الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

منهج المعجم في الدراسات اللغوية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    منهج المعجم في الدراسات اللغوية

    منهج المعجم في الدراسات اللغوية
    د. تمام حسان




    تعريف الكلمة:
    يدور المعجم حول الكلمة إيضاحًا وشرحًا، ليجلو منها ما نسميه المعنى المعجمي، وهذا المعنى قاصر في حقيقته عن المعنى الاجتماعي، أو الدلالي الذي يعني بتتبع الجملة، أو قل "الحدث الكلامي"، وما يحيط به من ماجريات، على نحو ما
    سنشرحه في منهج الدلالة، ولندلل على صور المعنى المعجمي عن أن يحدد
    المدلول تحديدا يرتبط بالموقف، نسوق الأمثلة الآتية التي يشتمل كل منها على
    كلمة صاحب:
    صاحب الفضيلة - صاحب البيت - صاحبي - صاحب المصلحة - صاحب الحق - صاحب رسول الله - صاحب نصيب الأسد - وهلم جرا.
    فالصاحب الأول ملقب، والثاني مالك، والثالث صديق، والرابع منتفع، والخامس مستحق، والسادس معاصر، والسابع مقتسم، وسوف لا يأتي المعجم بكل تفصيلات الكلمة على هذا النحو، ولكن سيأخذ منها القاسم المشترك، فيجعله معنى معجميا للكلمة، وسيشغل نفسه أحيانا ببقية مشتقات المادة عن مشتق بعينه، ولست أدعي ما أتيت به في شرح كلمة "صاحب" اجتماعيا دلاليا كاملا؛ لأن مثل هذا المعنى الدلالي يحتاج إلى تحليل بطريقة خاصة؛ ولكن ما أتيت به هنا إيضاح للقصور في المعنى المعجمي، الذي قد يفوته أن يذكر -بين معاني صاحب- معنى اللقب، وهو جديد، ومعنى المعاصر، وهو قديم.
    وما دامت الكلمة مادة المعجم، يدور حولها نشاطه، فإن هذه الكلمة تحتاج إلى شرح أو تحليل، "الكلمات وحدات لغوية، ولكنها ليست وحدات أصواتية: وليس في التحليل الأصواتي لنسق من الأصوات المنطوقة، ما يكشف لنا عن عدد
    الكلمات، التي يتكون منها هذا النسق، ولا عن الحد الفاصل بين كلمة وكلمة".
    ويتضح ذلك في التراث الضخم، الذي تركه لنا الأدباء من الجناس مثل قول بعضهم:
    كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا
    ما الذي ضر مدير الـ ... جام لو جاملنا
    وقول بعضهم:
    إذا ملك لم يكن ذاهبة ... فدعه فدولته ذاهبة
    فإذا لاحظنا فرق بين حدي الكلمة في "جام لنا" و"جاملنا"، وفي "ذاهبة"، و"ذاهبة" "الأولى بمعنى صاحب هبة والثانية بمعنى زائلة"، أدركنا أن التحديد لا يمكن أن يتم على أساس أصواتي محض، وأدركنا كذلك مدى الصواب، فيما يقوله يسيرسن.
    وإذا استعرضنا تعريفات مختلفة للكلمة، شرقية وغربية، وجدنا في النهاية أن فكرة الكلمة -كبعض الأفكار اللغوية الأخرى- لا يمكن أن تعرف تعريفا ينطبق عليها في كل اللغات، وإنما تستقل في كل لغة بتعريف خاص به، مستقى من طبيعة اللغة، ووسائلها الخاصة في التركيب، ويقول قندريس: "وبالنظر إلى هذا التنوع في طرق البناء الصرفي، لا بد أن تعرف الكلمة تعريفا مختلفا لكل لغة"، ولقد حاول الباحثون من قبل أن يعرفوها تعريفًا شاملًا، ولكن لم يكتب لواحد من هذه التعريفات أن يرقى عن مدارج النقد.
    فالتعريفات العربية للكلمة -برغم اعتمادها على طبيعة اللغة العربية- إما أن تخلط بين الكلمة واللفظ والقول، كقول الأشموني: "الكلمة هي اللفظ المفرد"، وقول صاحب الشذور: "الكلمة قول مفرد"، وهذا تعريف صادق على كل نطق بين سكتتين، ولو كان جملة أو أكثر؛ لأن إفراد اللفظ أو القول معناه أن يكون بين سكتتين؛ وإما أن نضيف إلى هذا الخلط خلطًا آخر،بأن تبني التعريف على العلاقة بين الكلمة ومعناها، أي الفكرة التي تعبر عنها، كقول ابن عقيل1: "الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد"، فهذا يصدق على باء الجر التي وضعت لمعنى مفرد هو المصاحبة، مع أنها ليست كلمة، وإما أن تزيد الطين بلة بأن تدخل في تعريف الكلمة أفكار منقوضة، كفكرة التقدير، كقول صاحب الهمع: "وقد اختلفت اعتباراتهم في حد الكلمة اصطلاحا، وأحسن حدودها، "قول مفرد مستقل أو منتوي معه"، فنية اللفظ إنما تكون عند عدم وجوده، وتكون في صورة تقديره في الكلام، ويمثل السيوطي لذلك بأنت في قم.
    ويمكن تلخيص العيوب التي في هذه التعريفات، فيما يأتي:
    1- أنها لا تفرق بين الصوت والحرف، أي بين عملية النطق والنظام الذي تجري عليه.
    2- أنها تخلط بين الوظيفة اللغوية، والمعاني المنطقية والوضعية.
    3- أنها لا تفرق بين وجود الكلمة وعدمها في تعريفها، وهذا ما يؤدي إلى الخلط في التفكير.
    ولقد حاول اللغويون المحدثون أن يحددوا ماهية الكلمة، وأن يخلقوا القواعد التي يمكن على أساسها، أن يوجدوا الحد الفاصل بين كلمة وكلمة في السياق، فأتوا في ذلك بنتائج، يمكننا أن نلخصها فيما يأتي:
    1- يقول باومفيلد Bloomfield: "الكلمة أصغر صيغة حرة"، وهذه الحرية يمكن انتقادها بأنا تحمل في طياتها شيئا من الغموض؛ لأن بلومفيلد لم يحدد نوعها، فهو إذا أراد بها إمكان عزل الكلمة عن سياقها، فإن الجمل ذات الكلمة الواحدة "كنحو زيد في جواب من قرأ"، يصدق عليها هذا التعريف، كما يصدق أيضا على "من" الاستفهامية المفردة، و"لا" النافية المجاب بها "هل رأيت زيدًا؟ "، وكلتاهما جملة بنفسها".
    2- ويقول سابير Sapiri ": إن العناصر اللغوية ذات المعاني هي بصفة عامة أنساق من الأصوات، إما أن تكون كلمات، أو أجزاء ذات معان من الكلمات، أو مجموعات من الكلمات.
    أما ما يميز بين هذه العناصر، فهو أنها علامات خارجية لفكرة خاصة، سواء كانت هذه الفكرة معنى مفردًا، أو صورة، أو عددًا من المعاني والصور، مندمجة اندماجا واضحًا في كل".
    ويمكن تلخيص ماهية الكلمة من تعريفه هذا بأنها "أ" نسق من الأصوات، "ب" صورة خارجية لفكرة، وهذا شبيه جدا بالتعريفات العربية التي نقدناها.
    3- ويقول مييه Meillet: "تعرف الكلمة بأنها ربط معنى ما بمجموعة ما من الأصوات، صالحة لاستعمال جراماطيقي ما"، وهذا التعريف صالح للمورفيمات، وللجمل، وأجزاء الجمل أيضا، أضف إلى ذلك أن الاستعمالات الجراماطيقية لا تهتم بالكلمات، وإنما تهتم بالأبواب التي تعتبر الكلمات أمثلة لها في السياق.
    4- وعند جاردنر Gradiner، "أن الكلمات ذات وجهين في طبيعتها، فوجه هو المعنى، ووجه آخر هو الصوت، وحيث تكون الكلمات في ملك كل شخص، تكون من ناحية جواهر طبيعية مكونة من منطقة المعنى من جهة، ومن صورة صوت معين من جهة أخرى؛ هذا الصوت صالح لأن يعاد نقطه بالإرادة، والكلمات في حقيقتها نفسية، وهي مواد للمعرفة والتعلم، مع أننا في أحد جانبي طبيعتها تشير إلى حدث عضوي، تمكن إعادته بحسب الإرادة".
    وهذه ثنائية ديكارتية، واقعة تحت نفوذ نظرية دي سوسور اللغوية، وجانحة بلا مواربة إلى غموض عالم النفس، وليس الباحث اللغوي بحاجة إلى أن يبني أفكاره على أسس غريبة عن منهج اللغة، وتعريف جاردنر في مجموعة مبني على مجازات، أكثر مما هو مبني على اصطلاحات لغوية، لاحظ في التعريف استعمال كلمات: الحقيقة - الطبيعة - الملك - المعرفة - التعلم - النفس.
    والكلمات كما ذكرنا وحدات لغوية لا أصواتية، هكذا اعتبرها الجميع، حتى هؤلاء الذين يخلطون بين الكلمة واللفظ، يقول بلومفيلد: "ليست الكلمة وحدة أصواتية بصفة مبدئية، فلسنا نحدد أجزاء كلامنا، التي يمكن استقلالها بسكتات، أو مظاهر صوتية أخرى، ومع ذلك تمنح اللغات المختلفة اعترافا أصواتيا للوحدات الكلامية، بطرق متعددة، يفعل البعض ذلك قليلا، كالفرنسية، والبعض الآخر كثيرا، كالإنجليزية.
    ويرى يسبرسن: "أن الوسائل الأصواتية الخالصة لا تصلح لتحديد حدود الكلمات"، و"يضاف إلى الإحساس بالكلمة -غالبًا لا دائمًا - خصائص أصواتية معينة، تساعد على التحديد الخارجي للكلمات".
    ويقول فندريس: "تحمل الكلمة في نفسها علامة استخدامها، والتعبير عن قيمتها الصرفية، فلها بنفسها كمال لا يدع الحاجة ماسة إلى شيء".
    ويتطلب إيجاد الحدود الفاصلة بين الكلمات في السياق عديدًا من الطرق، والمناهج التي أهمها:
    1- الإفراد عن السياق،
    2- الحذف من السياق،
    3- الحشو في السياق،
    4- الإبدال في السياق،
    5- استخدام العلامات الموقعية في الكلام.
    فإذا استخدمنا هذه الوسائل في تحديد الكلمة العربية، أمكننا مثلا أن نقول: "هم" تصلح للإفراد عن السياق باعتبار، ولا تصلح لذلك باعتبار آخر، فهي لا تفرد إلا في حالة الرفع، وأما في حالتي النصب والجر، فلا يمكن إفرادها عن السياق؛ لأنها حينئذ ليست كلمة مستقلة، وإنما تعتبر ملحقة بكلمة هي جزء منها.
    وأما من جهة الحذف من السياق، فدعنا نتأمل جملة مثل "هم أنفوا منهم"، لنجد أن الضمير المرفوع في البداية، يمكن أن يستخرج من الجملة، ولكننا لا نستطيع استخراج الضمير الثاني المنصوب؛ لأنه مرتبط بعنصر آخر من عناصر الجملة، لا ينفك عنه، ومن هذا أيضًا يؤخذ أن الضمير المرفوع كلمة، وأن المنصوب جزء من كلمة.
    ويمكن من ناحية اختبار إمكان الحشو في الجملة، أن نرى مسلك الضمير في حالاته المختلفة في جملة مثل: "كان المسلمون في القرن التاسع الميلادي، هم أصحاب أكبر ملك الدنيا" بإضافة ضمير الرفع، مع وجود الفاعل في الجملة، فالضمير هنا أمكن حشوه في الجملة، ولكن هل يمكن أن نضيف الضمير المنصوب في جملة مثل، "خاف العالم في القرن التاسع الميلادي المسلمين أصحاب أكبر ملك في الدنيا"، فتجعل الضمير بين كلمتي المسلمين وأصحاب؟ الجواب لا، طبعًا، ومن هذا يؤخذ أيضا أن ضمير الرفع كلمة، وأن ضمير النصب جزء من كلمة، ولو اتحد الشكل.
    وأما من ناحية تغيير الموقع في السياق، فإن جملة مثل: "هم السادة الأخيار"، يمكن أن يتغير فيها موقع "هم"، فتصير "السادة الأخيار هم"، ولكننا إذا قلنا: "منهم السادة الأخيار"، ثم أردنا تغيير موقع الضمير وحده، كما فعلنا أولا، فلن نستطيع؛ لأن ما يمكن هنا أحد شيئين:
    1- أن تغير موقع حرف الجر تبعا لتغيير موقع الضمير، وهذا ينفي أن يكون الضمير كلمة مستقلة.
    2- وأن تغير موقع الضمير فحسب، وذلك يغير المعنى المقصود؛ لأن الجملة حينئذ تصير: "من السادة الأخيار هم"، وهذا يغاير معنى الجملة الأولى، ويؤخذ من هذا أيضًا أن هم "ضمير الرفع" كلمة مستقلة، وليس كذلك ضمير النصب.
    وأما من جهة الإبدال في السياق، فدعنا نختبر مسلك الضمير في جملة مثل: "المسلمون أخيار؛ بل هم خير أمة أخرجت للناس"، وحيث يمكن أن نستبدل المسلمين بالضمير، فتصير الجملة في صورتها الجديدة: "المسلمون أخيار؛ بل المسلمون خير أمة أخرجت للناس".
    ولكن ذلك لا يحدث في حالتي النصب والجر، قارن مثلًا: "يقع بيت محمد على شاطئ النيل"، بجملة أخرى هي: "يقع بيته على شاطئ النيل"، وستجد كلمة "بيت"، وكلمة "محمد"، مستقلتين في الجملة الأولى، وتجد ما سد مسدهما كلمة واحدة في الجملة الثانية، هي"بيته"، ومن هذا نستطيع أن نقول: إن "محمدا" كلمة بمفردها، وإن ضمير الجر المضاف إلى البيت في الجملة الثانية جزء من كلمة "بيته"، واستقلال محمد هنا كاستقلال ضمير الرفع في الجملة السابقة.
    ومن العلامات التي تدل على الموقع في اللغة العربية واو العطف؛ فهي دائما فاصلة بين كلمتين، أي أنها دليل على نهاية كلمة سابقة، وبدء كلمة لاحقة، فتقف حدًا معينا لطرفي الكلمتين، لا يمكن أن يخطئ فيه السامع، فإذا علمنا ذلك اتضح لنا أن "هم" في "نحن وهم" كلمة مستقلة، وليست كذلك في "لنا ولهم"؛ لأننا لا نقول: "لنا وهم". يتضح من هذا جميعه أن الضمير المنفصل كلمة مستقلة، كالاسم الصريح سواء بسواء، وأن الضمير المتصل جزء من كلمة، ويمكن توضيح ذلك بالجدول الآتي:
    ضمائر متصلة:
    ويمكن تطبيق هذه الأسس الستة في تحديد كلمة عربية، لمعرفة أين تبدأ وأين تنتهي، ولم يكن واضعوا الكتابة العربية مخطئين، حين فرقوا عمدا في الشكل الكتابي بين اللفظين المتجانسين في البيتين:
    كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا
    ما الذي ضر مدير الـ ... جام لو جاملنا
    فإن وراء الفصل في الحالة الأولى، والوصل في الحالة الثانية، نظرية لغوية لها وزنها وخطرها، لا من الناحية المعجمية فحسب، بل من نواح أخرى كثيرة، نحوية، وصرفية، وتشكيلية، وأصواتية ليس هنا محل لذكرها.
    وبعد فما الكلمة العربية التي يدور حولها نشاط المعاجم؟ لست أريد القارئ أن يتوقع مني التعريف التقليدي: "الكلمة لفظ مفرد"؛ لأني قد نقدته، ولا أدري أن كانت قد نقضته أيضا، ولست أريد أن يتوقع التقسيم التقليدي: "الكملة اسم، وفعل، وحرف"، ليحل محل التعريف المنقود؛ لأن هذا التقسيم لا يحل المشكلة من الناحية المعجمية من جهة، وقاصر عن أن يشمل جميع أقسام الكلام العربي، كما رأينا منذ قليل، فالتعريف الذي أريد أن أسوقه إذا تعريف يتصل بوظيفة الكلمة، أكثر مما يتصل بتقسيمها، وسوف لا أبني هذا التعريف على الشكل الإملائي العربي؛ لأن الإملاء العربي نظام لغوي قائم بذاته كالنحو، والصرف، والمعجم؛ ولأن العرف قد وضعه بشكله المعين، دون رجوع شامل إلى مقتضيات الدراسات اللغوية التي ترتبط به؛ حتى إنك لتجد جملة بأكملها متصلة في الكتابة، نحو: "سنستقبلهم"، وتجد كلمة واحة يستقل كل رمز منها عن الآخر، نحو "داود"، و"وزارة".
    فالكلمة العربية في تعريفها "صيغة ذات وظيفة لغوية معينة في تركيب الجملة، تقوم بدور وحدة من وحدات المعجم، وتصلح لأن تفرد، أو تحذف، أو تحشى، أو يغير موضعها، أو يستبدل بها غيرها، وفي السياق، وترجع في مادتها غالبًا إلى أصول ثلاثة، وقد تلحق بها زوائد".
    "ما المعجم؟ ":
    بعد أن شرحنا الكلمة وعرفناها، ووصفنا كيف يكشف عن حدودها في السياق، يلزمنا بعد ذلك أن نقرر ماهية المنهج الذي يتخذها مادة له، ويدور حولها شرحًا، وتحليلا تاريخيًا، بطريقة تختلف عن طريقتي النحو والصرف. والواقع أن الدراسات اللغوية، كلها تركز اهتمامها على المعنى، ويأخذ المعنى في الأصوات صورة القيم الخلافية بين الصوت والصوت، وفي التشكيل صورة هذه القيم بين الحرف والحرف، وبين المقطع والمقطع، وبين النبر والنبر، وبين النغمة والنغمة، وإما في الصرف، فيبدو في صورتها بين الصيغة الصيغة، وفي النحو بين الباب والباب أما في المعجم، فالأمر مختلف؛ لأن المعنى المعجمي قلما يتم بيانه على نمط سلبي، وإنما يشرح دائمًا بطريقة إيجابية.
    ويعترف سويت ويسبرسن: بالحد الفاصل بين الجراماطيقا والمعجم، حيث يدعيان أن الجرماطيقا تعالج الحقائق اللغوية العامة، على حين يتناول المعجم الحقائق الخاصة، فكلمة "Cat" تدل على الحيوان المعين، وهي لهذا حقيقة خاصة بهذا الحيوان، ولكن تكوين الجمع بإضافة "s" إلى هذه الكلمة حقيقة عامة في اللغة، ولا تخصها وحدها، وإنما تتناول جمهرة الكلمات الأخرى التي تعامل نفس المعاملة، فإذا خطرت ظاهرة جمع بغير هذه الإضافة، كما هي "Oxen"، فهناك ما يبرر أن يتم علاجها في المنهجين معًا، منهج الجراماطيقا ومنهج المعجم، وإلا ضل المطلع على أحد المنهجين دون الآخر، فاستعمل في الجمع كلمة Oxes قياسًا على غيرها.
    والصيغ العددية التي تدرس في النحو، يجب أن تدخل في مجال المعجم أيضًا، بما فيها من مشتقات، كثالث ورابع، والأدوات كذلك تدرس على المنهجين كليهما، ولكل أداة مكان في المعجم، لا يقل عن مكان "كان"، و"ظل"، و"ظن"، وما يسمونه النواسخ في النحو، ولهذا جميعه يقول سويت، كما يقول بسبرسن: إن المعجم والجراماطيقا متداخلان.
    والمعجم والجراماطيقا في الحقيقة متكاملان، بمعنى أنهما طريقتان لتناول المعنى من وجهتي نظر مختلفتين؛ فالمعجم قمة الجراماطيقا، وتاجها، وكثير مما نسميه "فسيولوجيا الأصوات"، يقع خارج نطاق اللغة، ولكن المرء حين يقارن كلمتي "راح" "ولاح"، يركز اهتمامه على القيمة الخلافية بين الكلمتين، وهي تتمثل في الفرق بين صوتي الراء واللام: فهذه دراسة للمعنى من وجهة النظر الأصواتية.
    فجزء معنى "راح"، أنها ليست "لاح"، ولا "ناح"، ولا "فاح"، ولا "ساح" وهلم جرا، وهذا هو الجزء السلبي الخلافي من المعنى، فإذا استطعت أن تقول: إن هذه الكلمة اسم أو فعل أو ضمير أو حرف، فقد اكتشفت أحد عناصر الوضوح الصرفي، والنحو أكثر الدراسات الجراماطيقية أهمية؛ لأنه يدرس الكلام التام كوحدة مترابطة، فإذا انتهت الدراسات الجراماطيقية للمعنى، بدأت دراسة المعجم للكلمة، وعند نهايتها تبدأ دراسة المعنى الدلالي الاجتماعي، في ماجرياته الخاصة، ومعنى ذلك أن المعجم يقنع بدراسة المعنى من جهة، والتحديد الجراماطيقي من جهة أخرى، تاركا دراسة المعنى باعتباره نظرية فلسفية للإبستيمولوجيا "Epistemology".
    والملاحظات الخاصة التي يجب مراعاتها عن كتابة المعجم، هي نفس الأهداف التي من أجلها يكتب المعجم، فنحن نتوقع أن نتعلم من المعجم أمورًا خاصة بالكلمة المرادة، ويمكن تلخيص هذه الأمور فيما يأتي.
    1- الهجاء:
    كلنا يعلم أن أبجديات اللغات المختلفة، قد وضعت لتعطي صورا بصرية للكلمات، تقوم مقام الصورة السمعية، عند تعذر الإسماع، ونحن نعلم كذلك أن التهجي، في كثير من الحالات، لا يراعي تمثيل أصوات الكلمة، ولا وحداتها الصوتية التي نسميها الحروف؛ ولذلك نجد المعجم مكانا طبيعيا للنظر في هجاء الكلمة، لنرى ما إذا كانت همزتها مفردة، أو على أحد حروف اللين الثلاثة، ولنرى ما إذا كانت الألف محذوفة، كما في "الرحمن"، "والله"، وما إذا كان اسم الألف اللينة في آخر الكلمة واوا، أو ياء، وهلم جرا.
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    2- النطق:
    أما نطق الكلمات، فيجب أن يدون بالكتاب الأصواتية، التي تستخدم رمزًا معينا لكل صوت، وقد وضع علماء الأصوات في بعض اللغات معاجم خاصة بنطق الكلمات فحسب، والناظر في معجم أوكسفورد للغة الإنجليزية، يجد الكلمة متبوعة بطريقة نطقها، أما واضعوا المعاجم العربية، فقد كانوا يعمدون إلى الطريقة أخرى في الضبط، ولا تبلغ من الدقة مبلغ الكتابة الأصواتية، تلك الطريقة هي ذكر الحركات في الكلمة؛ فكانوا يقولون مثلا في "هزبر": هي بكسر، ففتح، فسكون، وهلم جرا، ولقد كانت هذه الطريقة العربية، تهدف إلى تحديد الحروف، لا إلى تحديد الأصوات، ولذلك لا يمكن أن نسميها بيانا للنطق.
    3- التحديد الجراماطيقي:
    سيقول لك المعجم بعد ذكر الكلمة ما إذا كانت هذه الكلمة اسما، أو فعلا أو غير ذلك، فإذا كانت الكلمة محايدا صرفيا -كما ذكرنا حين الكلام عن التوزيع الصرفي- فعلى واضع القاموس، أن يخالف بين مداخلها المختلفة، فيخصص -مثلا- لكلمة "قاتل" باعتبارها فعل أمر، مدخلا خاصا غير مدخلها باعتبارها اسم فاعل، ولقد جرت عادة المعاجم العربية على أن تخصص مدخلا لكل مادة، لا لكل صيغة، ولعل ذلك هو الذي جعل عدد الكلمات في المعجم العربي أقل منها في المعاجم الأجنبية، التي تعالج كل صيغة، بمدخل خاص بها، والمعروف أن المادة أعم من الصيغة، وأنها قد تحتوي على عدد كبير من الصيغ.
    4- الشرح:
    ويشتمل ذلك على أمرين:
    1- الأشكال المختلفة للكلمة، سواء أكانت هذه الأشكال متعددة من وجهة النظر السنكرونية الأفقية، أي في مرحلة معينة، من مراحل اللغة، بأن توجد الأشكال المختلفة لها جنبا إلى جنب في زمن واحد، أو كانت من وجهة النظر الدياكرونية الرأسية، أي في المراحل التاريخية المتعاقبة، بأن تقول: إن هذه الكلمة كانت في القرن الفلاني كذا، وأصبحت فيما بعد كذا، ثم آلت إلى كذا، وهذا ما يعرف بالإبتمولوجيا "Etymology"، وتلك الناحية الإيتيمولوجية هي الميزة التي امتاز بها معجم أوكسفورد، واستخدمها على نطاق واسع، وسماها وجهة النظر التاريخة، وليس في اللغة العربية إلى الوقت الحاضر أثر لمثل هذه الدراسات، على نفعها وقيمتها في دراسة المفردات، وتواريخ النصوص، ولعل المستقبل كفيل بسد هذا النقص.
    ب- تقسيم المادة بحسب تعدد المداخل الفرعية فيها، والاستشهاد على كل مدخل، مع الإتيان بتحديد صرفي لكل قسم فرعي، فيتم ذلك مثلا، كما يأتي:
    يقول صاحب القاموس، في شرح مادة "ردح"، ما يأتي:
    "ردح" البيت كمنع وأردحه أدخل شقه في مؤخره، أو كاثف عليه الطين، والردحة -بالضم سترة في مؤخرة البيت، أو قطعة تزاد في البيت، وكسحاب الثقيلة الأوراك، والجفنة العظيمة، والكتيبة الثقيلة الجرارة، والدوحة الواسعة، والجمل المثقل حملا، والمخصب؛ ومن الكباش الضخم الإلية؛ ومن الفتن الثقيلة العظيمة جمع رُدُحٌ، ومنه قول علي رضي الله عنه: "إن من ورائكم أمورًا متماحلة ردحًا" ويروى رُدَّحًا، والرُّدْحُ الوجع الخفيف، والردحى -بالضم- يقال القرى ولك عنه ردحة -بالضم- ومرتدح أي سعة.
    والرادحة بيت يبنى للضبع، ويقال: ما صنعت فلانة؟ فيقال: سدحت، وردحت؛ سدحت أكثرت من الولد، وردحت ثبتت وتمكنت، وكذلك الرجل إذا أصاب حاجته، والمرأة إذا حظيت عنده، وأقام ردحا من الدهر -أي طويلا، وسموا رديحا كزبير وفرحان".
    ولو ترك لي أن أرتب هذه المادة بحسب المقتضيات المعجمية المذكورة، لخصصت الصيغ الآتية كلا بمدخلها الخاص:
    رَدَحٌ - أردحه الردحة - رداح - ردح - الردح - الردحى - ردحة - مرتدح - الرادحة ردحت - رديح - ردحان.
    ولكنا على أن أستشهد -من النصوص العربية، كلما أمكن ذلك -على استعمال كل صيغة من هذه الصيغ في مدخلها، وأن آتي لها بتحديد صرفي، وأن أو فيها حقها من كل ما يتطلبه المطلع على القاموس من شرحها، كما بينته فوق
    هذا الكلام.
    لقد كان الصينيون أول واضعي المعاجم في العالم، وكان ذلك قبل المسيح بقرون عديدة، ومما يثير العجب أنهم، وقد وضعوا معاجمهم على أساس أشكال الرمز الصينية، جاء جمعم للقاموس موضوعيا إلى حد كبير، فكان المعجم عندهم أسبق من الجراماطيقا، ولقد كانت الكلمات دائما من نتائج الوضع والتعارف، فهي بطاقات وضعها الإنسان، ليلصق كلا منها بحقيبة من حقائب المدلولات، أما في أوربا المسيحية، فقد كانت الكلمة موضع عناية من الناحية الدينية؛ لأن عيسى عليه السلام "كلمة الله"، {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} ، ومن هنا لقيت الكلمة بعثها في الكنيسة، وأصبحت الدعاية التي قامت بها الكنيسة Propaganda fide
    مسئولة عن كثير من المعاجم في لغات متنوعة.
    يقول صاحب المذهر: "أول من صنف في جمع اللغة الخليل بن أحمد؛ ألفت في ذلك كتاب العين المشهور، على أن نسبة هذا الكتاب إلى الخليل موضع شك عند بعض النحاة، ويشك بعضهم في وضعه ما بعد الغين من الكتاب، وينسبه إلى الليث بن نصر بن سيار الخراساني، وترتيب كتاب العين قصد به أن يكون على حسب مخارج الأصوات العربية، وقد كان الخليل يرى أن العين أقصى هذه الأصوات مخرجا، وهذا خطأ بالطبع؛ لأن أقصى الأصوات مخرجا أصوات الهمزة والهاء، قال صاحب المزهر: "وقال ابن جني في الخصائص: أما كتاب العين ففيه من التخليط، والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل، فضلا عنه نفسه، ولا محالة أن هذا التخليط لحق هذا الكتاب من غيره، فإن كان للخليل فيه علم، فلعله أومأ إلى عمل هذا الكتاب إيماء، ولم يله بنفسه، ولا قدره، ولا حرره".
    ثم كتب ابن دريد بعد ذلك جمهرته، وهي مرتبة على الحروف الأبجدية، ولا على ترتيب المخارج، وقد قصد بها صاحبها أن يختار الشائع المقبول من كلام العرب، وأن يترك الوحشي، والنادر، والمستهجن، كما فعل الخليل في كتاب العين، ويرى ابن دريد أنه إنما اختار الترتيب على حروف الأبجدية؛ لأنها بالقلوب أعلق، وفي الأسماع، أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة، ولقد كان خصوم ابن دريد يقدحون في قيمة الجمهرة من الناحية العلمية، فيطعنون في رواياتها، ويرجعونها بجملتها إلى كتاب العين، مثال ذلك قوله نفطويه:
    ابن دريد بقرة ... وفيه عي وشره
    ويدعي من حمقه ... وضع كتاب الجمهرة
    وهو كتا العين إلا ... أنه قد غيره
    قال السيوطي: "وقال بن جني في الخصائص، وأما كتاب الجمهرة ففيه أيضا من اضطراب التصنيف، وفساد التصريف مما أعذر واضعه فيه لبعده عن معرفة هذا الأمر".
    يقول صاحب المزهر: "وأول من التزم الصحيح مقتصرا عليه، الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، ولهذا سمي كتابه بالصحاح"، ويقول: وأعظم كتاب ألف في اللغة بعد عصر الصحاح كتاب المحكم والمحيط الأعظم، لأبي الحسين علي بن سيده الأندلسي الضرير، ثم كتاب العباب، للرضي الصنعاني". ثم ألف بعد ذلك لسان العرب، لابن منظور المصري، والمصباح للفيومي، والقاموس المحيط للفيروزابادي، وقد شغل اللغويون بشرح هذه المعاجم، واختصارها والتعليق عليها، زمنا طويلا، حتى خرجت اللغة العربية من ذلك بحظ لا بأس به من دراسات المعاجم، فإذا أضفنا إلى هذا المجهود مجهودًا من نوع آخر، يمكن أن نطلق عليه اسم المعاجم الخاصة بالموضوعات، عرفنا مقدار الجهد، الذي بذله اللغويون في هذا السبيل، ومن أمثال هذه المعاجم الخاصة مثلثات قطرب، والنبات والشجر للأصمعي، واللبا واللبن لأبي زبد الأنصاري، وتهذيب الألفاظ لابن السكيت، والمطر والسحاب لابن دريد، والأفعال لابن القوطية، والمخصص لابن سيدة، وكشاف اصطلاحات العلوم للتهانوي.
    ولكن هذه المعاجم العربية العامة -على جلالها وخطرها- ينقصها الترتيب والتنظيم، وإننا لنطمع في أن يكون المعجم الذي يزعم المجمع اللغوي إخراجه للناس، قد استدرك هذه الأخطاء في المعاجم القديمة، حتى يتسنى للطالب العربي أن يجد في هذا المعجم الأسس الأربعة، التي قلنا إن الباحث في المعجم يتوقع أن يجدها، وهي الهجاء، والنطق، والتحديد الجراماطيقي، والشرح.
    وعندي أن أولى طرق ترتيب المعاجم بالاعتبار، هي طريقة الترتيب على أساس المخارج؛ فهذه الطريقة تعطي -إلى جانب المعلومات المعجمية- عنصرا من عناصر الدراسة الأصواتية، التي لا يمكن أن يستغني المعجم عنها.
    ولعل أوفى معجم في العالم في الوقت الحاضر، هو معجم أوكسفورد للغة الإنجليزية، وأوضح ميزة من ميزاته -كما قلنا- هي دراسة الناحية التاريخية للكلمات، أو ما يسمونه في الغرب ايتيمولوجيا "Etymology".
    لعلنا الآن قد وضحنا ماهية المعنى المعجمي بعض التوضيح، فهو معنى يقوم على أساس الكلمة، مختلفا في ذلك مع المعنى الوظيفي الجراماطيقي، والمعنى الدلالي الاجتماعي، الذي سنشرحه تحت الكلام عن منهج الدلالة.

    ----------------------
    (*) من كتاب مناهج البحث في اللغة للدكتور تمام حسان

    تعليق

    ...
    يعمل...