من أعلام الأدب في العصر الحديث
محمد مفتاح الفيتوري
(1936 - 2015م)
[IMG][/IMG](1936 - 2015م)
نشأته:
ولد محمد مفتاح رجب الفيتورى، في 24 نوفمبر / تشرين الثاني عام 1936م في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور الحالية بالسودان، ووالده هو الشيخ مفتاح رجب الفيتوري وهو ليبي، وكان خليفة صوفي في الطريقة الشاذلية، العروسية، الأسمرية.نشأ محمد الفيتوري في مدينة الإسكندرية بمصر وحفظ القرآن الكريم في مراحل تعليمه الأولى، ثم درس بالمعهد الديني وانتقل إلى القاهرة حيث تخرج في كلية العلوم بالأزهر الشريف.
حياته العملية:
عمل الفيتوري محرراً أدبياً بالصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرًا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة في الفترة ما بين 1968 و 1970. ثم عمل مستشارًا ثقافياً في سفارة ليبيا بإيطاليا. كما عمل مستشاراً وسفيراً بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان ، ومستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب.
أسقطت عنه الحكومة السودانية في عام 1974 إبان عهد الرئيس جعفر نميري الجنسية السودانية وسحبت منه جواز السفر السوداني لمعارضته للنظام آنذاك وتبنّته الجماهيرية الليبية وأصدرت له جواز سفر ليبي وارتبط بعلاقة قوية بالعقيد معمر القذافي وبسقوط نظام القذافي سحبت منه السلطات الليبية الجديدة جواز السفر الليبي فأقام بالمغرب مع زوجته المغربية رجات في ضاحية سيدي العابد، جنوب العاصمة المغربية الرباط وفي عام 2014، عادت الحكومة السودانية ومنحته جواز سفر دبلوماسي.
رحلة إيجاد الذات:
لم يدر الصغير إن كانت الحرب العالمية الثانية قد أتت لتزيد عذابه أو لتخلصه من عذاب عصا الشيخ. كانت أسماء هتلر والنازية وموسوليني والفاشية وستالين والبلشفيك وروزفلت وتشرشل أشبه برموز وألغاز تتحدّى مداركه ومستوى فهمه، بكل ما تنطوي عليه من معان ودلالات. وشهدته حواري الإسكندرية وأزقتها المتربة المتسخة وهو يتدحرج مع الهاربين إلى الخنادق والمخابئ لينزوي معهم بعيدا عن شظايا القنابل ونيران الطائرات المنيرة التي طالما روعت غاراتها الليلية المتواصلة سكان المدينة الجميلة الهادئة النائمة في أحضان البحر الأبيض المتوسط، وكثيرا ما أحالت أحياءها ومبانيها إلى خرائب وأنقاض.
عام 1944، وحين اشتدت الحرب، اضطرت أسرته للهجرة إلى ريف مصر إلى قرية “عرمش” في منطقة “كفر الدوار”، فتعاطف مع الطبيعة بشكل عميق. وكان في غالبية أيامه يخرج من البيت مبكرا ليصطاد السمك في الترعة القريبة من القرية، ويطارد الفراش، ويلاعب الكلاب، ويغازل الزهر والشجر، ويراقب الفلاحين والعمال في أعمالهم.
الفيتوري اكتسب خبرات وتجارب إنسانية صقلت روحه في بوتقة إنسانية
بعد الحرب العالمية الثانية، تابع دراسته في المعهد الابتدائي حتى عام 1947، ثم التحق بالمعهد الصيني التابع للأزهر حتى عام 1949 في “رأس التين” ثم الأزهر الشريف حتى عام 1953.
ومن الأزهر، وفي العام الدراسي: 1953-1954، انتقل إلى كلية العلوم بالجامعة القاهرية، فرع الآداب والدراسات الإسلامية حيث قضى سنتين ثم تركها دون أن ينال شهادتها منصرفا إلى دنيا القلم والصحافة، فأصدر ديوان “أغاني أفريقيا” عام 1955، فنال حفلة تكريمية. لكنه كان تلميذا كسولا، متمردا، هاربا من روتين الجامعة، متوهجا، كحبات الزئبق الرجراجة. كان يهرب من قاعات الدرس إلى شواطئ الإسكندرية، وإلى شراء كتب للمطالعة وحضور عام 1958، محاضرات تتفق ومزاجه. وآثر العمل الصحفي، فكتب في غير صحيفة أثناء إقامته بالقاهرة. وبعد أن انتقل إلى السودان، عمل في الصحافة السودانية.
وفي لبنان أيضا كتب في عدة جرائد ومجلات، مثل: “الأسبوع العربي”، وجريدة “بيروت”، و”الديار”، وأسند إليه مهام رئيس تحرير مجلة “الثقافة العربية” الليبية، وكان قد أسندت إليه وظيفة خبير إعلامي في جامعة الدول العربية بالقاهرة، وكان يرى في هذه الوظيفة راحة بادئ الأمر، ثم ما لبث أن تركها وقت لم تعد تحقق له الحرية والحركة، فأصبح فيها أشبه بـ”مومياء أو متحف أو قضية في أرشيف”.
ومنع الفيتوري من العودة إلى السودان بعد أن رثى “عبدالخالق محجوب” الذي أعدم ورفاقه بعد الانقلاب الشيوعي الفاشل سنة 1971، وكان زعيم الحزب وقتها. فانتقل إلى بيروت، لكنه ما لبث أن أبعد عنها عام 1974 لأسباب سياسية، فسافر إلى ليبيا، ثم دمشق، ولكنه عاد إلى بيروت بعد عام واحد سنة 1975. فالفيتوري هو ذاك المشرد دائما، المسافر دائما، الغريب دائما.
وقف الفيتوري أمام مرآة ذاته، فرأى عيوبه الجسدية تنعكس على أعماق ذاته، فشعر لوهلة بـ”النقص”، و”بالجنون”: “كان قصيرا ونحيلا، ذا بشرة أميل إلى السواد. لا شك أنه كان على قدر من النقص أو الجنون، أو ربما كان شعوره بالنقص هو الذي أوقعه حينذاك عند حافة الجنون أو عكس ذلك”. وقف أمام مرآة ذاته، فكتب الشعر، وكتب الجنون.
ولفترة غير قصيرة، عذب “اللون” شاعرنا، وآلمه أن يسمى “عبدا”، وكتب ألمه متوجها به “إلى وجه أبيض”، محاولا أن يفهم معاناته أكثر كما حاول أن يفهم قضية الفقر من خلال اعتناقه “الواقعية الاشتراكية”، محاولا “كسر الصدفة من الداخل”، فتطهر بعد أن باح لذاته ولمن اعتبره أقل درجة منه، فقام ليستخدم عينيه الحادتين، الفاضحتين، المجهريتين، فتوجه إلى أفريقيا “رمز الخلاص الذاتي”، غاضبا، متمردا، داعيا إلى نفض ثقافة الحزن المقيت والتزام ثقافة الفرح.
بدأت مرحلة إيجاد الفيتوري نفسه من حضن جدته الأفريقية التي سكبت في روحه خيالات من آفاقها السرية الغامضة، بما كانت تبث في شعوره من حكايات وأساطير وعقائد وتصورات رائعة ومدهشة ومخيفة من عالمها، إلى أن عثر على كنزه الثمين: “ديوان عنترة” الذي عزز ثقته بنفسه، وأضاف إلى ثقافة الجدة ثقافة جديدة، أتبعها بقراءة أعمال أبرز الشعراء والناثرين العرب، حتى إنه وجد في انكسار جبران خليل جبران ما يشبه انكساره هو، ووجد في كون جبران نبيّا ضائعا ما يشبه نبوته الضائعة المبشرة برفض الظلم. ومن قال إنه اكتفى بالقوافي العربية باحثا عمن يشبهه؟ لقد قرأ الأدب العالمي، وبحث عند بودلير عن “جان ديفال” المعشوقة التي تجاوز بودلير عقدة اللون من أجلها.
ولم يكتف الفيتوري بقراءة الأدب بنهم، بل قرأ السياسة، وانتمى إلى ما يشبه روحه منها، وقرأ الصوفية التي يبدو أنها انتقلت إليه بالجينات من والده، فإذا به “يتدروش” بفخر الدرويش الثائر لا التقليدي. قصيدته هي تلك الصرخة التي تتجدد حتى اليوم، كل يوم، وتصلح دستورا لأمة تنحدر بفخر إلى الهاوية، وترفل بفخر في أعماق اللاحضارة.
لقد التزم الفيتوري “الكلمة”، فكانت قضيته وكانت سيفه الذي ما أغمده يوما، ولا خبأه انهزاما ولا انتهازا لفرصة أو تجارة، فعلا صوته مخترقا كل الحواجز التي وضعها تجار الأوطان وتجار الإنسان الذين يقبضون ثمن الدماء وتشريد البشر وهم يشربون نخب نجاحهم الذي كان ومازال وسيظل وصمة عار. تخلى الفيتوري عن كل ما هو ذاتي، بعد أن وجد نفسه، ونشر تجربة القوة التي ظلت طريقه إلى آخر لحظة من حياته التي لم تنته، لا بمحاولة الذاكرة ليّ ذراعه لسنوات، ولا بحفر قبر في التراب، فقد صعدت روحه إلى السماء لترقب الظلم عله يندثر.
أعماله الأدبية:
يعتبر الفيتورى جزءًا من الحركة الأدبية العربية المعاصرة، ويعد من رواد الشعر الحر الحديث، ففي قصيدة «تحت الأمطار» نجده يتحرر من الأغراض القديمة للشعر كالوصف والغزل، ويهجر الأوزان والقافية، ليعبر عن وجدان وتجربة ذاتية يشعر بها وغالبًا ما يركّز شعره على الجوانب التأملية، ليعكس رؤيته الخاصة المجردة تجاه الأشياء من حوله مستخدماً أدوات البلاغة والفصاحة التقليدية والإبداعية. ففي قصيدة «معزوفة درويش متجول» يقول الفيتوري:
في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق
تعد أفريقيا مسرحا أساسياً في نص الفيتوري الشعري، شكلت فيه محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد الرّق و الإستعمار ونضاله التحرري أهم الموضوعات التي تناولتها قصائده، وألف عدة دواوين في هذا المضمار منها ديوان «أغاني أفريقيا» الصادر في عام 1955، و «عاشق من أفريقيا» وصدر في عام 1964م ، و«اذكريني يا أفريقيا» ونشر في عام 1965 ، وديوان «أحزان أفريقيا» والصادر في عام 1966، حتى أصبح الفيتوري صوتَ أفريقيا وشاعرها. يقول في إحدى إفريقياته:
جبهة العبد ونعل السـيد
وأنين الأسود المضطهد
تلك مأساة قرون غبرت
لم أعد أقبلها لم أعد
وللهّم العربي أيضاً مكانة في أعمال الفيتوري من خلال تناوله للقضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية. فقد تنقل الفيتوري بين العديد من بلدان الوطن العربي ومدنه من الإسكندرية وحتى الخرطوم ومن بيروت ودمشق حتى بني غازي وطرابلس، وكتب العديد من القصائد المهمة التي جعلته واحدا من كبار الشعراء العرب المعاصرين، فهو يقول:
لقد صبغوا وجهك العربي
آه... يا وطني
لكأنك، والموت والضحكات الدميمة
حولك، لم تتشح بالحضارة يوما
ولم تلد الشمس والأنبياء
كتب الفيتوري عن الحرية والإنعتاق ومناهضة القيود والاستبداد والإعتزاز بالوطن منذ بداياته الشعرية ففي قصيدة «أصبح الصبح» والتي تغنى بها المغني السوداني محمد وردي يقول:
أصبح الصبح ولا السجن فلا السجن ولا السجان باق
وإذا الفجر جناحان يرفان عليك
وإذا الحسن الذي كحل هاتيك المآقي
التقى جيل البطولات بجيل التضحيات
التقى كل شهيد قهر الظلم ومات
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات
أبدا ما هنت يا سوداننا ويوما علينا
بالذي أصبح شمساً في يدينا
وغناء عاطرا تعدو به الريح، فتختال الهوينى
وفي قصيدة أخرى يقول:
كل الطغاة دُمىً
ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة
وهو يعلق أوسمة الموت
فوق صدور الرجال
أنه بطلاً ما يزال
إلى جانب نظمه للشعر نشر الفيتوري العديد من الأعمال النثرية والنقدية وبعض الدراسات في الصحف والمجلات العربية وتمت ترجمة بعض أعماله إلى لغات أجنبية ومن بين تلك الأعمال المترجمة:
نحو فهم المستقبلية (دراسة)
التعليم في بريطانيا
تعليم الكبار في الدول النامية
مؤلفاته:
للفيتوري عدد كبير من المؤلفات والقصائد والدواوين الشعرية، مثل دواوين: "أغاني أفريقيا"، و"عاشق من أفريقيا"، و"اذكريني يا أفريقيا"، و"سقوط دبشليم"، و"معزوفة لدرويش متجول"، و"سولارا"، و"البطل والثورة والمشنقة"، و"أقوال شاهد إثبات"، و"ابتسمي حتى تمر الخيل"، و"عصفورة الدم". كما كتب مسرحية "ثورة عمر المختار" عام 1974، ودراسة "عالم الصحافة العربية والأجنبية" عام 1981.
وصدرت له دراسة "الموجب والسالب في الصحافة العربية" (1986)، و"أحزان أفريقيا"
(1966)، و"شرق الشمس.. غرب القمر" (1985)، و"يأتي العاشقون إليك" 1989، و"قوس الليل.. قوس النهار" (1994).
جوائزه:
حصل محمد الفيتورى على «وسام الفاتح» الليبي و «الوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب» بالسودان .
دواوينه الشعرية:
أغاني إفريقيا (أول دواوينه، 1955)
عاشق من إفريقيا (1964)
اذكرينى ياإفريقيا (1965)
أحزان إفريقيا (1966)
البطل والثورة والمشنقة (1968)
سقوط دبشليم (1969)
سولارا (مسرحية شعرية) (1970)
معزوقة درويش متجول (1971)
ثورة عمر المختار (1973)
أقوال شاهد إثبات
ابتسمى حتى تمر الخيل (1975)
عصفورة الدم (1983)
شرق الشمس... غرب القمر (1985)
يأتي العاشقون إليك (1989)
قوس الليل... قوس النهار (1994)
أغصان الليل عليك
يوسف بن تاشفين (مسرحية) (1997)
الشاعر واللعبة (مسرحية) (1997)
نار في رماد الأشياء
عريانا يرقص في الشمس (2005)
قالوا عنه:
الروائي طارق الطيب – فيينا
الفيتوري الدرويش الجوال
الأعظم من قدر الإنسان هو الإنسان… تظل روح الشاعر محمد الفيتوري معلقة بالإنسان وأحواله، سواء هذا الإنسان المستعبد تحت نير الاستعمار والعبودية والتخلف، وظهر ذلك في دواوينه “أغاني أفريقيا” (صدر في عام 1955)، “عاشق من أفريقيا” (1964)، “اذكرينى يا أفريقيا” (1965)، “أحزان أفريقيا” (1966)، “البطل والثورة والمشنقة” (1968).
تنقل محمد الفيتوري في جغرافيا واسعة، فقد عمل محررا أدبيا بالصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة، في الفترة ما بين 1968 و1970. ثم عمل مستشارا ثقافيا في سفارة ليبيا بإيطاليا. كما عمل مستشارا وسفيرا بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان، ومستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب. ما أتاح له اكتساب خبرات وتجارب إنسانية صقلت روحه في بوتقة إنسانية وعالمية تتجاوز الإطار المحلي الضيق إلى أفق إنساني فريد. وظهر ذلك بداية من ديوانه “معزوفة درويش متجول” (1971).
وقد بلغ محمد الفيتوري ذروته الشعرية في نصوصه الأخيرة خاصة في ديوانيه “نار في رماد الأشياء”، “عريانا يرقص في الشمس″ (2005).
اسم الفيتوري ارتبط في ذهن المثقف العربي بأنه شاعر القضايا القومية، وشاعر الثورات العربية الأول
عبدالنبي فرج
ولد محمد مفتاح رجب الفيتورى، في 24 نوفمبر / تشرين الثاني عام 1936م في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور الحالية بالسودان، ووالده هو الشيخ مفتاح رجب الفيتوري وهو ليبي، وكان خليفة صوفي في الطريقة الشاذلية، العروسية، الأسمرية.نشأ محمد الفيتوري في مدينة الإسكندرية بمصر وحفظ القرآن الكريم في مراحل تعليمه الأولى، ثم درس بالمعهد الديني وانتقل إلى القاهرة حيث تخرج في كلية العلوم بالأزهر الشريف.
حياته العملية:
عمل الفيتوري محرراً أدبياً بالصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرًا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة في الفترة ما بين 1968 و 1970. ثم عمل مستشارًا ثقافياً في سفارة ليبيا بإيطاليا. كما عمل مستشاراً وسفيراً بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان ، ومستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب.
أسقطت عنه الحكومة السودانية في عام 1974 إبان عهد الرئيس جعفر نميري الجنسية السودانية وسحبت منه جواز السفر السوداني لمعارضته للنظام آنذاك وتبنّته الجماهيرية الليبية وأصدرت له جواز سفر ليبي وارتبط بعلاقة قوية بالعقيد معمر القذافي وبسقوط نظام القذافي سحبت منه السلطات الليبية الجديدة جواز السفر الليبي فأقام بالمغرب مع زوجته المغربية رجات في ضاحية سيدي العابد، جنوب العاصمة المغربية الرباط وفي عام 2014، عادت الحكومة السودانية ومنحته جواز سفر دبلوماسي.
رحلة إيجاد الذات:
لم يدر الصغير إن كانت الحرب العالمية الثانية قد أتت لتزيد عذابه أو لتخلصه من عذاب عصا الشيخ. كانت أسماء هتلر والنازية وموسوليني والفاشية وستالين والبلشفيك وروزفلت وتشرشل أشبه برموز وألغاز تتحدّى مداركه ومستوى فهمه، بكل ما تنطوي عليه من معان ودلالات. وشهدته حواري الإسكندرية وأزقتها المتربة المتسخة وهو يتدحرج مع الهاربين إلى الخنادق والمخابئ لينزوي معهم بعيدا عن شظايا القنابل ونيران الطائرات المنيرة التي طالما روعت غاراتها الليلية المتواصلة سكان المدينة الجميلة الهادئة النائمة في أحضان البحر الأبيض المتوسط، وكثيرا ما أحالت أحياءها ومبانيها إلى خرائب وأنقاض.
عام 1944، وحين اشتدت الحرب، اضطرت أسرته للهجرة إلى ريف مصر إلى قرية “عرمش” في منطقة “كفر الدوار”، فتعاطف مع الطبيعة بشكل عميق. وكان في غالبية أيامه يخرج من البيت مبكرا ليصطاد السمك في الترعة القريبة من القرية، ويطارد الفراش، ويلاعب الكلاب، ويغازل الزهر والشجر، ويراقب الفلاحين والعمال في أعمالهم.
الفيتوري اكتسب خبرات وتجارب إنسانية صقلت روحه في بوتقة إنسانية
بعد الحرب العالمية الثانية، تابع دراسته في المعهد الابتدائي حتى عام 1947، ثم التحق بالمعهد الصيني التابع للأزهر حتى عام 1949 في “رأس التين” ثم الأزهر الشريف حتى عام 1953.
ومن الأزهر، وفي العام الدراسي: 1953-1954، انتقل إلى كلية العلوم بالجامعة القاهرية، فرع الآداب والدراسات الإسلامية حيث قضى سنتين ثم تركها دون أن ينال شهادتها منصرفا إلى دنيا القلم والصحافة، فأصدر ديوان “أغاني أفريقيا” عام 1955، فنال حفلة تكريمية. لكنه كان تلميذا كسولا، متمردا، هاربا من روتين الجامعة، متوهجا، كحبات الزئبق الرجراجة. كان يهرب من قاعات الدرس إلى شواطئ الإسكندرية، وإلى شراء كتب للمطالعة وحضور عام 1958، محاضرات تتفق ومزاجه. وآثر العمل الصحفي، فكتب في غير صحيفة أثناء إقامته بالقاهرة. وبعد أن انتقل إلى السودان، عمل في الصحافة السودانية.
وفي لبنان أيضا كتب في عدة جرائد ومجلات، مثل: “الأسبوع العربي”، وجريدة “بيروت”، و”الديار”، وأسند إليه مهام رئيس تحرير مجلة “الثقافة العربية” الليبية، وكان قد أسندت إليه وظيفة خبير إعلامي في جامعة الدول العربية بالقاهرة، وكان يرى في هذه الوظيفة راحة بادئ الأمر، ثم ما لبث أن تركها وقت لم تعد تحقق له الحرية والحركة، فأصبح فيها أشبه بـ”مومياء أو متحف أو قضية في أرشيف”.
ومنع الفيتوري من العودة إلى السودان بعد أن رثى “عبدالخالق محجوب” الذي أعدم ورفاقه بعد الانقلاب الشيوعي الفاشل سنة 1971، وكان زعيم الحزب وقتها. فانتقل إلى بيروت، لكنه ما لبث أن أبعد عنها عام 1974 لأسباب سياسية، فسافر إلى ليبيا، ثم دمشق، ولكنه عاد إلى بيروت بعد عام واحد سنة 1975. فالفيتوري هو ذاك المشرد دائما، المسافر دائما، الغريب دائما.
وقف الفيتوري أمام مرآة ذاته، فرأى عيوبه الجسدية تنعكس على أعماق ذاته، فشعر لوهلة بـ”النقص”، و”بالجنون”: “كان قصيرا ونحيلا، ذا بشرة أميل إلى السواد. لا شك أنه كان على قدر من النقص أو الجنون، أو ربما كان شعوره بالنقص هو الذي أوقعه حينذاك عند حافة الجنون أو عكس ذلك”. وقف أمام مرآة ذاته، فكتب الشعر، وكتب الجنون.
ولفترة غير قصيرة، عذب “اللون” شاعرنا، وآلمه أن يسمى “عبدا”، وكتب ألمه متوجها به “إلى وجه أبيض”، محاولا أن يفهم معاناته أكثر كما حاول أن يفهم قضية الفقر من خلال اعتناقه “الواقعية الاشتراكية”، محاولا “كسر الصدفة من الداخل”، فتطهر بعد أن باح لذاته ولمن اعتبره أقل درجة منه، فقام ليستخدم عينيه الحادتين، الفاضحتين، المجهريتين، فتوجه إلى أفريقيا “رمز الخلاص الذاتي”، غاضبا، متمردا، داعيا إلى نفض ثقافة الحزن المقيت والتزام ثقافة الفرح.
بدأت مرحلة إيجاد الفيتوري نفسه من حضن جدته الأفريقية التي سكبت في روحه خيالات من آفاقها السرية الغامضة، بما كانت تبث في شعوره من حكايات وأساطير وعقائد وتصورات رائعة ومدهشة ومخيفة من عالمها، إلى أن عثر على كنزه الثمين: “ديوان عنترة” الذي عزز ثقته بنفسه، وأضاف إلى ثقافة الجدة ثقافة جديدة، أتبعها بقراءة أعمال أبرز الشعراء والناثرين العرب، حتى إنه وجد في انكسار جبران خليل جبران ما يشبه انكساره هو، ووجد في كون جبران نبيّا ضائعا ما يشبه نبوته الضائعة المبشرة برفض الظلم. ومن قال إنه اكتفى بالقوافي العربية باحثا عمن يشبهه؟ لقد قرأ الأدب العالمي، وبحث عند بودلير عن “جان ديفال” المعشوقة التي تجاوز بودلير عقدة اللون من أجلها.
ولم يكتف الفيتوري بقراءة الأدب بنهم، بل قرأ السياسة، وانتمى إلى ما يشبه روحه منها، وقرأ الصوفية التي يبدو أنها انتقلت إليه بالجينات من والده، فإذا به “يتدروش” بفخر الدرويش الثائر لا التقليدي. قصيدته هي تلك الصرخة التي تتجدد حتى اليوم، كل يوم، وتصلح دستورا لأمة تنحدر بفخر إلى الهاوية، وترفل بفخر في أعماق اللاحضارة.
لقد التزم الفيتوري “الكلمة”، فكانت قضيته وكانت سيفه الذي ما أغمده يوما، ولا خبأه انهزاما ولا انتهازا لفرصة أو تجارة، فعلا صوته مخترقا كل الحواجز التي وضعها تجار الأوطان وتجار الإنسان الذين يقبضون ثمن الدماء وتشريد البشر وهم يشربون نخب نجاحهم الذي كان ومازال وسيظل وصمة عار. تخلى الفيتوري عن كل ما هو ذاتي، بعد أن وجد نفسه، ونشر تجربة القوة التي ظلت طريقه إلى آخر لحظة من حياته التي لم تنته، لا بمحاولة الذاكرة ليّ ذراعه لسنوات، ولا بحفر قبر في التراب، فقد صعدت روحه إلى السماء لترقب الظلم عله يندثر.
أعماله الأدبية:
يعتبر الفيتورى جزءًا من الحركة الأدبية العربية المعاصرة، ويعد من رواد الشعر الحر الحديث، ففي قصيدة «تحت الأمطار» نجده يتحرر من الأغراض القديمة للشعر كالوصف والغزل، ويهجر الأوزان والقافية، ليعبر عن وجدان وتجربة ذاتية يشعر بها وغالبًا ما يركّز شعره على الجوانب التأملية، ليعكس رؤيته الخاصة المجردة تجاه الأشياء من حوله مستخدماً أدوات البلاغة والفصاحة التقليدية والإبداعية. ففي قصيدة «معزوفة درويش متجول» يقول الفيتوري:
في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق
تعد أفريقيا مسرحا أساسياً في نص الفيتوري الشعري، شكلت فيه محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد الرّق و الإستعمار ونضاله التحرري أهم الموضوعات التي تناولتها قصائده، وألف عدة دواوين في هذا المضمار منها ديوان «أغاني أفريقيا» الصادر في عام 1955، و «عاشق من أفريقيا» وصدر في عام 1964م ، و«اذكريني يا أفريقيا» ونشر في عام 1965 ، وديوان «أحزان أفريقيا» والصادر في عام 1966، حتى أصبح الفيتوري صوتَ أفريقيا وشاعرها. يقول في إحدى إفريقياته:
جبهة العبد ونعل السـيد
وأنين الأسود المضطهد
تلك مأساة قرون غبرت
لم أعد أقبلها لم أعد
وللهّم العربي أيضاً مكانة في أعمال الفيتوري من خلال تناوله للقضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية. فقد تنقل الفيتوري بين العديد من بلدان الوطن العربي ومدنه من الإسكندرية وحتى الخرطوم ومن بيروت ودمشق حتى بني غازي وطرابلس، وكتب العديد من القصائد المهمة التي جعلته واحدا من كبار الشعراء العرب المعاصرين، فهو يقول:
لقد صبغوا وجهك العربي
آه... يا وطني
لكأنك، والموت والضحكات الدميمة
حولك، لم تتشح بالحضارة يوما
ولم تلد الشمس والأنبياء
كتب الفيتوري عن الحرية والإنعتاق ومناهضة القيود والاستبداد والإعتزاز بالوطن منذ بداياته الشعرية ففي قصيدة «أصبح الصبح» والتي تغنى بها المغني السوداني محمد وردي يقول:
أصبح الصبح ولا السجن فلا السجن ولا السجان باق
وإذا الفجر جناحان يرفان عليك
وإذا الحسن الذي كحل هاتيك المآقي
التقى جيل البطولات بجيل التضحيات
التقى كل شهيد قهر الظلم ومات
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات
أبدا ما هنت يا سوداننا ويوما علينا
بالذي أصبح شمساً في يدينا
وغناء عاطرا تعدو به الريح، فتختال الهوينى
وفي قصيدة أخرى يقول:
كل الطغاة دُمىً
ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة
وهو يعلق أوسمة الموت
فوق صدور الرجال
أنه بطلاً ما يزال
إلى جانب نظمه للشعر نشر الفيتوري العديد من الأعمال النثرية والنقدية وبعض الدراسات في الصحف والمجلات العربية وتمت ترجمة بعض أعماله إلى لغات أجنبية ومن بين تلك الأعمال المترجمة:
نحو فهم المستقبلية (دراسة)
التعليم في بريطانيا
تعليم الكبار في الدول النامية
مؤلفاته:
للفيتوري عدد كبير من المؤلفات والقصائد والدواوين الشعرية، مثل دواوين: "أغاني أفريقيا"، و"عاشق من أفريقيا"، و"اذكريني يا أفريقيا"، و"سقوط دبشليم"، و"معزوفة لدرويش متجول"، و"سولارا"، و"البطل والثورة والمشنقة"، و"أقوال شاهد إثبات"، و"ابتسمي حتى تمر الخيل"، و"عصفورة الدم". كما كتب مسرحية "ثورة عمر المختار" عام 1974، ودراسة "عالم الصحافة العربية والأجنبية" عام 1981.
وصدرت له دراسة "الموجب والسالب في الصحافة العربية" (1986)، و"أحزان أفريقيا"
(1966)، و"شرق الشمس.. غرب القمر" (1985)، و"يأتي العاشقون إليك" 1989، و"قوس الليل.. قوس النهار" (1994).
جوائزه:
حصل محمد الفيتورى على «وسام الفاتح» الليبي و «الوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب» بالسودان .
دواوينه الشعرية:
أغاني إفريقيا (أول دواوينه، 1955)
عاشق من إفريقيا (1964)
اذكرينى ياإفريقيا (1965)
أحزان إفريقيا (1966)
البطل والثورة والمشنقة (1968)
سقوط دبشليم (1969)
سولارا (مسرحية شعرية) (1970)
معزوقة درويش متجول (1971)
ثورة عمر المختار (1973)
أقوال شاهد إثبات
ابتسمى حتى تمر الخيل (1975)
عصفورة الدم (1983)
شرق الشمس... غرب القمر (1985)
يأتي العاشقون إليك (1989)
قوس الليل... قوس النهار (1994)
أغصان الليل عليك
يوسف بن تاشفين (مسرحية) (1997)
الشاعر واللعبة (مسرحية) (1997)
نار في رماد الأشياء
عريانا يرقص في الشمس (2005)
قالوا عنه:
الروائي طارق الطيب – فيينا
الفيتوري الدرويش الجوال
الأعظم من قدر الإنسان هو الإنسان… تظل روح الشاعر محمد الفيتوري معلقة بالإنسان وأحواله، سواء هذا الإنسان المستعبد تحت نير الاستعمار والعبودية والتخلف، وظهر ذلك في دواوينه “أغاني أفريقيا” (صدر في عام 1955)، “عاشق من أفريقيا” (1964)، “اذكرينى يا أفريقيا” (1965)، “أحزان أفريقيا” (1966)، “البطل والثورة والمشنقة” (1968).
تنقل محمد الفيتوري في جغرافيا واسعة، فقد عمل محررا أدبيا بالصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة، في الفترة ما بين 1968 و1970. ثم عمل مستشارا ثقافيا في سفارة ليبيا بإيطاليا. كما عمل مستشارا وسفيرا بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان، ومستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب. ما أتاح له اكتساب خبرات وتجارب إنسانية صقلت روحه في بوتقة إنسانية وعالمية تتجاوز الإطار المحلي الضيق إلى أفق إنساني فريد. وظهر ذلك بداية من ديوانه “معزوفة درويش متجول” (1971).
وقد بلغ محمد الفيتوري ذروته الشعرية في نصوصه الأخيرة خاصة في ديوانيه “نار في رماد الأشياء”، “عريانا يرقص في الشمس″ (2005).
اسم الفيتوري ارتبط في ذهن المثقف العربي بأنه شاعر القضايا القومية، وشاعر الثورات العربية الأول
عبدالنبي فرج


تعليق