الجملة في القرآن الكريم
1- الجمل المرتبطة بما قبلها (غير المستقلة) وبعض أسباب ارتباطها
الشيخ مسعد أحمد الشايب
مدخل:
الكلام: هو ما تركَّب مِن كلمتين أو أكثر، وله معنًى مفيدٌ مستقلٌّ (يَحسُن السكوت عليه)؛ مثل: أقبل ضيف، فاز طالب نبيهٌ، لن يُهمِلَ عاقلٌ واجبًا.
والجملة: عبارةٌ عن الفعل وفاعله؛ كـ(قام زيد)، أو المبتدأ والخبر؛ كـ(زيد قائم)، أو ما كان كأحدهما؛ كـ(ضرب اللص)، و(أقائم الزيدان)، و(كان زيد قائمًا)، و(ظننته قائمًا).
والجملة أعمُّ من الكلام، وهما ليسا بمترادفينِ كما يظن كثير من الناس؛ إذ من شرط الكلام أن يُفيد إفادة تامَّة يَحسُنُ السكوت عليها، ولا يُشترط ذلك في الجملة، ولهذا تسمَعُهم يقولون: جملة الشرط، جملة الجواب، جملة الصلة، وكل ذلك ليس مفيدًا فائدة تامة، فليس بكلام[1].
والجملة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
جملة اسمية: وهي التي صدرُها اسم؛ كقولنا: (زيد قائم).
جملة فعلية: وهي التي صدرها فعل؛ كقولنا: (قام زيد).
جملة ظرفية: وهي التي صدرُها ظرف أو جارٌّ ومجرور؛ كقولنا: (أعندك زيد؟)، و(أفي الدار زيد؟)، وهذا إذا قدرت زيدًا فاعلًا بالظرف أو الجار والمجرور، لا بالمحذوف المقدر، وتقديره: (مستقر)، فهو مبتدأ مقدَّر مُخبَر عنه بهما، وزاد الزمخشريُّ وغيره في أقسام الجملةِ الجملةَ الشرطية، والصواب أنها من قَبيل الجملة الفعلية[2].
تنبيه مهم:
قال ابن هشام: (مرادُنا بصدر الجملة المسندُ أو المسند إليه، فلا عبرةَ بما تقدَّم عليهما من الحروف؛ فالجملة من نحو: (أقائم الزيدان؟)، و(أزيد أخوك؟)، و(لعل أباك منطلق)، و(ما زيد قائمًا) - اسميةٌ، ومن نحو: (أقام زيد؟)، و(إن قام زيد)، و(قد قام زيد)، و(هلَّا قمت) - فعليةٌ.
والمعتَبر أيضًا هو ما صدر في الأصل، فالجملةُ مِن نحو: (كيف جاء زيد)، ومِن نحو: ﴿ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴾ [غافر: 81]، ومِن نحو: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87]، وَ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ ﴾ [القمر: 7] - فعليةٌ؛ لأن هذه الأسماء في نية التأخير، وكذا الجملة في نحو: (يا عبدالله)، ونحو: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾ [التوبة: 6]، ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ [النحل: 5]، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ [الليل: 1]؛ لأن صدورَها في الأصل أفعالٌ، والتقدير: (أدعو زيدًا)[3]، (وإن استجارَك أحدٌ)، (وخلَق الأنعامَ)، (وأقسم والليل)[4]؛ ا. هـ.
هذا؛ والجملةُ في القرآن الكريم إما أن تكون مرتبطةً بما قبلها وبسببٍ، وبرابطٍ منه، وإما أن تكون مستقلةً عما قبلها، وجاءت بعده لمناسبة أو علة، أو هدف، وهذا الترتيب بين الجُمَل القرآنية وما قبلها لا بد أن يرجِعَ إلى معنى ما يربط بينهما، عامًّا كان هذا المعنى أو خاصًّا، عقليًّا أو حسيًّا أو خياليًّا، أو غير ذلك من أنواع العَلاقات أو التلازم الذهني؛ كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين، ونحوه، أو التلازم الخارجي؛ كالمرتَّب على ترتيب الوجود في باب الخبر، كما تقدم عند الحديث عن روابط الآيات القرآنية، وينبغي للباحث عن أسباب ارتباط الجُمَل القرآنية بما قبلها أن ينظر أولًا في الجملة هل هي مكملة لما قبلها أو مستقلة عنه؟ وإذا كانت مستقلة عنه، فما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ولِمَ جِيءَ بها وراءها؟ ينبغى له أن يعايش باب (الفصل والوصل)[5] في علم البلاغة؛ وذلك حتى تصيرَ الجُمَل القرآنية آخذةً بأعناق بعضها البعض، فيَقوى الارتباط بينها، وحتى يكون النظمُ القرآني حاله حال البناء المحكم المتلاحم اللبنات والأجزاء، وإليك بيان ذلك:
الجمل المرتبطة بما قبلها (غير المستقلة) وبعض أسباب ارتباطها:
الجملة إما أن تكون ظاهرةَ الارتباط بسابقها (غير مستقلة) لعدم تمام الكلام، أو تكون الجملة أو الجمل اللاحقة مؤكِّدة أو مفسِّرة وموضِّحة لما قبلَها، أو معلِّلة، إلى غير ذلك من الأسباب؛ وذلك كالتالي:
أولًا: أن تقع الجملة خبرًا لما قبلها، والجملة الواقعة خبرًا مِن الجمل التي لها محل من الإعراب، وتكون خبرًا لثلاثة أشياء:
الأول: خبر للمبتدأ، ومحلها الرفع؛ كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ﴾ [الروم: 11]، فجملة (يبدأ الخلق) في محل رفع خبر للمبتدأ لفظ الجلالة.
الثاني: خبر لـ(إن) أو إحدى أخواتها، ومحلها الرفع أيضًا؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، فجملة (إنا لا نضيع...) في محل رفع خبر (إن) الأولى بتقدير الرابط؛ أي: لا نُضيع أجرهم[6]، وكقوله تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]، فجملة (تنفع المؤمنين) في محل رفع خبر (إن).
الثالث: خبر للفعل الناقص (كان وأخواتها) أو (كاد وأخواتها)، ومحلها النصب؛ كقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ [الكهف: 42]، فجملة (يُقلِّب كفَّيه...) في محل نصب خبر للفعل الناقص (أصبح)؛ وكقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ﴾ [الإسراء: 76]، فجملة (يستفزُّونك...) في محل نصب خبر لفعل المقاربة (كاد).
ثانيًا: أن تقع الجملة حالًا من الذي قبلها، وهي مِن الجمل التي لها محلٌّ من الإعراب؛ كقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]، فجملة (وأنتم سكارى) في محلِّ نصب حال من الفاعل في (تقربوا)، وهو (الواو)، وكقوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴾ [يوسف: 14]، فجملة (ونحن عصبة) معترضةٌ بين الشرط وجوابه، وهي في محل نصب حال من (الذئب).
ثالثًا: أن تقع الجملة تعليلًا لما قبلها؛ كقوله تعالى: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 20]، فجملة (إن الله على كل شيء قدير) لا محل لها من الإعراب، استئنافية تعليلية لمشيئته سبحانه وتعالى الذَّهابَ بسمعهم وأبصارهم، وكأن سائلًا سأل: وكيف يذهب الله بسمعهم وأبصارهم؟ فكان الجواب: (إن الله على كل شيء قدير)؛ أي: يذهب بسمعهم وأبصارهم بقدرته سبحانه وتعالى،وكقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، فمن الممكن أن تكون جملة (إنا لا نضيع...) جملةً تعليلة، ويكون خبر (إن) الأولى مقدرًا تقديره: سنُجازِيهم.
رابعًا: أن تقع الجملة مفعولًا لما قبلها، وهي من الجمل التي لها محل من الإعراب أيضًا، وتقع الجملة مفعولًا في ثلاثة أبواب:
الأول: باب الحكاية بالقول؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ [مريم: 30]، فـ(إن واسمها وخبرها) جملةٌ في محل نصب مفعول به على رأى جمهور النحاة[7].
أو مرادف (الحكاية بالقول)؛ كقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]، وكقوله تعالى: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴾ [هود: 42]، فجملة (يا بَنِي إن...) وجملةُ (يا بُنَيَّ اركب معنا...) في محل نصب اتفاقًا.
ثم قال البصريون: النصب بقولٍ مقدَّر، وقال الكوفيون: بالفعل المذكور، ويشهد للبصريين التصريحُ بالقول في نحو: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ [هود: 45]، ونحو: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ ﴾ [مريم: 3، 4]،وقول أبي البقاء في قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، إن الجملة الثانية في موضع نصب بـ(يوصي)، قال: لأن المعنى يفرضُ لكم، أو يشرعُ لكم في أمر أولادكم، إنما يصح هذا على قول الكوفيين، وقال الزمخشري: إن الجملة الأولى إجمال، والثانية تفصيل لها، وهذا يقتضي أنها عنده مفسرة ولا محل لها، وهو الظاهر[8].
الثاني: باب (ظن) و(أَعْلَم)، فإنها تقع مفعولًا ثانيًا لظن وثالثًا لأعلم.
الثالث: في باب التعليق، وليس خاصًّا بباب ظن، بل في كل فعل قلبي.
خامسًا: أن تقع الجملة مضافًا إلى ما قبلها، وهي في محل جرٍّ بالإضافة، ولا يضاف إلى الجملة إلا ثمانية أشياء:
(أسماء الزمان) ظروفًا كانت أو أسماء؛ كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ [آل عمران: 30].
و(حيث)؛ كقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 89].
و(آية) بمعنى علامة، ولم تضف في القرآن إلا لمفرد.
و(ذو)، ولم تضف في القرآن إلا لمفرد أيضًا.
و(لَدُن)، وهي اسم لمبدأ الغاية زمانيةً كانت أو مكانيةً.
و(رَيْث) وهي مصدر (راث)؛ أي: أبطأ، وعُومِلت معاملة أسماء الزمان في الإضافة إلى الجملة، ويشترط في الجملة التي تضاف إلى (لدن) و(ريث) أن يكون فعلها فعلًا متصرفًا، ومثبتًا أيضًا، و(قول)، و(قائل) ولا مثال لهم في القرآن بعد بحثٍ شديد.
سادسًا: أن تقع الجملة تابعة لجملة قبلها، سواء أكان لها محلٌّ من الإعراب (كجواب الشرط)، أم لا (كصلة الموصول، ومقول القول).
فالأول: كقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 89]، فجملة (فخُذُوهم) في محل جزمٍ جواب الشرط مقترنة بالفاء، وجملة (واقتُلُوهم) في محل جزم معطوفة على جملة خذوهم، وجملة (لا تتخذوا...) في محل جزم معطوفة على جملة خذوهم.
والثاني: كقوله تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: 36]، فجملة (فأزلَّهما الشيطان...) لا محل لها استئنافية، وجملة (فأخرَجَهما) لا محل لها معطوفة على الاستئنافية، وجملة (كانا فيه) لا محل لها صلة الموصول (ما)، وجملة (وقلنا...) لا محل لها معطوفة على الاستئنافية، وجملة (اهبطوا...) لا محل لها مقول القول.
قلت: وما أكثر الجُمَلَ القرآنية التي وقعت صلةً للموصول، أو مقولًا للقول.
1- الجمل المرتبطة بما قبلها (غير المستقلة) وبعض أسباب ارتباطها
الشيخ مسعد أحمد الشايب
مدخل:
الكلام: هو ما تركَّب مِن كلمتين أو أكثر، وله معنًى مفيدٌ مستقلٌّ (يَحسُن السكوت عليه)؛ مثل: أقبل ضيف، فاز طالب نبيهٌ، لن يُهمِلَ عاقلٌ واجبًا.
والجملة: عبارةٌ عن الفعل وفاعله؛ كـ(قام زيد)، أو المبتدأ والخبر؛ كـ(زيد قائم)، أو ما كان كأحدهما؛ كـ(ضرب اللص)، و(أقائم الزيدان)، و(كان زيد قائمًا)، و(ظننته قائمًا).
والجملة أعمُّ من الكلام، وهما ليسا بمترادفينِ كما يظن كثير من الناس؛ إذ من شرط الكلام أن يُفيد إفادة تامَّة يَحسُنُ السكوت عليها، ولا يُشترط ذلك في الجملة، ولهذا تسمَعُهم يقولون: جملة الشرط، جملة الجواب، جملة الصلة، وكل ذلك ليس مفيدًا فائدة تامة، فليس بكلام[1].
والجملة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
جملة اسمية: وهي التي صدرُها اسم؛ كقولنا: (زيد قائم).
جملة فعلية: وهي التي صدرها فعل؛ كقولنا: (قام زيد).
جملة ظرفية: وهي التي صدرُها ظرف أو جارٌّ ومجرور؛ كقولنا: (أعندك زيد؟)، و(أفي الدار زيد؟)، وهذا إذا قدرت زيدًا فاعلًا بالظرف أو الجار والمجرور، لا بالمحذوف المقدر، وتقديره: (مستقر)، فهو مبتدأ مقدَّر مُخبَر عنه بهما، وزاد الزمخشريُّ وغيره في أقسام الجملةِ الجملةَ الشرطية، والصواب أنها من قَبيل الجملة الفعلية[2].
تنبيه مهم:
قال ابن هشام: (مرادُنا بصدر الجملة المسندُ أو المسند إليه، فلا عبرةَ بما تقدَّم عليهما من الحروف؛ فالجملة من نحو: (أقائم الزيدان؟)، و(أزيد أخوك؟)، و(لعل أباك منطلق)، و(ما زيد قائمًا) - اسميةٌ، ومن نحو: (أقام زيد؟)، و(إن قام زيد)، و(قد قام زيد)، و(هلَّا قمت) - فعليةٌ.
والمعتَبر أيضًا هو ما صدر في الأصل، فالجملةُ مِن نحو: (كيف جاء زيد)، ومِن نحو: ﴿ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴾ [غافر: 81]، ومِن نحو: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87]، وَ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ ﴾ [القمر: 7] - فعليةٌ؛ لأن هذه الأسماء في نية التأخير، وكذا الجملة في نحو: (يا عبدالله)، ونحو: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾ [التوبة: 6]، ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ [النحل: 5]، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ [الليل: 1]؛ لأن صدورَها في الأصل أفعالٌ، والتقدير: (أدعو زيدًا)[3]، (وإن استجارَك أحدٌ)، (وخلَق الأنعامَ)، (وأقسم والليل)[4]؛ ا. هـ.
هذا؛ والجملةُ في القرآن الكريم إما أن تكون مرتبطةً بما قبلها وبسببٍ، وبرابطٍ منه، وإما أن تكون مستقلةً عما قبلها، وجاءت بعده لمناسبة أو علة، أو هدف، وهذا الترتيب بين الجُمَل القرآنية وما قبلها لا بد أن يرجِعَ إلى معنى ما يربط بينهما، عامًّا كان هذا المعنى أو خاصًّا، عقليًّا أو حسيًّا أو خياليًّا، أو غير ذلك من أنواع العَلاقات أو التلازم الذهني؛ كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين، ونحوه، أو التلازم الخارجي؛ كالمرتَّب على ترتيب الوجود في باب الخبر، كما تقدم عند الحديث عن روابط الآيات القرآنية، وينبغي للباحث عن أسباب ارتباط الجُمَل القرآنية بما قبلها أن ينظر أولًا في الجملة هل هي مكملة لما قبلها أو مستقلة عنه؟ وإذا كانت مستقلة عنه، فما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ولِمَ جِيءَ بها وراءها؟ ينبغى له أن يعايش باب (الفصل والوصل)[5] في علم البلاغة؛ وذلك حتى تصيرَ الجُمَل القرآنية آخذةً بأعناق بعضها البعض، فيَقوى الارتباط بينها، وحتى يكون النظمُ القرآني حاله حال البناء المحكم المتلاحم اللبنات والأجزاء، وإليك بيان ذلك:
الجمل المرتبطة بما قبلها (غير المستقلة) وبعض أسباب ارتباطها:
الجملة إما أن تكون ظاهرةَ الارتباط بسابقها (غير مستقلة) لعدم تمام الكلام، أو تكون الجملة أو الجمل اللاحقة مؤكِّدة أو مفسِّرة وموضِّحة لما قبلَها، أو معلِّلة، إلى غير ذلك من الأسباب؛ وذلك كالتالي:
أولًا: أن تقع الجملة خبرًا لما قبلها، والجملة الواقعة خبرًا مِن الجمل التي لها محل من الإعراب، وتكون خبرًا لثلاثة أشياء:
الأول: خبر للمبتدأ، ومحلها الرفع؛ كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ﴾ [الروم: 11]، فجملة (يبدأ الخلق) في محل رفع خبر للمبتدأ لفظ الجلالة.
الثاني: خبر لـ(إن) أو إحدى أخواتها، ومحلها الرفع أيضًا؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، فجملة (إنا لا نضيع...) في محل رفع خبر (إن) الأولى بتقدير الرابط؛ أي: لا نُضيع أجرهم[6]، وكقوله تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]، فجملة (تنفع المؤمنين) في محل رفع خبر (إن).
الثالث: خبر للفعل الناقص (كان وأخواتها) أو (كاد وأخواتها)، ومحلها النصب؛ كقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ [الكهف: 42]، فجملة (يُقلِّب كفَّيه...) في محل نصب خبر للفعل الناقص (أصبح)؛ وكقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ﴾ [الإسراء: 76]، فجملة (يستفزُّونك...) في محل نصب خبر لفعل المقاربة (كاد).
ثانيًا: أن تقع الجملة حالًا من الذي قبلها، وهي مِن الجمل التي لها محلٌّ من الإعراب؛ كقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43]، فجملة (وأنتم سكارى) في محلِّ نصب حال من الفاعل في (تقربوا)، وهو (الواو)، وكقوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴾ [يوسف: 14]، فجملة (ونحن عصبة) معترضةٌ بين الشرط وجوابه، وهي في محل نصب حال من (الذئب).
ثالثًا: أن تقع الجملة تعليلًا لما قبلها؛ كقوله تعالى: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 20]، فجملة (إن الله على كل شيء قدير) لا محل لها من الإعراب، استئنافية تعليلية لمشيئته سبحانه وتعالى الذَّهابَ بسمعهم وأبصارهم، وكأن سائلًا سأل: وكيف يذهب الله بسمعهم وأبصارهم؟ فكان الجواب: (إن الله على كل شيء قدير)؛ أي: يذهب بسمعهم وأبصارهم بقدرته سبحانه وتعالى،وكقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، فمن الممكن أن تكون جملة (إنا لا نضيع...) جملةً تعليلة، ويكون خبر (إن) الأولى مقدرًا تقديره: سنُجازِيهم.
رابعًا: أن تقع الجملة مفعولًا لما قبلها، وهي من الجمل التي لها محل من الإعراب أيضًا، وتقع الجملة مفعولًا في ثلاثة أبواب:
الأول: باب الحكاية بالقول؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ [مريم: 30]، فـ(إن واسمها وخبرها) جملةٌ في محل نصب مفعول به على رأى جمهور النحاة[7].
أو مرادف (الحكاية بالقول)؛ كقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]، وكقوله تعالى: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴾ [هود: 42]، فجملة (يا بَنِي إن...) وجملةُ (يا بُنَيَّ اركب معنا...) في محل نصب اتفاقًا.
ثم قال البصريون: النصب بقولٍ مقدَّر، وقال الكوفيون: بالفعل المذكور، ويشهد للبصريين التصريحُ بالقول في نحو: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ [هود: 45]، ونحو: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ ﴾ [مريم: 3، 4]،وقول أبي البقاء في قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، إن الجملة الثانية في موضع نصب بـ(يوصي)، قال: لأن المعنى يفرضُ لكم، أو يشرعُ لكم في أمر أولادكم، إنما يصح هذا على قول الكوفيين، وقال الزمخشري: إن الجملة الأولى إجمال، والثانية تفصيل لها، وهذا يقتضي أنها عنده مفسرة ولا محل لها، وهو الظاهر[8].
الثاني: باب (ظن) و(أَعْلَم)، فإنها تقع مفعولًا ثانيًا لظن وثالثًا لأعلم.
الثالث: في باب التعليق، وليس خاصًّا بباب ظن، بل في كل فعل قلبي.
خامسًا: أن تقع الجملة مضافًا إلى ما قبلها، وهي في محل جرٍّ بالإضافة، ولا يضاف إلى الجملة إلا ثمانية أشياء:
(أسماء الزمان) ظروفًا كانت أو أسماء؛ كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ [آل عمران: 30].
و(حيث)؛ كقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 89].
و(آية) بمعنى علامة، ولم تضف في القرآن إلا لمفرد.
و(ذو)، ولم تضف في القرآن إلا لمفرد أيضًا.
و(لَدُن)، وهي اسم لمبدأ الغاية زمانيةً كانت أو مكانيةً.
و(رَيْث) وهي مصدر (راث)؛ أي: أبطأ، وعُومِلت معاملة أسماء الزمان في الإضافة إلى الجملة، ويشترط في الجملة التي تضاف إلى (لدن) و(ريث) أن يكون فعلها فعلًا متصرفًا، ومثبتًا أيضًا، و(قول)، و(قائل) ولا مثال لهم في القرآن بعد بحثٍ شديد.
سادسًا: أن تقع الجملة تابعة لجملة قبلها، سواء أكان لها محلٌّ من الإعراب (كجواب الشرط)، أم لا (كصلة الموصول، ومقول القول).
فالأول: كقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 89]، فجملة (فخُذُوهم) في محل جزمٍ جواب الشرط مقترنة بالفاء، وجملة (واقتُلُوهم) في محل جزم معطوفة على جملة خذوهم، وجملة (لا تتخذوا...) في محل جزم معطوفة على جملة خذوهم.
والثاني: كقوله تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: 36]، فجملة (فأزلَّهما الشيطان...) لا محل لها استئنافية، وجملة (فأخرَجَهما) لا محل لها معطوفة على الاستئنافية، وجملة (كانا فيه) لا محل لها صلة الموصول (ما)، وجملة (وقلنا...) لا محل لها معطوفة على الاستئنافية، وجملة (اهبطوا...) لا محل لها مقول القول.
قلت: وما أكثر الجُمَلَ القرآنية التي وقعت صلةً للموصول، أو مقولًا للقول.

تعليق