الإفهام والإقناع في بلاغة الجاحظ: الأسس والتجليات
جعفر لعزيز - محمد أيت عبو
1- مقدمة:
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، واختصه بفضيلة اللسان، وجعل العربية مفتاحاً لفهم آياته البينات.
أجمع الدارسون بأن هناك إشارات تؤصل للحجاج في البلاغة العربية القديمة؛ والناظر في هذه الكتب يتبين له ذلك واضحاً؛ إذ يجد أن البلاغيين قد أسفروا وزبروا بأشياء كثيرة في هذا الباب، رغم كونها لن ترق إلى ما بلغه الحجاج اليوم، بمبادئه وأسسه، ومناحيه، وتجلياته، لذلك تسعى هذه الورقة إلى بيان أسس وتجليات الإقناع والإفهام في بلاغة الجاحظ، باعتبارهما ركنان أساسيان في الحجاج عنده، وسنوضح ذلك فيما سيأتي، واهتمامنا بهذا حكمه مبدأ السبق لهذا الرجل، الذي بذر بذرة المحاججة والمناظرة (الحجاج)، في الفكر البلاغي عند العرب.
وإن اهتمام الجاحظ بالبلاغة الإقناعية كان راجع لعدة جوانب رئيسة نذكرها فيما يأتي:
1- قد حكمه الانتماء المذهبي.
2- الظرفية الزمنية: هجوم الشعوبية على الثقافة العربية.
3- صحبته لأستاذه النظام.
4- سؤال العصر الذي: وجه الإعجاز في القرآن، وتأكيد حجية النبوة، وقد ألف في ذلك مؤلفات من بينها: "نظم القرآن" ثم "حجج النبوة" وذكره محمود شاكر في مداخل إعجازه، وكتاب "البيان والتبيين"، و"رسائل الجاحظ" و"الحيوان".
5- اهتمامه بفن الخطابة.
يدلنا كل هذا بأن اهتمام هذا الرجل بالجانب الإقناع والإفهام، لم يكن عبثا، وإنما حكمته هذه الخصوصيات التي ذكرنها، والتي منحت لنا فكرة بأن الجاحظ حقاً قد بذر البذرة الأولى في الجانب المتعلق بالبلاغة الاقناعية، والافهامية، وفي كونه أحد رواد المدرسة الخطابية في الثقافة العربية.
ستكون محاور العرض كالآتي:
♦ مقدمة.
المحور الأول: فرش معرفي للحجاج عند الجاحظ.
1- بلاغة الحجة عند الجاحظ.
2- مقومات الحجاج عند الجاحظ.
المحور الثاني: تجليات وأسس الإقناع عند الجاحظ.
1- نصوص تأصيلية لأسسه وتجلياته.
♦ خلاصة.
المحور الثالث: تجليات وأسس الإفهام عند الجاحظ.
1- نصوص تأصيلية لأسسه وتجلياته.
♦ خلاصة.
المحور الرابع: مركزية المقام وأثره في بلاغة الإقناع والإفهام في بلاغة الجاحظ.
1- المقام في بلاغة الجاحظ.
2- أثره في الإقناع والإفهام.
♦ خلاصة.
♦ خاتمة.
المحور الأول: فرش معرفي للحجاج عند الجاحظ:
1- بلاغة الحجة وأثرها في الإقناع والإفهام.
إن الباحث في كتب الجاحظ يجد أنه قد كان له اهتمام بالحجاج والمناظرة والمجادلة، والمجالسة، وهذا الأمر تحكمه خصوصيات وتجليات رئيسة، جعلته يهتم بالحجة وربطها بالبلاغة، ولنا في هذا قولا نقله في بيانه عن البلاغة عند أهل الهند بقولهم: "جُماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة"[1].
ويتبين من هذا النص بأن البلاغة أسها هو القدرة على الحجة والتمكن من فهمها، ومعرفة المواضع التي يجب أن توضع فيها، وقد فسر هذا النص، نصا جاء مباشرة بعد هذا القول؛ إذ استدرك به من أجل البيان بقوله:" ومن البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، وأحق بالظفر"[2].
الحاصل من النص أنه بين طريقة الحجة كيف تكون، بحيث قد يتساءل البعض كيف تكون الحجة أقوم، وأبلغ، وأفحم، وأدل على المقصود، فأبان ذلك لإزالة الشك بأن الحجة تكمن قيمتها، إذا كانت مضمرة غير مفصح عنها، حتى يتحقق الإبلاغ والظفر بها.
تبين لنا من تلكم النصوص التي أوردنها، بأن للحجة دور أساس في تبليغ المعنى إلى قلب السامع، وهي من الأسس التي ينبغي على الخطيب أن يمتاز بها، ويشترط أن تكون مضمرة، وتبنى كناية دون إفصاح عنها، وبناء عليه فالبلاغة: "إصابة المعنى والقصد إلى الحجة دون فضل أو تقصير، أي دون تطويل أو إيجاز، وهذا يعني المساواة، فالكلام البليغ هو الذي نستخدم فيه من الألفاظ القدر الضروري لا بلاغ المعنى إلى السامع"[3].
كما لا بد من الإشارة إلى أن للحجة دور أساس من أجل الإفهام والإقناع، وكل هذا يحكمه المذهب الاعتزالي بقولهم: "فإن كان عندك برهان واضح ودليل بين يكشف لنا عن الحال، فعلينا السمع واليقين والإقرار، وعليك البيان والإفهام بالدليل والحرص"[4].
فرأينا أن نحلة المعتزلة الذين يترأسهم الجاحظ يقرون على ضرورة الدليل (الحجة) من أجل الإفهام والإقرار واليقين ثم البيان.
2- مقومات الحجة في بلاغة الجاحظ:
نورد مقومات الحجة الساعية إلى تأكيد ثنائية الإفهام والإقناع في بلاغة الجاحظ انطلاقا مما قد مضى في النقطة الأولى من العرض، بمعنى من تلك النصوص التأصيلية للحجة عند الرجل من بينها:
أ- البصر بالحجة: وذلك بقوله:" «إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره»[5].
يُظْهِرُ لك النص بضرورة الوعي بالحجة والبصر بها، حتى يتحقق الفهم والإقناع.
ب- إضمار الحجة (الدليل): بقوله:" البصر بالحجة (...) أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، وأحق بالظفر"
أن تكون مضمرة من أجل تحقيق الإدراك، والإبلاغ ثم الإقناع.
ت. تحديد مقصدية الحجة: وهي مقوم أساس في الإفهام والإقناع بقوله:" إصابة المعنى والقصد إلى الحجة دون فضل أو تقصير".
وربما هذه هي المقومات التي ينبغي أن تتوفر في الحجة من أجل بلوغ الفهم والإفهام والإقناع، باعتبارها شروطا يجب أن تتوفر في البلاغة أثناء المناظرة، أو المجادلة.
ولما كانت هذه المقومات تسعى إلى تأكيد ثنائيتي الإقناع والإفهام في البلاغة الجاحظية، لازم علينا بيان هذه المسألة بذكر أسس وتجليات كل عنصر في بلاغته.
المحور الثاني: تجليات وأسس الإقناع عند الجاحظ:
1- تجليات الإقناع في بلاغة الجاحظ:
إن تجليات الإقناع في بلاغة الجاحظ ظاهرة في اهتمامه بالخطبة والخطابة، وكتاب البيان والتبيين" جامع كلي لأسسها، ومبادئها، وآلياتها؛ إذ جعلها مطابقة لمدلول البلاغة، وهذا أمر طبيعي، باعتباره يسعى إلى الـتأكيد على سلطان الكلام، وربطه بالقول المقنع، لا بالتوشية والأسلوب التنميقي الجمالي فقط؛ إذ "لا ينجز مهام الاحتجاج والمناظرة إلا قول مقنع"[6].
وعليه فكانت تجليات الإقناع عند الجاحظ، ربط مشروعه البلاغي بالخطبة، وقال بدوي طبانة في هذا السياق: "ولم يطنب الجاحظ في فن ملحوظ عرف العرب إجادته والإبداع فيه، وهو فن الشعر، كما أطنب في ذكر الخطابة"[7]، ويسعى من خلاله إلى ربط الكلام بما هو نفعي وهو بلوغ الإقناع، ومنازعة الخصوم، والوصول إلى النجاعة في الخطاب.
ومن تجليات الإقناع إسهابه في ذكر المشاكل التي تعيق الخطيب وتحول بينه وبين الإقناع، منها الحبسة والتشديق والتأتأة وغيرها من عيوب الفصاحة، فكلها تجعلنا نستبين بأن الجاحظ يسعى إلى جعل الإقناع عنصرا أساسيا في الكلام، ولذلك كان على الخطيب أن يتجاوز تلك المعيقات حتى يتأتى له إثارة النفوس واستمالتها.
2- أسس الإقناع عند الجاحظ:
تكمن أسس الإقناع في ربطه البلاغة "بأهداف إقناعية، محددا للكلام أدوارا في الخصومة، ومنازعة الرجال، ومناقلة الأكفاء، ومناضلة الخصوم، وفي الاحتجاج على أرباب النحل ومقارعة الأبطال"[8].
الحاصل من هذا القول أن ربطه البلاغة - التي تهدف إلى ما هو إقناعي- بالخطبة التي تسعى إلى نفس المسألة، وفي تكاملهما خلق لنظرية بلاغية إقناعية، تهدف إلى الاحتجاج والمجادلة والمناظرة ثم المنازعة، وإفحام المعارضين وتقعريهم.
وأسفر الأستاذ محمد العمري بقول بين في أن الجاحظ، "يكشف بكل وضوح...لوضع نظرية لبلاغة الإقناع مركزها الخطاب اللغوي الشفوي"[9]، والذي يقصد به الخطبة التي يكون سيدها الخطيب الجامع بين قوة الألفاظ وحسنها، وجدة المعاني وإفهامها، وخصال البلاغة ومقوماتها الإقناعية والجمالية.
كما حدد محمد العمري أغراض وأسس الإقناع عند الجاحظ في[10]:
• استمالة القلوب.
• ميل الأعناق.
• التصديق.
• فهم العقول.
• إسراع النفوس.
• الاستمالة، أنأأوالتحريك، وحل الحبوة.
تهدف هذه الأغراض إلى تحقيق وظيفة إقناعية، باعتبارها ميزة أساسية في البلاغة، وقد "جمع خصال البلاغة واستوفى خلال المعرفة، فإذا كان الكلام على هذه الصفة وألف على هذه الشريطة لم يكن اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل والمتعلم كالمعلم، وخفت المؤونة واستغني عن الفكرة وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا بالخلاف وفاقا وبالمجاذبة موادعة، وتهنؤوا بالعلم وتشفوا ببرد اليقين واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند وتميز الناقص من الوافر وذل المخطل وعز المحصل وبدت عورة المبطل وظهرت براءة المحق."[11].
واستنطاقنا لهذا النص نسفر عن عدة وظائف لمن جمع بين تلكم الأغراض التي أشار إليها العمري، أو بالأحرى المطابقة بين البلاغة والخطاب الشفوي بمقوماته المؤسسة له، الساعية إلى منفعة أسها الإقناع، ونذكر هذه الوظائف فيما يأتي:
1- تثبيت الحجة واظهارها.
2- الموادعة والموافقة بدل الخلاف والمجاذبة.
3- الوصول إلى اليقين.
4- تمييز المنصف من المعاند.
5- تمييز الناقص من الوافر.
6- تمييز الحق من الباطل.
7- تحقيق الفهم والإفهام.
♦ خلاصة:
نستخلص من هذا الفرش النظري لتجليات وأسس الإقناع عند الجاحظ، أن تجليات اهتمامه ببلاغة الخطاب الإقناعي، ظاهر في ربط مشروعه البلاغي بالخطبة، وايراده لأهم الآليات التي ينبغي للخطيب أن يتسم بها، مع حديثه عن العوائق التي تحيل بينه وبين الإقناع، والإفهام، وتكمن أسسه في التعالق بين البلاغة وأهدافها الإقناعية، والتي مرت معنا فيما قد مضى من هذه المسألة، كما تتجلى في ذكره لأعراض ووظيفة الإقناع في الخطاب.
المحور الثالث: تجليات وأسس الإفهام عند الجاحظ:
1- تجليات الإفهام في بلاغة الجاحظ:
إن الناظر في كتاب "البيان والتبيين" يتحصل له أن الجاحظ قد أولى اهتماما كبيرا بالإفهام، باعتباره من المقومات الرئيسة في تحقيق المنفعة التي يسعى إلى بلوغها في الخطاب، وذكره لما قدم تعريفا للبيان، بقوله: ""البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع."[12].
يتبين من هذا النص أن الجاحظ يولي للفهم والإفهام أهمية كبرى في الخطاب، وهي الغاية التي يسعى إليها القائل لإبلاغها قلب السامع، ومن تم فإن للبيان باعتباره جزاء من البلاغة دور أساسي في الإبانة والإفهام، وإن اهتمامه بهذه المسألة محكوم بالظرفية الزمنية؛ إذ كثرت التساؤلات حول الخطاب الديني، وطلب فهمه أمر ضروري، بالإضافة إلى توافد أقوام أخرى على الثقافة العربية طالبة لفهم مسائل كثيرة، واعتبار آخر هو كثرة الطاعنين في اللغة وغيرها من الأمور التي لا يسع المقام إلى ذكرها هاهنا.
جعفر لعزيز - محمد أيت عبو
1- مقدمة:
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، واختصه بفضيلة اللسان، وجعل العربية مفتاحاً لفهم آياته البينات.
أجمع الدارسون بأن هناك إشارات تؤصل للحجاج في البلاغة العربية القديمة؛ والناظر في هذه الكتب يتبين له ذلك واضحاً؛ إذ يجد أن البلاغيين قد أسفروا وزبروا بأشياء كثيرة في هذا الباب، رغم كونها لن ترق إلى ما بلغه الحجاج اليوم، بمبادئه وأسسه، ومناحيه، وتجلياته، لذلك تسعى هذه الورقة إلى بيان أسس وتجليات الإقناع والإفهام في بلاغة الجاحظ، باعتبارهما ركنان أساسيان في الحجاج عنده، وسنوضح ذلك فيما سيأتي، واهتمامنا بهذا حكمه مبدأ السبق لهذا الرجل، الذي بذر بذرة المحاججة والمناظرة (الحجاج)، في الفكر البلاغي عند العرب.
وإن اهتمام الجاحظ بالبلاغة الإقناعية كان راجع لعدة جوانب رئيسة نذكرها فيما يأتي:
1- قد حكمه الانتماء المذهبي.
2- الظرفية الزمنية: هجوم الشعوبية على الثقافة العربية.
3- صحبته لأستاذه النظام.
4- سؤال العصر الذي: وجه الإعجاز في القرآن، وتأكيد حجية النبوة، وقد ألف في ذلك مؤلفات من بينها: "نظم القرآن" ثم "حجج النبوة" وذكره محمود شاكر في مداخل إعجازه، وكتاب "البيان والتبيين"، و"رسائل الجاحظ" و"الحيوان".
5- اهتمامه بفن الخطابة.
يدلنا كل هذا بأن اهتمام هذا الرجل بالجانب الإقناع والإفهام، لم يكن عبثا، وإنما حكمته هذه الخصوصيات التي ذكرنها، والتي منحت لنا فكرة بأن الجاحظ حقاً قد بذر البذرة الأولى في الجانب المتعلق بالبلاغة الاقناعية، والافهامية، وفي كونه أحد رواد المدرسة الخطابية في الثقافة العربية.
ستكون محاور العرض كالآتي:
♦ مقدمة.
المحور الأول: فرش معرفي للحجاج عند الجاحظ.
1- بلاغة الحجة عند الجاحظ.
2- مقومات الحجاج عند الجاحظ.
المحور الثاني: تجليات وأسس الإقناع عند الجاحظ.
1- نصوص تأصيلية لأسسه وتجلياته.
♦ خلاصة.
المحور الثالث: تجليات وأسس الإفهام عند الجاحظ.
1- نصوص تأصيلية لأسسه وتجلياته.
♦ خلاصة.
المحور الرابع: مركزية المقام وأثره في بلاغة الإقناع والإفهام في بلاغة الجاحظ.
1- المقام في بلاغة الجاحظ.
2- أثره في الإقناع والإفهام.
♦ خلاصة.
♦ خاتمة.
المحور الأول: فرش معرفي للحجاج عند الجاحظ:
1- بلاغة الحجة وأثرها في الإقناع والإفهام.
إن الباحث في كتب الجاحظ يجد أنه قد كان له اهتمام بالحجاج والمناظرة والمجادلة، والمجالسة، وهذا الأمر تحكمه خصوصيات وتجليات رئيسة، جعلته يهتم بالحجة وربطها بالبلاغة، ولنا في هذا قولا نقله في بيانه عن البلاغة عند أهل الهند بقولهم: "جُماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة"[1].
ويتبين من هذا النص بأن البلاغة أسها هو القدرة على الحجة والتمكن من فهمها، ومعرفة المواضع التي يجب أن توضع فيها، وقد فسر هذا النص، نصا جاء مباشرة بعد هذا القول؛ إذ استدرك به من أجل البيان بقوله:" ومن البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، وأحق بالظفر"[2].
الحاصل من النص أنه بين طريقة الحجة كيف تكون، بحيث قد يتساءل البعض كيف تكون الحجة أقوم، وأبلغ، وأفحم، وأدل على المقصود، فأبان ذلك لإزالة الشك بأن الحجة تكمن قيمتها، إذا كانت مضمرة غير مفصح عنها، حتى يتحقق الإبلاغ والظفر بها.
تبين لنا من تلكم النصوص التي أوردنها، بأن للحجة دور أساس في تبليغ المعنى إلى قلب السامع، وهي من الأسس التي ينبغي على الخطيب أن يمتاز بها، ويشترط أن تكون مضمرة، وتبنى كناية دون إفصاح عنها، وبناء عليه فالبلاغة: "إصابة المعنى والقصد إلى الحجة دون فضل أو تقصير، أي دون تطويل أو إيجاز، وهذا يعني المساواة، فالكلام البليغ هو الذي نستخدم فيه من الألفاظ القدر الضروري لا بلاغ المعنى إلى السامع"[3].
كما لا بد من الإشارة إلى أن للحجة دور أساس من أجل الإفهام والإقناع، وكل هذا يحكمه المذهب الاعتزالي بقولهم: "فإن كان عندك برهان واضح ودليل بين يكشف لنا عن الحال، فعلينا السمع واليقين والإقرار، وعليك البيان والإفهام بالدليل والحرص"[4].
فرأينا أن نحلة المعتزلة الذين يترأسهم الجاحظ يقرون على ضرورة الدليل (الحجة) من أجل الإفهام والإقرار واليقين ثم البيان.
2- مقومات الحجة في بلاغة الجاحظ:
نورد مقومات الحجة الساعية إلى تأكيد ثنائية الإفهام والإقناع في بلاغة الجاحظ انطلاقا مما قد مضى في النقطة الأولى من العرض، بمعنى من تلك النصوص التأصيلية للحجة عند الرجل من بينها:
أ- البصر بالحجة: وذلك بقوله:" «إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره»[5].
يُظْهِرُ لك النص بضرورة الوعي بالحجة والبصر بها، حتى يتحقق الفهم والإقناع.
ب- إضمار الحجة (الدليل): بقوله:" البصر بالحجة (...) أن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، وأحق بالظفر"
أن تكون مضمرة من أجل تحقيق الإدراك، والإبلاغ ثم الإقناع.
ت. تحديد مقصدية الحجة: وهي مقوم أساس في الإفهام والإقناع بقوله:" إصابة المعنى والقصد إلى الحجة دون فضل أو تقصير".
وربما هذه هي المقومات التي ينبغي أن تتوفر في الحجة من أجل بلوغ الفهم والإفهام والإقناع، باعتبارها شروطا يجب أن تتوفر في البلاغة أثناء المناظرة، أو المجادلة.
ولما كانت هذه المقومات تسعى إلى تأكيد ثنائيتي الإقناع والإفهام في البلاغة الجاحظية، لازم علينا بيان هذه المسألة بذكر أسس وتجليات كل عنصر في بلاغته.
المحور الثاني: تجليات وأسس الإقناع عند الجاحظ:
1- تجليات الإقناع في بلاغة الجاحظ:
إن تجليات الإقناع في بلاغة الجاحظ ظاهرة في اهتمامه بالخطبة والخطابة، وكتاب البيان والتبيين" جامع كلي لأسسها، ومبادئها، وآلياتها؛ إذ جعلها مطابقة لمدلول البلاغة، وهذا أمر طبيعي، باعتباره يسعى إلى الـتأكيد على سلطان الكلام، وربطه بالقول المقنع، لا بالتوشية والأسلوب التنميقي الجمالي فقط؛ إذ "لا ينجز مهام الاحتجاج والمناظرة إلا قول مقنع"[6].
وعليه فكانت تجليات الإقناع عند الجاحظ، ربط مشروعه البلاغي بالخطبة، وقال بدوي طبانة في هذا السياق: "ولم يطنب الجاحظ في فن ملحوظ عرف العرب إجادته والإبداع فيه، وهو فن الشعر، كما أطنب في ذكر الخطابة"[7]، ويسعى من خلاله إلى ربط الكلام بما هو نفعي وهو بلوغ الإقناع، ومنازعة الخصوم، والوصول إلى النجاعة في الخطاب.
ومن تجليات الإقناع إسهابه في ذكر المشاكل التي تعيق الخطيب وتحول بينه وبين الإقناع، منها الحبسة والتشديق والتأتأة وغيرها من عيوب الفصاحة، فكلها تجعلنا نستبين بأن الجاحظ يسعى إلى جعل الإقناع عنصرا أساسيا في الكلام، ولذلك كان على الخطيب أن يتجاوز تلك المعيقات حتى يتأتى له إثارة النفوس واستمالتها.
2- أسس الإقناع عند الجاحظ:
تكمن أسس الإقناع في ربطه البلاغة "بأهداف إقناعية، محددا للكلام أدوارا في الخصومة، ومنازعة الرجال، ومناقلة الأكفاء، ومناضلة الخصوم، وفي الاحتجاج على أرباب النحل ومقارعة الأبطال"[8].
الحاصل من هذا القول أن ربطه البلاغة - التي تهدف إلى ما هو إقناعي- بالخطبة التي تسعى إلى نفس المسألة، وفي تكاملهما خلق لنظرية بلاغية إقناعية، تهدف إلى الاحتجاج والمجادلة والمناظرة ثم المنازعة، وإفحام المعارضين وتقعريهم.
وأسفر الأستاذ محمد العمري بقول بين في أن الجاحظ، "يكشف بكل وضوح...لوضع نظرية لبلاغة الإقناع مركزها الخطاب اللغوي الشفوي"[9]، والذي يقصد به الخطبة التي يكون سيدها الخطيب الجامع بين قوة الألفاظ وحسنها، وجدة المعاني وإفهامها، وخصال البلاغة ومقوماتها الإقناعية والجمالية.
كما حدد محمد العمري أغراض وأسس الإقناع عند الجاحظ في[10]:
• استمالة القلوب.
• ميل الأعناق.
• التصديق.
• فهم العقول.
• إسراع النفوس.
• الاستمالة، أنأأوالتحريك، وحل الحبوة.
تهدف هذه الأغراض إلى تحقيق وظيفة إقناعية، باعتبارها ميزة أساسية في البلاغة، وقد "جمع خصال البلاغة واستوفى خلال المعرفة، فإذا كان الكلام على هذه الصفة وألف على هذه الشريطة لم يكن اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل والمتعلم كالمعلم، وخفت المؤونة واستغني عن الفكرة وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا بالخلاف وفاقا وبالمجاذبة موادعة، وتهنؤوا بالعلم وتشفوا ببرد اليقين واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند وتميز الناقص من الوافر وذل المخطل وعز المحصل وبدت عورة المبطل وظهرت براءة المحق."[11].
واستنطاقنا لهذا النص نسفر عن عدة وظائف لمن جمع بين تلكم الأغراض التي أشار إليها العمري، أو بالأحرى المطابقة بين البلاغة والخطاب الشفوي بمقوماته المؤسسة له، الساعية إلى منفعة أسها الإقناع، ونذكر هذه الوظائف فيما يأتي:
1- تثبيت الحجة واظهارها.
2- الموادعة والموافقة بدل الخلاف والمجاذبة.
3- الوصول إلى اليقين.
4- تمييز المنصف من المعاند.
5- تمييز الناقص من الوافر.
6- تمييز الحق من الباطل.
7- تحقيق الفهم والإفهام.
♦ خلاصة:
نستخلص من هذا الفرش النظري لتجليات وأسس الإقناع عند الجاحظ، أن تجليات اهتمامه ببلاغة الخطاب الإقناعي، ظاهر في ربط مشروعه البلاغي بالخطبة، وايراده لأهم الآليات التي ينبغي للخطيب أن يتسم بها، مع حديثه عن العوائق التي تحيل بينه وبين الإقناع، والإفهام، وتكمن أسسه في التعالق بين البلاغة وأهدافها الإقناعية، والتي مرت معنا فيما قد مضى من هذه المسألة، كما تتجلى في ذكره لأعراض ووظيفة الإقناع في الخطاب.
المحور الثالث: تجليات وأسس الإفهام عند الجاحظ:
1- تجليات الإفهام في بلاغة الجاحظ:
إن الناظر في كتاب "البيان والتبيين" يتحصل له أن الجاحظ قد أولى اهتماما كبيرا بالإفهام، باعتباره من المقومات الرئيسة في تحقيق المنفعة التي يسعى إلى بلوغها في الخطاب، وذكره لما قدم تعريفا للبيان، بقوله: ""البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع."[12].
يتبين من هذا النص أن الجاحظ يولي للفهم والإفهام أهمية كبرى في الخطاب، وهي الغاية التي يسعى إليها القائل لإبلاغها قلب السامع، ومن تم فإن للبيان باعتباره جزاء من البلاغة دور أساسي في الإبانة والإفهام، وإن اهتمامه بهذه المسألة محكوم بالظرفية الزمنية؛ إذ كثرت التساؤلات حول الخطاب الديني، وطلب فهمه أمر ضروري، بالإضافة إلى توافد أقوام أخرى على الثقافة العربية طالبة لفهم مسائل كثيرة، واعتبار آخر هو كثرة الطاعنين في اللغة وغيرها من الأمور التي لا يسع المقام إلى ذكرها هاهنا.

تعليق