موقـف النحاة المعاصرين من القـراءات ‘‘الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة نموذجًا’’ مراجعة وتقويم.
الكاتب: سليمان إبراهيم العايد.
ملخص:
يستغرب من يتابع ما يكتبه نحاة العصر, وما يثيرونه بل يفتعلونه من معركة بين النحاة والقرّاء, أو بين النحو والقراءات, وكأن هناك معركة بين طرفين متعاديين, بينهما قدر كبير من التنافي, ولا مكان بينهما للتكامل, حتى إن بعضهم يصف النحاة بالطغاة, وحتى حشرهم آخرون مع المستشرقين الطاعنين في القرآن, وغاب عن هؤلاء أو تناسوا أن النحاة في غالبهم قرّاء تتناقل الكتب التي تعنى بتراجم القرّاء, تراجمهم, وتدرج كثيرًا من أعلام النحاة فيهم, ويكفينا أن نتصفَّح على عجلٍ كتابًا من تلك الكتب.
وهذا- إن كان من باب الفخر بالنحو، والتعصّب له- غير مستغربٍ, ولا يلحقه الذمّ من كلِّ وجهٍ ما دام في حدوده المعقولة؛ فلدينا في كل علم طائفة تغلو في علمها, وتزري بغيرها من أصحاب العلوم الأخرى, فلا يرون علمًا غير علمهم.
وقد حاول هؤلاء أن يجدوا لما يقولونه نوع شرعيّة, فالتمسوها من مقالات النحاة قديمًا وحديثًا, فإذا وجدوا ما هو زلّة في التعبير عن مسألة عاملوها كأنّها جنحة قاتلة, أو انحراف في المنهج، و هي لا تعدو ممارسة خاطئة.
وسوف تعتمد مناقشتي لهذا الموضوع, وحواري لعلمٍ من أعلام النحو في العصر, على أصل الخلل, وهو الخلل المنهجيّ, بتقرير مبادئ المناهج العلميّة, التي تتفق فيها العلوم, مع امتاز كلِّ علمٍ بمنهجه الخاصِّ في تناول مادّته العلميّة؛ فالنحاة ينظرون للقراءات أنّها مادّة لغويّة, لا تختلف عن كلام العرب الآخر, من نثرٍ وشعرٍ؛ ولذلك يتساوى عندهم القراءة المتواترة, والمشهورة, والشاذّة, والمتروكة, وقراءة الخطأ والباطلة, التي يقرأ بها الأعراب ومن يحتجّ بلغته على خلاف قراءة القرّاء, ما دام إسنادها يصحّ إلى عربيٍّ سليم السليقة, يحتجّ بلسانه, فلو قرأ أعرابيّ شيئًا من القرآن وأخطأ فيه لكانت قراءته في النحو لديهم مقبولة, وخطؤه حجّة, ولا يلحَّن لمخالفته الصحيح الثابت من القراءة؛ لأن النحاة لا ينظرون إلى القراءة باعتبارها قراءة, ولا في حال القراء وصحّة تلقّيهم كما ينظر مشايخ الإقراء؛ فهم لا يفرِّقون بين القراءات، وإن اختلف مستواها, ولا يقولون: إنّ قراءة تلغي قراءةً أخرى, فالكل محتجّ به, فلا تردّ قراءة بقراءة، فالكل مددٌ لدرس اللغة.
وسوف يكون من ممارستي في نقاش الموضوع الرجوع إلى أصول القراءة, ومقاصدها, وموضوعها، والرجوع إلى أصول العربية, ومقاصدها, وموضوعها.
وآمل أن يكون فيما أقدّمه طرح شيءٍ فيه من الجدّة والطرافة, وتصحيح بعض ما علِق في الأذهان, ورسخ عند بعض الغيورين، الذين تدفعهم الغيرة إلى الغلوِّ والتجاوز في الحوار مع غيرهم.
وقد جاءت دراسة الموضوع على النحو التالي:
1) ملخّص.
2) مقدّمة.
3) اتِّهام النحاة بتخطئة القرّاء, ونماذج منها.
4) موقف الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة: عرض.
5) مناقشة أفكار الشيخ عضيمة, وآرائه من خلال:
• القراء نحاة, والنحاة قرّاء.
• مبادئ.
• مفاهيم.
• نماذج وأمثلة.
6) الخاتمة والخلاصة.
===================
مقــدمـة:
قبل الولوج في الموضوع أرى أنني بحاجة إلى العودة إلى أيام الطلب, في مرحلة الطلب في الدراسات العليا الماجستير وقد درسنا النحو على أستاذنا أحمد مكي الأنصاري, وهو ممن يغلبه حماسه للقراءات، حتّى نصب نفسه محاميًا مدافعًا عن القراء من جور النحاة عليهم, ونسبتهم إلى ما لا يليق بهم، كما يرى؛ إذْ يقول: «لقد جاوزوا كلّ حدٍّ معقول أو مقبول حين طعنوا في بعض القراءات, وخطَّئوها, ولحَّنوا قارئها, وحرّموا القراءة بها» [سيبويه والقراءات ص249]. وحين يسم ما قام به النحاة بأنّه "هجومًٌ عنيفٌ سخيفٌ لا يليق بذي دينٍ أو ذي حياءٍ فضلا عن العلماء الأجلّاء" [سيبويه والقراءات ص249]
ومن قبل قال أستاذنا محمد عبد الخالق عضيمة: ((... القرآن الكريم حجّة في العربية بقراءاته المتواترة وغير المتواترة, كما هو حجّة في الشريعة, فالقراءات الشاذة التي فقدت شرط التواتر لا تقلّ شأنًا عن أوثق ما نقِل إلينا من ألفاظ اللغة وأساليبها, وقد أجمع العلماء على أن نقل اللغة يُكتفى فيه برواية الآحاد.
لو أراد دارس النحو أن يحتكم إلى أسلوب القرآن وقراءاته في كل ما يعرض له من قوانين النحو والصرف، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ؛ ذلك لأن الشعر قد استبدَّ بجهد النحاة، فركنوا إليه, وعوّلوا عليه, بل جاوز كثيرٌ منهم حدّه، فنسب اللحن إلى القرّاء الأئمة, ورماهم بأنهم لا يدرون ما العربية؟! وكان تعويل النحويين على الشعر ثُغرةً نفذ منها الطاعنون عليهم؛ لأن الشعر رُوِيَ برواياتٍ كثيرة, ثمّ هو موضع ضرورة)).[من مقال له بعنوان: دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص92] و[دراسات 1/2]
وطرح سؤالًا : هل كان للنحويين استقراء للقرآن في جميع رواياته؟ فأجاب بوجوده في كتب النحو في بعض المسائل، فاستشهدوا بالقرآن وببعض القراءات، المتواتر منها وغير المتواتر، ولكنه لا يقاس باستشهادهم بالشعر الذي غلب عليهم, واستبدّ بجهدهم. [انظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/العدد الخامس 1395هـ 1975م ص92] وقال: ((وللنحويين بجانب هذا قوانين كثيرة لم يحتكموا فيها لأسلوب القرآن, فمنعوا أساليب كثيرة، جاء نظيرها في القرآن, من ذلك : ....)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص93]
وما ذكره الشيخ من أن ((لبعض النحاة جرأة عجيبة, يجزم بأن القرآن خلا من بعض الأساليب, من غير أن ينظر في القرآن, ويستقرئ أسلوبه, وساق أمثلة ونماذج ....)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص94-95] والحق أن هذا لا يدلّ على ما قاله, بل يدلّ على العكس, وما وقعوا فيه لا يخرج عن كونه وهمًا.
ويقول: ((لست أزعم أن القرآن قد تضمّن جميع الأحكام النحويّة, فالقرآن لم ينزل ليكون كتاب نحوٍ, وإنما هو كتاب تشريع وهداية, وإنما أقول: ما جاء في القرآن كان حجّة قاطعة, وما لم يقع في القرآن نلتمسه في كلام العرب، ونظير هذا الأحكام الشرعية؛ إذا حاء الحكم في القرآن عُمِل به, وإن لم يرد به نصٌّ في القرآن التمسناه في السنة وغيرها)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص95].
ومن يتتبع ما ورد في كتب النحو قديمًا يجد ما ظاهره يوافق ما قاله شيخنا، وتحاملًا على النحاة، قد يزيله حوار هذه الورقة، من مثل ما ذكره السيوطي في الإتقان، وغيره، من نقد قراءة ((ابن عامر (زُيِّنَ) على البناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولًا بينهما بمفعوله، وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر). تبع في ذلك الزمخشري، وقد أطبق الناس على الإنكار عليه في ذلك.
قال ابن المنير: نبرأ إلى الله تعالى ونبرئ حملة كتابه وحفظة كلامه عما رماهم به، فقد ركب عمياء، وتخيل القراءة اجتهاداً أو اختيارًا لا نقلاً وإسنادًا، وزعم أن مستنده ما وجده مكتوبًا في بعض المصاحف شركائهم بالياء وجعل قراءته سمجة، ونحن نعلم أنَّ هذه القراءة قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل كما أنزلها عليه، وبلغت إلينا بالتواتر عنه، فالوجوه السبعة متواترة عن أفصح من نطق بالضاد جملةً وتفصيلًا، ولا مبالاة بقول الزمخشري وأمثاله..... [نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 387] وبعد أن ناقش الزمخشري أورد بعض الشواهد, فقال: فهذه شواهد من العربية يجمع شملها هذه القراءة، وليس القصد تصحيح القراءة بالعربية بل تصحيح العربية بالقراءة. اهـ
قال الكواشي: كلام الزمخشري يشعر أن ابن عامر قد ارتكب محظوراً، وأن قراءته قد بلغت من الرداءة مبلغاً لم ييلغه شيء من جائز كلام العرب وأشعارهم، وأنه غير ثقة لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ ومع ذلك أسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جاهل بالعربية، وليس الطعن في ابن عامر طعناً فيه وإنما هو طعن في علماء الأمصار حيث جعلوه أحد القراء السبعة المرضية، وفي الفقهاء حيث لم ينكروا عليهم إجماعهم على قراءته، وأنهم يقرءونها في محاريبهم، والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ. اهـ
وقال أبو حيان: أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة نظيرها في كلام العرب في غير ما بيت، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هذا عذر أشَد من الجرم؛ حيث طعن في إسناد القراء السبعة [نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 388] وروايتهم وزعم أنَّهم إنما يقرءون من عند أنفسهم، وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع وينسب الخطأ تارة إليهم كما في هذا الموضع، وتارة إلى الرواة عنهم، وكلاهما خطأ؛ لأن القراءات متواترة، وكذا الروايات عنهم وهى ما يستشهد بها لها، وقد وقع الفصل فيها بغير الظرف ينبغي أن يحكم بالجواز [لوروده في أشعار عن العرب]. لأن تخطئة الثقات والفصحاء أبعد من ذلك، أو يعتذر لمثله بما ذكر صاحب الانتصاف من أن إضافة المصدر إلى معموله وإن كانت محضة لكنها تشبه غير المحضة، واتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره, وقد جاز في الغير الفصل بالظرف فيتميز هو عن الغير بجواز الفصل بغير الظرف. اهـ
قال الطَّيبي: ذهب هنا إلى أن مثل هذا التركيب ممتنع، وخطأ إمام أئمة المسلمين، وضعفه في قوله (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدَهِ رُسُلِهُ)، فبين كلاميه تخالف.
وقال مكى: لم أر أحدًا تحمل قراءته إلا على الصحة والسلامة، وقراءته أصل يستدل به لا له. [ينظر نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 389]
وَكَثِيرًا أَرَى النَّحْوِيِّينَ يَتَحَيَّرُونَ فِي تَقْرِيرِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَإِذَا اسْتَشْهَدُوا فِي تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ، وَأَنَا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِذَا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْمَجْهُولِ عَلَى وَفْقِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلِأَنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ الْقُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ كَانَ أَوْلَى. [تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 9/ 401]
*******
الكاتب: سليمان إبراهيم العايد.
ملخص:
يستغرب من يتابع ما يكتبه نحاة العصر, وما يثيرونه بل يفتعلونه من معركة بين النحاة والقرّاء, أو بين النحو والقراءات, وكأن هناك معركة بين طرفين متعاديين, بينهما قدر كبير من التنافي, ولا مكان بينهما للتكامل, حتى إن بعضهم يصف النحاة بالطغاة, وحتى حشرهم آخرون مع المستشرقين الطاعنين في القرآن, وغاب عن هؤلاء أو تناسوا أن النحاة في غالبهم قرّاء تتناقل الكتب التي تعنى بتراجم القرّاء, تراجمهم, وتدرج كثيرًا من أعلام النحاة فيهم, ويكفينا أن نتصفَّح على عجلٍ كتابًا من تلك الكتب.
وهذا- إن كان من باب الفخر بالنحو، والتعصّب له- غير مستغربٍ, ولا يلحقه الذمّ من كلِّ وجهٍ ما دام في حدوده المعقولة؛ فلدينا في كل علم طائفة تغلو في علمها, وتزري بغيرها من أصحاب العلوم الأخرى, فلا يرون علمًا غير علمهم.
وقد حاول هؤلاء أن يجدوا لما يقولونه نوع شرعيّة, فالتمسوها من مقالات النحاة قديمًا وحديثًا, فإذا وجدوا ما هو زلّة في التعبير عن مسألة عاملوها كأنّها جنحة قاتلة, أو انحراف في المنهج، و هي لا تعدو ممارسة خاطئة.
وسوف تعتمد مناقشتي لهذا الموضوع, وحواري لعلمٍ من أعلام النحو في العصر, على أصل الخلل, وهو الخلل المنهجيّ, بتقرير مبادئ المناهج العلميّة, التي تتفق فيها العلوم, مع امتاز كلِّ علمٍ بمنهجه الخاصِّ في تناول مادّته العلميّة؛ فالنحاة ينظرون للقراءات أنّها مادّة لغويّة, لا تختلف عن كلام العرب الآخر, من نثرٍ وشعرٍ؛ ولذلك يتساوى عندهم القراءة المتواترة, والمشهورة, والشاذّة, والمتروكة, وقراءة الخطأ والباطلة, التي يقرأ بها الأعراب ومن يحتجّ بلغته على خلاف قراءة القرّاء, ما دام إسنادها يصحّ إلى عربيٍّ سليم السليقة, يحتجّ بلسانه, فلو قرأ أعرابيّ شيئًا من القرآن وأخطأ فيه لكانت قراءته في النحو لديهم مقبولة, وخطؤه حجّة, ولا يلحَّن لمخالفته الصحيح الثابت من القراءة؛ لأن النحاة لا ينظرون إلى القراءة باعتبارها قراءة, ولا في حال القراء وصحّة تلقّيهم كما ينظر مشايخ الإقراء؛ فهم لا يفرِّقون بين القراءات، وإن اختلف مستواها, ولا يقولون: إنّ قراءة تلغي قراءةً أخرى, فالكل محتجّ به, فلا تردّ قراءة بقراءة، فالكل مددٌ لدرس اللغة.
وسوف يكون من ممارستي في نقاش الموضوع الرجوع إلى أصول القراءة, ومقاصدها, وموضوعها، والرجوع إلى أصول العربية, ومقاصدها, وموضوعها.
وآمل أن يكون فيما أقدّمه طرح شيءٍ فيه من الجدّة والطرافة, وتصحيح بعض ما علِق في الأذهان, ورسخ عند بعض الغيورين، الذين تدفعهم الغيرة إلى الغلوِّ والتجاوز في الحوار مع غيرهم.
وقد جاءت دراسة الموضوع على النحو التالي:
1) ملخّص.
2) مقدّمة.
3) اتِّهام النحاة بتخطئة القرّاء, ونماذج منها.
4) موقف الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة: عرض.
5) مناقشة أفكار الشيخ عضيمة, وآرائه من خلال:
• القراء نحاة, والنحاة قرّاء.
• مبادئ.
• مفاهيم.
• نماذج وأمثلة.
6) الخاتمة والخلاصة.
===================
مقــدمـة:
قبل الولوج في الموضوع أرى أنني بحاجة إلى العودة إلى أيام الطلب, في مرحلة الطلب في الدراسات العليا الماجستير وقد درسنا النحو على أستاذنا أحمد مكي الأنصاري, وهو ممن يغلبه حماسه للقراءات، حتّى نصب نفسه محاميًا مدافعًا عن القراء من جور النحاة عليهم, ونسبتهم إلى ما لا يليق بهم، كما يرى؛ إذْ يقول: «لقد جاوزوا كلّ حدٍّ معقول أو مقبول حين طعنوا في بعض القراءات, وخطَّئوها, ولحَّنوا قارئها, وحرّموا القراءة بها» [سيبويه والقراءات ص249]. وحين يسم ما قام به النحاة بأنّه "هجومًٌ عنيفٌ سخيفٌ لا يليق بذي دينٍ أو ذي حياءٍ فضلا عن العلماء الأجلّاء" [سيبويه والقراءات ص249]
ومن قبل قال أستاذنا محمد عبد الخالق عضيمة: ((... القرآن الكريم حجّة في العربية بقراءاته المتواترة وغير المتواترة, كما هو حجّة في الشريعة, فالقراءات الشاذة التي فقدت شرط التواتر لا تقلّ شأنًا عن أوثق ما نقِل إلينا من ألفاظ اللغة وأساليبها, وقد أجمع العلماء على أن نقل اللغة يُكتفى فيه برواية الآحاد.
لو أراد دارس النحو أن يحتكم إلى أسلوب القرآن وقراءاته في كل ما يعرض له من قوانين النحو والصرف، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ؛ ذلك لأن الشعر قد استبدَّ بجهد النحاة، فركنوا إليه, وعوّلوا عليه, بل جاوز كثيرٌ منهم حدّه، فنسب اللحن إلى القرّاء الأئمة, ورماهم بأنهم لا يدرون ما العربية؟! وكان تعويل النحويين على الشعر ثُغرةً نفذ منها الطاعنون عليهم؛ لأن الشعر رُوِيَ برواياتٍ كثيرة, ثمّ هو موضع ضرورة)).[من مقال له بعنوان: دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص92] و[دراسات 1/2]
وطرح سؤالًا : هل كان للنحويين استقراء للقرآن في جميع رواياته؟ فأجاب بوجوده في كتب النحو في بعض المسائل، فاستشهدوا بالقرآن وببعض القراءات، المتواتر منها وغير المتواتر، ولكنه لا يقاس باستشهادهم بالشعر الذي غلب عليهم, واستبدّ بجهدهم. [انظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/العدد الخامس 1395هـ 1975م ص92] وقال: ((وللنحويين بجانب هذا قوانين كثيرة لم يحتكموا فيها لأسلوب القرآن, فمنعوا أساليب كثيرة، جاء نظيرها في القرآن, من ذلك : ....)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص93]
وما ذكره الشيخ من أن ((لبعض النحاة جرأة عجيبة, يجزم بأن القرآن خلا من بعض الأساليب, من غير أن ينظر في القرآن, ويستقرئ أسلوبه, وساق أمثلة ونماذج ....)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص94-95] والحق أن هذا لا يدلّ على ما قاله, بل يدلّ على العكس, وما وقعوا فيه لا يخرج عن كونه وهمًا.
ويقول: ((لست أزعم أن القرآن قد تضمّن جميع الأحكام النحويّة, فالقرآن لم ينزل ليكون كتاب نحوٍ, وإنما هو كتاب تشريع وهداية, وإنما أقول: ما جاء في القرآن كان حجّة قاطعة, وما لم يقع في القرآن نلتمسه في كلام العرب، ونظير هذا الأحكام الشرعية؛ إذا حاء الحكم في القرآن عُمِل به, وإن لم يرد به نصٌّ في القرآن التمسناه في السنة وغيرها)) [دراسات لأسلوب القرآن الكريم في مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية/ العدد الخامس 1395هـ 1975م ص95].
ومن يتتبع ما ورد في كتب النحو قديمًا يجد ما ظاهره يوافق ما قاله شيخنا، وتحاملًا على النحاة، قد يزيله حوار هذه الورقة، من مثل ما ذكره السيوطي في الإتقان، وغيره، من نقد قراءة ((ابن عامر (زُيِّنَ) على البناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولًا بينهما بمفعوله، وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر). تبع في ذلك الزمخشري، وقد أطبق الناس على الإنكار عليه في ذلك.
قال ابن المنير: نبرأ إلى الله تعالى ونبرئ حملة كتابه وحفظة كلامه عما رماهم به، فقد ركب عمياء، وتخيل القراءة اجتهاداً أو اختيارًا لا نقلاً وإسنادًا، وزعم أن مستنده ما وجده مكتوبًا في بعض المصاحف شركائهم بالياء وجعل قراءته سمجة، ونحن نعلم أنَّ هذه القراءة قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل كما أنزلها عليه، وبلغت إلينا بالتواتر عنه، فالوجوه السبعة متواترة عن أفصح من نطق بالضاد جملةً وتفصيلًا، ولا مبالاة بقول الزمخشري وأمثاله..... [نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 387] وبعد أن ناقش الزمخشري أورد بعض الشواهد, فقال: فهذه شواهد من العربية يجمع شملها هذه القراءة، وليس القصد تصحيح القراءة بالعربية بل تصحيح العربية بالقراءة. اهـ
قال الكواشي: كلام الزمخشري يشعر أن ابن عامر قد ارتكب محظوراً، وأن قراءته قد بلغت من الرداءة مبلغاً لم ييلغه شيء من جائز كلام العرب وأشعارهم، وأنه غير ثقة لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ ومع ذلك أسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جاهل بالعربية، وليس الطعن في ابن عامر طعناً فيه وإنما هو طعن في علماء الأمصار حيث جعلوه أحد القراء السبعة المرضية، وفي الفقهاء حيث لم ينكروا عليهم إجماعهم على قراءته، وأنهم يقرءونها في محاريبهم، والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ. اهـ
وقال أبو حيان: أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة نظيرها في كلام العرب في غير ما بيت، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هذا عذر أشَد من الجرم؛ حيث طعن في إسناد القراء السبعة [نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 388] وروايتهم وزعم أنَّهم إنما يقرءون من عند أنفسهم، وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع وينسب الخطأ تارة إليهم كما في هذا الموضع، وتارة إلى الرواة عنهم، وكلاهما خطأ؛ لأن القراءات متواترة، وكذا الروايات عنهم وهى ما يستشهد بها لها، وقد وقع الفصل فيها بغير الظرف ينبغي أن يحكم بالجواز [لوروده في أشعار عن العرب]. لأن تخطئة الثقات والفصحاء أبعد من ذلك، أو يعتذر لمثله بما ذكر صاحب الانتصاف من أن إضافة المصدر إلى معموله وإن كانت محضة لكنها تشبه غير المحضة، واتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره, وقد جاز في الغير الفصل بالظرف فيتميز هو عن الغير بجواز الفصل بغير الظرف. اهـ
قال الطَّيبي: ذهب هنا إلى أن مثل هذا التركيب ممتنع، وخطأ إمام أئمة المسلمين، وضعفه في قوله (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدَهِ رُسُلِهُ)، فبين كلاميه تخالف.
وقال مكى: لم أر أحدًا تحمل قراءته إلا على الصحة والسلامة، وقراءته أصل يستدل به لا له. [ينظر نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي 3/ 389]
وَكَثِيرًا أَرَى النَّحْوِيِّينَ يَتَحَيَّرُونَ فِي تَقْرِيرِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ، فَإِذَا اسْتَشْهَدُوا فِي تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ، وَأَنَا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ إِذَا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ الْبَيْتِ الْمَجْهُولِ عَلَى وَفْقِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَلِأَنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ الْقُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ كَانَ أَوْلَى. [تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 9/ 401]
*******

تعليق