المعاني المهملة في بعض شواهد علم المعاني
د. شيماء توفيق[1]
ذكر الخطيب "القزويني" أن البلاغة في الكلام مرجعُها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وتمييز الفصيح عن غيره[2]، وذكر أن علم المعاني هو الذي يحترز به عن هذا الخطأ، وعرَّف الإمام "السكاكي" علم المعاني بأنه: تتبُّع خواصِّ تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره؛ ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحالُ ذكره[3]، وليتأمل قول الإمام "عبدالقاهر" في كون الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصافًا راجعة إلى المعاني، وإلى ما يُدَلُّ عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسِها.
واعتمد في الوقوف على معرفة فصاحة المفردات وموافقتها للقياس اللغويِّ أو عدمه، ومعرفة صحة التركيب وسلامته من ضعف التأليف - على الرجوع إلى علمَي الصرف والنحو، ومعرفة الغرابة عن طريق متون اللغة، فالبلاغة تكشف عن جماليات الأسلوب؛ ولذلك لا بد من مراعاة الصحة التركيبية أولًا في متن العبارات وتركيبها قبل الحديث عن جمالها.
وعند البحث في العيوب التي تُخِلُّ بفصاحة الكلمة والكلام، عدَّ منها العلماء (تنافر الحروف وتنافر الكلمات)، وحللت الشواهد التي وردت تحليلًا لفظيًّا، من دون النظر إلى المعنى والسياق والحال النفسيِّ للشاعر، فانساق بعض العلماء وراء الشواهد التي أُدرجت أمثلةً على التنافر والتكرار وتتابع الإضافات، ومنهم العلَّامة "الخفاجي"، و"القزويني"، و"القلقشندي"، وشرَّاح التلخيص... وغيرهم، وفي العصر الحديث ألِّفت كتب كثيرة في علم المعاني تحمل عناوين مثل: "دلالات التراكيب"، و"معاني التراكيب"، و"علم معاني الأساليب"... وغيرها، ناهيك عن تعريف "السكاكي" لهذا العلم: "تتبُّع خواص تراكيب الكلام في الإفادة"، وقول "القزويني": "الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى"، وبالرغم من ذلك فقد تناسى العلماء النظر إلى معاني الشواهد التي أوردوها، ومدى ملاءمتها للسياق التي ورَدَت فيه وسِيقَت من أجله، فلماذا لم يُول الباحثون والمؤلِّفون عنايتَهم شطرَ المعنى عند الحديث في العيوب المخلة باللفظ، من حيث ثقله في النطق وكراهته في السمع؟ ولكن نقلت المصادر الحديثة عن كتب التراث رواسم في الاستدلال على تنافر الكلمة والكلام دون تعليل مسوغ، وذِكر أسباب واضحة للثقل والتنافر.
فالأبيات المشهورة التي وردت شواهدَ للتنافر وتتابع الإضافات والتكرار - بها نظر، وتحتاج لإعادة فحص، ولا يُتتبع خُطى المصادر التي عمَّمت الحكم، وحكمت بأن هذه الأبيات بها عيوب؛ فالمعاني أوسع من الألفاظ، والعلماء الذين يذكرون هذه الشواهد أنفسهم يذكرون في نهاية كل مبحث أن القاعدة غير مطردة، ويذكرون أمثلة فصيحة من القرآن الكريم والسُّنة المطهرة على مجيء التكرار وتتابع الإضافات، وورود ألفاظ حروفُها قريبة في المخرج ولكنها فصيحة.
وأوضح الأمثلة على ذلك بيت "امرئ القيس" الذي يعدونه شاهدًا على التنافر الخفيف في الكلمة:
وفَرْعٍ يَزِينُ المَتْنَ أَسْودَ فَاحِمٍ
أَثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
غَدَائرُهُ مُسْتَشْزرَاتٌ إِلَى العُلا
تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنًّى ومُرْسَلِ
عاب العلماء لفظةَ "مستشزرات" وَعَدُّوها مثالًا للتنافر الخفيف، ولنرجع إلى الأصل اللغويِّ للكلمة، ورد في "لسان العرب" "شزر": الحبل المشزور: المفتول، وهو الذي يفتل مما يلي اليسار، وهو أشدُّ لفتلِه، والمشزور: المفتول إلى فوق... يقال: حبل مشزور وغدائر مستشزرات[4].
والفتل: اللوي والبرم، والغزل واللف، وفتل: اندمج وقوِي.
فالمعنى اللغويُّ للاستشزار مناسبٌ لكثرة الشَّعَرِ وغزارته ونعومته، والمعنى الصرفيُّ لها أيضًا يدل على المبالغة في الشيء[5]؛ فصوت "الشين" المتفشِّي المهموس يوحي بالانتشار الخفيف اللطيف لنعومة الشَّعر، ولكن هذا الشَّعر كثيف غزير؛ ولهذا كان صوت "التاء" المهموس الشديد مناسبًا لغزارة هذا الشَّعر الذي صُوِّر في هيئات مختلفة، فمنه ذوائب مرفوعات لأعلى، وهذه الذوائب المفتولة المجدولة التي تشبه قنو النخلة المجعَّد تغيَّب في المثنَّى والمرسَل من الشَّعر.
فمقارنة وتشبيه هذا الشَّعر الغزير بعِذْقِ النخل الملتوي المجعَّد، وثقل ما يحمل من ثمار - لا يوفِّي هذه الصورةَ إلا أصواتٌ شديدة نطقًا ودلالة؛ فالشزر: إحكام وفتل، ولا يتأتى ذلك في غدائر الشَّعر إلا إذا كان الشعر قويًّا غزيرًا.
والاستشزار: الرفع والارتفاع جميعًا، فيكون مرة لازمًا، ومرة متعديًا، فمن روى "مستشزِرات" بكسر الزاي جعله من اللازم (اسم فاعل)؛ أي: مرتفعات، فالغدائر لكثافتها وغزارتها مرتفعة بنفسها، ومن روى "مستشزَرات" بالفتح جعله من المتعدي (اسم مفعول)، فهناك من شدَّ الغدائر على الرأس وشزرها، والتعدية أنسب للمقام والسياق؛ لأن الشزر فتل من جهة اليسار، أما هنا فالغدائر مرتفعة في كل اتجاه بدليل تشبيهها بقنو النخلة، وعُدِّي الفعل بحرف الجر (إلى)؛ لإيصال معنى الشزر إلى الاسم (العلا)؛ لأن الشزر فيه فتل وإحكام وغزارة، ولكن لما أريد الارتفاع وهو معنى ليس في (مستشزرات) عُدِّي بـ(إلى).
حاول العلماء شراح التلخيص إيجاد بديل للفظة "مستشزرات" فأتوا بلفظة أخرى على زنتها محاولين تجنُّب اجتماع الزاء والشين بدون فاصل دون النظر إلى المعنى، فقالوا: "مستشرفات"، والمعنى اللغوي لـ"أشرف" يدور معظم مادته حول المعنى الوجدانيِّ لكرم الأصل والنسب، والعلو والمكان العالي، والناشز من الأرض قد أشرف أي: ارتفع على ما حوله، وعلى هذا تكون الغدائر ليست مظهرًا من مظاهر الجمال؛ لأنها تنشز وترتفع وسط الرأس كالأعمدة، لا جمال فيها ولا حُسن، ولا توجد أي دلالة توحي بغزارة الشَّعر وإحكام فتل غدائره؛ ولذلك لم يقل امرؤ القيس: "مستشرفات" مع أنها على الوزن العروضي نفسه، ولو أراد أن يقول: "مستشرفات" لاستغنى عن الحشو الزائد بقوله: (إلى العلا)، فالاستشراف به علو.
امرؤ القيس فحل من الفحول، وهو عليم بأحوال الشِّعر ولغته، ولكن لغة الشِّعر عنده ليست معيارية، لغة شاعر امتصت كلَّ ما استوعبته نفسه وعقله وثقافته وعصره وبيئته، ومن ثمَّ وجب رصد النص المضمر في قوله بتجاوز سطح النص إلى عمقه، فالفكرة التي بنى عليها، والمنظر الذي أراد رسمه وتصويره - له شكل خاص في طريقة تركيبه وترتيبه؛ حتى يأخذ شكلًا خاصًّا له ملامح أراد أن يعبِّر عنها، حسب مزاجه وطريقة تفكيره، ونظره إلى الشيء، وطريقة تصوُّرِه.
أراد امرؤ القيس أن يشكِّل صورة مسموعة من هذه الأصوات "مستشزرات"، هذه الصورة قرنها وماثل بينها وبين صورة قنو النخلة، وهي صورة دائمة في كلِّ زمان، فالذي يبحث في بلاغة اللفظة هنا لا بد أن يبحث في المزاج والحال النفسي والروحي لامرئ القيس، وأن يطَّلِع على الصورة التي رسمها في مخيلته لهذا الشَّعْر الكثيف، وهذا الوصف الصادق لجمال الشَّعر وكثرته وغزارته، ولا بد أن تصوغه عبارة قوية تنهض بأداء ما تعانيه النفس.
وقد رأى العالمان "ابن سنان" و"ابن الأثير" أن بُعد المَخارج سبب الحُسن، وهو متوافر في "مستشزرات"، وعلى الرغم من ذلك عدُّوها متنافرة، ولكن العلامة "ابن الأثير" رجع عن ذلك وناقَضَ نفسه بقوله: "فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحُسن ما يحسن من الألفاظ وقُبح ما يقبح، وقد ورد من المتباعد المخارج شيءٌ قبيح أيضًا، ولو كان التباعد سببًا للحسن، ما كان سببًا للقبح؛ إذ هما ضدان لا يجتمعان"[6]، والحق هنا أن المَخرَج لا علاقة له بالتنافر، فكيف يكون لبُعد المخارج وقربها سلطانٌ في تحديد فائدة اللفظ؟
وعلى ذلك ينبغي أن ينظر في مبحث التنافر إلى المقام والذوق والسمع؛ لعدم تحديد العلماء ضابطًا يحدُّه، يقول العلامة "التفتازاني": "بل هذا أمر ذوقيٌّ، فكل ما عدَّه الذوق الصحيح ثقيلًا متعسِّر النطق، فهو متنافر، سواء كان من قرب المخارج أم بُعدها أم غير ذلك؛ ولهذا اكتفى المصنِّف بالتمثيل، ولم يتعرض لتحقيقه وبيان سببه؛ لتعذر ضبطه، فالأَولى أن يحال إلى سلامة الذوق"[7].
ومما تُجُوهِل فيه دور المقام والمعنى قول "ابن بابك" للوزير لي علي حمد بن أحمد[8]، من الطويل:
حَمَامَةَ جَرْعَى حَوْمَةِ الجَنْدَلِ اسْجَعِي
فَأَنْتِ بِمَرْأًى مِنْ سُعَادَ ومَسْمَعِ
سقاكِ رَذاذٌ من ندى الطلِّ واشحٌ
كما انحلَّ خيطُ اللؤلؤِ المتقطعِ
فلي مقلةٌ ترقى بوادر مائها
فيبعثها خفضُ الهذيل المرجَّعِ
ووجد تراخى من سِياتِ ضُلُوعِهِ
تخلص أنَّات الحزينِ المفجَّعِ
تتابَعَت الإضافات، فأُضيفت "حمامة" إلى "جرعى" و"حومة" إلى "الجندل"، وقد عُدَّ ذلك من العيوب المخلَّة بفصاحة الكلام، يقول الشيخ "عبدالقاهر": "ومن شأن هذا الضرب أن يدخُله الاستكراه، قال الصاحب بن عباد: "إياك والإضافات المتداخلة؛ فإن ذلك لا يحسُن"، وذكر أنه يستعمل في الهجاء؛ كقول القائل:
يَا عَلِيَّ بنَ حَمْزَةَ بنِ عُمَارَهْ *** أَنْتَ واللهِ ثَلْجَةٌ فِي خِيَارَهْ
ولا شُبْهَة في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لَطُف ومَلُح، ومما حَسُن فيه قول ابن المعتز أيضًا:
وظلَّتْ تديرُ الرَّاحَ أيدي جَآذرٍ *** عِتَاقِ دنَانيرِ الوجُوهِ مِلاحِ
د. شيماء توفيق[1]
ذكر الخطيب "القزويني" أن البلاغة في الكلام مرجعُها إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وتمييز الفصيح عن غيره[2]، وذكر أن علم المعاني هو الذي يحترز به عن هذا الخطأ، وعرَّف الإمام "السكاكي" علم المعاني بأنه: تتبُّع خواصِّ تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره؛ ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحالُ ذكره[3]، وليتأمل قول الإمام "عبدالقاهر" في كون الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصافًا راجعة إلى المعاني، وإلى ما يُدَلُّ عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسِها.
واعتمد في الوقوف على معرفة فصاحة المفردات وموافقتها للقياس اللغويِّ أو عدمه، ومعرفة صحة التركيب وسلامته من ضعف التأليف - على الرجوع إلى علمَي الصرف والنحو، ومعرفة الغرابة عن طريق متون اللغة، فالبلاغة تكشف عن جماليات الأسلوب؛ ولذلك لا بد من مراعاة الصحة التركيبية أولًا في متن العبارات وتركيبها قبل الحديث عن جمالها.
وعند البحث في العيوب التي تُخِلُّ بفصاحة الكلمة والكلام، عدَّ منها العلماء (تنافر الحروف وتنافر الكلمات)، وحللت الشواهد التي وردت تحليلًا لفظيًّا، من دون النظر إلى المعنى والسياق والحال النفسيِّ للشاعر، فانساق بعض العلماء وراء الشواهد التي أُدرجت أمثلةً على التنافر والتكرار وتتابع الإضافات، ومنهم العلَّامة "الخفاجي"، و"القزويني"، و"القلقشندي"، وشرَّاح التلخيص... وغيرهم، وفي العصر الحديث ألِّفت كتب كثيرة في علم المعاني تحمل عناوين مثل: "دلالات التراكيب"، و"معاني التراكيب"، و"علم معاني الأساليب"... وغيرها، ناهيك عن تعريف "السكاكي" لهذا العلم: "تتبُّع خواص تراكيب الكلام في الإفادة"، وقول "القزويني": "الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى"، وبالرغم من ذلك فقد تناسى العلماء النظر إلى معاني الشواهد التي أوردوها، ومدى ملاءمتها للسياق التي ورَدَت فيه وسِيقَت من أجله، فلماذا لم يُول الباحثون والمؤلِّفون عنايتَهم شطرَ المعنى عند الحديث في العيوب المخلة باللفظ، من حيث ثقله في النطق وكراهته في السمع؟ ولكن نقلت المصادر الحديثة عن كتب التراث رواسم في الاستدلال على تنافر الكلمة والكلام دون تعليل مسوغ، وذِكر أسباب واضحة للثقل والتنافر.
فالأبيات المشهورة التي وردت شواهدَ للتنافر وتتابع الإضافات والتكرار - بها نظر، وتحتاج لإعادة فحص، ولا يُتتبع خُطى المصادر التي عمَّمت الحكم، وحكمت بأن هذه الأبيات بها عيوب؛ فالمعاني أوسع من الألفاظ، والعلماء الذين يذكرون هذه الشواهد أنفسهم يذكرون في نهاية كل مبحث أن القاعدة غير مطردة، ويذكرون أمثلة فصيحة من القرآن الكريم والسُّنة المطهرة على مجيء التكرار وتتابع الإضافات، وورود ألفاظ حروفُها قريبة في المخرج ولكنها فصيحة.
وأوضح الأمثلة على ذلك بيت "امرئ القيس" الذي يعدونه شاهدًا على التنافر الخفيف في الكلمة:
وفَرْعٍ يَزِينُ المَتْنَ أَسْودَ فَاحِمٍ
أَثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
غَدَائرُهُ مُسْتَشْزرَاتٌ إِلَى العُلا
تَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنًّى ومُرْسَلِ
عاب العلماء لفظةَ "مستشزرات" وَعَدُّوها مثالًا للتنافر الخفيف، ولنرجع إلى الأصل اللغويِّ للكلمة، ورد في "لسان العرب" "شزر": الحبل المشزور: المفتول، وهو الذي يفتل مما يلي اليسار، وهو أشدُّ لفتلِه، والمشزور: المفتول إلى فوق... يقال: حبل مشزور وغدائر مستشزرات[4].
والفتل: اللوي والبرم، والغزل واللف، وفتل: اندمج وقوِي.
فالمعنى اللغويُّ للاستشزار مناسبٌ لكثرة الشَّعَرِ وغزارته ونعومته، والمعنى الصرفيُّ لها أيضًا يدل على المبالغة في الشيء[5]؛ فصوت "الشين" المتفشِّي المهموس يوحي بالانتشار الخفيف اللطيف لنعومة الشَّعر، ولكن هذا الشَّعر كثيف غزير؛ ولهذا كان صوت "التاء" المهموس الشديد مناسبًا لغزارة هذا الشَّعر الذي صُوِّر في هيئات مختلفة، فمنه ذوائب مرفوعات لأعلى، وهذه الذوائب المفتولة المجدولة التي تشبه قنو النخلة المجعَّد تغيَّب في المثنَّى والمرسَل من الشَّعر.
فمقارنة وتشبيه هذا الشَّعر الغزير بعِذْقِ النخل الملتوي المجعَّد، وثقل ما يحمل من ثمار - لا يوفِّي هذه الصورةَ إلا أصواتٌ شديدة نطقًا ودلالة؛ فالشزر: إحكام وفتل، ولا يتأتى ذلك في غدائر الشَّعر إلا إذا كان الشعر قويًّا غزيرًا.
والاستشزار: الرفع والارتفاع جميعًا، فيكون مرة لازمًا، ومرة متعديًا، فمن روى "مستشزِرات" بكسر الزاي جعله من اللازم (اسم فاعل)؛ أي: مرتفعات، فالغدائر لكثافتها وغزارتها مرتفعة بنفسها، ومن روى "مستشزَرات" بالفتح جعله من المتعدي (اسم مفعول)، فهناك من شدَّ الغدائر على الرأس وشزرها، والتعدية أنسب للمقام والسياق؛ لأن الشزر فتل من جهة اليسار، أما هنا فالغدائر مرتفعة في كل اتجاه بدليل تشبيهها بقنو النخلة، وعُدِّي الفعل بحرف الجر (إلى)؛ لإيصال معنى الشزر إلى الاسم (العلا)؛ لأن الشزر فيه فتل وإحكام وغزارة، ولكن لما أريد الارتفاع وهو معنى ليس في (مستشزرات) عُدِّي بـ(إلى).
حاول العلماء شراح التلخيص إيجاد بديل للفظة "مستشزرات" فأتوا بلفظة أخرى على زنتها محاولين تجنُّب اجتماع الزاء والشين بدون فاصل دون النظر إلى المعنى، فقالوا: "مستشرفات"، والمعنى اللغوي لـ"أشرف" يدور معظم مادته حول المعنى الوجدانيِّ لكرم الأصل والنسب، والعلو والمكان العالي، والناشز من الأرض قد أشرف أي: ارتفع على ما حوله، وعلى هذا تكون الغدائر ليست مظهرًا من مظاهر الجمال؛ لأنها تنشز وترتفع وسط الرأس كالأعمدة، لا جمال فيها ولا حُسن، ولا توجد أي دلالة توحي بغزارة الشَّعر وإحكام فتل غدائره؛ ولذلك لم يقل امرؤ القيس: "مستشرفات" مع أنها على الوزن العروضي نفسه، ولو أراد أن يقول: "مستشرفات" لاستغنى عن الحشو الزائد بقوله: (إلى العلا)، فالاستشراف به علو.
امرؤ القيس فحل من الفحول، وهو عليم بأحوال الشِّعر ولغته، ولكن لغة الشِّعر عنده ليست معيارية، لغة شاعر امتصت كلَّ ما استوعبته نفسه وعقله وثقافته وعصره وبيئته، ومن ثمَّ وجب رصد النص المضمر في قوله بتجاوز سطح النص إلى عمقه، فالفكرة التي بنى عليها، والمنظر الذي أراد رسمه وتصويره - له شكل خاص في طريقة تركيبه وترتيبه؛ حتى يأخذ شكلًا خاصًّا له ملامح أراد أن يعبِّر عنها، حسب مزاجه وطريقة تفكيره، ونظره إلى الشيء، وطريقة تصوُّرِه.
أراد امرؤ القيس أن يشكِّل صورة مسموعة من هذه الأصوات "مستشزرات"، هذه الصورة قرنها وماثل بينها وبين صورة قنو النخلة، وهي صورة دائمة في كلِّ زمان، فالذي يبحث في بلاغة اللفظة هنا لا بد أن يبحث في المزاج والحال النفسي والروحي لامرئ القيس، وأن يطَّلِع على الصورة التي رسمها في مخيلته لهذا الشَّعْر الكثيف، وهذا الوصف الصادق لجمال الشَّعر وكثرته وغزارته، ولا بد أن تصوغه عبارة قوية تنهض بأداء ما تعانيه النفس.
وقد رأى العالمان "ابن سنان" و"ابن الأثير" أن بُعد المَخارج سبب الحُسن، وهو متوافر في "مستشزرات"، وعلى الرغم من ذلك عدُّوها متنافرة، ولكن العلامة "ابن الأثير" رجع عن ذلك وناقَضَ نفسه بقوله: "فإن حاسة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحُسن ما يحسن من الألفاظ وقُبح ما يقبح، وقد ورد من المتباعد المخارج شيءٌ قبيح أيضًا، ولو كان التباعد سببًا للحسن، ما كان سببًا للقبح؛ إذ هما ضدان لا يجتمعان"[6]، والحق هنا أن المَخرَج لا علاقة له بالتنافر، فكيف يكون لبُعد المخارج وقربها سلطانٌ في تحديد فائدة اللفظ؟
وعلى ذلك ينبغي أن ينظر في مبحث التنافر إلى المقام والذوق والسمع؛ لعدم تحديد العلماء ضابطًا يحدُّه، يقول العلامة "التفتازاني": "بل هذا أمر ذوقيٌّ، فكل ما عدَّه الذوق الصحيح ثقيلًا متعسِّر النطق، فهو متنافر، سواء كان من قرب المخارج أم بُعدها أم غير ذلك؛ ولهذا اكتفى المصنِّف بالتمثيل، ولم يتعرض لتحقيقه وبيان سببه؛ لتعذر ضبطه، فالأَولى أن يحال إلى سلامة الذوق"[7].
ومما تُجُوهِل فيه دور المقام والمعنى قول "ابن بابك" للوزير لي علي حمد بن أحمد[8]، من الطويل:
حَمَامَةَ جَرْعَى حَوْمَةِ الجَنْدَلِ اسْجَعِي
فَأَنْتِ بِمَرْأًى مِنْ سُعَادَ ومَسْمَعِ
سقاكِ رَذاذٌ من ندى الطلِّ واشحٌ
كما انحلَّ خيطُ اللؤلؤِ المتقطعِ
فلي مقلةٌ ترقى بوادر مائها
فيبعثها خفضُ الهذيل المرجَّعِ
ووجد تراخى من سِياتِ ضُلُوعِهِ
تخلص أنَّات الحزينِ المفجَّعِ
تتابَعَت الإضافات، فأُضيفت "حمامة" إلى "جرعى" و"حومة" إلى "الجندل"، وقد عُدَّ ذلك من العيوب المخلَّة بفصاحة الكلام، يقول الشيخ "عبدالقاهر": "ومن شأن هذا الضرب أن يدخُله الاستكراه، قال الصاحب بن عباد: "إياك والإضافات المتداخلة؛ فإن ذلك لا يحسُن"، وذكر أنه يستعمل في الهجاء؛ كقول القائل:
يَا عَلِيَّ بنَ حَمْزَةَ بنِ عُمَارَهْ *** أَنْتَ واللهِ ثَلْجَةٌ فِي خِيَارَهْ
ولا شُبْهَة في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لَطُف ومَلُح، ومما حَسُن فيه قول ابن المعتز أيضًا:
وظلَّتْ تديرُ الرَّاحَ أيدي جَآذرٍ *** عِتَاقِ دنَانيرِ الوجُوهِ مِلاحِ

تعليق