الإذاعة
خواطر

التيار العربي المحافظ في النقد الأدبي

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    التيار العربي المحافظ في النقد الأدبي

    التيار العربي المحافظ في النقد الأدبي
    شكري عياد



    إذا عُدَّ كتاب "طبقات الشعراء" لابن سلام ممثلًا لبداية النقد المتخصص على أيدي الرواة اللغويين، فإن كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتبية عبد الله بن مسلم "276هـ", يُعَدُّ استمرارًا وتطويرًا لهذا الاتجاه؛ فابن قتيبة فوق ثقافته اللغوية والأدبية, كان فقيهًا ومؤرخًا وكان مؤلفًا من ذلك الطراز الموسوعيّ الذي بدأه الجاحظ، وقد تأثر بمذهب الاعتزال، وألَمَّ ببعض الثقافات الأجنبية، ولكنه بقي متعصبًا للثقافة العربية الأصيلة، ومجموع كتبه يمكن أن يعد عملًا واحدًا متصلًا لنشر هذه الثقافة، كما أن مقدمة كتابه: "أدب الكاتب" تحمل هجومًا عنيفًا على ذلك الفريق من الكتاب الذين فتنوا بالعلوم الدخيلة، إلى حد إهمال ثقافتهم العربية, وقد ترجم ابن قتبية في كتابه "الشعر والشعراء" لمشاهير الشعراء المحدثين؛ كبشار بن برد, وأبي العتاهية, وأبي نواس، بعد أن ترجم للجاهليين والإسلاميين، وأورد نماذج من أشعار هؤلاء وهؤلاء، وصرَّح في المقدمة بأنه لم يسلك في هذا الاختيار مسلك أولئك الرواة الذين نظروا إلى الشاعر المتقدم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، بل نظر بعين العدل إلى الفريقين, فهو إذن يسلك مسلك الجاحظ في احترام الذوق المعاصر، ولكنه يصرّح في المقدمة نفسها أيضًا بأن أكثر قصده كان للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جُلِّ أهل الأدب، والذي يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب وفي النحو، وفي كتاب الله -عز وجل، وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ فهو إذن لم يتخل عن المبادئ الأصيلة لدى الرواة اللغويين، وكأنه كان يسير على آثار بعض اللغويين المتقدمين، كسيبويه والأصمعيّ، الذين روي أنهم كانوا يستشهدون أحيانًا بشعر بشار؛ لأنهم اطمأنوا إلى فصاحته.
    ولم يرتب ابن قتيبة شعراءه في طبقات كما فعل ابن سلام, ولعل هذا الاختلاف بين الصنيعين يؤكد ما ذكره الجاحظ من اختلاف الأذواق وتقلبها في عصره، بحيث لم يعد الرواة اللغويون قادرين على أن يمارسوا في النقد سلطةً تشبه سلطة المجامع في أيامنا, وقد حاول ابن قتيبة أن يوفِّق بين الذوق القديم والذوق الجديد في موقفه من قضية اللفظ والمعنى، فهو لم يجعل البلاغة في واحد منهما دون الآخر، ولكن قَسَّمَ الشعر أقسامًا أربعة: فقسم منه حسن لفظه وجاد معناه، وقسم جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه، وقسم تأخر معناه وتأخر لفظه. على أن أحكامه على حسن اللفظ وجودة المعنى ذوقية محضة، ومن العسير أن نهتدي من خلالها إلى مفهوم واضح "للفظ" أو "للمعنى", فهو يعد بيت الفرزدق:
    والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
    من القسم الذي جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه, فإذا كان قد أراد بجودة المعنى ما في البيت من تشبيه بياض الشعر بالنهار وسواده بالليل، فهو مفهوم للمعنى يختلف عن المفهوم الذي من أجله قال عن بيت أبي ذؤيب الهذلي:
    والنفس راغبةٌ إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
    إنه حسن اللفظ جيد المعنى؛ فهذا البيت الأخير يمثل ذوق المتقدمين في تفضيل أبيات الحكمة، وليس في بيت الفرزدق شيء من ذلك, إلّا على تأويل بعيد جدًا. كذلك يصعب أن نبين ما يريده بتقصير اللفظ في بيت الفرزدق، إلّا أن يكون في استعماله لفظ "الشباب" كنايةً عن الشعر الأسود, وهذا الضرب من التوسع اللغوي كثير لا يربك السامع.
    وقوله عن القسم الثاني: "إنه ما حسن لفظه وحلا, فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى" يشعر بأنه لا يزال أميل إلى ذوق الرواة المتقدمين؛ لأن الفائدة في المعنى, إنما تكون في أبيات الحكمة ونحوها, ولهذا قال: "إن هذا الصنف في الشعر كثير"، وعد منه أبياتًا استحسنها النقاد من بعده, لدقة ما فيها من التصوير، لا لمجرد "حلاة المخارج والمطالع والمقاطع" التي عني بها ابن قتبية حلاوة الجرس الموسيقي، على ما يبدو. ولكن مفهومه "للفظ والمعنى" يزيد إبهامًا لدينا حين يضيف أن من الشعر ما يختار ويحفظ لأسباب غير جودة اللفظ والمعنى، ويعد من هذه الأسباب: الإصابة في التشبيه، وخفة الرويّ.
    وإلى ابن قتيبة يرجع الوهم الشائع بأن القصيدة الجاهلية لا تكون إلّا متعددة الأغراض، مع أنه لم يقل ذلك، ولكنه قدّم تعليلًا نفسيًّا لتسلسل الأغراض في القصيدة الواحدة، بلغ من إقناعه، فيما يبدو، أن تصور من بعده من النقاد والشعراء حتى يومنا هذا, أن ذلك التسلسل هو النمط النموذجي للقصيدة العربية الأصيلة؛ فقد علل بدءها بالنسيب ووصف الأطلال باستمالة قلوب السامعين؛ إذ كانت عاطفة الحب مشتركة بين البشر جميعًا، فلا يخلو إنسان أن يكون متعلقًا منه بسبب، وعلَّلَ انتقالها إلى وصف الرحلة بأن الشاعر بعد أن ضمن إقبال النفوس عليه وإصغاء الآذان له، قدَّم وصف موجبات الحقوق لدى الممدوح؛ من متاعب تجشمها قبل الوصول إليه, ومن ثَمَّ يتهيأ له الدخول في الغرض الأصلي من قصيدته وهو المديح.
    على أن ابن قتيبة يبدو أشد محافظة حين يقرر أنه "ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج على مذاهب المتقدمين في هذه الأقسام؛ فيقف على منزل عامر ويبكي عند مشيد البنيان؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم الصافي، أو يرحل على حمارٍ أو بغلٍ فيصفهما؛ لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذبة الجواري؛ لأن المتقدمين وقفوا على الأواجن الطوامي، أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والورد والآس؛ لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرار".
    ولا شك أن ابن قتيبة كان يرد بهذه الملاحظات على شاعر مثل بشار, الذي وصف في إحدى قصائده المدحية رحلته على ظهر سفينة، أو شاعر مثل أبي نواس, الذي وقف على منازل اللهو والشراب.
    وهكذا يبدو أن نشاط النقد العربي المحافظ كان يشتد كلما حاول الشعراء المجددون أن يخرجوا على تقاليد الشعر القديم، أو حاول النقاد المتأثرون بالثقافة اليونانية -كما سيأتي- أن ينظروا في الشعر نظرة عقلية, وقد كان ظهور أبي تمام بمذهب جديد في الشعر، يقوم على الصنعة الذهنية والتدقيق في المعاني، حتى جاء بكثير من الاستعارات الغامضة, ووقع في ألوانٍ من التعقيد الأسلوبي، رافعًا إلى مزيد من النشاط من قِبَلِ النقاد المحافظين. وقبل أن تهدأ المعركة حول أبي تمام ظهر المتنبي بشخصيته الفذة التي زينت له في شبابه الإقدام على مبالغات غير معقولة، وأغرته دائمًا بالتجبر على اللغة، فشغل النقد أكثر مما شغله أبو تمام, وفي هاتين المعركتين كان النقاد المحافظون دائمًا ينصرون "الطبع" على "الصنعة"، وقد أصبحا الآن ضدين، "فالطبع" يعني: السهولة -وهي صفة في المعاني والتراكيب النحوية- والعذوبة -وهي صفة في الأصوات اللغوية- وما سموه حسن السبك -وهو وصف جامع للصفتين السابقتين، بينما تعني "الصنعة": إعمال الذهن في المعاني والتراكيب للإتيان بمعانٍ جديدةٍ أو تراكيب غير متوقعة. وهكذا بانت "الصنعة" منافية في كثير من الأحيان لجودة الصياغة، وزادت الهوة عمقًا بين اللفظ والمعنى.
    شهد القرن الرابع قمة المعركة بين المحافظين والمجددين، وزادها احتدامًا أن هؤلاء وجدوا في ممثلي التيار اليوناني سندًا ونصيرًا، حتى أن قدامة بن جعفر، الذي كان اهتمامه بالشعر منصبًّا على الناحية النظرية، تجاوز هذا الاهتمام ليؤلف كتابًا في "الرد على بن المعتز, فيما عاب به أبا تمام". وقد أنتجت هذه المعركة أهم كتابين في النقد العربي التطبيقي، وكلاهما ثمرة من ثمار التيار العربي المحافظ، وهما: "الموازنة بين الطائيين" لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي "370هـ". و"الوساطة بين المتنبي وخصومه" للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني "366هـ".
    يبدأ الآمدي موازنته بين أبي تمام والبحتري بعرض محايدٍ -ظاهريًّا على الأقل- لمذهب كلٍّ من الشاعرين. فأحدهما -البحتري- يعنى بصحة السبك ورونق العبارة, بينما يعنى الآخر بالصنعة في المعاني والغوص على الأفكار. ويكتفي الآمدي بأن يحيل القارئ على ذوقه في اختيار أحد المذهبين، ثم يمضي إلى خطة رسمها لبيان أخطاء كلٍّ من الشاعرين وسرقاته، ثم الموازنة بين ما جاء به في أغراض الشعر المعروفة؛ من الوقوف على الديار, وذكر تعفية الزمان لها, والبكاء عليها, إلخ. وهو في بيان الأخطاء شديد العناية بالناحية اللغوية، كثير الاحتكام إلى الشعر القديم، يكاد يجعل المعاني -كالألفاظ- حفظًا وروايةً عن العرب، فإذا كان الشعراء الأقدمون قد تعودوا أن يصفوا مرورهم على ديار الأحبة؛ فيجعلوا ذلك وقوفًا عندها, أو تعريجًا عليها في أثناء سفرهم, فلا يسوغ للشاعر المحدث أن يقصد إلى دار محبوبته قصدًا. وإذا كان الشعراء الجاهليون قد وصفوا ناقتهم عند الوقوف بشدة النشاط, فلا ينبغي أن يصورها الشاعر المحدث, وقد أتعبها السير وقصر خطواتها الأين والكلال. والآمدي هنا يسلك مسلك العلوم اللغوية؛ فيجعل معاني الأقدمين "أصولًا" تعتمد ويقاس عليها.
    وإذا وجدنا الآمدي ناقدًا يغلب عليه الميل إلى الناحية اللغوية، والتشدد في اتباع الأقدمين، فإننا نجد الجرجاني أميل إلى الناحية الأدبية الخالصة، وأجرأ على نقد المتقدمين؛ فهو يكثر من إيراد الشعر المختار، وربما روى منه قطعًا طويلة أو قصائد كاملة، وهو يعطينا الكثير من الأحكام الذوقية الخالصة، في أسلوبٍ تغلب عليه مسحةُ التعبير الوجداني الرقيق، ثم هو يقرر أن المتقدمين قد يخطئون في اللغة أو المعاني كما يخطئ المحدثون، ويورد لذلك أمثلة كثيرة من أشعارهم التي عابها متقدمو النحويين, وتكلف الاحتجاج لها متأخروهم. ولكن خصائص النقد العربي المحافظ ليست أقل وضوحًا عند الجرجاني منها عند الآمدي؛ فالنقد عنده لا يزال ذاتيًّا تطبيقيًّا، ولا يزال للجانب اللغوي فيه نصيب موفور، وإكثاره من إيراد المختارات الشعرية ليس إلّا صورة مما نجده عند ابن سلام وابن قتيبة, من إيراد ما يستجاد من شعر الشاعر على سبيل الرواية, لا على سبيل النقد والتحليل, والمثل الأعلى للشعر عند الآمدي والجرجاني واحد، وإن جهد كلاهما في إخفائه ليحتفظ بصفة القاضي العادل؛ وهو المعنى الواضح في اللفظ الرشيق. والجرجاني يعنى بتقرير مذهب في الأسلوب, أشار إليه الجاحظ والآمدي قبله، أما هو فتناوله بشيء من التفضيل والتعليل, يوضح ما لهذا المذهب من اتصال وثيق بتطور اللغة وتجارب الشعراء؛ فبعد أن يقرر أثر الحضارة في تهذيب اللغة، يستحسن النمط الأوسط من الأساليب، وهو "ما ارتفع عن الساقط السوقيّ، وانحطَّ عن البدويّ الوحشيّ", وهذا مذهب في الأسلوب مستمدٌّ من التجارب الخاصة للغة العربية، التي عانت فترة من الزمان اختلاف لغة البدو عن لغة الحضر، ثم عانت فترةً أخرى اختلاف لغة العامة عن لغة الأدب، فأصبح مدار الاهتمام في العبارة الشعرية على مادة الألفاظ لا على طريقة استخدامها، وأصبح مَثَلُهَا الأعلى يقوم على التوسط لا على الغرابة المقصودة.
    أما السرقات الشعرية التي تشغل من كتاب الجرجاني زهاء النصف، كما تشغل من كتاب الآمدي قرابة الثلث، فلا تقوم على بحث نظري أو "قانون عام", إلّا ما كان من التفرقة بين المشترك والمبتدع من المعاني، وتقرير أن ادعاء السرقة لا يكون إلّا في المعاني المبتدعة. والناقد يعنى بتسجيل الأبيات التي لوحظ فيها السرقة، وقد يقف وقفة ليفاضل بين صورة الصياغة عند الشعراء الذين تعاقبوا على المعنى الواحد؛ فالبحث كله، كما لوحظ فيما سبق -الفقرة4- ناشئ عن تركيز النقد على الصياغة لا على المعاني، وإن بدا الأمر بعكس ذلك للوهلة الأولى؛ فإن التيار النقدي العربي المحافظ، القائم على الرواية, المعنيّ بالجزئيات، المعجب بالقديم، وجد في هذا البحث مجالًا واسعًا لعرض محصوله، كما استطاع أن يسخره للرد على أبي تمام وأنصاره الذين ادعوا له فضل السبق إلى اختراع المعاني وابتداع الأفكار, ومع ذلك, فإن أعلام هذا النقد المحافظ لم يخف عليهم أنهم وضعوا الشعراء المحدثين جميعًا في مأزقٍ حين ألزموا الشاعر المحدث بأن يجاري القدماء في أوصافهم وتشبهاتهم، فلا يستحسن إلّا ما استحسنوه، ولا يذم إلّا ما ذموه، ولا يُشَبِّه إلّا على طريقتهم، ولا يستعير إلّا على أساليبهم، حتى إذا وافق الشاعر المحدث شاعرًا متقدمًا في معنًى أو أسلوبًا فهو آخذ وهو مسبوق، ولن ينجو من هذه اللفظة البشعة, لفظة السرقة؛ لذلك رأينا هؤلاء النقاد أنفسهم يقفون من السرقات موقف إغضاء وتسامح، فالآمدي يقول: "إن من أدركته من أهل العلم لم يكونوا يرون سرقات المعاني من كبير مساوئ الشعراء وخاصة المتأخرين؛ إذ كان هذا بابًا ما تعرى منه متقدم ولا متأخر". وهو موقف غريب من ناقد بذل جهدًا كبيرًا في بحث السرقات، وكأن هذا البحث لم يزد عن كونه نوعًا من اللعب العقليّ لا يمس جوهر التجربة الشعرية. ومن هنا لم يُخَطِّئ البلاغيون المتأخرون حين ألحقوا السرقات الشعرية بالبديع، فهي كأنواع البديع، صور من الزخرفة، وهي في النقد نفسه نوع من الزخرفة أيضًا؛ ولعل الآمدي كان أقرب إلى فهم جوهر الموضوع، وهو أن العمل الأدبي يقوم في جانب كبير منه على الاستمداد والاستيحاء، وأن الموهبة الفردية مهما عظمت فإنها لا يمكن أن تنجو من تأثير الإطار الثقافي المشترك، حين قال -متأثرًا بميله الشخصي إلى البحتري: "إلّا أنه "أي: البحتري" -مع هذا- لا ينكر أن يكون قد استعار بعض معاني أبي تمام، لقرب البلدين، وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعر أبي تمام, فيعلق شيئًا من معانيه، معتمدًا للأخذ أو غير معتمد".
    لقد بقي التيار العربي المحافظ، محافظًا على جميع خصائصه المهمة، متأثرًا بالصراع العربي الشعوبي، ربما إلى العصر الحاضر, وربما التبس الأمر على بعض الدارسين فحسبوا أن التيارين العربي واليوناني التقيا التقاءً مثمرًا عند رجل كالآمدي؛ لأنه تحدَّث في موازنته عن العلل الأربع: الهيولانية والصورية والفاعلية والتمامية, وطبَّقَ هذا المبدأ الأرسطي على نقد الشعر؛ فقال: إن العلة الهيولانية هي الألفاظ, والعلة الصورية هي إصابة الغرض فيها بقصد الصانع صنعته، والعلة الفاعلة هي صحة التأليف إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها, وخلص إلى قوله: "فهذا قول جامع لكل الصناعات المخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنًى لطيفًا مستغربًا كما قلنا في الشعر، من حيث لا يخرج عن الغرض، فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلّا فالصنعة قائمة بنفسها, مستغنية عما سواها".
    وقد يخيل إلى الدارس أن حكيمًا أو فيلسوفًا يتكلم في الشعر لن يبلغ من تطبيق الفلسفة على الصنعة الشعرية أكثر من هذا البليغ، ولكنه إذا أمعن النظر وقاس الكلام بمعايير الفلسفة الأرسطية, وجده لم يأخذ من هذه الفلسفة إلّا الشكل الخارجي؛ فهو لم يعرف منزلة "العلة الصورية" من هذه العلل الأربع، وأنها هي التي تقوم بها الصفة الذاتية للشيء، وكأنه توهم من قولهم: إن العلة الهيولانية هي "الأصل", أن العلل الباقيات فروع لها، وهو قد رأى هذه العلة الهيولانية في الألفاظ دون أن يلاحظ أن الألفاظ دوالٌّ على معانٍ، ومن ثَمَّ كان بعيدًا كل البعد عن أن يبين -بطريقة فلسفية- صفات الشعر الجديد، وانتهى إلى حيث بدأ من تقرير أن المعاني اللطيفة في الشعر نافلةٌ ليست بأصل.
    ولكن هذه الفقرة تدل -من جهة أخرى- على أن الثقافة الفلسفية قد بلغ من تمكنها في ذلك العهد -حتى في مسائل الأدب- أن رجلًا كالآمدي عُنِيَ بأن يصب فكرته في وعائها لتزداد قبولًا عند الناس.
يعمل...