحو ما يتلقى به القسم) (16) ، أمَّا عن معنى التوكيد الذي دلَّت عليه " ألا " فيبيِّن منشأه الإسفراييني (17) بقوله: (ولعلَّ التأكيد نشأ من الاهتمام المستفاد من ذكرها بشأن الكلام؛ حيث أُزيلت غفلةُ السامع بها قبل ذكره) (18) .
و (ألا) هذه تختلف عن (ألا) التي للعرض في نحو قوله تعالى:
{أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور 22]
فحرف العرض هذا لو حُذِف لتغيَّر المعنى (19) ، وهو مختصٌّ بالأفعال (20) ، أمَّا حرف التنبيه (ألا) فإنَّه يكون في الكلام كالحرف الزائد، يقول الهروي (21) : (تكون " ألا " تنبيها وافتتاحا للكلام، وتدخل على كلامٍ مكتفٍ بنفسه) (22) ، والدليل على ذلك جواز دخوله على (لا) أخرى؛ في نحو قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ عَلينا فنجهلُ فوقَ جهلِ الجاهِليِنا (23)
ولذا دخلت " ألا " على الجملة خبريةً كانت أو طلبية سواء أكانت الطلبية أمراً أم نهياً أم استفهاماً أم تمنياً أم غير ذلك (24) ، فيليها الاسم؛ في نحو قوله تعالى:
{أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} [هود 8]
ويليها الفعل؛ في نحو قول زهير:
ألا أبلغِ الأحلافَ عنِّي رِسَالةً وذُبيَانَ هَلْ أقْسَمتُم كلَّ مُقسَمِ (25)
ويليها الحرف؛ في نحو قوله تعالى:
{أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس 62]
ويكثر مجيء النداء بعدها (26) ؛ كقول الشمَّاخ:
ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنْجالِ وقبلَ منَايا قدْ حَضَرْنَ وآجالِ (27) .
الحرف الثاني: حرف الجواب (بلى).
وهو مكوَّنٌ من حرف العطف "بل" و "الألف" الزائدة، وإنَّما تركَّب مع "الألف" لأنَّه حرف جواب، وحقُّ حروف الجواب أن يوقفَ عليها؛ لأنَّها (نائبة عن جملة) (28) ، ولمَّا لم يمكن الوقوف على "بل" لأنَّه حرف عطف، وحروف العطف لا يوقف عليها، تركَّب مع "الألف" للوقف (29) ، هذا رأي الفراء (30) ووافقه ابن فارس (31) ، ويستدلان على ذلك باستعمال العرب لهذا الحرف بعد النفي ليبطله، وكأنَّه رجوعٌ عنه كما أنَّ "بل" قد استعملته العرب "للإضراب" الذي هو: الإعراض والصرف والعدل (32) ، وكلُّها تؤدي معنى الرجوع، يقول الفراء: (أصلها كان رجوعاً محضاً عن الجحد إذا قالوا: ما قال عبد الله بل زيد، فكانت "بل" كلمة عطفٍ ورجوعٍ لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا فيها ألفاً يصلح فيها الوقوف عليه، ويكون رجوعاً عن الجحد فقط، وإقراراً بالفعل الذي بعد الجحد، فقالوا "بلى" فدلَّت على معنى الإقرار والإنعام، ودلَّ لفظ "بل" على الرجوع عن الجحد فقط) (33) ويوضِّح ابن فارس المهمة التي قامت بها "الألف" سوى أنها زيدت لكي يوقف عليها بقوله: (تقول: بلى، والمعنى أنَّها "بل" وُصِلت بها ألفٌ تكون دليلا على كلام، يقول القائل: أما خرج زيد؟ فتقول: بلى، ف "بل" رجوعٌ عن جحد، و "الألف" دلالةُ كلام، كأنَّك قلت: بل خرج زيد) (34) ، وهذا من أثر التركيب على هذا الحرف.
الحرف الثالث: حرف التشبيه (كأنَّ)
وقد عدَّ ابن جني (35) تركيبَ هذا الحرف من صور إصلاح اللفظ التي عقد لها بابا في كتابه " الخصائص" أسماه (بابٌ: في إصلاح اللفظ) ، يقول: (ومن إصلاح اللفظ قولهم: كأنَّ زيدا عمرو، اعلم أنَّ أصل هذا الكلام: زيد كعمرو، ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه "إنَّ" فقالوا إنَّ زيدا كعمرو، ثم إنهم بالغوا في توكيد التشبيه فقدَّموا حرفه إلى أول الكلام عنايةً به، وإعلاماً أنَّ عقد الكلام عليه، فلمَّا تقدَّمت الكاف وهي جارة لم يجز أن تباشر "إنَّ" لأنَّها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل، فوجب لذلك فتحها، فقالوا: كأنَّ زيدا عمرو) (36) .
وبعد أن تقدَّمت (الكاف) وتركَّبت مع (إنَّ) استغنت عمَّا كانت تتعلَّق به (37) ، فلم تعدْ تتعلَّق بشيء، وهذا أوَّل تغييرٍحصل لها بسبب "التركيب" أمَّا التغيير الآخر: فإنَّ معنى التشبيه الذي كانت تؤدِّيه اختلف! ويوضِّح هذا الاختلاف ابن يعيش بقوله: (فإن قيل: فما الفرق بين الأصل والفرع في "كأنَّ "؟ - قيل: التشبيه في الفرع أقعد منه في الأصل؛ وذلك إذا قلت: زيد كالأسد، فقد بنيت كلامك على اليقين ثم طرأ التشبيه بعدُ، فسرى من الآخِر إلى الأول، وليس كذلك في الفرع الذي هو قولك: كأنَّ زيداً أسد؛ لأنَّك بنيت كلامك من أوله على التشبيه) (38) ، ويؤكِّد ابن جني الرأيَ القائل بأنَّ هذا التغيير سببه "التركيب" بقوله: (فهذا يدلُّك على أنَّ الشيئين إذا خُلطا حدث لهما حكمٌ ومعنى لم يكن لهما قبل أن يمتزجا) (39) .
الحرف الرابع: حرف الاستدراك (لكنَّ)
وهو حرفٌ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر؛ لأنَّه كغيره من الحروف الناسخة قد أشبه الفعل في لفظه ومعناه (40) ، وبهذا علَّل النحاة إعمال هذا الحرف إلاَّ الفراء فقد ردَّ سببَ إعماله إلى مسألة "التركيب"؛ يقول: (وإنَّما نصبتْ العرب بها إذا شُدِّدت نونها لأنَّ أصلها: إنَّ عبدَ الله قائم، فزيدت على (إنَّ) لامٌ وكاف فصارتا جميعا حرفا واحدا، ألا ترى أنَّ الشاعر قال: ولكنَّني من حبِّها لكميد فلم تدخل اللامُ إلاَّ لأنَّ معناها "إنَّ") (41) .
ولو وافقناه على رأيه (42) ، وقلنا إنَّ أصل هذا الحرف (إن َّ) التوكيدية قد تركَّبت مع "اللام" و" الكاف" الزائدتين، فماذا أحدث هذا التركيب ل " إنَّ" من تغيير؟ لقد أزال معنى " التوكيد" عنها تماماً، وأصبحت تدلُّ على معنًى لم يكن لها أبداً، وهو معنى "الاستدراك" الذي يُعرِّفه ابن هشام بقوله:
(هو تعقيب الكلام برفع ما توهِّم ثبوته) (43) ، ويقول الإسفراييني: (لأنَّها إنَّما يؤتىبها إذا توهِّم خلاف مضمون جملتها من سابقها؛ فإن قلت: زيد قائم، وتوهِّم منه أنَّ "عمرا " أيضا قائم تستدرك ذلك، فتقول: لكنَّ عمراً لم يقم) (44) ، ولاشكّ أنَّ هذا المعنى لم تكن لتؤديه " إنَّ" لو لم تركَّب.
الحرف الخامس: حرف الجزم (لمَّا)
وهو مركَّبٌ من (لم) الجازمة و (ما) الزائدة (45) ، وإنَّما تركَّبتا لتؤديا معاً معانيَ لا تؤدِّيها (لم) وهي مفردة بسيطة؛ وذلك لأنَّ (لم) وإن كانت تجزم الفعل المضارع وتقلب زمنه إلى الماضي وتنفي حدوثه (46) مثل (لمَّا) ، إلَّا إنَّ النفي بها يختلف (47) عن النفي ب (لمَّا) ، ويوضِّح ابن يعيش الفرق بين نفي الاثنين فيقول: ("لمَّا " نفيا لقولهم: قد فعل، وذلك أنَّك تقول "قام " فيصلح ذلك لجميع ما تقدمك من الأزمنة، ونفيه " لم يقم "، فإذا قلت " قد قام " فيكون ذلك إثباتا لقيامه في أقرب الأزمنة الماضية إلى زمن الوجود، ولذلك صلُح أن يكون حالا … ونفيُ ذلك "لمَّا يقم " زدت على النافي وهو "لم" "ما" كما زدت في الواجب حرفا وهو "قد" لأنَّهما للحال) (48) ، ولمَّا ناظرتْ (لمَّا) (قد) أُعطيت ما أعطيته (قد) من جواز حذف الفعل بعدها إذا دلَّ عليه دليل، يقول المالقي (49) : (يجوز الوقف عليها، فتقول: شارف زيدٌ المدينةَ ولمَّا، وتريد: يدخلها، فحذفتَ الفعل للدلالة عليه، وكأنَّ " ما " عوضٌ منه، وذلك لمناظرتها ل "قد" إذ يجوز الوقف عليها دون الفعل، نحو قوله: … لمَّا تزُلْ برحالنا وكأنْ قَدِ، أي: زالت) (50) وهذا لا يجوز في (لم) إلاَّ في الضرورة (51) ، ويعلِّل الفارسي (52) استحسان ذلك مع (لمَّا) دون (لم) بقوله: (وإنَّما حسُن أن تحذف الفعل بعد " لمَّا " ولم يحسن ذلك في "لم"؛ لأنَّهم لمَّا استعملوها " ظرفا " في قولهم: لمَّا جئتَ جئتُ، وقعت موقع الأسماء فأشبهتها، فلما أشبهتها حسُن أن لا يقع الفعل بعدها، ولم يحسن ذلك في " لم " وأخواتها لأنَّها لم تقع في مواقع الأسماء فلم تشبهها) (53) ، وهو بهذا يشير إلى التغيير الآخر الذي أحدثه التركيب في (لمَّا) وهو انتقالها من "الحرفية " إلى " الاسمية "؛ حيث عدَّها ظرفا بمعنى "حين " (54) وبهذا التغيير حصل لها تغيرٌ (في اللفظ والمعنى؛ فأمَّا التغيير في المعنى فكانت نافية فصارت موجبة، وأمَّا التغيير في اللفظ فكانت تدخل على المضارع فصارت تدخل على الماضي) (55) بل وأصبحت متضمِّنة معنى الشرط ولذا اقتضت جوابا، نحو: لمَّا جئتني أكرمتك، قال الله تعالى:
{إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ} [يونس 98]
وتفارق (لمَّا) (لم) في شيءٍ آخر، وهو أنَّها تأتي بمعنى (إلاَّ) وتقع موقعها، كما في قولهم: نشدتك الله لمَّا فعلت، أي: إلَّا فعلت (56) ، وكقوله تعالى:
{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق 14]
وعندها تدخل على الجملة الاسمية وعلى الفعل الماضي لفظا لا معنى، وهذا كلُّه من أثر التركيب.
الحرف السادس: حرف النصب (لن)
والذي قال بتركيبه الخليل (57) رحمه الله فقد كان يرى أنَّه مركَّب من (لا) النافية و (أن) الناصبة للفعل المستقبل؛ وذلك لأنَّه رآه ينفي كنفي (لا) وينصب الفعلَ المستقبل كنصب (أنْ) له، ثم خُفِّفت الهمزة بالحذف فصار (لانْ) فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين (58) ، أي قد صُنِع به ما صنعه القاريء (59) عندما قرأ قولَ الله عز وجل:
{فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة 203]
حيث قرأها: {فَلَثْمَ عليه} (60) ، بحذف همزة (إثم) وألف (لا) .
أمَّا سيبويه (61) فقد ردَّ رأي الخليل هذا؛ لأنَّه قد لاحظ أنَّ معمول الفعل بعد (لن) قد يتقدم عليها في نحو: زيداً لن أضرب، وقال: (ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أمَّا زيداً فلن أضرب؛ لأنَّ هذا اسم والفعل صلة) (62) يريد أنَّه لو كانت (لن) مركَّبة من (أنْ) و (لا) لكان الفعل بعدها صلة الموصول الحرفي (63) (أنْ) ، ولمَّا جاز أن يتقدم معموله عليه؛ لأنَّ (أنْ لا يتقدم عليها ما في حيِّزها) (64) فلما جاز ذلك انتقض كون (لن) مركَّبة.
وقد اعتذر الأنباري (65) عن الخليل بأنَّ (الحروف إذا رُكِّبت تغيَّر حكمها بعد التركيب، عمَّا كانت عليه قبل التركيب) (66) ، ويستدلُّ على ذلك بحرف الاستفهام "هل " فإنَّه لا يجوز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لكنَّها إذا رُكِّبت مع (لا) ، ودخلها معنى التحضيض جاز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيقال: زيداً هلاَّ أكرمت (67) .
فإذا صحَّت دعوى تركيب (لن) من: (لا) و (أنْ) فواضحٌ جدًّا الفرقُ بين معنى (لن) ومعنى (أن) ؛ ف (أن) تدلُّ على إمكان الفعل دون الوجوب والاستحالة، و (لن) تنفي معنى الإمكان الذي دلَّت عليه (أنْ) (68) .
أمَّا عن الفرق بين النفي ب (لا) والنفي ب (لن) فخير مَن وضَّحه السُهيلي (69) حيث يقول: (ومن خواصها أنَّها تنفي ما قرب، لا يمتدُّ معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف " لا " إذا قلت: لا يقوم زيد أبدا، وقد قدَّمنا أنَّ الألفاظ مشاكلة للمعاني التي هي أرواحها … فحرف " لا " لامٌ بعدها ألف، يمتدُّ بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و " لن " بعكس ذلك) (70) ، ولا شكَّ أنَّ هذا الفرق الدقيق بينهما قد أحدثه التركيب.
الحرف السابع: حروف التحضيض (ألاّ) ً و (هلا) ًّ و (لولا) و (لوما) (71) .
فهذه الحروف جميعها مركَّبة؛ ف " ألاًّ " مركَّبة من " أنْ " المصدرية أو المفسِّرة التي بمعنى: أي (72) ، في نحو قوله تعالى:
{وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا} [ص 6]
معناه: أي امشوا، و " لا " النافية، فقُلبت النون لاماً وأُدغمت.
و" هلاَّ " مركَّبة من " هل " الاستفهامية و " لا " النافية (73) .
و" لولا " مركَّبة من " لو " الامتناعية و " لا " النافية (74) .

تعليق