ما قيس على كلام العرب

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    ما قيس على كلام العرب

    ما قيس على كلام العرب
    أ.د. عبد الحميد النوري عبد الواحد





    هذه مقولة ضبطها ابن جنيّ في خصائصه وقد سبقه فيها شيخه أبو على الفارسي والمازني. والعبارة قائمة على تصوّر منطقي للأشياء، وعلى طرح واستنتاج. والطرح هو "ما قيس على كلام العرب" والاستنتاج "فهو من كلام العرب". والقياس معلوم وشائع، وهو حمل الشيء على الشيء، أو إعطاء حكم الأوّل للثاني، فيُحمل عليه ويجري مجراه. والثابت في هذه المقولة هو كلام العرب، والمفترض هو ما يقاس عليه. وبديهيّ أنّ هذا الذي يقاس على كلام العرب ليس في الأصل من كلامهم.

    فما هذا الكلام غير العربيّ الذي يقاس على كلام العرب، والذي يغدو عربيّا بمجرّد أن نقيسه؟ هذا الكلام هو في الحقيقة نوعان وهما:
    1- المعرّب الأعجميّ: ويخصّ الكلمات الأعجميّة المعرّبة والدخيلة التي دخلت اللغة العربيّة وجرت مجراها، فتصرّفت تصرّفها. وجرى عليها الاشتقاق والصرف والمنع من الصرف والإعراب والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث وغيرها. وطبقت عليها بالتالي أحكام العربيّة فغدت عربيّة، وإن كانت في الأصل ليست كذلك. وللاستدلال على هذا بمثال نأخذ كلمة أعجميّة من نحو "دِرهم" مثلاً، وسنجد إزاءها "درهمان" في التثنية، و"دراهم" في التكسير، و"دُريهم" في التصغير، بل لا أحد يعترض على الاشتقاق منها فنقول "دَرهمَ" و"يُدرهِمُ" و"دَرهمة" و"مُدرهِم" و"مدَرهَم".

    2- الإلحاق: وهو إلحاق كلمة بكلمة على أن تكون الكلمة الثانية على شاكلة الكلمة الأولى، وذلك فيما يتعلّق بعدد الحروف وبالحركات والسكنات، وعلى أن تجيء تصاريف الكلمة الثانية على شاكلة تصاريف الكلمة الأولى. وكمثال على ذلك إلحاق "شَملل" و"جَلبب" مثلا بـ"دَحرج". وتبعاً لهذا نقول "شَملل" "يُشملل" "شَمللة"، كما نقول "دَحرج" "يُدحرج" "دَحرجة". علماً أنّ الكلمة الأولى ثلاثيّة مزيدة بحرف، والكلمة الثانية رباعيّة مجرّدة.

    ومن باب القياس يمكننا القول "خَرجج" من "خَرج" و"ضَربب" من "ضَرب"، وهي على شاكلة "فَعلل". وهذا الكلام هو في الأصل ليس من كلام العرب، أو بالأحرى ليس من استعمالاتهم، وإنّما قسناه على كلامهم. وجرت عليه أحكامه وتصاريفه، وغدا من كلام العرب، حتّى إذا ما احتاج كاتب أو شاعر، بعبارة أبي علي الفارسي، أن يتوسّع في اللغة، لكان له ذلك.

    إنّ إلحاق الأعجميّ بالعربيّ وإلحاق ما لم تنطق به العرب بما نطقت به مبدأ في التوليد من شأنه أن يثري اللغة العربيّة، وهو ليس حكراً عليها، وإنّما هو مبدأ لسانيّ كلّيّ أي كونيّ، وإن اختلفت اللغات في التصرّف في الدخيل، وكلّ لغة تتصرّف وفق ما يمليه عليها نظامها أو قوانينها الداخليّة.

    هذا التوليد لصيغ وكلمات لم تكن موجودة في اللغة أمر إيجابيّ بلا ريب. وهو أسلوب استفادت منه العربيّة المعاصرة، مثلما استفادت منه قديماً، استفادة جمّة. وذلك من نحو اشتقاق كلمات كالبرمجة والأكسدة والهَدْرجة والهيكلة والرسكلة والتلفزة وغيرها. وما دام هذا الأسلوب مفيداً فلا اعتراض عليه، ولا بأس من الالتجاء إلى هذا الضرب من الاشتقاق والقياس. بيد أنّ لمّا يصل الأمر إلى إسقاط كلّ ما في العربيّة على لغات أخرى أجنبيّة، فسيعدّ ذلك من باب الإجحاف. وذلك من نحو معالجة اسم الفاعل من الكلمة الفارسيّة "الزَرَجون" إن كانت "مُزَرِّج" مثلما جاء في بعض أشعار العرب، أم "مُزرجِن" على القياس.
    والاختلاف مردّه إلى معرفة إن كانت النون في "زرجون" أصليّة أو زائدة. وفي هذه الحالة يغدو توليد بعض الصيغ من الأعجميّ بمثابة توليد الطير من الحوت، على حدّ عبارة بعض القدامى.


    المصدر
  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    شبكة الألوكة

    الإمام أبو علي الفارسي وأثره في الخالفين من بعده (1)

    أ. رضا جمال


    الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على محمَّدٍ رسولِه وعبده، وعلى آله وصحبه مِن بعده.



    أما بعد:

    فإنَّ الإمام أبا عليٍّ الفارسيَّ يُعدُّ واحدًا من أفذاذ علماء العربيَّة في القرن الرابع الهجري، فقد احتلَّ مكانة مرموقة في عصره والعصور التالية، فقد عُدَّ أنْحى مَن جاء بعد سيبويه، وذلك لشخصيته المستقلَّة، المتفرِّدة في تقديمها آراء اختلفت عما جاء به السابقون، وأثَّرت في اللاحقين.



    وسوف أعرض - إن شاء الله تعالى - في هذا البحث المختصر لترجمته، وبعض آثاره فيمَن جاء بعدَه من النُّحاة.



    وقد قسمتُ هذا البحث مبحثين:

    المبحث الأول: أبو علي الفارسي، وتحته مطالب:

    المطلب الأول: اسمه ونسبه، ومولده ونشأته.

    المطلب الثاني: شيوخه.

    المطلب الثالث: تلامذته.

    المطلب الرابع: مكانته وثناء العلماء عليه.

    المطلب الخامس: مؤلفاته.

    المطلب السابع: وفاته.



    المبحث الثاني: أثر أبي علي في الخالفين من بعده، وتحته مطالب:

    المطلب الأول: أثره في أصول النحو (تأثر ابن جني في كتابه الخصائص).

    المطلب الثاني: أثره في فروع النحو (تأثر ابن الشجري في أماليه).

    المطلب الثالث: أثره في الاحتجاج لمسائل الخلاف ومداه (تأثر أبي البركات الأنباري في الإنصاف).

    المطلب الرابع: أثره في الإعراب (تأثر أبي البقاء العكبري خاصة في إعراب القرآن).

    الخاتمة.

    مراجع البحث.



    المبحث الأول
    أبو علي الفارسي
    المطلب الأول: اسمه ونسبه، ومولده ونشأته

    هو الإمام أبو علي، الحسن بن أحمد بن عبدالغفَّار الفارسي الفسوي، صاحب التصانيف، النَّحْوي الإمام المشهور، ولد ببلدة فسا [1]، ونشأ فيها.



    وكان ميلاده فيها عام (288) في أواخر أيَّام المعتضد، لأبٍ فارسيٍّ، وأمٍّ عربيّة سدوسية، من سدوس شيبان الذين هاجروا إلى فارس [2].



    وقد وافقه في الكُنية والاسم، والنِّسبة وجميعِ العلوم الإمامُ أبو علي الفارسي، الإمام الحسين بن الخضر الحنفي، قال في "طبقات الحنفية" (2/ 259): "أبو علي الفارسي الإمام الحسين بن الخضر، تقدَّم.



    قلت: وليس بأبي عليٍّ الحسن الفارسي الإمام النحوي الكبير، هذا اسمُه الحسن بن أحمد بن عبدالغفار، مات سنة سبع وسبعين وثلاث مائة، وإنما وافقه الحسينُ بن الخضر هذا في الكنية والاسم والنِّسبة وجميع العلوم"ا.هـ.



    وقد عاش الإمام حياةً حافلة بالتَّحصيل والانتقال، والدَّرس والتصانيف، قال الذهبي: "قدِم بغداد شابًّا، وتخرَّج بالزجَّاج، وبمبرمان، وأبي بكر السَّراج، وسكن طرابلس مدَّة، ثم حلب، واتَّصل بسَيْف الدولة... وكان الملك عضد الدولة يقول: أنا غلامُ أبي علي في النحو، وغلام الرازي في النجوم"[3].



    والظاهر: أنَّ أبا عليَّ لم يتزوَّج ولم يُنجبْ، وظهر ذلك في وصْف ابن جِنِّي له بـ"خلوّ سِرْبه، وسروح فِكْره، وخلوّه بنفسه، وإنَّما وقف حياتَه على العِلم لا يَعتاقُه عنه ولد، ولا يعارضُه فيه مَتجر" [4].



    وقال عنه الزِّركلي: "وُلِد في فسا (من أعمال فارس)، ودخل بغداد سنة 307 هـ، وتجوَّل في كثيرٍ من البلدان، وقدم حلب سنة 341 هـ، فأقام مدةً عندَ سيف الدولة، وعاد إلى فارس، فصحب عضد الدولة ابن بويه، وتقدَّم عنده، فعلَّمه النحو، وصنَّف له كتاب "الإيضاح في قواعد العربية"، ثم رحل إلى بغداد فأقام إلى أن تُوفِّي بها" [5].



    المطلب الثاني: شيوخه:

    لقد دَرَس الإمام أبو علي الفارسي على كثيرٍ من علماء عصره، فمِمَّن دَرَس عليهم وتَخرَّج بهم:

    1- الزجَّاج:

    هو الإمام إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجَّاج (241 - 311 هـ = 855 - 923 م): عالِم بالنحو واللغة، وُلِد ومات في بغداد، كان من أهل العِلم بالأدب والدِّين المتين، وصنَّف كتابًا في معاني القرآن، وله كتاب الأمالي، وكتاب ما فسر مِن جامع المنطق، وكتاب الاشتقاق، وكتاب العروض، وكتاب القوافي وكتاب الفرق، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب خلق الفرس، وكتاب مختصر في النحو، وكتاب فعلت وأفعلت، وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف، وكتاب شرح أبيات سيبويه، وكتاب النوادر، وكتاب الأنواء، وغير ذلك.



    وأخَذَ الأدب عن المبرِّد وثعلب - رحمهما الله تعالى - وكان يخرط الزُّجاج، ثم ترَكَه واشتغل بالأدب، فنُسِب إليه [6].



    2- أبو بكر السرَّاج:

    هو ابن السراج محمد بن السري بن سهل، أبو بكر (..- 316 هـ =..- 929 م): أحد أئمة الأدب والعربية، من أهل بغداد، كان يلثغ بالراء فيجعلها غَينًا.



    ومِن كتبه: (الأصول - ط) في النحو، و(شرح كتاب سيبويه)، و(الشعر والشعراء) و(الخط والهجاء)، و(المواصلات والمذكرات) في الأخبار و(الموجز في النحو - ط) و(العَرُوض - خ) في خزانة الرباط (المجموع 100 أوقاف) كتب قبل سنة 353، وفي هذا المجموع رسالة (الخط - خ) له أيضًا [7].



    3- مبرمان:

    هو أبو بكر، محمد بن علي بن إسماعيل العسكري، أبو بكر، المعروف بمبرمان (..- 345 ه =..- 956 م).

    من كِبار العلماء بالعربية، من أهل بغداد، وُلِد في طريق رامهرمز.

    وأخذ عن المبرِّد والزجَّاج، وأخذ عنه الفاسي والسيرافي.

    وكان ضنينًا بالأخْذ عنه، لا يقرئ كتاب سيبويه إلا بمائة دينار.



    من كتبه: (شرح شواهد سيبويه) و(النحو المجموع على العلل)، و(العيون)، و(التلقين)، و(صفة شكر المنعم)، و(شرح كتاب سيبويه) لم يتمَّه[8].



    4 - أبو بكر بن مجاهد (ت 324):

    فقد روى عنه القراءة عرضًا [9].



    5- أبو بكر الخياط المتوفى سنة (320هـ).



    6- أبو بكر دريد (321هـ).



    7- وسمع جزءًا من علي بن الحسين بن معدان الفارسي، عن إسحاق بن راهويه[10].



    وغير هؤلاء مِن علماء وأدباء عصره.



    المطلب الثالث: تلامذته:

    لقد استفاد من الإمام أبي عليٍّ ودَرَس على يديه الكثيرُ من طلاَّب العلم، وأخَذ عنه النحو خلقٌ كثير، وبرَع من طلبته جماعةٌ، ومن أشهر أولئك النفر:

    1- ابن جني (392 هـ):

    أَبُو الفَتْحِ عُثْمَانُ بنُ جِنِّي المَوْصِلِيُّ، إِمَامُ العَرَبِيَّة، أَبُو الفَتْحِ عُثْمَانُ بنُ جِنِّي المَوْصِلِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، وهو مِن أكثر التلاميذ صُحبةً له، وانتفاعًا به، فكانت صلةً علمية مباركة، استمرَّت نحوًا من خمسةٍ وثلاثين عامًا، أثمرت أطيبَ الثِّمار، فنفذ من خلالها إلى أسرار العربية، وكشف عن جوانبَ فذَّة منها؛ وذلك أنَّ ابن جني لازم شيخه حِلاًّ وترحالاً، وكأنه أرهف سمعه لكلِّ ما يقول الشيخ حتى كاد يحصي أنفاسه، ومما يدلُّ على ذلك: إشارات ابن جني الكثيرة إليه وثناؤه عليه، فكلَّما وقع على لطيفة من لطائف العربية، ردَّها إليه وصرفها نحوه، وهو لا يزال في الخصائص والمنصِف وغيرهما من مصنفاته يُخبِرك أنَّ هذا الذي استخرجه وفطن له إنَّما خَرَج مِن كيس الشيخ [11].



    2- أبو الحسن الربعي (420):

    وهو من تلاميذه النابهين أيضًا، وهو من شُرَّاح "الإيضاح".



    3- أبو طالب العبدي: أحمد بن بكر (406هـ):

    وهو أيضًا من شرَّاح "الإيضاح".



    4- أبو نصر إسماعيل بن حمــاد الجوهري

    صاحب "الصحاح" المتوفَّى سنة (393هـ).



    5- وأبو علي أحمد بن محمَّد المرزوقي

    شارح (الحماسة)، المتوفَّى سنة (421هـ).



    6- ابن أخته أبو الحسين

    محمد بن عبد الوارث النحوي (421هـ).



    7- ومِن معاصري أبي علي المشاهير الذين أخذوا عنه: أبو الحسن بن عيسى الرماني المتوفَّى سنــة (384هـ).



    8- محمد بن طوس القصري أبو الطيب:

    قال ياقوت: هو من النحويِّين المعتزلة، أحد تلاميذ أبي علي الفارسي.



    وروى القراءة عنه عَرْضًا عبدالملك بن بكران النهرواني، وحَدَّث عنه: عبيدالله الأزهري، وأبو القاسم التنوخي، وأبو محمد الجوهري، وجماعة [12].



    المطلب الرابع: مكانته وثناء العلماء عليه:

    لقد نال إمامُنا أبو عليٍّ شُهرةً واسعة، وكان له منزلة سامِقة، وقد تكاثرتْ عبارات الأئمَّة في الثناء عليه، وتبيين مكانته العِلمية.



    قال عنه السيوطي: "واحد زمانه في عِلم العربية... وقال كثير من تلامذته: إنَّه أعلمُ من المبرِّد" [13].



    وقال ابن خلكان: "وكان إمامَ وقته في عِلم النحو... وجرَتْ بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس، وصحِبَ عضدَ الدولة ابن بويه، وتقدَّم عنده، وعلتْ منزلته، حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو..." [14].



    وقال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي: "الإمام العلاَّمة قرأ النحو على أبي إسحاق الزجاج.... وبَرَع في النحو، وانتهتْ إليه رئاستُه، وصَحِب عضدَ الدولة فعظَّمه، وأحسن إليه" [15].



    وقال عنه الخطيب البغدادي: "وعَلَتْ منزلتُه في النحو حتى قال قوم من تلامذته هو فوق المبرِّد وأعلم منه، وصنَّف كتبًا عجيبة حسنة لم يُسبق إلى مثلها، واشتهر ذِكْرُه في الآفاق، وبَرَع له غلمان حُذَّاق مثل عثمان بن جني، وعلي بن عيسى الشيرازي، وغيرهما، وخَدَم الملوك، ونفق عليهم، وتقدَّم عند عضد الدولة، فسمعتُ أبِي يقول: سمعت عضدَ الدولة يقول: أنا غلامُ أبي عليٍّ النحوي الفسوي في النحو" [16].



    المطلب الخامس: مؤلفاته[17]:

    لقد خلَّف الإمام أبو علي تراثًا حافلاً، من الكُتب التي صنَّفها، أو المسائل التي أجاب عنها، فضلاً عن المسائل والتحقيقات التي استفادها منه تلامذته دون أن يُدوِّنها هو.



    فمن كتبه:

    • "التذكرة" في علوم العربية، عشرون مجلدًا.

    • "تعاليق سيبويه" جزآن.

    • "الشعر".

    • "الحجة "، في عِلل القراءات.

    • "جواهر النحو".

    • (الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني - خ) في دار الكتب (1: 126).

    • "المقصور والممدود".

    • "العوامل" في النحو.



    وصَحِب عضدَ الدولة ابن بويه، وتقدَّم عنده، فعلَّمه النحو، وصنَّف له كتاب "الإيضاح" في قواعد العربية.



    ومن مسائله:

    حيث سُئِل في حلب وشيراز، وبغداد والبصرة أسئلةٌ كثيرة، فصنَّف في أسئلة كلِّ بلد كتابًا، منها:

    • (المسائل الشيرازية - خ) في الخزانة الحيدرية بالنجف.

    • (المسائل العسكريات - خ) نسبة إلى بلدة عسكر مكرم، وقد أشار الدكتور عبدالفتاح إسماعيل إلى أماكنِ وجودها.

    • (المسائل البصريات - خ) وهي أمالٍ ألْقاها في جامع البصرة.

    • (الحلبيات - خ) جزء منه.

    • (البغداديات - خ).



    وفي مذكرات الميمني - خ، أنَّ في مكتبة شهيد علي بإستنبول (الرقم 2516) رسائل للفارسي بخطِّ أحمد بن تميم بن هشام اللبلي، كتبها ببغداد سنة 615.



    وقد تحدَّث الدكتور عبدالفتاح إسماعيل في بحْثِه عن أبي علي الفارسي عن بعض هذه المؤلَّفات حديثًا وافيًا، لم أورده مراعاةً للاختصار.



    المطلب السادس: وفاته:

    بعد حياةٍ حافلة زاخرة بالعِلم والإفادة، والتحقيق للمسائل النحوية واللُّغوية، الذي قلَّ نظيره، ولا يجتمع إلا لأفراد قليلين، تُوفِّي الإمام أبو علي ببغداد في ربيع الأول سَنَة سبعٍ وسبعين وثلاث مائة (377)، فرَحِمَه الله، وغفر له ولجميع علمائنا الأجلاء.


    [1] جاء في معجم البلدان (4/260 - 261): "فسا - بالفتح والقصر -: كلمة عجمية وعندهم "بسا" بالباء، وكذا يتلفَّظون بها وأصلها في كلامهم الشَّمال من الرياح مدينة بفارس أنزه مدينة بها فيما، قيل بينها وبين شيراز أربع مراحل وهي في الإقليم الرابع طولها سبع وسبعون درجة وربع وعرضها ثلاث وثلاثون درجة وثلثان، قال الإصطخري: وأمَّا كورة دارابجرد، فإنَّ أكبر مدنها فسا، وهي مدينة مفترشة البناء واسعة الشوارع تقارب في الكبر شيراز، وهي أصحُّ هواءً من شيراز، وأوسع أبنية، وبناؤهم من طين، وأكثر الخشب في أبنتيهم السرو، وهي مدينة قديمة، ولها حصن وخندق وربض، وأسواقها في ربضها، وهي مدينة يجتمع فيها ما يكون في الصرود والجروم من البلح والرطب والجوز والأترج، وغير ذلك، وباقي مدن دارابجرد متقاربة.

    وبين فسا وكازرون ثمانية فراسخ، ومن شيراز إلى فسا سبعة وعشرون فرسخًا، وقال حمزة بن الحسن في كتاب "الموازنة": المنسوب إلى مدينة فسا مِن كورة دارابجرد يُسمَّى بساسيري، ولم يقولوا: فسائي، وقولهم بساسير مثل قولهم كرم سير وسردسير، وكذلك النسبة إلى كسنا ناحية قُرْب نائين كسناسيري، وإليها ينسب أبو علي الفارسي الفسوي".

    [2] ينظر: طبقات النَّحويين واللُّغويين، (ص: 120)، ويتيمة الدَّهر، 4/384، وتاريخ بغداد، 7/275، معجم الأدباء، 7/232، ومعجم البلدان، 4/260، وإنباه الرُّواة على أنباه النُّحاة، 1/274، وإشارة التعيين، ص395، وشذرات الذهب، 3/89، وهَديَّة العارفين، 1/270، وأعيان الشيعة، مح5/10.

    [3] سير أعلام النبلاء (16/380).

    [4] ينظر: الخصائص، (1/277)، والمحتسب، (1/34)؛ يراجع بحث "مسائل خلافية ين الفارسيِّ وابن يعيش"؛ للدكتور إبراهيم البب، والباحثة هند خيربك.

    [5] الأعلام للزِّركلي (2/180 - 180).

    [6] الأعلام للزركلي (1/40)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (1/2)، وفيات الأعيان (1/49).

    [7] الأعلام للزركلي (6/136)، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ج 1/64).

    [8] الأعلام للزركلي (6/273)، بغية الوعاة (1/175 - 177).

    [9] غاية النهاية في طبقات القراء (1/90).

    [10] لسان الميزان (2/195).

    [11] سير أعلام النبلاء (17/ 17)، كتاب الشعر (ص: 6) مقدمة التحقيق، وانظر:.

    [12] انظر: غاية النهاية في طبقات القراء (1/90)، سير أعلام النبلاء (16/379)، تاريخ بغداد (7/275)، تكملة الإكمال (4/524).

    بغية الوعاة (1/496)

    [13] بُغية الوعاة (1/496).

    [14] وفيات الأعيان (2/80).

    [15] البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (1/13).

    [16] تاريخ بغداد (7/275).

    [17] ينظر: الأعلام للزركلي (2/179 - 180)، مع الهوامش، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (1/14)، وفيات الأعيان (2/80).



    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/52652/#ixzz5DfGvw4go

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      ابن جني والاتجاه النحوي في الشرح
      عبد الجواد السقاط
      العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-دجنبر 1992

      لعل من نافلة القول التذكير بما حظـي به قطاع الشروح الشعرية ومن خصوبة وعنايــة، سواء على الصعيد العمودي، حيث انطلقت هذه الشروح الشعرية منذ العصـر الجاهلي، وواكبت الإبداع الشعري عبر مختلف عصوره ومراحله أو على الصعيــد الأفقي، حيث تعددت الاتجاهات والمناهج، واختلفت الرؤية التي صـدر عنها هذا الشارح أو ذاك، نظرا لاختلاف بيئات الشراح، وتباين أزجتهم وثقافاتهــم، ومن بينهم ابن جني الذي نعتبره شارحا متميزا عن غيـره من الشراح، لما نهج نحوه في شروحه الشعرية من اهتمام بالمجال النحوي خاصـة، وتقديم له على سواه من المجالات والمعارف.
      وابن جني هذا (1 ) هو أبو الفتح عثمــان بن جني الموصلي، من مواليد الموصل بالعراق في أوائـل القرن الرابع الهجري، ووفيات بغذاد سنة 392هـ.
      ومعلوم أن القرن الرابع للهجـرة، الذي عاش فيه صاحبنا هذا، كان فترة ازدهار وتقدم في الميدان الثقافي بوجهة عام، سواء تعلق الأمـر بالفكر أو باللغة أو بالأدب.
      ولا ريب أن هــذا الجو الذي تنفس فيه ابن جني ومعاصروه قد ترك بصماته على العطاء الفكري والعلمي الذي ظهـر في هذه الفترة، كما وجه شخصية ابن جنــي وطبعها بطابع متميز، جعلها علمتا من أعلام الدراسات اللغوية والنحوية، هــذه الدراسات التي تجلت في عـدد من التصانيف التي وصفها ابن جني ككتاب الخصائص، وسر الصناعــة، واللمع وغيرها...
      ولعل ابن جني، كالذين تقدموه يعمد إلى الشعر العربي القديم، فيتعامــل معه دراسة وشرحا، ولا أدل على ذلك من اهتمامه بمتون جاهلية عبر حماسة أبي تمام، حيث ذكرت المصادر أعمالا حولها مثل (المبهـج في اشتقاق أسماء رجال الحمـاسة)، و(التنبيه في شـرح ديوان الحماسة)، و (إعـراب أبيات ما استصعب مـن الحماسة).
      ولا أدل عليه كذلك من اهتماماته ببعض المتون العباسية، إذ يذكــر له في هذا المجال.
      * تفسير ديوان المتنبي الكبير: ويسمى: الفسر.
      * تفسير معاني ديوان المتنبي: وهو شرح ديوان المتنبي الصغير
      * تفسير أرجوزة أبي نواس: ولعلها أرجوزته في الطرديات.
      *تفسير العلويات: وهي أربع قصائـد للشريف الرضي في رثاء بعض الوجهاء والكبراء كالصاحب بن عباد مثلا.
      * كتاب البشرى والظفـر: وقد ألفه لعضد الدولة في تفسير بيت من شعر عضد الدولة هذا، هــو:
      أهــلا وسهلا بذي البشـرى ونوبـنها * وباشتمــال سرايانـا على الطفـــر
      * المعرب في شرح القوفي: وهو تفسير قوافي أبي الحسن الأخفش.
      * شرح الكافي في القوافي: للأخفش كذلك، وهو غير المعرب المذكور قبله
      هذا، بالإضافة إلى اهتمامــات أخرى متنوعة، ظهرت في بعض تصانيفه الباقية، ككتاب (المحتسب في شراذ القراءات)، و(المقتضب من كلام العرب)، و(رسالة في من نسب إلى أمه من الشعراء).
      ولعلنا من هذه اللائحــة ندرك أن ابن جني قد وجه اهتمامــه في الشروح الشعرية نحو عدد من الشعراء والقصائـد الذين حظوا بقدر كبير من القيمة والإعجــاب، بداء من بعض نصوص العصر الجاهلي التي أودعها أبو تمــام حماسته، إلى بعض النصوص العباسية ولشعراء كبار أمثال أبي نواس، والشريف الرضي، وأبي الطيب المتنبي، هذا الأخير الذي يعتبر ابن جني أول شارح لديوانه، وهي أولية أهلته لها معرفته الواسعة بشعر أبي الطيب، تلك المعرفة التي يؤكدها الشاعر نفسه أو يقول: «ابن جني أعرف بشعري مني».
      إلا أن معاصري ابن جني، ومن جاؤوا بعدهــم كذلك، قد تعقبوا هذا الشرح، ( 2) وبعضهم ينتقده وينبه على ما وقع فيـه صاحبه من أخطــاء كعلي ابـن عيسى الربعي( تـ: 120هـ) صاحــب كتاب (التنبيه على خطإ ابن جني في تفسير شعر المتنبي)، والشريف المرتضي علي بن الحسين( تـ: 436هـ) صاحب كتاب (تتبع أبيات المعاني للمتنبي التي تكلم عليها ابن جني)، ومحمد بن أحمـد المعروف بابن فورجة( تـ: 444هـ) صاحب كتابي (الفتح على أبي الفتح) و (التجني على ابن جني)، يـرد فيهما على ابن جني في شرح شعر المتنبي وبعضهم الآخــر ليضع استدراكا عليه، كأبي سهل محمد بن الحسين الزوزني (تـ 486هـ) صاحب (الاستدراك على ابن جني)، والذي سماه، (قسر الفسر).
      وعموما، فإن ابن جني لغويا ودارسا وشارحــا بعد معلمة من معالم الثقافـة العربية القديمة، وكأني به كان يعرف هذه الحقيقة، ولهـذا فقد أثنى على تصانيفه فقال من قصيدة:
      تنــاقلها الــــرواة لهــــــا * على الأجفــان من حـــــــدب
      فيرتـــع في أزهـــارهـــــا * ملـــوك العجــم والعـــــرب
      فمـــن مغـــن إلى مـــــدن * إلى متـــن إلى طــــــــرب
      وإذا نحن حاولنــا بعد هذا، أن نتبين المنهج الذي اعتمده ابن جني في شرحـه، أو بالأحرى أن نصف هذا المنهج الذي سلكه عفويــا دون قصد مسبق، وجدنـاه منهجا يقوم على اعتمـاد اتجاهات متعددة، ولكن الاتجاه النحوي يظل أبرزهـا، وأوفرها حظا، ذلكـم الاتجاه الذي كان، ـ كما تقدم ـ محور الكثير من تصانيف ابن جني واهتماماته.
      ولكي تتضح هذه الاتجاهات جميعها بما فيهـا من رجحان كفة الاتجاه النحوي وكثافة حضوره، نقف عند مقتطفات قليلة من شرح ابن جني لإحــدى قصائـد المتنبي قالها في مدح ابن أيوب أحمـد بن عمران مطلعها:
      سِرْبُ محاسنــه حُرمْـت ذواتهــا * دانــي الصفات بعيــدُ مَوصُوفَاتهـا
      ففي شرحـه لهذه القصيدة نراه يركز على القضايا النحوية في المقـام الأول، ذلك التركيز الذي ينساق معه ابن جني فيطرح القضية النحوية الواحــدة مثلا، ويورد الكثير من الأقوال التي اختلفت في شأنها والوجـوه التي أقرها النحاة المتقدمــون عنه، أو المعاصرون له.
      وكشاهـد على هذه الكثافة، تعليقه على المطلع المذكور إذ قال: «وفي هذا البيت شيء من الإعراب لطيف المذهب منع سيبويه منه البتة، وهو إضــافة ذو أخواتها إلى الضمير، لأنه يجيز هذا رجل ضربت ذاه بمعنى صاحبه».
      وكذلك من تبعه من أصحابه، وقد قال هو ذواتهــا، فأضاف ذوات إلى الضمير، وأجـاز المبرد إضافة ذو ونحوه إلى الضمير.(3 )
      وفي المطلع نفسه، وقف ابن جني وقفة تفصيلية مع قول الشاعر: «بعيد موصوفاتها»، حيث علق عليه تعليقا نحويا بقوله:
      «فأمــا قوله بعيد موصوفاتها فحسن مستقيم، وليس مثل من أجازه سيبويه ضرورة، ورده عليه أصحـابه، وهو إجازتــه مررت بامرأة حسنة وجهها، لأن الضمير من موصوفاتها ليس بعود على السرب، إنمــا يعود على الصفات، فجري ذلك مجرى قولك مررت برجل حسن الثياب، طويل أردانها، فعـاد الضمير من أردانها على الثياب، ولو أعدتــه على الرجل فقلت طويل أردانه لكان قبيحا كما وصفناه».(4 )
      ولا يفوت ابن جني أن يحتكم ضمن هـذه الكثافة إلى الشعر العربي لدعم رأي نحوي أو تبني موقف إعرابي، وقـد يطول به هــذا الاحتكام، إلى أن يتنبـه فجأة إلى أنــه في مقام شرح الشعر لا في مقام تقرير النحـو وعندها يتوقف عن الاسترسال في الكــلام عن القضايا النحوية، إلى أن يعــود إليها في موضـع آخـر.
      وبالعودة إلى المطلـع المذكور، نلاحــظ أن الشارح قد أسهب في التعامل مع النحويات، فلما انتبه إلى ذلك توقف، وقال: «وقد ذهب فيه غيره إلى غير هـذا، وليس هنا موضع شرحه». ( 5)
      وإذا كان أبو عبيدة كشارح في القـرن الثاني للهجـرة يغلب عليه اتجاهه التاريخي فيهمل شرح بعض الأبيات برمتها فإن الملاحظة ذاتهــا تستوقفنا في شرح ابن جني، إذ أن اتجاهه النحوي هذا قد يغلب عليه بدوره أحيانا، فيروي أبياتا دون شرحهــا مطلقا، لأنها لا تثير فضولا نحويا لديه، ولا يجـد فيها من وجوه القواعـد والإعراب ما يستوجب الوقوف أن التقرير.
      على أننا إذا تركنا هــذا الاتجاه الغالب على ابن جني في الشـرح، ونظريا إلى بقية الاتجاهـات في عملية الشرح هذه عنـده أمكننا أن نقف على محاور مميزة سار عليها ابن جني، واعتمدها في أغلب شروحه، وهي كالآتي:
      1) لم يكن ابن جني يعني بالألفاظ وحدها فيشرحها ويجلي غوامضها، ولم يكـن يعني بمعنى البيت وحده فيوضحـه ويظهره، وإنمـا نجده يمزج بين الطرفين مزجا عشوائيا، فهــو تارة يقف عند الألفاظ وحدها، وأخـرى ينصرف نحو المعنى ويعني به وحده، وتارة ثالثـة يخلط بين المسلكين معا، رائده في ذلك مزاجــه، وانطلاقـه مـن حاسـة الحـدس التي توجهه نحـو هـذا المسلك أو ذاك.
      ويتضح لنا هـذا، على سبيل المثال، مـن المقطع الآتـي من شرح القصيدة نفسها:
      فكأنها نتجــت قيامـا تحتهـــــم * فكأنهـم ولــدوا على صهواتهــــا
      الصهوة: معقــدة الفارس، وجمعهــا صهوات.
      قال امرؤ القسيس:
      بـزل الغـلام الخـف عن صهواتــه * ويلوي بأثـواب العنيـف المثقــــل
      وقال أبو دؤاد:
      عــريض الجنــب والصهـــــ * ـوة والجبهـــة والخـــــــد
      إن الكــرام بـلا كـترام منهــــم * مثل القلـوب بـلا سويـداواتهــــا
      سواد القلب حبته، وهو كالعنبـة فيه، وقد مضى تفسيرها.
      قال المجنــون:
      أجـر ضارعـا ناجلتك ســوداء قلبـه * بإخلاصهــا إذ مـا سواك يفـــرج
      وتصغير سوداء، سويــداء، وجمع سويــداء سويــداوات.
      تلـك النفـوس الغاليـات على العــلا * والمجــد يغلبهــا على شهواتهـــا
      أي يغلبون الناس على العــلا، ويغلبهم المجــد، فيحول بينهم وبين شهواتهــم التي جعلت في بني آدم مما يعرو ويشين.( 6)
      فقد اكتفى بالنسبة للبيتين الأولين بالشرح اللغـوي، واقفا عند تحديد مفاهيـم الألفاظ مجردة ومنفصلـة عن بعضها، بينما تجـاوز هذا الموقف في البيت الثالث إلى تقريـر المعنى كلاما. وإن كان ذلك على حساب الشرح اللغـوي، في حين نجـده في نماذج أخـرى يمزج بين كل من الشرح اللغوي والتقريــر المعنوي. كما فعل مثلا مع البيت القائل:
      يستــاق عيسهـم أنينــي خلفهـــا * فتوهــم الزفرات زجــر حداتهـا( 7) فقد مزح بين المسلكين، فقال:
      أي تظن الإبل زفراتي لشدتها أصوات الحداة، فتجــد في السير، والزفرة ملء الجوف من النفس مع صـوت.
      وكما فعل أيضا مع البيت القائل:
      أوفـى فكنت إذا رميـت بمقلتــــي * بشـرا رأيت أرق مــن عبراتهـا ( 8)
      فقد مــزج كذلك في شرحه له بين الشرح اللغوي والتقرير المعنوي، فقال في المجال الأول:
      «أوفى: أي أعلى وأشرف، فيجـوز أن يكون أراد ملون في هوادجهن للمسير، البشر من البشرة، وهي مظاهر الجلد»
      ثم انتقل إلى المجال الثاني فقال:
      «يقول: إذا رأتهــن كانت أبشارهن أرق من عبرات عيني لفقدهــن».
      ثم يعود من جديد إلى اللغـة فيقول: جمع بشرة على بشر هو القياس وأحسنه ورد مسموعا.
      2) ومن خلال ما أوردناه سابقا من نماذج من هـذا الشرح يتبين لنا محور ثان، هو اعتمـاد ابن جني على محفوظه من الشعر العربي القديم، وإدراجــه إياه كاستشهادات كلما دعـا إليها الموقف.
      وهو في هـذا المنحى شبيه بالشراح الذين سبقوه كأبي عبيدة أو الأصمعــي.
      على أن هذه الاستشهادات لم تكن تقف بابن جني عند حـدود الشعر فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى القرآن الكريم والأحاديث المأثـورة، إلى جانب بعض الاستشهادات التاريخية وإن كانت قليلة نسبيا.
      3) كـان ابن جني أحيانا يستند في بعـض شروحـه إلى نخبة مـن أعلام اللغة أمثال ابن الأعرابي (تـ: 231هـ)، وأبي الفضل الرياشي (تـ: 257هـ) وغيرهما.
      ومن نماذج ذلك شرحــه لكلمة السرب في المطلع السابق، إذ قال: «السرب القطيع من البقـر والظباء والنساء والطير»، ثم أردف قائلا: «وقال ابن الأعرابي، الماشية كلهــا يقال لها( 9) سرب»، وكذلك عند وقوفـه عند كلمة «شجـر» في البيت القائل:
      وكأنهــا شجـر بــدا لكنهـــــا * شجـر بلـوت المـر من ثمراتهـا( 10)
      فقد قــال: « والشجر جمع شجرة، ويقــال لها أيضا: شيرة، وتحقيرهـا شييرة».
      قال أبو الفضـل الرياشي: سمعت أبا زيد يقول: كنــا عنـد المفضل، وعنده أعراب فقلت: إنهم يقولـون: شيـرة، فقالوها، فقلت له: قل لهـم يصغرونها، فصغروها: شييرة، وأنشد من الرجـز:
      أوفـر بكـــل نـاره وأمـــــره * تحسبـه وســـط شـــــــيرة
      4) لم يكن الشرح عند ابن جني يقتصـر على المحاور السالفة الذكـر، وإنما كان فرصـة عنده ينتقل فيها مـن شارح إلى ناقـد متذوق، حيث نعثـر في شرحه على بعض الوقفـات النقدية التي تبـدو فيها ملامـح المنهج الفني، وكذلك مـلامح المنهج التاريخي.
      فعن المنهـج الأول: نجد ابن جنـي عند بعض الأبيات لا يكتفي بشرح ألفاظها أو معانيها فحسب، بل يتذوقهـا وينفذ إلى أعماقها، وخاصة من الناحية الأسلوبية والجماليـة، وهـو بهذا المنحى يواكب حركـة التقد التي عرفت في القرن الرابــع الهجري تطورا تمثل في ظهـور الكتب والتصانيف التي تعاملت مع النقد من باب التنظير.
      والتقعيد، في ارتكاب شديد على المناحي البلاغيـة، والفنية، فإذا نحن وقفنــا مثلا عند قول المتنبي من القصيدة ذاتها.
      إنـي على شغفي بمـا في خمرهـــا * لأعف عمـا في سراويـلاتهـــا( 11)
      وجدنــا ابن جني يقول:
      «عجـز هذا البيت دني اللفظ بذكـر سراويلاتها».
      وإذا نحن وقفنا عند قـول الشاعر من نفس القصيدة:
      هــن الثلاث المانعاتـي لذتــــي * في خلوتـي لا الخـوف من تبعاتها ( 12)
      نجــد ابن جني يعلق قائلا:
      «يقول: إنما تركـي لذتي في الخلوة لما في من المروة والفتوة والأبوة، لا لما يتخـوف من تبعات اللذة، وهـذا أشرف، نعوذ بالله منه».
      وإذا وقفنا كذلك عند قول المتنبـي:
      لو مـر يركـض في سطـور كتابــة * أحصـى بحافـر مهـره ميماتهـا ( 13)
      وجدنا ابن جنـي بعد أن شرح البيت، وبعد أن ذكـر بأن الميم أشبه بالحافـر من جميع حروف المعجم يقول:
      «فذكـره الميم دون غيرها تشبيه، بل يهجــم على السمع من غير توقــع له كقوله:
      ترنـو إلى بعين الظبـي مجهشــــة * وتسمـح الطـل فوق الـورد بالعنــم
      ففي هذا البيت أربع تشبيهـات بغير أداة التشبيه».
      أما المنهج الثاني: فتتضح ملامحـه عندما يحاول ابن جني أحيانا أن يضـع شعر المتنبي في مساره التاريخي.
      وقد نكتفي هنا بشاهدين اثنين:
      * الشاهد الأول: يشير فيه ابن جني إلى ما يوجـد من تشابه بين شعر المتنبي وشعر أبي نواس، فقد قال المتنبي:
      وكأنهـا شجـر بـــــدا لكنهـــا * شجـر بلوت المـر من ثمراتهــا( 14)
      فأوضح ابن جني أن قوله: بلوت المـر من ثمراتها مأخــوذة من قول أبي نواس:
      لا أذوذ الطيـر عـن شجــــــر * قـد بلـوت المــــر من تمـــره
      * أمــا الشاهد الثاني: فحكمه على المتنبي بأن لــم يسبق إلى المعنى الذي ورد في بيته القائل:
      أعيــا زوالك عن محــل نلتـــه * لا تخـرج الأقمار عـن هالاتهـا( 15)
      وقد جـاء تعليق ابن جني بعد الشرح هكذا:
      «هذا من محاسن شعر المتنبي ومخترعاته، ولا أحسبه سبق إليـه في هذا المعنى».
      وإذا جـاز لنـا في خلاصة هذا البحث أن ندرج اللغويين والنحويين والرواة عمومــا ضمن نقاد الشعر والشعراء، فإننا نلاحظ أن مواقف هؤلاء جميعا من الشعر قد اختلفت باختلاف نزعاتهم وأهوائهم، فكـان للغويين اتجاههم الذي ينظـرون إلى الشعر من وجهة نظـر اللغة، فيهتمون بالشعر الذي يجمــع غريبها، وكان للنحويين اتجاههم ينظـرون للشعر من وجهة نظر النحو، ومــن موافقته أو عــدم موافقـته لقواعــد هذا النحو ومقاييسه، ومن هؤلاء صاحبنــا ابن جني الذي كان يصدر في شروحه ـ كما أسلفنــا ـ عن اتجاهه النحوي في المقــام الأول، والذي جــاءت شروحه الشعريـة بمثابة موسوعة نحويـة تعدد موضوعاتهــا، وتتنوع مواقفها وتأويلاتهـا.

      1) أنظره في مصادر كثيرة منها إرشاد الأريب: 5/15 ـ ووفيات الأعيان: 1/313 ـ وآداب اللغة: 2/302. ونزهة الألباب، ص: 406، ويتيمة الدهــر 1/77 ـ والأعلام 4/164.
      2) المقصدود به شرح ابن جني لديوان المتنبي.
      3) نفسه، ج: 2، ص: 116.
      4) المصدر نفسه. ص:116.
      5) الــفسير: ج:2، ص: 117.
      6) الـتفسير: ج:2، ص: 128، 129.
      7) نفسه، ج:2، ص: 118.
      8) الـفسير: ج:2، ص: 117.
      9) نفسه ج:2، ص: 115.
      10) نفسه، ج2، ص: 119
      11) الفسر: ج:2، ص: 120.
      12) نفسه، ج: 2، ص: 121.
      13) الـفسير: ج:2، ص: 132.
      14) نفسه، ص: 119.
      15) نفسه، ص: 144.

      عن دعوة الحق
      العدد الأخير
      الأرشيف
      الكتاب
      المواضيع
      السنة
      العدد الأخير



      وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المشور السعيد - الرباط - المغرب الهاتف : 51 68 76 37 5 (212) - 01 68 76 37 5 (212

      تعليق

      يعمل...