دور اللغة العربية إسلاميًّا وعالميًّا: التجربة الماليزية
الدكتور جاسم علي جاسم
تعريف عام بماليزيا:
وهنا أود إعطاء بعض اللمحات الجغرافية، والتاريخية، والسياسية، والبشرية، والثقافية، والحضارية أو الدينية عنها حتى يتسنى لنا جيداً فهم واقع اللغة العربية ودورها في هذا البلد الساحر حقاً. وتقع ماليزيا في قلب جنوب شرق آسيا، شمال خط الاستواء بين خطى العرض 1-7 شمالاً وخطي الطول 110-119 شرقاً. وتبلغ مساحتها 330,434 كم2 ، ويحدها من الشمال تايلاند، ومن الجنوب سنغافورة وإندونيسيا، ومن الشرق الفليبين، ومن الغرب مضايق ملكة وجزيرة سومطرة من إندونيسيا. وتنقسم المملكة إلى قسمين: شرقي وغربي يفصلهما عن بعضهما بعضاً بحر الصين الجنوبي. ويتكون الشطر الغربي من اثنتي عشرة ولاية، تتفاوت فيما بينها من حيث المساحة، والسكان وأعراقهم، والنشاط الاقتصادي، ومستوى المعيشة؛ وهي: سلانغور دار الإحسان، وكوالا لمبور، وملكة، وجهور بارو دار التعظيم، وكلنتان دار النعيم، وبينانغ، وقدح دار الأمان، وترنقانو دار الإيمان، وبرليس، وبيراك دار الرضوان، ونقري سيمبيلان دار الخصوص، وبهانغ دار المعمور. وأما القسم الشرقي فيتكون من ولايتين فقط، هما صباح وسرواك.
وتوالت على ماليزيا قوى استعمارية غاشمة شتى من قديم الزمان حتى النصف الأول من القرن العشرين كالبرتغال، واليابان، والإنجليز. ولما نالت ماليزيا استقلالها من بريطانيا عام 1957م، أصبحت دولة اتحادية سنة 1963م، وأصبحت كوالا لمبور العاصمة السياسية والإدارية للمملكة. والنظام السياسي الذي يحكمها ملكي دستوري بمعنى أن رئيس الوزراء والبرلمان هما اللذان يديران شؤون البلاد على الصعد كافة. (انظر؛ Jassem, 1994; Haja Mohideen 1991:3,8-9; Jassem, 2000:13).
ويبلغ عدد السكان في ماليزيا حوالي 21 مليون نسمة ( تلفزيون ماليزيا 3، 1998 TV3, 1998). وينتمون إلى أعراق متعددة ذات لغات، وأديان، وثقافات مختلفة. وأهم هذه الأعراق ثلاثة، وهم الملايو، والصينيون، والهنود. فأما الملايو، فهم سكان البلاد الأصليون وأكبر الفئات عدداً، ويشكلون حوالي 61 % من السكان، وهم يدينون بالإسلام على المذهب الشافعي. وأغلبهم من سكان الأرياف، وكانوا معظمهم يعملون لوقت قريب بالزراعة وصيد الأسماك. وأما الآن، فيعملون في الجيش، والشرطة، والخدمة المدنية. وهذا مما حدا بالكثير منهم إلى الهجرة إلى المدن بحثاً عن الوظائف السهلة.
وأما الصينيون والهنود، فيشكلون 30 % و 8 % من مجموع السكان لكل منهما (Haja Mohideen, 1991:3; Jassem, 2000:13). وهؤلاء جيء بهم من قبل الإنكليز إبان أيام الاحتلال للعمل في المزارع والمناجم التي كان أهل البلاد الملايويون المسلمون يرفضون العمل بها لكون المستعمرين من الكفار الذين لا يجوز العمل تحت خدمتهم، كما يقولون. ويدين أغلب الصينيون بالبوذية، في حين يكون أغلب الهنود من المجوس، عبدة النار والأبقار والأصنام (Haja Mohideen, 1991:3; Jassem, 2000:14). واليوم يسيطر الصينيون على الجانب الاقتصادي، والمالي، والتجاري في البلاد بشكل عام، وأما الهنود فجزء منهم يعمل في الطب والمحاماة.
ويطلق على سكان البلاد الأصليين مصطلح "أبناء الوطن أو بوميبوترا" تمييزاً لهم عما سواهم من الصينيين والهنود، الذين يُدْعَون بـِ: "غير أبناء الوطن". ولهذا المصطلح حقوق وامتيازات تمنحها الدولة لحامليه.
ويضاف إلى هؤلاء الأعراق العرب الذين وصلوا إلى تلك البلاد فيما مضى، ومنهم من يعيش في مجتمعات وعائلات خاصة بهم، معظمهم من بلاد اليمن. وما تزال هذه العائلات تحمل أسماء عائلاتها العربية الأصلية كالعطاس والسقاف والجنيد وغيرهم. والجدير بالذكر أن الملايويين حكومة وشعباً يعاملون العرب هؤلاء على أساس أنهم منهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. فمثلاً، منهم الملوك والسلاطين، والوزراء، والمستشارون، ورؤساء الجامعات، وكبار الموظفين، وغيرهم. والحقيقة أن هؤلاء العرب اندمجوا مع الملايو إلى درجة الذوبان حيث إن أكثرهم لا يعرفون من اللسان العربي إلا النزر اليسير، وهكذا تطبعوا بعادات وأخلاق الملايو. ويقول الملايويون عن العربي في ماليزيا خاصةً وجنوب شرق آسيا عامةً: بأنه ملك يوماً ما "راجا سي هاري Raja Sehari"
الوضع اللغوي في ماليزيا:
وفي ماليزيا لغات كثيرة، يزيد عددها على 70 لغة، بحسب العرق الذي ينتمي إليه الإنسان (Omar, 1983; Jassem, 1993,1994). ولكن اللغة الرسمية للبلاد هي اللغة الماليزية (أو بهاسا مليسيا) أو اللغة الملايوية (بهاسا ملايو) ولكنهم يُفَضِّلُون استخدام مصطلح بهاسا مليسيا لأنها تجمع الأجناس الثلاثة (الملايو، والصينيين، والهنود) في بوتقة واحدة ألا وهي اللغة الماليزية، التي هي لغة الملايو، أهل البلاد الأصليين. فالصيني أو الهندي في ماليزيا مثلاً إن قلت له: هل أنت ملايوي؟ يقول: لا. أنا صيني/أو هندي. أما إن قلت له: هل أنت ماليزي؟ يقول: نعم. أنا ماليزي.
وكلمات هذه اللغة مزيج من لغات عدة، بحسب الأقوام الذين تعامل معهم أهل البلاد، كالهندية أو السنسكريتية، والعربية، والإنجليزية. وتعد الكلمات العربية في اللغة الملايوية بالآلاف كما بيَّن الدكتور (Beg, 1983) في كتابه عن ذلك.
وكانت لغة الملايو تكتب بالحرف العربي، المسمى بالجاوي نسبة إلى جزيرة جاوا بإندونيسيا، منذ دخول أهلها في دين الإسلام، ودام ذلك ستة قرون إلى أن تم استبداله بالحرف اللاتيني رسمياً في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي بتأثير الاستعمار البريطاني (Jassem, 2000:14). ومع هذا فلم ينمح الحرف العربي من الوجود في هذا البلد المسلم النائي جداً عن قلب العروبة والإسلام جغرافياً، فلا يزال معمولاً به وبشكل واسع في بعض الكتب، والمجلات، والجرائد، والصحف، ولوحات الإعلانات الرسمية وغير ذلك. ويمكن القول بأن الخط العربي أو الجاوي يعيش جنباً إلى جنب مع الحرف اللاتيني هنا، وبشكل ملموس وظاهر للعيان.
كما أن هنالك لغات أخرى كبيرة العدد من حيث عدد الناطقين بها؛ ومنها: اللغات الصينية ذات اللهجات المتعددة مثل الكانتونيز والماندرين، واللغات الهندية مثل التاميل، والكوجراتي، والأردو. وكذلك اللغة الإنجليزية التي تعد اللغة الرسمية الثانية في البلاد، ويتحدث بها كثير من الناس، ولا سيما سكان المدن المتعلمين من الصينيين، والهنود، والملايو بهذا الترتيب (Jassem, 2000:14, Haja Mohideen 1991:3; Jassem, 1993,1994).
وأما العربية في ماليزيا، فتاريخها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإسلام (Jassem, 2000:22-25). ويرى بعض المؤرخين الماليزيين: أن الإسلام وصل إلى ماليزيا أيام الرسول صلى الله عليه وسلم؛ في السنة التاسعة للهجرة على أيدي التجار العرب (لمزيد من التفاصيل، انظر؛ Jassem, 2000:15). وقد دخل الإسلام هذه البلاد بسلام، ومن دون حرب ولا جهاد أو سيف، بل عن طريق التجار الصالحين والمعاملة الحسنة. ومنهم من يرى أن القرن العاشر الميلادي هو الزمن الذي انتشر فيه الإسلام انتشاراً واضحاً في أرخبيل الملايو (عزمي, 1990: 80). واليوم الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد بلا منازع، ولكن حرية العبادة مكفولة لأصحاب العقائد الأخرى، إذ لا إكراه في الدين (Jassem, 2000:15;عزمي, 1988: 295).
وللغة العربية منازل عديدة من حيث نمط استخدامها من قبل أبناء الملايو. فقد قَسَّمَ (Jassem, 2000:22-27) منازلها إلى سبع منازل، وهي باختصار كما يلي:
(أ) اللغة العربية لغةً إسلامية كما يظهر من استخدام المسلمين لها بشكل عام في ماليزيا، ولا سيما في الصلوات الخمس وما شابه ذلك؛
(ب) اللغة العربية لغةً أولى، ويتجلى ذلك في استعمالها المحدود من قبل أبناء الملايو المنحدرين من أمهات عربيات وآباء ماليزيين، وأيضاً من قبل أولئك العرب ذوي الأصول العربية الذين لا يزالون يتكلمون بها داخل بيوتهم، وهم غير كثيرين للأسف لسرعة ذوبان العرب في الأقوام التي يختلطون بها، وهم قلة متفرقون في بقاع شتى؛
(ج) اللغة العربية لغةً ثانية، كاستخدامها في تدريس غير مادة في المدارس الماليزية، والعربية، والإسلامية؛
(د) اللغة العربية لغةً أجنبية، ومن ذلك تدريسها كمادة مستقلة في المدارس؛
(هـ) اللغة العربية لغةً إعلامية كما يظهر من استخدامها في وسائل الإعلام المختلفة كما سنرى فيما بعد؛
(و) اللغة العربية لغةً جامعية من خلال تعليمها وتعلمها في الجامعات والمعاهد الماليزية؛
(ز) وأخيراً اللغة العربية كخط مكتوب (المسمى بالخط الجاوي) كما يظهر في كافة أشكال المطبوعات من كتب، وصحف، وما سواها. ومن الجدير بالذكر أن اللغة الإنجليزية ينطبق عليها كثير من هذه الأوصاف (Jassem, 1993;1994).
منهج البحث
وهنا نتحدث عن شيئين، وهما:
(أ) جمع المادة العلمية وكيفية الوصول إليها في هذا البحث،
(ب) وطريقة تحليلها وعرضها.
(أ) جمع المادة العلمية
يقوم منهج البحث من حيث الحصول على المادة العلمية وتجميعها في هذه الورقة على الأمور التالية:
1- معايشة الباحث للواقع المدروس لفترة طويلة من خلال الدراسة والعمل في الجامعات والمعاهد والمدارس الماليزية. فالباحث عاش في كوالا لمبور أكثر من أحد عشر عاماً دَرَسَ فيها لنيل درجتى الماجستير والدكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية العالمية والجامعة الوطنية الماليزية لكل منهما. وعمل في الجامعة الإسلامية العالمية، ومعهد تحفيظ القرآن والقراءات بكوالا لمبور (دار القرآن حالياً في مدينة كوالا كوبو بارو بسلانغور)، وجامعة ملايا، وأشرف على برامج تدريب معلمي اللغة العربية في المدارس الماليزية لأكثر من سبع سنين.
2- مراقبة الواقع اللغوي في ماليزيا عن كثب، ولا سيما استعمال اللغة العربية بين فئات الشعب الماليزي المسلم بخاصة. ويتجلى ذلك في موضوع أطروحة الدكتوراه، التي كانت حول إتقان طلبة المدارس الثانوية الإسلامية للغة العربية بوصفها لغة التدريس الأولى.
3- الملاحظات العامة عن الاستعمال اللغوي العام في ماليزيا، ولا سيما العربي منه، في وسائل الإعلام المختلفة، المسموعة منها والمرئية، كالمذياع، والتلفزيون، والصحف، والمجلات، والكتب.
4- آراء الناس العامة من مختلف الشرائح الاجتماعية من الأرياف والمدن، ومن فقراء، وأغنياء، ومتعلمين، وأطباء، ومهنيين، وطلاب، وتجار، وغيرهم.
5- استعمال اللغة العربية رسمياً من قبل مؤسسات الدولة ووزاراتها كالشؤون الإسلامية والتربية، وأجهزتها التعليمية كالمدارس، والمعاهد، والجامعات.
6- تنبؤاتنا للمستقبل ورصدنا لواقع اللغة العربية ومستقبلها لدى الماليزيين (الملايويين) خصوصاً في هذا البلد المسلم المسالم، الذي تعد فيه رافداً من روافد الإسلام.
(ب) تحليل المادة التعليمية
سيكون تحليل المادة العلمية المقدمة في هذه الورقة على مستويات ثمانية، وهي: الشعبية، والوعظية الإرشادية، والإدارية، والسياسية، والحزبية، والإعلامية، والأدبية، والتعليمية. وسيجري عرض المستويات هذه عرضاً وصفياً، سردياً، موضوعياً، مقارناً، وتحليلياً أو تفسيرياً. أي أنه لن تكون هنالك أرقام عددية أو إحصائية للتدليل على قياس هذه المسألة أو تلك. ولذلك سأقوم بوصف الواقع كما رأيته، أو سمعته، أو قرأته. كما أنني سأقارن الأمور مع بعضها بعضاً، وأحللها لأخلص من وراء ذلك إلى بعض النتائج العامة التي يمكن تطبيقها على الواقع الماليزي الكبير. ومن خلال ذلك نستطيع الوصول إلى إعطاء التوصيات والاقتراحات الخاصة بتدعيم مكانة اللغة العربية في ماليزيا ونشرها أكثر فأكثر، لا سيما لدى الطبقات الشابة منهم.
نتائج البحث:
سنعرض هذه النتائج لكل مستوى من المستويات الآنفة الذكر على حدة. وإليكم بيانها بشيء من التفصيل والايجاز كمايلي:
على المستوى الشعبي:
تتمتع اللغة العربية برصيد شعبي تراثي قوي في ماليزيا، ولاسيما عند أبناء المسلمين من الملايو، والهنود، والصينيين. والسبب في ذلك هو ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم. فكل مسلم يرى أن من واجباته الدينية فهم القرآن الكريم وأمور العقيدة والمسائل التي تخص حياته اليومية كقراءة القرآن وفهمه ما أمكن لتأدية الصلوات الخمس التي يجب أن تؤدى باللغة العربية. ولذلك ترى المساجد تعج بالأطفال الذين يتعلمون القرآن ويرددونه كثيراً من أجل حفظه وترتيله لهذا الغرض.
ولا يقتصر الأمر على الصغار والشباب، بل يتعداه إلى كل فئات المجتمع. فهذا رجل متقاعد انصرف إلى تعلم العربية بعد السبعين من العمر، ولما سألته عن السبب، أجاب بأن "العربية هي لغة أهل الجنة، وأريد أن أتكلم العربية قبل أن أموت حتى أتمكن من فهم ما يقولون لي هنالك؛ فلغة الملايو لا تنفعني في قبري وآخرتي". هذا الشعور بالربط بين الجنة، والإسلام، واللغة العربية هو الذي يدفع بهؤلاء المؤمنين للإقبال على اللغة العربية والاحتفاء بها. فلولا الإسلام ما نَفْعُ العربية عندهم؟
وهنالك أيضاً مسألة الأسماء ، وهي من أخص خواص التراث الشعبي لقوم ما. فالماليزيون المسلمون بكل شرائحهم، بعكس الإندونيسيين جيرانهم مثلاً، لهم أسماء إسلامية عربية خالصة حتى إن بعضها من أسماء عرب الجاهلية كعبد مناف وعبد المطلب وأبي طالب مثلاً. فالتعلق بالاسم العربي والإسلامي يشير إلى حب العربية والإسلام أو كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "أحب العرب لثلاث" ومنها اللغة العربية. وقال الثعالبي (1983:2): "فإن من أحب الله أحب رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب".
ومن التراث الشعبي الطرب والغناء. فهنالك بعض المطربين الملايويين الذي يصدحون بلغة الضاد من أمثال المطربة شريفة عيني التي تغنى شعراً بالعربية والمطرب يس سليمان الذي يغني بالعربية والملايوية.
على مستوى الوعظ، والإنشاد، والإرشاد الإسلامي:
ظاهرة الوعظ والإرشاد الإسلامي في ماليزيا أمر ملفت للنظر، إذا ما قورنت بالبلدان الإسلامية الأخرى. فعلى الرغم من أن اللغة المستعملة ههنا هي لغة الملايو عموماً، لكن الكم الهائل للكلمات العربية في تلك الدروس أمر بارز؛ فكل الكلمات الأساسية كالتقوى، والإيمان، والوضوء، والصلاة، والحج، والصوم، الخ عربية. ويضاف إلى ذلك التنقل بين اللغة العربية والملايوية مرات ومرات في الدرس الواحد، ولاسيما عند الاستشهاد بالنص من القرآن الكريم والحديث الشريف. ففي خطبة الجمعة مثلاً، تكون الافتتاحية والخاتمة بالعربية حصراً عدا عن نص الخطبة الأصلي الذي تمتزج فيه اللغتان. وهنالك حالات قليلة تكون الخطبة كلها باللغة العربية تبركاً وتيمناً بها، ويكون ذلك غالباً في الجامعات، والمعاهد، والمدارس الإسلامية التي يغلب فيها كثرة الناطقين بالعربية. وفي هذا الصدد يكون دور الإمام، والخطيب، والواعظ، والمعلم ذو قيمة كبرى في نشر العربية والإسلام بين الناس.
وبالنسبة للأناشيد والأشعار الدينية باللغة العربية، فحدث ولا حرج. وغالباً ما تدور حول موضوعات أصيلة مثل أسماء الله الحسنى، وصفات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأناشيد الأطفال. فهنالك منشدون، ومنشدات، وفرق إنشاد. ومن الفرق التي يمكن ذكرها "فرقة أناشيد رباني" و "فرقة الأخوة"؛ ومن المنشدات الحاجة خديجة. وكلهم ينشدون بالعربية طبعاً.
على المستوى الإداري:
مما يلفت الانتباه في بعض الولايات الماليزية، كولاية سلانغور دار الإحسان مثلا، استعمال الخط العربي أو الجاوي في لوحات الشوارع وأسمائها. وهذا مما يعمق الهوية الحضارية للأمة وارتباطها الدائم بتراثها الخالد، الأمر الذي يجعل التواصل مع لغة القرآن أمراً ممكناً وأكثر سهولة. والحقيقة أن أغلب أبناء الملايو المسلمين يحسنون قراءة القرآن بالخط العربي، على اختلاف فيما بينهم طبعاً. وهذا أمر جد مهم لأن الخطوة الأولى لتعلم اللغة، أية لغة هي القدرة على قراءة خطها بيسر. فلا تستغربن ذلك إذن.
الدكتور جاسم علي جاسم
تعريف عام بماليزيا:
وهنا أود إعطاء بعض اللمحات الجغرافية، والتاريخية، والسياسية، والبشرية، والثقافية، والحضارية أو الدينية عنها حتى يتسنى لنا جيداً فهم واقع اللغة العربية ودورها في هذا البلد الساحر حقاً. وتقع ماليزيا في قلب جنوب شرق آسيا، شمال خط الاستواء بين خطى العرض 1-7 شمالاً وخطي الطول 110-119 شرقاً. وتبلغ مساحتها 330,434 كم2 ، ويحدها من الشمال تايلاند، ومن الجنوب سنغافورة وإندونيسيا، ومن الشرق الفليبين، ومن الغرب مضايق ملكة وجزيرة سومطرة من إندونيسيا. وتنقسم المملكة إلى قسمين: شرقي وغربي يفصلهما عن بعضهما بعضاً بحر الصين الجنوبي. ويتكون الشطر الغربي من اثنتي عشرة ولاية، تتفاوت فيما بينها من حيث المساحة، والسكان وأعراقهم، والنشاط الاقتصادي، ومستوى المعيشة؛ وهي: سلانغور دار الإحسان، وكوالا لمبور، وملكة، وجهور بارو دار التعظيم، وكلنتان دار النعيم، وبينانغ، وقدح دار الأمان، وترنقانو دار الإيمان، وبرليس، وبيراك دار الرضوان، ونقري سيمبيلان دار الخصوص، وبهانغ دار المعمور. وأما القسم الشرقي فيتكون من ولايتين فقط، هما صباح وسرواك.
وتوالت على ماليزيا قوى استعمارية غاشمة شتى من قديم الزمان حتى النصف الأول من القرن العشرين كالبرتغال، واليابان، والإنجليز. ولما نالت ماليزيا استقلالها من بريطانيا عام 1957م، أصبحت دولة اتحادية سنة 1963م، وأصبحت كوالا لمبور العاصمة السياسية والإدارية للمملكة. والنظام السياسي الذي يحكمها ملكي دستوري بمعنى أن رئيس الوزراء والبرلمان هما اللذان يديران شؤون البلاد على الصعد كافة. (انظر؛ Jassem, 1994; Haja Mohideen 1991:3,8-9; Jassem, 2000:13).
ويبلغ عدد السكان في ماليزيا حوالي 21 مليون نسمة ( تلفزيون ماليزيا 3، 1998 TV3, 1998). وينتمون إلى أعراق متعددة ذات لغات، وأديان، وثقافات مختلفة. وأهم هذه الأعراق ثلاثة، وهم الملايو، والصينيون، والهنود. فأما الملايو، فهم سكان البلاد الأصليون وأكبر الفئات عدداً، ويشكلون حوالي 61 % من السكان، وهم يدينون بالإسلام على المذهب الشافعي. وأغلبهم من سكان الأرياف، وكانوا معظمهم يعملون لوقت قريب بالزراعة وصيد الأسماك. وأما الآن، فيعملون في الجيش، والشرطة، والخدمة المدنية. وهذا مما حدا بالكثير منهم إلى الهجرة إلى المدن بحثاً عن الوظائف السهلة.
وأما الصينيون والهنود، فيشكلون 30 % و 8 % من مجموع السكان لكل منهما (Haja Mohideen, 1991:3; Jassem, 2000:13). وهؤلاء جيء بهم من قبل الإنكليز إبان أيام الاحتلال للعمل في المزارع والمناجم التي كان أهل البلاد الملايويون المسلمون يرفضون العمل بها لكون المستعمرين من الكفار الذين لا يجوز العمل تحت خدمتهم، كما يقولون. ويدين أغلب الصينيون بالبوذية، في حين يكون أغلب الهنود من المجوس، عبدة النار والأبقار والأصنام (Haja Mohideen, 1991:3; Jassem, 2000:14). واليوم يسيطر الصينيون على الجانب الاقتصادي، والمالي، والتجاري في البلاد بشكل عام، وأما الهنود فجزء منهم يعمل في الطب والمحاماة.
ويطلق على سكان البلاد الأصليين مصطلح "أبناء الوطن أو بوميبوترا" تمييزاً لهم عما سواهم من الصينيين والهنود، الذين يُدْعَون بـِ: "غير أبناء الوطن". ولهذا المصطلح حقوق وامتيازات تمنحها الدولة لحامليه.
ويضاف إلى هؤلاء الأعراق العرب الذين وصلوا إلى تلك البلاد فيما مضى، ومنهم من يعيش في مجتمعات وعائلات خاصة بهم، معظمهم من بلاد اليمن. وما تزال هذه العائلات تحمل أسماء عائلاتها العربية الأصلية كالعطاس والسقاف والجنيد وغيرهم. والجدير بالذكر أن الملايويين حكومة وشعباً يعاملون العرب هؤلاء على أساس أنهم منهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. فمثلاً، منهم الملوك والسلاطين، والوزراء، والمستشارون، ورؤساء الجامعات، وكبار الموظفين، وغيرهم. والحقيقة أن هؤلاء العرب اندمجوا مع الملايو إلى درجة الذوبان حيث إن أكثرهم لا يعرفون من اللسان العربي إلا النزر اليسير، وهكذا تطبعوا بعادات وأخلاق الملايو. ويقول الملايويون عن العربي في ماليزيا خاصةً وجنوب شرق آسيا عامةً: بأنه ملك يوماً ما "راجا سي هاري Raja Sehari"
الوضع اللغوي في ماليزيا:
وفي ماليزيا لغات كثيرة، يزيد عددها على 70 لغة، بحسب العرق الذي ينتمي إليه الإنسان (Omar, 1983; Jassem, 1993,1994). ولكن اللغة الرسمية للبلاد هي اللغة الماليزية (أو بهاسا مليسيا) أو اللغة الملايوية (بهاسا ملايو) ولكنهم يُفَضِّلُون استخدام مصطلح بهاسا مليسيا لأنها تجمع الأجناس الثلاثة (الملايو، والصينيين، والهنود) في بوتقة واحدة ألا وهي اللغة الماليزية، التي هي لغة الملايو، أهل البلاد الأصليين. فالصيني أو الهندي في ماليزيا مثلاً إن قلت له: هل أنت ملايوي؟ يقول: لا. أنا صيني/أو هندي. أما إن قلت له: هل أنت ماليزي؟ يقول: نعم. أنا ماليزي.
وكلمات هذه اللغة مزيج من لغات عدة، بحسب الأقوام الذين تعامل معهم أهل البلاد، كالهندية أو السنسكريتية، والعربية، والإنجليزية. وتعد الكلمات العربية في اللغة الملايوية بالآلاف كما بيَّن الدكتور (Beg, 1983) في كتابه عن ذلك.
وكانت لغة الملايو تكتب بالحرف العربي، المسمى بالجاوي نسبة إلى جزيرة جاوا بإندونيسيا، منذ دخول أهلها في دين الإسلام، ودام ذلك ستة قرون إلى أن تم استبداله بالحرف اللاتيني رسمياً في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي بتأثير الاستعمار البريطاني (Jassem, 2000:14). ومع هذا فلم ينمح الحرف العربي من الوجود في هذا البلد المسلم النائي جداً عن قلب العروبة والإسلام جغرافياً، فلا يزال معمولاً به وبشكل واسع في بعض الكتب، والمجلات، والجرائد، والصحف، ولوحات الإعلانات الرسمية وغير ذلك. ويمكن القول بأن الخط العربي أو الجاوي يعيش جنباً إلى جنب مع الحرف اللاتيني هنا، وبشكل ملموس وظاهر للعيان.
كما أن هنالك لغات أخرى كبيرة العدد من حيث عدد الناطقين بها؛ ومنها: اللغات الصينية ذات اللهجات المتعددة مثل الكانتونيز والماندرين، واللغات الهندية مثل التاميل، والكوجراتي، والأردو. وكذلك اللغة الإنجليزية التي تعد اللغة الرسمية الثانية في البلاد، ويتحدث بها كثير من الناس، ولا سيما سكان المدن المتعلمين من الصينيين، والهنود، والملايو بهذا الترتيب (Jassem, 2000:14, Haja Mohideen 1991:3; Jassem, 1993,1994).
وأما العربية في ماليزيا، فتاريخها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإسلام (Jassem, 2000:22-25). ويرى بعض المؤرخين الماليزيين: أن الإسلام وصل إلى ماليزيا أيام الرسول صلى الله عليه وسلم؛ في السنة التاسعة للهجرة على أيدي التجار العرب (لمزيد من التفاصيل، انظر؛ Jassem, 2000:15). وقد دخل الإسلام هذه البلاد بسلام، ومن دون حرب ولا جهاد أو سيف، بل عن طريق التجار الصالحين والمعاملة الحسنة. ومنهم من يرى أن القرن العاشر الميلادي هو الزمن الذي انتشر فيه الإسلام انتشاراً واضحاً في أرخبيل الملايو (عزمي, 1990: 80). واليوم الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد بلا منازع، ولكن حرية العبادة مكفولة لأصحاب العقائد الأخرى، إذ لا إكراه في الدين (Jassem, 2000:15;عزمي, 1988: 295).
وللغة العربية منازل عديدة من حيث نمط استخدامها من قبل أبناء الملايو. فقد قَسَّمَ (Jassem, 2000:22-27) منازلها إلى سبع منازل، وهي باختصار كما يلي:
(أ) اللغة العربية لغةً إسلامية كما يظهر من استخدام المسلمين لها بشكل عام في ماليزيا، ولا سيما في الصلوات الخمس وما شابه ذلك؛
(ب) اللغة العربية لغةً أولى، ويتجلى ذلك في استعمالها المحدود من قبل أبناء الملايو المنحدرين من أمهات عربيات وآباء ماليزيين، وأيضاً من قبل أولئك العرب ذوي الأصول العربية الذين لا يزالون يتكلمون بها داخل بيوتهم، وهم غير كثيرين للأسف لسرعة ذوبان العرب في الأقوام التي يختلطون بها، وهم قلة متفرقون في بقاع شتى؛
(ج) اللغة العربية لغةً ثانية، كاستخدامها في تدريس غير مادة في المدارس الماليزية، والعربية، والإسلامية؛
(د) اللغة العربية لغةً أجنبية، ومن ذلك تدريسها كمادة مستقلة في المدارس؛
(هـ) اللغة العربية لغةً إعلامية كما يظهر من استخدامها في وسائل الإعلام المختلفة كما سنرى فيما بعد؛
(و) اللغة العربية لغةً جامعية من خلال تعليمها وتعلمها في الجامعات والمعاهد الماليزية؛
(ز) وأخيراً اللغة العربية كخط مكتوب (المسمى بالخط الجاوي) كما يظهر في كافة أشكال المطبوعات من كتب، وصحف، وما سواها. ومن الجدير بالذكر أن اللغة الإنجليزية ينطبق عليها كثير من هذه الأوصاف (Jassem, 1993;1994).
منهج البحث
وهنا نتحدث عن شيئين، وهما:
(أ) جمع المادة العلمية وكيفية الوصول إليها في هذا البحث،
(ب) وطريقة تحليلها وعرضها.
(أ) جمع المادة العلمية
يقوم منهج البحث من حيث الحصول على المادة العلمية وتجميعها في هذه الورقة على الأمور التالية:
1- معايشة الباحث للواقع المدروس لفترة طويلة من خلال الدراسة والعمل في الجامعات والمعاهد والمدارس الماليزية. فالباحث عاش في كوالا لمبور أكثر من أحد عشر عاماً دَرَسَ فيها لنيل درجتى الماجستير والدكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية العالمية والجامعة الوطنية الماليزية لكل منهما. وعمل في الجامعة الإسلامية العالمية، ومعهد تحفيظ القرآن والقراءات بكوالا لمبور (دار القرآن حالياً في مدينة كوالا كوبو بارو بسلانغور)، وجامعة ملايا، وأشرف على برامج تدريب معلمي اللغة العربية في المدارس الماليزية لأكثر من سبع سنين.
2- مراقبة الواقع اللغوي في ماليزيا عن كثب، ولا سيما استعمال اللغة العربية بين فئات الشعب الماليزي المسلم بخاصة. ويتجلى ذلك في موضوع أطروحة الدكتوراه، التي كانت حول إتقان طلبة المدارس الثانوية الإسلامية للغة العربية بوصفها لغة التدريس الأولى.
3- الملاحظات العامة عن الاستعمال اللغوي العام في ماليزيا، ولا سيما العربي منه، في وسائل الإعلام المختلفة، المسموعة منها والمرئية، كالمذياع، والتلفزيون، والصحف، والمجلات، والكتب.
4- آراء الناس العامة من مختلف الشرائح الاجتماعية من الأرياف والمدن، ومن فقراء، وأغنياء، ومتعلمين، وأطباء، ومهنيين، وطلاب، وتجار، وغيرهم.
5- استعمال اللغة العربية رسمياً من قبل مؤسسات الدولة ووزاراتها كالشؤون الإسلامية والتربية، وأجهزتها التعليمية كالمدارس، والمعاهد، والجامعات.
6- تنبؤاتنا للمستقبل ورصدنا لواقع اللغة العربية ومستقبلها لدى الماليزيين (الملايويين) خصوصاً في هذا البلد المسلم المسالم، الذي تعد فيه رافداً من روافد الإسلام.
(ب) تحليل المادة التعليمية
سيكون تحليل المادة العلمية المقدمة في هذه الورقة على مستويات ثمانية، وهي: الشعبية، والوعظية الإرشادية، والإدارية، والسياسية، والحزبية، والإعلامية، والأدبية، والتعليمية. وسيجري عرض المستويات هذه عرضاً وصفياً، سردياً، موضوعياً، مقارناً، وتحليلياً أو تفسيرياً. أي أنه لن تكون هنالك أرقام عددية أو إحصائية للتدليل على قياس هذه المسألة أو تلك. ولذلك سأقوم بوصف الواقع كما رأيته، أو سمعته، أو قرأته. كما أنني سأقارن الأمور مع بعضها بعضاً، وأحللها لأخلص من وراء ذلك إلى بعض النتائج العامة التي يمكن تطبيقها على الواقع الماليزي الكبير. ومن خلال ذلك نستطيع الوصول إلى إعطاء التوصيات والاقتراحات الخاصة بتدعيم مكانة اللغة العربية في ماليزيا ونشرها أكثر فأكثر، لا سيما لدى الطبقات الشابة منهم.
نتائج البحث:
سنعرض هذه النتائج لكل مستوى من المستويات الآنفة الذكر على حدة. وإليكم بيانها بشيء من التفصيل والايجاز كمايلي:
على المستوى الشعبي:
تتمتع اللغة العربية برصيد شعبي تراثي قوي في ماليزيا، ولاسيما عند أبناء المسلمين من الملايو، والهنود، والصينيين. والسبب في ذلك هو ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم. فكل مسلم يرى أن من واجباته الدينية فهم القرآن الكريم وأمور العقيدة والمسائل التي تخص حياته اليومية كقراءة القرآن وفهمه ما أمكن لتأدية الصلوات الخمس التي يجب أن تؤدى باللغة العربية. ولذلك ترى المساجد تعج بالأطفال الذين يتعلمون القرآن ويرددونه كثيراً من أجل حفظه وترتيله لهذا الغرض.
ولا يقتصر الأمر على الصغار والشباب، بل يتعداه إلى كل فئات المجتمع. فهذا رجل متقاعد انصرف إلى تعلم العربية بعد السبعين من العمر، ولما سألته عن السبب، أجاب بأن "العربية هي لغة أهل الجنة، وأريد أن أتكلم العربية قبل أن أموت حتى أتمكن من فهم ما يقولون لي هنالك؛ فلغة الملايو لا تنفعني في قبري وآخرتي". هذا الشعور بالربط بين الجنة، والإسلام، واللغة العربية هو الذي يدفع بهؤلاء المؤمنين للإقبال على اللغة العربية والاحتفاء بها. فلولا الإسلام ما نَفْعُ العربية عندهم؟
وهنالك أيضاً مسألة الأسماء ، وهي من أخص خواص التراث الشعبي لقوم ما. فالماليزيون المسلمون بكل شرائحهم، بعكس الإندونيسيين جيرانهم مثلاً، لهم أسماء إسلامية عربية خالصة حتى إن بعضها من أسماء عرب الجاهلية كعبد مناف وعبد المطلب وأبي طالب مثلاً. فالتعلق بالاسم العربي والإسلامي يشير إلى حب العربية والإسلام أو كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "أحب العرب لثلاث" ومنها اللغة العربية. وقال الثعالبي (1983:2): "فإن من أحب الله أحب رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب".
ومن التراث الشعبي الطرب والغناء. فهنالك بعض المطربين الملايويين الذي يصدحون بلغة الضاد من أمثال المطربة شريفة عيني التي تغنى شعراً بالعربية والمطرب يس سليمان الذي يغني بالعربية والملايوية.
على مستوى الوعظ، والإنشاد، والإرشاد الإسلامي:
ظاهرة الوعظ والإرشاد الإسلامي في ماليزيا أمر ملفت للنظر، إذا ما قورنت بالبلدان الإسلامية الأخرى. فعلى الرغم من أن اللغة المستعملة ههنا هي لغة الملايو عموماً، لكن الكم الهائل للكلمات العربية في تلك الدروس أمر بارز؛ فكل الكلمات الأساسية كالتقوى، والإيمان، والوضوء، والصلاة، والحج، والصوم، الخ عربية. ويضاف إلى ذلك التنقل بين اللغة العربية والملايوية مرات ومرات في الدرس الواحد، ولاسيما عند الاستشهاد بالنص من القرآن الكريم والحديث الشريف. ففي خطبة الجمعة مثلاً، تكون الافتتاحية والخاتمة بالعربية حصراً عدا عن نص الخطبة الأصلي الذي تمتزج فيه اللغتان. وهنالك حالات قليلة تكون الخطبة كلها باللغة العربية تبركاً وتيمناً بها، ويكون ذلك غالباً في الجامعات، والمعاهد، والمدارس الإسلامية التي يغلب فيها كثرة الناطقين بالعربية. وفي هذا الصدد يكون دور الإمام، والخطيب، والواعظ، والمعلم ذو قيمة كبرى في نشر العربية والإسلام بين الناس.
وبالنسبة للأناشيد والأشعار الدينية باللغة العربية، فحدث ولا حرج. وغالباً ما تدور حول موضوعات أصيلة مثل أسماء الله الحسنى، وصفات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأناشيد الأطفال. فهنالك منشدون، ومنشدات، وفرق إنشاد. ومن الفرق التي يمكن ذكرها "فرقة أناشيد رباني" و "فرقة الأخوة"؛ ومن المنشدات الحاجة خديجة. وكلهم ينشدون بالعربية طبعاً.
على المستوى الإداري:
مما يلفت الانتباه في بعض الولايات الماليزية، كولاية سلانغور دار الإحسان مثلا، استعمال الخط العربي أو الجاوي في لوحات الشوارع وأسمائها. وهذا مما يعمق الهوية الحضارية للأمة وارتباطها الدائم بتراثها الخالد، الأمر الذي يجعل التواصل مع لغة القرآن أمراً ممكناً وأكثر سهولة. والحقيقة أن أغلب أبناء الملايو المسلمين يحسنون قراءة القرآن بالخط العربي، على اختلاف فيما بينهم طبعاً. وهذا أمر جد مهم لأن الخطوة الأولى لتعلم اللغة، أية لغة هي القدرة على قراءة خطها بيسر. فلا تستغربن ذلك إذن.

تعليق