معجم الهيئات والإشارات والرموز في التراث العربي من خلال لسان العرب لابن منظور
(الحلقة السادسة)
الباحثة: فرح الشويخ
[26] الاحتباء: الاحتباء " هُوَ أَن يَضُمَّ الإِنسانُ رِجْلَيْهِ إِلى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ يَجْمَعُهُمَا بِهِ مَعَ ظَهْرِهِ ويَشُدُّه عَلَيْهَا، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الاحْتِبَاء بِاليَدَيْنِ عِوَضَ الثَّوْبِ"(1)، وللاحتباء عند العرب دلالات كثيرة أهمها:
1- جِلسَة مخصوصَة بِالعَرب: يقول الثعالبي في «فقه اللغة»: "إذا جَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ ونَصَبَ سَاقَيْهِ وَدَعَمَهُما بِثَوْبِهِ أو يَدَيْهِ قيلَ احْتَبَى "وهيَ جِلْسَةُ العَرَب"(2).
2- الاستِنَاد: ومما نقله الثعالبي قولهم :«حِبَاءُ العَرَب حِيطانها»(3)، أي ليس في البراري حيطان، فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار(4)، ومنه أيضا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :« نعمَ المُستَنَد الاحتباء »(5).
3- الاسترخاء والكسل: وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنِ الحِبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ»(6) لأن الاحتباء يجلب النوم ولا يسمع الخطبة ويعرض طهارته للانتقاض.
4- السِّلم وتَركُ المحَارَبَة: في حديث الأحنف أنه قيل له في الحرب أين الحِلم؟ فقال عند الحُبَى(7). أراد أن الحِلم في السِّلم لا في الحرب والاحتباء إنما يكون في السلم لا في الحرب أيضا، قال أبو نخيلة:
نَعَيْتُ امْرَأً زَيْناً إِذَا تُعْقَدُ الحُبى وَإِنْ أُطْلِقَتْ، لَمْ تَعْتَنِفْه الوَقائعُ(8)
5- الجلوس للحكم والقضاء: قال المتنبي يمدح أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الخطيب الخصيبي وهو يومئذ يتقلد القضاء بأنطاكية:
منذُ احتبيتَ بأنطاكيةَ اعتدلتَ حتى كأن ذَوي الأوتَارِ في هدنِ(9)
قال الشارح:" يقول: منذ جلست محتبيا للحكم بهذه البلدة استوى أمرُها واستقام حتى كأن أصحاب الأحقاد قد تصالحوا وتهادنوا فزال الشر والظلم والخلاف بينهم، وذلك بِعَدْلِكَ وحُسْنِ سِيرَتِك فيهم"(10).
6- عدم الغضب: وشاهده ما ذكره ابن خلكان في أخبار الأحنف بن قيس في حديثه عن حلم قيس بن عاصم المنقري حينما قَتَلَ ابن أخ له بعض بنيه « وما حَلَّ قيس حبوته ولا تغير وجهه»(11)، وإنما عدم حله حبوته يدل أقوى الدلالة على عدم الغضب أو عدم القيام للمحاربة طلبا للثأر ما دامت هيئة الاحتباء أيضا تدل على السلم وترك المحاربة.
وكما أن للاحتباء دلالات كثيرة فإن ترك الاحتباء عند العرب له دلالات كثيرة أيضا - خاصة في مجالس الملوك والرؤساء- ومنها:
1- الاحترام والتذلل: وشاهده قول ابن نباتة المصري في ترجمته لكليب بن ربيعة بن الحارث الوائلي حيث قال: «ولا توقَدُ نَار مع نارِه، ولا يُحتَبَى في مجلسه، ولا يُتَكَلَّم إلا بإذنه، وفي ذلك يقول أخوه بعد قتله:
نُبئتُ أنَّ النارَ بعدكَ أُوقِدَت واسْتَبَّ بعدَكَ يا كُلَيبُ المجلسُ
وتَكَلَّمُوا في أمْرِ كلِّ عَظِيمَة لو كنتَ حاضر أمرهم لم يَنبُسُوا»(12)
وإنما يفعل كذلك احتراما له وإظهارا للخضوع والطاعة.
2- الحرب: قالت الخنساء:
فَتًى كَانَ ذَا حِلم أصِيلٍ وتُؤْدَةٍ إذا ما الحبا من طَائِفِ الجَهْلِ حُلَّتِ(13)
أي إذا حلت عن الجهل فكنى بالجهل عن الحربِ، فكان أحلمهم بدفع الشر بعدما قد أشاح.
3-الجهل: قال الفرزدق يهجو جريرا ويفخَر بمآثر قومه:
وما حُلَّ من جَهْل حُبَى حلمائنا؛ ولا قَائِل بالعرف فينا يُعَنَّفُ(14)
[27] الحَشْحَشَة: الحشحشة " الحَرَكة ودُخُولُ بعضِ القَوْمِ فِي بَعْضٍ"(15)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الَمهَابة والاحتِرَام: جاء فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ «دَخَلَ عَلَيْنَا رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْنَا قطِيفة، فلمَّا رَأَيْنَاهُ تَحَشْحَشْنَا، فَقَالَ: مكَانَكُما»(16)، وإنما فعلَا ذلك مهابة من رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم.
[28] الحَصَر(17): " الحَصَرُ ضربٌ من العِيِّ. حَصِرَ الرجلُ حَصَراً مثل تَعِبَ تَعَباً، فهو حَصِرٌ: عَيِيٌّ في منطقه؛ وقيل: حَصِرَ لم يقدر على الكلام. وحَصِرَ صدرُه: ضاق. والحَصَرُ: ضيق الصدر. وإِذا ضاق المرء عن أَمر قيل: حَصِرَ صدر المرء عن أَهله يَحْصَرُ حَصَراً"(18)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الاستحياء: وَفِي حَدِيثِ زَوَاجِ فَاطِمَةَ «فَلَمَّا رَأَتْ عَلِيًّا جَالِسًا إِلَى جَنْب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِرَت وبَكَت» أَيِ اسْتَحْيَت وانْقَطَعت، كأَن الأَمْرَ ضَاقَ بِهَا كَمَا يَضِيقُ الحَبْسُ عَلَى المَحْبُوسِ(19).
[29] الاحتِفَاز: " الحَفْزُ: الحَثّ والإِعْجال. وَالرَّجُلُ يَحْتَفِزُ فِي جُلُوسِهِ: يُرِيدُ القِيَامَ والبطشَ بِشَيْءٍ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الاحْتِفاز والاستِيفازُ والإِقْعاء وَاحِدٌ"(20)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الغَضَبُ وإرادةُ البطْش: جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما « إِنَّه ذُكر القدر عِنْده فاحتفز وَقَالَ: لَو رَأَيْت أحدهم لعضضت بِأَنْفِهِ»(21)، وقال عمرو بن الأهتم إثر مساجلة جَرَت بينَه وبينَ الأَحْنَف بن قَيْس:
وَنَحْنُ حَفَزْنَا الحَوْفَزَانَ بِطَعْنَةٍ سَقَتْهُ نَجِيعاً مِنْ دَمِ الجَوْفِ آنِيَا(22)
2- العَجَلَة: وفي الحديث: «أُتِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِتَمْرٍ فَجَعَلَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم- يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلاً ذَرِيعًا. وَفِى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ أَكْلاً حَثِيثًا »(23)؛ أي مستعجل يريد القيام غير جالس متمكن من الأرض.
[30] حَلْقُ الشَّعْرِ: " الحَلْقُ: حَلْقُ الشَّعْرِ. والحَلْقُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ حَلق رأْسه [...] والحُلاقةُ: مَا حُلِقَ مِنْهُ يَكُونُ ذَلِكَ فِي النَّاسِ وَالمَعْزِ. والحَلِيقُ: الشَّعْرُ المَحْلُوقُ، والجمع حِلاقٌ"(24)، ولحلق الشعر دلالات كثيرة في التراث العربي وهي:
1- الُمصِيبة: وفي أخبار الخنساء أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى الخنساء تطوف بالبيت محلوقة الرأس، تبكي وتَلْطِمُ خَدَّهَا، وقد علقت نعل صخر في خمارها فوعظها فقالت: إني رُزِئت فارسا لم يرزأ أحد مثله، فقال إن في الناس من هو أعظم مرزأة منك، وإن الإسلام قد غطى ما كان قبله، وإنه لا يحل لك لطم وجهك و لا شق رأسك، فَكَفَّتْ عن ذلك (25) وقالت أبياتا كثيرة منها قولها في رثاء أخيها معاوية:
هريقِي من دموعكِ واستفيقِي وصبراً إن أطقتِ ولن تُطيقِي
بعاقبة فإنَّ الصَّبْرَ خَيرٌ من النعْلين والرَّأس الحَلِيقِ(26)
قال ثعلب:" كن يضربن وجوههن بالنعال عند المصيبة ويحلقن رؤوسهن"، غير" أن الخنساء تتصبّر ولا تحلق رأسها فضلا عن ضربه بالنعال رغم حزنها الشديد"(27)، وإن كانت في البداية قد فعلت كُلَّ ذلك، ومن ذلك قولها:
لمَّا اسْتَبانَتْ أَن صاحِبَها ثَوَى، حَلَقَتْ، وعَلَّتْ رَأْسَها بِسِقابِ(28)
وفي الحديث: « وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ »(29)؛ والمعنى: «(الصالقة ) التي ترفع صوتها عند المصيبة من الصلق وهو الصياح والولولة . ( الحالقة ) التي تحلق شعرها عند المصيبة ويمكن أن يقاس عليها بالمقابل وهو من يمتنع عن حلق شعره المعتاد عند المصيبة. (الشاقة) التي تَشُقُّ ثيابَها عند المصيبة»(30)؛ أي ليس من أهل سنتنا مَن حَلَقَ شَعره عند المصيبة إذا حَلَّت به(31)، وقال الشاعر:
ألا قُومِي أُولُو عَقْرَى وحَلْقَى لما لَاقَت سلامان بن غَنْمِ(32)
ومعناه قَومي أولو نساء قد عقرن وجوههن فخدشنها وحلقن شعورهن متسلبات على من قتل من رجالها(33)، ومن أمثال العرب في هذا الشأن قولهم:«لا تفعل ذلك أمُّكَ حَالِق»(34) أي أثكل الله أمك بك حتى تَحْلِقَ شَعْرَهَا.
2- الشِّدَّة: قال الشاعر:
أيَا ابْن نَخاسية أَتُومِ يومُ أَدِيمِ بَقَّةَ الشَّرِيمِ
أَفضلُ مِنْ يومِ احْلِقي وقُومِي(35)
قال ابن منظور:" وَهَذَا مَثَلٌ تَضْرِبُهُ العَرَبُ فَتَقُولُ: لَقِيتُ مِنْهُ يومَ احْلِقِي وقُومي أَي الشدَّةَ، وأَصله أَن يَمُوتَ زَوْجُ المرأَة فَتَحْلِق شَعْرَهَا وتقوم مع النوائح" (36).
[31] الحَجَل: " الحَجْل: أَن يَرْفَعَ رِجْلًا ويَقْفِز عَلَى الأُخرى مِنَ الفَرَح، قَالَ: وَيَكُونُ بِالرِّجْلَيْنِ جَمِيعًا إِلا أَنه قَفْزٌ وَلَيْسَ بِمَشْيٍ"(37)، ومما تدل عليه هذه الهيئة في التراث العربي:
1- الفرح: وجاء في الحديث: « عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَجَعْفَرٌ، وَزَيْدٌ، قَالَ: فَقَالَ لِزَيْدٍ: " أَنْتَ مَوْلَايَ " فَحَجَلَ، قَالَ: وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: " أَنْتَ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي"، قَالَ: فَحَجَلَ وَرَاءَ زَيْدٍ، قَالَ: وَقَالَ لِي: " أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكَ"، قَالَ: فَحَجَلْتُ وَرَاءَ جَعْفَرٍ»(38)، وحجلهم دال على فرحهم بما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[32] الحَظَل:" الحَظْل: المَنْع مِنَ التَّصَرُّفِ والحركةِ، حَظَل يَحْظِل ويَحْظُل حَظْلًا وحِظْلاناً وحَظَلاناً "(39)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- غِيرَة الرَّجُلِ عَلَى المرأة: قال الشاعر وهو النابغة الجعدي:
فِمَا يعدمكِ لا يعدمكِ منه طَبَانِيَةٌ، فَيَحْظُلُ أو يَغَارُ(40)
[33] الحَظْل: يقال" حَظَلَ يَحْظُلُ: مَشَى فِي شِقّ مِنْ شَكَاةٍ وَهُوَ الحَاظِل. يُقَالُ: مَرَّ بِنَا فُلَانٌ يَحْظُلُ ظَالِعًا. وَقَدْ حَظَلَ المَشْي يَحْظُلُ حَظَلاناً إِذا كَفَّ بَعْضَ مَشْيِهِ "(41)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الغَضَب والغَيظ: قال المرار العدوي:
وحَشَوْت الغَيْظَ فِي أَضْلاعه فَهْوَ يَمْشي حَظَلاناً كالنَّقِر (42)
[34] الحَلْب: " الحَلْبُ: الجُلُوسُ عَلَى رُكْبَةٍ وأَنْتَ تَأْكُلُ؛ يُقَالُ: احْلُبْ فكُلْ [...] ابْنُ الأَعرابي: حَلَبَ يَحْلُبُ: إِذَا جَلَسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ"(43)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- التواضع: وفي الحديث: « كَانَ إِذَا دُعي إِلَى طَعام جَلَس جُلُوس الحَلَب»(44)؛ وهو الجلوس على الركبة ليحلب الشاة. قال ابن منظور في تفسير الحديث:" وأراد به جلوس المتواضعين"(45).
[35] الحَيَكَان: وهو" أَن يُحَرِّكَ مَنْكِبَيْه وَجَسَدَهُ حِينَ يَمْشِي مَعَ كَثْرَةِ لَحْمٍ. وَجَاءَ يَحِيك ويَتَحايَك ويَتَحيَّك: كأَن بَيْنَ رِجْلَيْهِ شَيْئًا يُفْرِجُ بَيْنَهُمَا إِذَا مَشَى [...] والحَيَكانُ: مِشْيَةٌ يُحَرِّكُ فِيهَا المَاشِي أَليتيه. وحَاكَ فِي مِشْيَتِهِ: اشْتَدَّتْ وَطأَته عَلَى الأَرض. وحاكَ يحِيك حَيْكاً إِذَا فحَجَ فِي مِشْيَتِهِ وَحَرَّكَ مَنْكِبَيْهِ. وَمِشْيَةٌ حِيكَى إِذَا كَانَ فِيهَا تَبَخْتُرٌ "(46)، ومن دلالات هذه الهيئة في التراث العربي:
1- التبختر والاختيال: وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ« قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَمَا حِيَاكَتُهُم و حِياكَتُكُم هَذِهِ؟»(47)، ومعنى الحديث - والله أعلم - الاستنكار من هذه المشية أو الهيئة الدالة على التبختر والاختيال.
[36] الحِدَاد:" الحِدادُ: ثِيَابُ المَآتِمِ السُّود. والحادُّ والمُحِدُّ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي تَتْرُكُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ؛ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هِيَ المرأَة الَّتِي تَتْرُكُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ بَعْدَ زَوْجِهَا لِلعِدَّةِ. حَدَّتْ تَحِدُّ وتَحُدُّ حَدًّا وحِداداً، وَهُوَ تَسَلُّبُها عَلَى زَوْجِهَا، وأَحَدَّتْ، وأَبى الأَصمعي إِلا أَحَدَّتْ تُحِدُّ، وَهِيَ مُحِدٌّ، وَلَمْ يَعْرِفْ حَدَّتْ؛ والحِدادُ: تركُها ذَلِكَ"(48)، ودلالة هذه الهيئة في التراث العربي:
1- التسَلُّب على المفقود خاصة الزوج: وفي حديث زينب بنت أبي سلمة أخبرته قالت : « دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ - أَوْ غَيْرُهُ - فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ عَلَى المِنْبَر: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»(49)، وحداد المرأة على زوجها يكون بترك الزينة والخضاب ولُبس ثياب الحزن خاصة الثياب السود لما في هذا اللون من دلالة تبعث النفس على الحزن والكآبة.
وقد جاء في حديث آخر عَنْ أُم عَطِية قَالَتْ:« كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلاَ نَكْتَحِلُ وَلاَ نَتَطَيَّبُ وَلاَ نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَقَدْ رُخِّصَ لِلمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا في نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ»(50).
يقول عبد الله عفيفي:" وأشد أثقال المصيبة يُلْقَى على امرأته [أي زوجة المتوفي]. فهي تُقِيم من بعده سنة كاملةً لا تمس ماء، ولا تقلم ظفرا، ولا تزيل شعرا. بل ربما ضاعفت المرأة هذا الشقاء فانتبذت بيتا صغيرا تقيم فيه عامها بنجوة من الناس، ولبست شَرَّ ما تلبس من الثياب"(51).
[37] الحُلَّة: " قَالَ خَالِدُ بْنُ جَنْبة: الحُلَّة رِداء وَقَمِيصٌ وَتَمَامُهَا العِمامة، قَالَ: وَلَا يَزَالُ الثَّوْبُ الجَيِّد يُقَالُ لَهُ فِي الثِّيَابِ حُلَّة، فإِذا وَقَعَ عَلَى الإِنسان ذَهَبَتْ حُلَّته حَتَّى يَجْتَمِعْنَ لَهُ إِمَّا اثْنَانِ وإِما ثَلَاثَةٌ، وأَنكر أَن تَكُونَ الحُلَّة إِزاراً ورِداء وَحْدَه. قَالَ: والحُلَل الوَشْي والحِبرَة والخَزُّ والقَزُّ والقُوهِيُّ والمَرْوِيُّ والحَرِير، وَقَالَ اليَمامي: الحُلَّة كُلُّ ثَوْبٍ جَيِّد جَدِيدٍ تَلْبسه غليظٍ أَو دَقِيقٍ وَلَا يَكُونُ إِلّا ذَا ثوبَين، وَقَالَ ابْنُ شُمَيْل: الحُلَّة القَمِيصُ والإِزار وَالرِّدَاءُ لَا تَكُونُ أَقل مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ شَمِرٌ: الحُلَّة عِنْدَ الأَعراب ثَلَاثَةُ أَثواب، وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ للإِزار وَالرِّدَاءِ حُلَّة، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ حُلَّة؛ قَالَ الأَزهري: وأَما أَبو عُبَيْدٍ فإِنه جَعَلَ الحُلَّة ثَوْبَيْنِ"(52)، ومن دلالات الحلة في التراث العربي:
1- لباس الكريم: قال العجير السلولي:
وَمَا لَبِسَ النَّاسُ مِنْ حُلَّةٍ جَدِيدٍ وَلَا خَلَقاً يُرْتَدَى
كَمِثْلِ الُمرُوءَة للَّابِسِينَ فَدَعْنِي مِنَ المُطَرَّفِ المُسْتَدَى(53)
والمعنى أنه ينفي أن تكون مروءة بعض الناس وكرمهم ناتجة عن لبس الحلة.
قال المتنخل:
وَأَحْفَظُ مَنْصِبِي وَأَصُونُ عِرْضِي وَبَعْضُ القَوْمِ لَيْسَ بِذِي حِيَاطِ
وَأَكْسُو الحُلَّةَ الشَّوْكَاءَ خِدْنِي وَبَعْضُ الخَيرِ في حُزَنٍ ورَاطِ(54)
(الحلقة السادسة)
الباحثة: فرح الشويخ
[26] الاحتباء: الاحتباء " هُوَ أَن يَضُمَّ الإِنسانُ رِجْلَيْهِ إِلى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ يَجْمَعُهُمَا بِهِ مَعَ ظَهْرِهِ ويَشُدُّه عَلَيْهَا، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ الاحْتِبَاء بِاليَدَيْنِ عِوَضَ الثَّوْبِ"(1)، وللاحتباء عند العرب دلالات كثيرة أهمها:
1- جِلسَة مخصوصَة بِالعَرب: يقول الثعالبي في «فقه اللغة»: "إذا جَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ ونَصَبَ سَاقَيْهِ وَدَعَمَهُما بِثَوْبِهِ أو يَدَيْهِ قيلَ احْتَبَى "وهيَ جِلْسَةُ العَرَب"(2).
2- الاستِنَاد: ومما نقله الثعالبي قولهم :«حِبَاءُ العَرَب حِيطانها»(3)، أي ليس في البراري حيطان، فإذا أرادوا أن يستندوا احتبوا لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار(4)، ومنه أيضا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :« نعمَ المُستَنَد الاحتباء »(5).
3- الاسترخاء والكسل: وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى عَنِ الحِبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ»(6) لأن الاحتباء يجلب النوم ولا يسمع الخطبة ويعرض طهارته للانتقاض.
4- السِّلم وتَركُ المحَارَبَة: في حديث الأحنف أنه قيل له في الحرب أين الحِلم؟ فقال عند الحُبَى(7). أراد أن الحِلم في السِّلم لا في الحرب والاحتباء إنما يكون في السلم لا في الحرب أيضا، قال أبو نخيلة:
نَعَيْتُ امْرَأً زَيْناً إِذَا تُعْقَدُ الحُبى وَإِنْ أُطْلِقَتْ، لَمْ تَعْتَنِفْه الوَقائعُ(8)
5- الجلوس للحكم والقضاء: قال المتنبي يمدح أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الخطيب الخصيبي وهو يومئذ يتقلد القضاء بأنطاكية:
منذُ احتبيتَ بأنطاكيةَ اعتدلتَ حتى كأن ذَوي الأوتَارِ في هدنِ(9)
قال الشارح:" يقول: منذ جلست محتبيا للحكم بهذه البلدة استوى أمرُها واستقام حتى كأن أصحاب الأحقاد قد تصالحوا وتهادنوا فزال الشر والظلم والخلاف بينهم، وذلك بِعَدْلِكَ وحُسْنِ سِيرَتِك فيهم"(10).
6- عدم الغضب: وشاهده ما ذكره ابن خلكان في أخبار الأحنف بن قيس في حديثه عن حلم قيس بن عاصم المنقري حينما قَتَلَ ابن أخ له بعض بنيه « وما حَلَّ قيس حبوته ولا تغير وجهه»(11)، وإنما عدم حله حبوته يدل أقوى الدلالة على عدم الغضب أو عدم القيام للمحاربة طلبا للثأر ما دامت هيئة الاحتباء أيضا تدل على السلم وترك المحاربة.
وكما أن للاحتباء دلالات كثيرة فإن ترك الاحتباء عند العرب له دلالات كثيرة أيضا - خاصة في مجالس الملوك والرؤساء- ومنها:
1- الاحترام والتذلل: وشاهده قول ابن نباتة المصري في ترجمته لكليب بن ربيعة بن الحارث الوائلي حيث قال: «ولا توقَدُ نَار مع نارِه، ولا يُحتَبَى في مجلسه، ولا يُتَكَلَّم إلا بإذنه، وفي ذلك يقول أخوه بعد قتله:
نُبئتُ أنَّ النارَ بعدكَ أُوقِدَت واسْتَبَّ بعدَكَ يا كُلَيبُ المجلسُ
وتَكَلَّمُوا في أمْرِ كلِّ عَظِيمَة لو كنتَ حاضر أمرهم لم يَنبُسُوا»(12)
وإنما يفعل كذلك احتراما له وإظهارا للخضوع والطاعة.
2- الحرب: قالت الخنساء:
فَتًى كَانَ ذَا حِلم أصِيلٍ وتُؤْدَةٍ إذا ما الحبا من طَائِفِ الجَهْلِ حُلَّتِ(13)
أي إذا حلت عن الجهل فكنى بالجهل عن الحربِ، فكان أحلمهم بدفع الشر بعدما قد أشاح.
3-الجهل: قال الفرزدق يهجو جريرا ويفخَر بمآثر قومه:
وما حُلَّ من جَهْل حُبَى حلمائنا؛ ولا قَائِل بالعرف فينا يُعَنَّفُ(14)
[27] الحَشْحَشَة: الحشحشة " الحَرَكة ودُخُولُ بعضِ القَوْمِ فِي بَعْضٍ"(15)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الَمهَابة والاحتِرَام: جاء فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ «دَخَلَ عَلَيْنَا رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْنَا قطِيفة، فلمَّا رَأَيْنَاهُ تَحَشْحَشْنَا، فَقَالَ: مكَانَكُما»(16)، وإنما فعلَا ذلك مهابة من رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم.
[28] الحَصَر(17): " الحَصَرُ ضربٌ من العِيِّ. حَصِرَ الرجلُ حَصَراً مثل تَعِبَ تَعَباً، فهو حَصِرٌ: عَيِيٌّ في منطقه؛ وقيل: حَصِرَ لم يقدر على الكلام. وحَصِرَ صدرُه: ضاق. والحَصَرُ: ضيق الصدر. وإِذا ضاق المرء عن أَمر قيل: حَصِرَ صدر المرء عن أَهله يَحْصَرُ حَصَراً"(18)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الاستحياء: وَفِي حَدِيثِ زَوَاجِ فَاطِمَةَ «فَلَمَّا رَأَتْ عَلِيًّا جَالِسًا إِلَى جَنْب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِرَت وبَكَت» أَيِ اسْتَحْيَت وانْقَطَعت، كأَن الأَمْرَ ضَاقَ بِهَا كَمَا يَضِيقُ الحَبْسُ عَلَى المَحْبُوسِ(19).
[29] الاحتِفَاز: " الحَفْزُ: الحَثّ والإِعْجال. وَالرَّجُلُ يَحْتَفِزُ فِي جُلُوسِهِ: يُرِيدُ القِيَامَ والبطشَ بِشَيْءٍ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الاحْتِفاز والاستِيفازُ والإِقْعاء وَاحِدٌ"(20)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الغَضَبُ وإرادةُ البطْش: جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما « إِنَّه ذُكر القدر عِنْده فاحتفز وَقَالَ: لَو رَأَيْت أحدهم لعضضت بِأَنْفِهِ»(21)، وقال عمرو بن الأهتم إثر مساجلة جَرَت بينَه وبينَ الأَحْنَف بن قَيْس:
وَنَحْنُ حَفَزْنَا الحَوْفَزَانَ بِطَعْنَةٍ سَقَتْهُ نَجِيعاً مِنْ دَمِ الجَوْفِ آنِيَا(22)
2- العَجَلَة: وفي الحديث: «أُتِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِتَمْرٍ فَجَعَلَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم- يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُحْتَفِزٌ يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلاً ذَرِيعًا. وَفِى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ أَكْلاً حَثِيثًا »(23)؛ أي مستعجل يريد القيام غير جالس متمكن من الأرض.
[30] حَلْقُ الشَّعْرِ: " الحَلْقُ: حَلْقُ الشَّعْرِ. والحَلْقُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ حَلق رأْسه [...] والحُلاقةُ: مَا حُلِقَ مِنْهُ يَكُونُ ذَلِكَ فِي النَّاسِ وَالمَعْزِ. والحَلِيقُ: الشَّعْرُ المَحْلُوقُ، والجمع حِلاقٌ"(24)، ولحلق الشعر دلالات كثيرة في التراث العربي وهي:
1- الُمصِيبة: وفي أخبار الخنساء أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى الخنساء تطوف بالبيت محلوقة الرأس، تبكي وتَلْطِمُ خَدَّهَا، وقد علقت نعل صخر في خمارها فوعظها فقالت: إني رُزِئت فارسا لم يرزأ أحد مثله، فقال إن في الناس من هو أعظم مرزأة منك، وإن الإسلام قد غطى ما كان قبله، وإنه لا يحل لك لطم وجهك و لا شق رأسك، فَكَفَّتْ عن ذلك (25) وقالت أبياتا كثيرة منها قولها في رثاء أخيها معاوية:
هريقِي من دموعكِ واستفيقِي وصبراً إن أطقتِ ولن تُطيقِي
بعاقبة فإنَّ الصَّبْرَ خَيرٌ من النعْلين والرَّأس الحَلِيقِ(26)
قال ثعلب:" كن يضربن وجوههن بالنعال عند المصيبة ويحلقن رؤوسهن"، غير" أن الخنساء تتصبّر ولا تحلق رأسها فضلا عن ضربه بالنعال رغم حزنها الشديد"(27)، وإن كانت في البداية قد فعلت كُلَّ ذلك، ومن ذلك قولها:
لمَّا اسْتَبانَتْ أَن صاحِبَها ثَوَى، حَلَقَتْ، وعَلَّتْ رَأْسَها بِسِقابِ(28)
وفي الحديث: « وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ »(29)؛ والمعنى: «(الصالقة ) التي ترفع صوتها عند المصيبة من الصلق وهو الصياح والولولة . ( الحالقة ) التي تحلق شعرها عند المصيبة ويمكن أن يقاس عليها بالمقابل وهو من يمتنع عن حلق شعره المعتاد عند المصيبة. (الشاقة) التي تَشُقُّ ثيابَها عند المصيبة»(30)؛ أي ليس من أهل سنتنا مَن حَلَقَ شَعره عند المصيبة إذا حَلَّت به(31)، وقال الشاعر:
ألا قُومِي أُولُو عَقْرَى وحَلْقَى لما لَاقَت سلامان بن غَنْمِ(32)
ومعناه قَومي أولو نساء قد عقرن وجوههن فخدشنها وحلقن شعورهن متسلبات على من قتل من رجالها(33)، ومن أمثال العرب في هذا الشأن قولهم:«لا تفعل ذلك أمُّكَ حَالِق»(34) أي أثكل الله أمك بك حتى تَحْلِقَ شَعْرَهَا.
2- الشِّدَّة: قال الشاعر:
أيَا ابْن نَخاسية أَتُومِ يومُ أَدِيمِ بَقَّةَ الشَّرِيمِ
أَفضلُ مِنْ يومِ احْلِقي وقُومِي(35)
قال ابن منظور:" وَهَذَا مَثَلٌ تَضْرِبُهُ العَرَبُ فَتَقُولُ: لَقِيتُ مِنْهُ يومَ احْلِقِي وقُومي أَي الشدَّةَ، وأَصله أَن يَمُوتَ زَوْجُ المرأَة فَتَحْلِق شَعْرَهَا وتقوم مع النوائح" (36).
[31] الحَجَل: " الحَجْل: أَن يَرْفَعَ رِجْلًا ويَقْفِز عَلَى الأُخرى مِنَ الفَرَح، قَالَ: وَيَكُونُ بِالرِّجْلَيْنِ جَمِيعًا إِلا أَنه قَفْزٌ وَلَيْسَ بِمَشْيٍ"(37)، ومما تدل عليه هذه الهيئة في التراث العربي:
1- الفرح: وجاء في الحديث: « عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَجَعْفَرٌ، وَزَيْدٌ، قَالَ: فَقَالَ لِزَيْدٍ: " أَنْتَ مَوْلَايَ " فَحَجَلَ، قَالَ: وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: " أَنْتَ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي"، قَالَ: فَحَجَلَ وَرَاءَ زَيْدٍ، قَالَ: وَقَالَ لِي: " أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكَ"، قَالَ: فَحَجَلْتُ وَرَاءَ جَعْفَرٍ»(38)، وحجلهم دال على فرحهم بما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[32] الحَظَل:" الحَظْل: المَنْع مِنَ التَّصَرُّفِ والحركةِ، حَظَل يَحْظِل ويَحْظُل حَظْلًا وحِظْلاناً وحَظَلاناً "(39)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- غِيرَة الرَّجُلِ عَلَى المرأة: قال الشاعر وهو النابغة الجعدي:
فِمَا يعدمكِ لا يعدمكِ منه طَبَانِيَةٌ، فَيَحْظُلُ أو يَغَارُ(40)
[33] الحَظْل: يقال" حَظَلَ يَحْظُلُ: مَشَى فِي شِقّ مِنْ شَكَاةٍ وَهُوَ الحَاظِل. يُقَالُ: مَرَّ بِنَا فُلَانٌ يَحْظُلُ ظَالِعًا. وَقَدْ حَظَلَ المَشْي يَحْظُلُ حَظَلاناً إِذا كَفَّ بَعْضَ مَشْيِهِ "(41)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- الغَضَب والغَيظ: قال المرار العدوي:
وحَشَوْت الغَيْظَ فِي أَضْلاعه فَهْوَ يَمْشي حَظَلاناً كالنَّقِر (42)
[34] الحَلْب: " الحَلْبُ: الجُلُوسُ عَلَى رُكْبَةٍ وأَنْتَ تَأْكُلُ؛ يُقَالُ: احْلُبْ فكُلْ [...] ابْنُ الأَعرابي: حَلَبَ يَحْلُبُ: إِذَا جَلَسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ"(43)، ومن دلالات هذه الهيئة عند العرب:
1- التواضع: وفي الحديث: « كَانَ إِذَا دُعي إِلَى طَعام جَلَس جُلُوس الحَلَب»(44)؛ وهو الجلوس على الركبة ليحلب الشاة. قال ابن منظور في تفسير الحديث:" وأراد به جلوس المتواضعين"(45).
[35] الحَيَكَان: وهو" أَن يُحَرِّكَ مَنْكِبَيْه وَجَسَدَهُ حِينَ يَمْشِي مَعَ كَثْرَةِ لَحْمٍ. وَجَاءَ يَحِيك ويَتَحايَك ويَتَحيَّك: كأَن بَيْنَ رِجْلَيْهِ شَيْئًا يُفْرِجُ بَيْنَهُمَا إِذَا مَشَى [...] والحَيَكانُ: مِشْيَةٌ يُحَرِّكُ فِيهَا المَاشِي أَليتيه. وحَاكَ فِي مِشْيَتِهِ: اشْتَدَّتْ وَطأَته عَلَى الأَرض. وحاكَ يحِيك حَيْكاً إِذَا فحَجَ فِي مِشْيَتِهِ وَحَرَّكَ مَنْكِبَيْهِ. وَمِشْيَةٌ حِيكَى إِذَا كَانَ فِيهَا تَبَخْتُرٌ "(46)، ومن دلالات هذه الهيئة في التراث العربي:
1- التبختر والاختيال: وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ« قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَمَا حِيَاكَتُهُم و حِياكَتُكُم هَذِهِ؟»(47)، ومعنى الحديث - والله أعلم - الاستنكار من هذه المشية أو الهيئة الدالة على التبختر والاختيال.
[36] الحِدَاد:" الحِدادُ: ثِيَابُ المَآتِمِ السُّود. والحادُّ والمُحِدُّ مِنَ النِّسَاءِ: الَّتِي تَتْرُكُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ؛ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هِيَ المرأَة الَّتِي تَتْرُكُ الزِّينَةَ وَالطِّيبَ بَعْدَ زَوْجِهَا لِلعِدَّةِ. حَدَّتْ تَحِدُّ وتَحُدُّ حَدًّا وحِداداً، وَهُوَ تَسَلُّبُها عَلَى زَوْجِهَا، وأَحَدَّتْ، وأَبى الأَصمعي إِلا أَحَدَّتْ تُحِدُّ، وَهِيَ مُحِدٌّ، وَلَمْ يَعْرِفْ حَدَّتْ؛ والحِدادُ: تركُها ذَلِكَ"(48)، ودلالة هذه الهيئة في التراث العربي:
1- التسَلُّب على المفقود خاصة الزوج: وفي حديث زينب بنت أبي سلمة أخبرته قالت : « دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ - أَوْ غَيْرُهُ - فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ عَلَى المِنْبَر: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»(49)، وحداد المرأة على زوجها يكون بترك الزينة والخضاب ولُبس ثياب الحزن خاصة الثياب السود لما في هذا اللون من دلالة تبعث النفس على الحزن والكآبة.
وقد جاء في حديث آخر عَنْ أُم عَطِية قَالَتْ:« كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلاَ نَكْتَحِلُ وَلاَ نَتَطَيَّبُ وَلاَ نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَقَدْ رُخِّصَ لِلمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا في نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ»(50).
يقول عبد الله عفيفي:" وأشد أثقال المصيبة يُلْقَى على امرأته [أي زوجة المتوفي]. فهي تُقِيم من بعده سنة كاملةً لا تمس ماء، ولا تقلم ظفرا، ولا تزيل شعرا. بل ربما ضاعفت المرأة هذا الشقاء فانتبذت بيتا صغيرا تقيم فيه عامها بنجوة من الناس، ولبست شَرَّ ما تلبس من الثياب"(51).
[37] الحُلَّة: " قَالَ خَالِدُ بْنُ جَنْبة: الحُلَّة رِداء وَقَمِيصٌ وَتَمَامُهَا العِمامة، قَالَ: وَلَا يَزَالُ الثَّوْبُ الجَيِّد يُقَالُ لَهُ فِي الثِّيَابِ حُلَّة، فإِذا وَقَعَ عَلَى الإِنسان ذَهَبَتْ حُلَّته حَتَّى يَجْتَمِعْنَ لَهُ إِمَّا اثْنَانِ وإِما ثَلَاثَةٌ، وأَنكر أَن تَكُونَ الحُلَّة إِزاراً ورِداء وَحْدَه. قَالَ: والحُلَل الوَشْي والحِبرَة والخَزُّ والقَزُّ والقُوهِيُّ والمَرْوِيُّ والحَرِير، وَقَالَ اليَمامي: الحُلَّة كُلُّ ثَوْبٍ جَيِّد جَدِيدٍ تَلْبسه غليظٍ أَو دَقِيقٍ وَلَا يَكُونُ إِلّا ذَا ثوبَين، وَقَالَ ابْنُ شُمَيْل: الحُلَّة القَمِيصُ والإِزار وَالرِّدَاءُ لَا تَكُونُ أَقل مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ شَمِرٌ: الحُلَّة عِنْدَ الأَعراب ثَلَاثَةُ أَثواب، وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ للإِزار وَالرِّدَاءِ حُلَّة، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ حُلَّة؛ قَالَ الأَزهري: وأَما أَبو عُبَيْدٍ فإِنه جَعَلَ الحُلَّة ثَوْبَيْنِ"(52)، ومن دلالات الحلة في التراث العربي:
1- لباس الكريم: قال العجير السلولي:
وَمَا لَبِسَ النَّاسُ مِنْ حُلَّةٍ جَدِيدٍ وَلَا خَلَقاً يُرْتَدَى
كَمِثْلِ الُمرُوءَة للَّابِسِينَ فَدَعْنِي مِنَ المُطَرَّفِ المُسْتَدَى(53)
والمعنى أنه ينفي أن تكون مروءة بعض الناس وكرمهم ناتجة عن لبس الحلة.
قال المتنخل:
وَأَحْفَظُ مَنْصِبِي وَأَصُونُ عِرْضِي وَبَعْضُ القَوْمِ لَيْسَ بِذِي حِيَاطِ
وَأَكْسُو الحُلَّةَ الشَّوْكَاءَ خِدْنِي وَبَعْضُ الخَيرِ في حُزَنٍ ورَاطِ(54)

تعليق