لماذا ندرس الأدب؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    لماذا ندرس الأدب؟

    لماذا ندرس الأدب؟



    كمال بوضى




    لطالَما طُرِح هذا السؤالُ العريض من لدن الباحثين، وأُثيرتْ حوله العديدُ من النقاشات التي تَخُص ماهية الأدب وفعاليته في حياة الأفراد والمجتمعات، والجدوى من تدريسه وتَلقينه في المدارس والجامعات..



    وقبل أن نُفكك بِنية هذا السؤال، ونُميط اللثام عن هذه القضية الشائكة، سنَشرَع أولًا في الحديث عن مفهوم الأدب، والحديث عنه كثيرًا ما يُفضي بنا إلى الدخول في متاهات لا يمكن الخروج منها؛ لأن إيجاد تعريف قارٍّ له، لا يمكن الوصول إليه، والسبب في ذلك شدةُ ارتباطه بالمجتمعات المتَّسمة بالتغيُّر تبعًا للشروط الواقعة، لذلك فالدكتور عز الدين إسماعيل يعتبر الأدب انعكاسًا للمجتمع".



    كما أن هذا البحث يَدفَعنا إلى الغوص في أعماق تاريخ الأدب بدل مفهوم الأدب،وبالأَوْبة إلى النواة الأولى لتشكُّل هذا اللفظ ووروده في التراث الفكريِّ الإسلاميِّ، نجدها قد ضُمِّنتْ في قول طَرَفة بن العبد في قوله:

    نَحنُ في المَشتاةِ نَدعو الجَفَلى *** لا تَرى الآدِبَ فينا يَنتَقِرْ

    ثم ورودها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "أدَّبني ربي فأحسَن تأديبي"، وإن كان هذا الحديث قد ضعَّفه بعضُ أئمة الحديث، ثم توالتِ التحديدات حول هذا المفهوم تبعًا لتغيُّر الشروط الذاتية الموضوعية الخاصة بكل اتجاه على حِدَةٍ، مرورًا بابن خلدون الذي يُعرِّف الأدب في مقدمته بقوله: "الأدبُ هو الإجادةُ في فنَّيِ المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم".

    إن دراستنا للأدب وتخصيصَ العديد من الموادِّ الدراسية بُغيةَ استكناه عناصره وخصائصه - ليستْ من باب الترف العلميِّ أو العبَثيَّة المعرفية؛ بل بُغيةَ تحقيق مقاصدَ نبيلةٍ تتلخص في تهذيب النفوس وتنميتها؛ حتى تستطيع الرُّقيَّ إلى الدرجة العليا من الكمال والرُّقي الإنسانيَّين، فالأدب سواء أكان شعرًا أم نثرًا، له تأثير عجيبٌ على دارسيه، فإذا نظَرنا في حال السلف الصالح - من علماء ومفكِّرين - نجد أن بدايتهم الأولى في طلب العلم، كانت بتعلُّم الأدب المتمثِّل في دراسة أشعار العرب وأخبارهم ونوادرهم، بعد أن يتمَّ حفظُ القرآن الكريم وسُنة رسول الله؛ مما جعلهم يتذوَّقون جمال اللغة وروعة المعاني، وبراعة البيان وعذوبة اللفظ؛ ذلك أن حفظَ وفَهْمَ مُعلقة لأحد الشعراء القدامى، يُجلِّي هذه الأمور التي أشَرنا إليها!

    لقد انتكستْ أخلاقُ شبابنا وعمَّت الرذيلة مكان الفضيلة، وقُطِّعت سبلُ الوصال بالأدب، وهنا لا بد من تأكيد أن الأدب الذي نَقصِد ليس أيَّ أدبٍ؛ بل إنه ذلك الأدب الجميل الذي يستمدُّ معانيَه من الدين الإسلاميِّ بمختلف نصوصه ومشاربه، فالأدب ذلك البحر الذي لا يَنضُب مَعينُه، وتلك الشجرة المثمرة التي تُؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ، وهو ذلك القمر المنير الذي يُزيِّن سماءَنا بنوره البهيج، ويُبدِّد ظلمات الليل القاتمة التي كثيرًا ما تَحوم حول حياتنا بسبب فساد أذواقنا وفساد معايير الجمال والفن لدينا، وأيضًا بسبب فوضى الحياة وكثرة مشكلاتها واضطراباتها التي تُفسِد طعمَها في كثير من الأحيان، فهكذا هي حياة المرء مَليئةٌ بالظلمات ولن يُزيلها إلا النورُ الوهَّاجُ المستمَدُّ من الأدب الراقي، ما دام الأدب هو "أفيدَ غذاءٍ لرُوح الأمة وعقلها، وأكبرَ مُهذِّب لإحساسها وشعورها".

    فالحديث عن الأدب الراقي يدعونا بالضرورة إلى الابتعاد عن الأدب التافه الذي عمَّت به الساحة الأدبيةُ اليوم؛ حيث تَجده مُتَضمَّنًا في بطون الكتب من روايات وقصص، تكون العناوين بعيدة كلَّ البُعد عن مضمون النص - بُعدَ المشرق عن المغرب - ثم كُتب علمية ومجلات وجرائد غايتها الربح الماديُّ، والتطلُّع للأضواء والبحث عن الشهرة أكثر من البحث عما هو أشرف وأنبل، بعيدًا عن تضخيم الأنا وحُب الذات، ونشر الضلالات في صفوف شباب أُمتنا.


  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    اللغة العربية، أي واقع؟!
    كمال بوضى

    من موقع الالوكة
    تاريخ الإضافة: 1/11/2017 ميلادي - 11/2/1439 هجري


    نسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

    النص الكامل تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
    شارك وانشر
    اللغة العربية، أي واقع؟!


    لقد كرَّم الله هذه الأُمَّة بأحسنِ المكارم بأنْ جعل القرآن بلسانٍ عربيٍّ مبين؛ كرسالة خاتمة خالدةٍ جاءت لكي تسموَ بالإنسان، وتَرْقَى به إلى أعلى المراتب، وتُبْعِده بذلك عن الغَرَق في بحور الضلال والوثنيَّة التي طبَعت حياة العرب لقرون طويلة.



    وإذا تصفَّحنا القرآن الكريم، وجدناه يشير في أكثرَ مِن موضعٍ إلى عربيته: ï´؟ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ï´¾ [الشعراء: 195]، ï´؟ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ï´¾ [يوسف: 2].



    أمَّا التكريم الآخَر، فيَكْمُن في أنه "أوحى بها إلى خير خَلْقِه، وجعلها لسانَ أمينِه على وحيه، وخلفائه في أرضه، وأراد بقاءها ودوامها؛ حتى تكون في هذه العاجلة لخيارِ عبادِه".



    فكما يُعلَم، فالرسول الكريم مِن قبيلةِ قريش التي عُرِفَت بفصاحتها، وعُلُوِّ كَعْبِها في البلاغة، وفي ضروب البيان والمعاني؛ قال النبيُّ الكريم: ((أنا أفصح الناطقين بالضاد بَيْد أنِّي مِن قريش)).



    لقد اعتنى العرب وغيرهم من الأعاجم باللغة العربية عنايةً فائقةً، لم تَعْرِف لغةٌ مثلها ذلك؛ فلقد "تركوا في خدمتها الشهوات، وجابوا الفَلَوات، ونادَموا لاقتنائها الدفاتر، وسامَروا القماطر والمحابر، وكَدُّوا في حَصْر لغاتها طباعهم، وأسهَروا في تقييد شواردها أجفانَهم، وأجالوا في نظم قلائدها أفكارَهم، وأنفقوا على تخليد كُتُبِها أعمارَهم؛ فعظُمت الفائدةُ، وعمَّت المصلحة، وتوفَّرت العائدة".



    والسبب في ذلك أن الاعتناء بها كان يعني بالضرورة العنايةَ بالقرآن، والتراث اللغويُّ والفكريُّ يظلَّان شاهدين على هذا الأمر، ولنأخذ مثالًا من أحدِ العلوم العربيَّة؛ حتى يتضح المقال، ويُفْهَم المغزى من الكلام:

    فعلم النحو كعلمٍ من علوم اللغة الأساسية نشأ كردِّ فعلٍ على فشوِّ اللحن في الألسن، فقد ذَكَرَت الكتب التي خاضت في تاريخ النحو أنَّ أحدَهم قرأ قوله تعالى: ï´؟ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ï´¾ [التوبة: 3] بالكسر، والصواب أن تكون بالرفع؛ ليكون من الواجب في ظرف تاريخيٍّ محدَّدٍ وضعُ قواعدَ تضبط اللسان العربيَّ، وتحمي لغة القرآن مِن فساد الألسن وفشو اللحن، خاصةً بعد اتساع رقعة الخلافة الإسلامية لتشمل بلاد الأعاجم؛ حيث طلب عليُّ بن أبي طالب من أبي الأسود الدُّؤليِّ أن يتكلَّف بهذا الأمر، مردِّدًا قولته الشهيرة: (انحُ هذا النحو)، ومع مرور العصور ظَهَرت العديد من التصانيف في مختلَف العلوم (نحوًا، وبلاغةً، وصرفًا...)، التي اهتمَّت اهتمامًا منقطع النظير باللغة العربية، والمتصفح لكتب الجاحظ وابن جني والجُرجاني، يجد هذه العناية من زوايا مختلفة.



    وبنظرةِ تأمُّلٍ لواقع اللغة العربية في المجتمعات الناطقة بها في وقتنا هذا، يتجلَّى لنا بوضوح تردِّي هذه اللغة وضعف انتشارها عما كانت عليه في السابق؛ فقد أَصْبَحنا نرى الركاكة والضحالة والإسفاف والخلط في اختيار الألفاظ المناسبة لسياق محدَّد تغزو لغة القرآن، وهو أمر لا ينبغي ألبتة حدوثُه؛ لأن في الاعتداء على العربية ضربًا للقرآن، الذي يُعدُّ دستور الأُمَّة، وموجِّهَها إلى طريق الحقِّ والصواب.



    ويمكن إرجاع أسباب هذا الواقع المزري للغة العربيَّة إلى جملةٍ من العوامل، تحدَّد كالآتي:

    العولمة: لقد برز هذا الوحش الكاسر مستهدِفًا ضربَ كلِّ القيم والمقوِّمات الفكريَّة والثقافية الخاصة بكلِّ مجتمعٍ على حدة؛ فالعولمة في أساسها تسعى لطمس المعالم التي تُؤسِّس صرح كلِّ أُمَّة، وتحاول فَرض سيطرةِ الثقافة الواحدة على حساب كلِّ الثقافات، حتى وإنْ كانت هذه الثقافات لها تاريخٌ عريق أكبر مِن تاريخ أمريكا.



    لقد عملت العولمةُ على الرفع مِن شأن اللغة الإنجليزية، وجَعْلِها لغةَ العالم؛ فهي عندهم لغةُ الاقتصاد والسياسة والإعلام والتواصل، وحتى لا يظنَّ أحدٌ أننا نتعارض مع اللغات الأخرى، فالقصد عندنا هيمنة لغةٍ على أخرى عن طريق ضرب أصولها ومقوماتها.



    الفساد الإعلامي: إن معظم الوسائل الإعلاميَّة العربيَّة لا تُولِي أيَّ اهتمام للعربية، والدليل على هذا الأمر: المقالات الصحافية التي في أغلب الأحيان تُكتب بلغةٍ خالية من الإحكام والإبداع الفنيِّ والأسلوبيِّ، بل إن قراءةَ الصُّحُف تورِثُ في النفس فسادَ الذوق، ثم النشرات الإخبارية - خاصةً الجويَّة منها - التي تُسمَع فيها جُمَل غير مفهومة وصعبة التفسير كذلك؛ فمثلًا يكثر في النشرات الخاصة بحالة الطقس استعمال جملةٍ شائعةٍ: (هائج إلى قليل الهيجان)، وهذه جملة إذا أُمعن النظر في بنيتها التركيبة والدلالية، تبيَّن بما لا يدع مجالًا للشك أنها جملة لاحنة، أضف إلى ذلك قلة البرامج والأنشطة التي تولي جانبًا من الاهتمام للغة العربيَّة، هذا الاهتمام الذي يوجَّه نحو البرامج الفارغة الخالية من المضمون، تماشيًا مع أذواق أكثرِ الناس، الذين طُبع على قلوبهم وعقولهم التفاهة من حيث لا يشعرون.



    ضعف همة القراءة: من الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الواقع المزري الذي تعيشه اللغة العربية؛ ذلك أن فعل القراءة لم يعد قائمًا بشكلٍ قويٍّ وفَعَّال كما كان الحال في السابق، فإذا أَخَذْنا علَمًا من أعلام الثقافة الإسلامية، نطالع العجب العجاب، والجاحظ خير مثال يُستشهد به في هذا المقام، هذا الرجل الذي كان يبيت في دكاكين الورَّاقين اللياليَ ذوات العدد، حتى إنه قَرَأ مختلف العلوم والفنون التي أجاد فيها سابقوه، فساهمت هذه الظروف في ولادة مفكِّر عبقريٍّ، كتَبَ فأَبْدَعَ فحرَّك العقول، ونفض عنها غبار التقليد والجمود... وفي هذا الموقف أستحضر قول الشاعر:

    أولئك آبائي فجِئني بمِثْلِهم *** إذا جَمَعَتْنا يا جريرُ المجامعُ



    غياب مناهج حقيقية: تعمل على تأطير مختلف شرائح المجتمع في سبيل النهوض باللغة العربية، سواء عن طريق القيام بندوات أو مؤتمرات فكريَّة، أو مِن خلال القيام بأنشطة فكريَّة تَزرع في الناشئة حبَّ اللغة العربية، وتجعلهم يفتخرون بهذه اللغة التي وصَفَها ابنُ جني بأنها لغة شريفةٌ لطيفة، لا أن تكون ندوات يضيع أكثرُ وقتها في المدح والثناء والتصفيق.



    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_***...#ixzz53lDXGLUS

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      القديم والحديث.. المعركة التي لم تمت
      كمال بوضى
      من الالوكة :

      تاريخ الإضافة: 9/1/2018 ميلادي - 21/4/1439 هجري


      نسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

      النص الكامل تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
      شارك وانشر
      القديم والحديث.. المعركة التي لم تمت


      إنَّ السؤال الذي يطرح نفسه في كلِّ مرَّة هو: لماذا ينظر بعين القداسة كلما تعلَّق الأمر بما هو قديم، وفي المقابل ينظر بعين الدناسة والخروج عن الحقِّ، إذا تعلَّق الأمر بالحديث أو الجديد في ميادين الفكر والثقافة؟



      وهذه القضية ليست وليدةَ اليوم، بل ترجع أصولُها إلى العصور الإسلاميَّة الأولى؛ ففي العهد العباسي طُرحت مسألة القديم والحديث في الشِّعر، واشتد اللجاج بين المتخاصمين؛ نظرًا لتطوُّر الحضارة العربيَّة، والانفتاح على أنساقٍ ثقافيَّة لم يكن للعرب عهدٌ بها، فظهر بذلك أنصارُ القديم، وهم الذين يمجِّدون الشعر الجاهليَّ ويعتبرونه الأصل الذي لا ينبغي الزيغُ عنه، وأنصار الحديث أو المُحْدَث الذين رأوا أنَّ الوقت قد حان للنزوع نحو التجديد، وإحداث تغييرات جذريَّة تمَسُّ تغيير نمط القصيدة العربيَّة، ومِن ثَمَّ الخروج عن سلطة القديم الذي ظلَّ قائمَ البنيان لعقود طويلة، مما ساهَمَ في بروز ما يُعرَف بشعراء البديع؛ أمثال: بشار بن بُرد وأبي تمَّام.



      إنَّ الأمر لم يقف عند حدود مفاضلةٍ أو ممايزة بين فريقين، بل تعدَّاه إلى خطر نشوب حروب ثقافيَّة، وصراعات أيديولوجيَّة في خضمِّ التحوُّلات الطارئة التي كان يعرفها السياق العربيُّ.



      وفي العصر الحديث طُرِحَت قضيةُ القديم والحديث، خاصةً في مصر، وقامت حولها معاركُ ثقافيَّة وفكريَّة شَرِسَة، التي دارت رحاها بين فريقين (التيار المحافظ، والتيار المجدِّد).



      ومن أبرز الأمثلة التي ظلَّت حيَّة شاهدة على هذا الصراعِ ما وقع بين طه حسين ومصطفى صادق الرافعي، باعتبارهما كانا يدافعان عن تيارين مختلفين: التيار المحافظ الذي يرى في القديم الكمالَ والمتانة، ويعتبر أنَّ ما استجدَّ واستُحدث هو انسلاخٌ من الثقافة الإسلاميَّة، وسعي مع دعاة الحداثة المغرضة، وتأثُّر بمناهجَ غربيَّة قائمة على الشكِّ في الأصول، أمَّا التيار المجدِّد، فيرى في نفسه السبيل الوحيد والأوحد لنهضةٍ فكريَّة، معتبِرًا أنَّ القديم تشوبه شوائبُ، وتحوم حوله عديدٌ من الشُّبَه التي يلزم تقويم اعوجاجها، وأنَّ السياق الثقافيَّ الحاليَّ تجاوز الصرامة الأدبيَّة والفكريَّة.



      ونمثِّل لهذا الصراع بالقضيَّة التي طَرَحَها طه حسين في كتابه: "في الشعر الجاهلي"، فقد أكَّد على فكرة مفادها: "أنَّ الكثرة المطلقة مما نسميه شعرًا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحَلة مختلَقة بعد ظهور الإسلام؛ فهي إسلاميَّة تمثِّل حياةَ المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثِّل حياة الجاهليين، وأنَّ ما نقرؤه على أنَّه شعر امرؤ القيس أو طَرَفَةَ أو ابن كلثوم أو عنترة - ليس من هؤلاء الناس في شيء؛ وإنَّما هو انتحال الرُّواة واختلاقالأعراب، أو صنعة النحاة، أو تكلُّف القُصَّاص، أو انتزاع المفسِّرين والمحدِّثين والمتكلِّمين"، ولسنا في سياق الردِّ على قول طه حسين؛ لأنَّ الحقَّ ظاهر لا يحتاج إلى بيان.



      والذي حمله على القول بهذا الرأي هو دراسته في أوروبا وشدَّة تأثُّره بمناهجها، خاصة المنهج الديكارتي القائم على الشكِّ، مما جعل طه حسين عُرضةً للنقد من طرف التيار المحافظ معتبِرًا شكَّه في الشعر الجاهليِّ الذي رَوَتْه وتناقلَتْه أجيال عديدة، واجتمعت على أصله الصحيح الذي لا تعترضه أباطيلُ أو أكاذيب، هو في الحقيقة شكٌّ في النصِّ القرآنيِّ والأصول الثابتة، ومن الذين انبروا للردِّ عليه الأديب مصطفى صادق الرافعي في كتابه: تحت راية القرآن.



      إذًا فهذه القضية تلخِّص وتجلِّي ملامح الصراع القائم بين القديم والحديث في سياق تاريخيٍّ محدَّد، ولعلَّ الأمر الذي جعلني أكشف النقاب عن هذه القضية، هو كثرة تَرْدادها على مسامعي من طرف بعض الزملاء أثناء دراستي الجامعيَّة؛ فلا يكاد يمرُّ يوم حتى أسمع هذه الثنائيَّة، وكثيرًا ما جعلتني أدخل في نقاشات طويلة أحاول فيها أن أبيِّن وجهة نظري من هذه المسألة، كما أنني لمحت البعض يضيق صدره حرجًا، كلما سمع بشيءٍ حديثٍ، غير كامن في وعائه الفكريِّ.



      لأقول في الختام: إنَّ لكلِّ مرحلة خصوصياتِها وثوابتَها؛ فالقديم يشكِّل جزءًا منا، لا يمكن لأحد الانسلاخ منه، أما الحديث/ الجديد، فقد انبثق لضروراتٍ أَمْلَتْها ظروف وسياقات محدَّدة، ترتبط بالتطوُّر الذي وسم عالمنا مع بروز الانفجار المعرفيِّ والثقافيِّ، وتغير معالم الحضارة العربيَّة، وعليه فالموازنة بينهما لا تنفع في شيء، بقدر ما تؤدِّي إلى خَلْق الصراعات، والدخول في مشاحنات كلاميَّة، نحن في غنى عنها.



      فهل الانتصار لفريقٍ ما والطعن في الآخَر، سيؤدِّي إلى حصول نهضةٍ فكريَّة يشرئبُّ لها المثقف العربيُّ؟ الجواب سيكون حتمًا بلا؛ لأنَّ الأصلَ هو استيعاب القديم جيدًا، بغية تمثُّل الجديد، وأَخْذ ما يوافق ويخدم الفكر الإسلاميَّ والثقافة العربيَّة، ورفض ما يحط منهما ويسعى للنيل منهما، ما دمنا في وضعيَّة تحتاج إلى مَن يُعيد لهذه الأُمَّة قيمتَها وشموخها الذي غاب عنها منذ أزمنة غابرة.



      رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/124464/#ixzz53lDuQcW1

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        كمال بوضى
        المغرب

        طالب جامعي اعشق الكتابة

        تعليق

        يعمل...