استقلال المنهج اللغوي
د. تمام حسان
سوف يرى من يتتبع تاريخ الدراسات اللغوية، أن هذه الدراسات كانت جزءًا لا يتجزأ من التفكير الفلسفي القديم، وسوف يرى قارئ الفلسفة اليونانية، أن هذه الفلسفة قد افترضت اللغة اليونانية مقياسًا للغات العالم، وبنت على ذلك اعتقادات تخطئه الدراسات اللغوية الحديثة، هو أن دراسة اللغة اليونانية في تراكيبها، وطرقها صادقة على كل لغات العالم؛ إذ أن هذه اللغات تجري على مقياس اليونانية، وهذه الدراسات اللغوية القديمة تختلط إلى حد كبير جدا بالنظريات المنطقية، والميتافيزيقية، ولقد اعتبر كتاب اللغة من الإغريق الجملة حكما منطقيا، واعتبروا طرفي الإسناد النحوي بنفس الطريقة، التي اعتبروا بها الموضوع والمحمول في المنطق، وإن من من يقرأ ما كتبه أرسطو في المقولات والعبارة، والتحليلات الأولى والثانية ليجدها مليئة بالنظرات، التي تخلط بين التفكير اللغوي، والفلسفي، خذ مثلا من كلامه في مقولة الكم: ويقال نفس الشيء عن الكلام، فمن الواضح أن الكلام ذو كمية؛ لأنه يقاس بالمقاطع الطوال والقصار، وأقصد بذلك الكلام المنطوق"، ويقول: في الفصل العاشر من المقولات: "إن الأزواج المتقابلة التي تنضوي تحث مقولة الإضافة تتضح بنسبة كل فرد منها إلى الآخر؛ وهذه النسبة تدل عليها علامة الإضافة، أو أي حرف آخر"، ويقول أيضًا: "إن العبارات المتقابلة من جهة الإثبات، والنفي تقع بوضوح في نطاق قسم آخر متميز؛ لأنه من الضروري في هذه الحالة، وهذه الحالة فحسب أن يكون أحد المتقابلين صحيحا، والآخر خطأ"، ويقول: "والكلمات التي تقع في عبارات متقابلة، يقع بعضها في نفس الوقت عكسًا للبعض الآخر، وتختص الكلمات بهذا أكثر مما تختص به أي مجموعة من الأمور المتقابلة".
ويعرف أرسطو الاسم بأنه اللفظ، الذي لا يدخل الزمن في مدلوله، ولا يدل جزء منه مستقلا عن الأجزاء الأخرى، وهو يقول: إن الاسم لا يوصف بالصدق، أو الكذب إلا إذا أسند ويضرب لذلك مثلا بكلمة "وعل"، فهي لا توصف بأي الصفتين، إلا إذا أضيف إليها فعل، وواضح أن الصدق والكذب ليس من الدراسات اللغوية؛ وإنما هو من الدراسات المنطقية، فالنحوي يحلل العبارة الكاذبة، كما يحلل العبارة الصادقة، ولا يهمه منها إلا التحليل اللغوي، ولا يهم النحوي من قول الشاعر
يزيد جمال وجهك كل يوم
إن كانت هذه الشطرة صادقة أم كاذبة، وإنما يعنيه منها أن يحللها تحليلا لغويا لا أكثر ولا أقل، وتعريف الأداة في نظر أرسطو هو تعريف الاسم، إلا أنها حين يضاف إليها الفعل لا يدل معها على إسناد، والفعل ما كان الزمن من مدلولاته، ولا يدل جزء منه بمفرده، أما الجملة فهي الكلام المفيد الذي لبعض أجزائه معان مستقلة، باعتبارها ألفاظا لا اعتبارها أحكاما إيجابية"، فالجملة في نظر أرسطو إذا حكم منطقي، ولكنها في نظر الدراسات اللغوية الحديثة ليست كذلك، ثم يتكلم عن التقرير والنفي لا باعتبارهما من الأبواب النحوية، وإنما ينظر إليهما نظره إلى قضايا المنطق، ويقول: "وكل قضية لا بد أن تحتوي فعلا أو تعبيرا عن معنى الزمن في الفعل"، ويدخل بعد ذلك في الكلام عن القضايا مستغنيا به عن دراسة الجمل.
فالدراسات الإغريقية على سعتها، وعمقها لم تخلق للدراسات اللغوية منهجها الخاص، ولم تفكر في اللغة إلا في ظل المنطق والميتافيزيقا، يقول يسبرسن4 "أما بالنسبة للعقول المتأملة التي كانت لفلاسفة الإغريق، فإن المسألة التي بدت أشد ما تكون جاذبية كانت عامة وتجريدية: هل الكلمات تعبيرات طبيعية عن الأفكار التي تدل عليها، أو هي علامات عرفية اعتباطية على أفكار يمكن أن يدل عليها بأصوات أخرى، دلالة لا تقل شأنًا؟ وهذه ولا شك أفكار ميتافيزيقية مجردة، طرحتها الدراست اللغوية الحديثة لهذا؛ ولأن هذه المسألة لم تعد موضع نقاش في العصر الحديث؛ إذ هي من بديهيات الدراسات اللغوية.
وجاء الإسلام وله كتاب كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكان حرص المسلمين على حفظ هذا الكتاب من أن يغير، أو يبدل فيه حرصا مصحوبا بالغيرة والرغبة في العمل، ولقد كان هذا الحرص وتلك الغيرة، وما صحبهما من رغبة من الدوافع التي دفعت المسلمين، والعرب إلى خلق طائفة من الدراسات اللغوية، كالنحو والصرف والمعجم والتجويد وهلم جرا، جعلت العرب يلمعون في أفق العصور الوسطى، ويبدون بحق في مظهر القادة الفكريين في العالم، فهل خلص العرب الدراسات اللغوية من شوائب التفكير غير اللغوي بصفة عامة، والتفكير الفلسفي بصفة خاصة؟ وهل استطاعوا أن يجعلوا للمنهج اللغوي استقلاله عن مناهج العلوم الأخرى؟ ذلك سؤال سنحاول الإجابة عليه في الصفحات التالية:
لقد عاصرت نشأة الدراسات اللغوية العربية نشاطا علميا ضخما في البلاد الإسلامية، شمل التدوين والسفر لطلب الروايات، والترجمة من اللغات الأجنبية ترجمة تناولت فروع المعرفة، التي تخدم الثقافة العربية، فترجموا الفلك والرياضات من الهندية، كما ترجموا عن البهلوية والسريانية واليونانية، ونشأت المدارس التي احترفت الترجمة احترافا في حران والرها، وغيرهما من بلاد الخلافة؛ فأصبحت العقلية العربية لأول مرة في احتكاك مباشر بالأمم، والديانات الأخرى ذات الثقافات المكتوبة، وكان لا بد والحالة هذه أن يتتلمذ العرب على هذه الأمم، وأن تتأثر عقولهم بعقولها، وأن ينهجوا في نشاطهم العلمي نهجا تظهر فيه سمات اطلاعهم على تراث هذه الأمم.
ولعل العرب لم يترجموا عن أمة كما ترجموا عن اليونانية، إما مباشرة أو عن طريق السريانية، ومن المعلوم أن أرسطو كان له نصيب الأسد في الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، وأن منطقه أصبح شهيرا في البلاد الإسلامية في العصر العباسي.
ولم يكن الاحتكاك بين العرب، وبين العقلية الإغريقية في ذلك العصر مقصورا على الترجمة فحسب، بل إن الصلة بين علماء المسلمين، وبين رجال الدين من المسيحيين ظلت قائمة وثيقة في هذا العهد، كما كانت من قبل، وكما استمرت من بعد كذلك، وقد كان رجال الدين من المسيحيين، كما نعلم يعرفون من اللغات ما كتبت به الأناجيل، ولذلك كانوا يعرفون أكثر من لغة واحدة، وقد جمع الكثير منهم بين العربية، لغة الدولة التي يدينون لها بالطاعة، وبين الإغريقية لغة الدولة التي يدينون لها بالعطف والولاء، وقد كانت الإغريقية في ذلك العصر لغة الكنيسة الأرثوذكسية، التي كان أكثر المسيحيين في الدولة الإسلامية تابعا لها، وكم دارت المناظرات بين هؤلاء المسيحيين، وبين علماء الإسلام في قصور الخلفاء وفي خارجها، وكم دون المسلمون من الحجج على النصارى. وكم دون النصارى من الحجج على المسلمين، ولقد كانت هذه المناظرات في بدايتها من الدوافع، التي حفزت المسلمين على خلق علم الكلام، وكانت الأدلة في كل هذه المناقشات تصاغ على مثال الأقيسة الأرسطوطاليسية، وكان منطق أرسطو عند الفريقين مرجعا نافذ الحكم والقضاء.
كان لا بد والحالة على ما ذكرنا، أن يظهر أثر الأفكار الأجنبية في الدراسات اللغوية عند العرب، وأن تنتقل عدوى التفكير الأرسطوطاليسي، الذي يخلط بين الدراسات اللغوية والدراسات المنطقية، والميتافيزيقية إلى اللغة العربية ودراساتها، وبالأخص دراسات أصل اللغة والدراسات النحوية.
يقول ابن جني في باب القول على اللغة، وما هي: "أما حدها فهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، هذا حدها، وأما اختلافها، فلما نذكره في باب القول عليها أمواضعة هي أم إلهام؟ " فالمواضعة أو التعارف والإلهام، أو التوقيف كانا عند العرب أساسين تتراوح الأفكار بينهما في الكلام عن أصل اللغة، ولقد كانت العلاقة بين الكلمة وبين مدلولها، "وهي دراسة ميتافيزيقة كالكلام في أصل اللغة"، من نصيب دراسة الفلسفة الإسلامية، أكثر مما كانت من نصيب اللغويين.
أما النحو العربي، فإن أثر المنطق فيه يبدو من جانبين اثنين؛ أولهما جانب المقولات، وتطبيقها في التفكير النحوي العام، وثانيهما الأقيسة والتعليلات في المسائل النحوية الخاصة مع ما يساير ذلك من محاكاة التقسيمات اللغوية، التي جاء بها أرسطو في دراساته، والتي ذكرنا أنه خلط فيها بين النحو، وبين المنطق ويعلم القارئ، أن المقولات عشر هي الجوهر والكم والكيف والزمان، والمكان والإضافة والوضع والملك، والفاعلية والقابلية "أو كما تسميها المتون العربية: أن يفعل وأن ينفعل".
----------------
(*) من كتاب مناهج البحث في اللغة د. تمام حسان
د. تمام حسان
سوف يرى من يتتبع تاريخ الدراسات اللغوية، أن هذه الدراسات كانت جزءًا لا يتجزأ من التفكير الفلسفي القديم، وسوف يرى قارئ الفلسفة اليونانية، أن هذه الفلسفة قد افترضت اللغة اليونانية مقياسًا للغات العالم، وبنت على ذلك اعتقادات تخطئه الدراسات اللغوية الحديثة، هو أن دراسة اللغة اليونانية في تراكيبها، وطرقها صادقة على كل لغات العالم؛ إذ أن هذه اللغات تجري على مقياس اليونانية، وهذه الدراسات اللغوية القديمة تختلط إلى حد كبير جدا بالنظريات المنطقية، والميتافيزيقية، ولقد اعتبر كتاب اللغة من الإغريق الجملة حكما منطقيا، واعتبروا طرفي الإسناد النحوي بنفس الطريقة، التي اعتبروا بها الموضوع والمحمول في المنطق، وإن من من يقرأ ما كتبه أرسطو في المقولات والعبارة، والتحليلات الأولى والثانية ليجدها مليئة بالنظرات، التي تخلط بين التفكير اللغوي، والفلسفي، خذ مثلا من كلامه في مقولة الكم: ويقال نفس الشيء عن الكلام، فمن الواضح أن الكلام ذو كمية؛ لأنه يقاس بالمقاطع الطوال والقصار، وأقصد بذلك الكلام المنطوق"، ويقول: في الفصل العاشر من المقولات: "إن الأزواج المتقابلة التي تنضوي تحث مقولة الإضافة تتضح بنسبة كل فرد منها إلى الآخر؛ وهذه النسبة تدل عليها علامة الإضافة، أو أي حرف آخر"، ويقول أيضًا: "إن العبارات المتقابلة من جهة الإثبات، والنفي تقع بوضوح في نطاق قسم آخر متميز؛ لأنه من الضروري في هذه الحالة، وهذه الحالة فحسب أن يكون أحد المتقابلين صحيحا، والآخر خطأ"، ويقول: "والكلمات التي تقع في عبارات متقابلة، يقع بعضها في نفس الوقت عكسًا للبعض الآخر، وتختص الكلمات بهذا أكثر مما تختص به أي مجموعة من الأمور المتقابلة".
ويعرف أرسطو الاسم بأنه اللفظ، الذي لا يدخل الزمن في مدلوله، ولا يدل جزء منه مستقلا عن الأجزاء الأخرى، وهو يقول: إن الاسم لا يوصف بالصدق، أو الكذب إلا إذا أسند ويضرب لذلك مثلا بكلمة "وعل"، فهي لا توصف بأي الصفتين، إلا إذا أضيف إليها فعل، وواضح أن الصدق والكذب ليس من الدراسات اللغوية؛ وإنما هو من الدراسات المنطقية، فالنحوي يحلل العبارة الكاذبة، كما يحلل العبارة الصادقة، ولا يهمه منها إلا التحليل اللغوي، ولا يهم النحوي من قول الشاعر
يزيد جمال وجهك كل يوم
إن كانت هذه الشطرة صادقة أم كاذبة، وإنما يعنيه منها أن يحللها تحليلا لغويا لا أكثر ولا أقل، وتعريف الأداة في نظر أرسطو هو تعريف الاسم، إلا أنها حين يضاف إليها الفعل لا يدل معها على إسناد، والفعل ما كان الزمن من مدلولاته، ولا يدل جزء منه بمفرده، أما الجملة فهي الكلام المفيد الذي لبعض أجزائه معان مستقلة، باعتبارها ألفاظا لا اعتبارها أحكاما إيجابية"، فالجملة في نظر أرسطو إذا حكم منطقي، ولكنها في نظر الدراسات اللغوية الحديثة ليست كذلك، ثم يتكلم عن التقرير والنفي لا باعتبارهما من الأبواب النحوية، وإنما ينظر إليهما نظره إلى قضايا المنطق، ويقول: "وكل قضية لا بد أن تحتوي فعلا أو تعبيرا عن معنى الزمن في الفعل"، ويدخل بعد ذلك في الكلام عن القضايا مستغنيا به عن دراسة الجمل.
فالدراسات الإغريقية على سعتها، وعمقها لم تخلق للدراسات اللغوية منهجها الخاص، ولم تفكر في اللغة إلا في ظل المنطق والميتافيزيقا، يقول يسبرسن4 "أما بالنسبة للعقول المتأملة التي كانت لفلاسفة الإغريق، فإن المسألة التي بدت أشد ما تكون جاذبية كانت عامة وتجريدية: هل الكلمات تعبيرات طبيعية عن الأفكار التي تدل عليها، أو هي علامات عرفية اعتباطية على أفكار يمكن أن يدل عليها بأصوات أخرى، دلالة لا تقل شأنًا؟ وهذه ولا شك أفكار ميتافيزيقية مجردة، طرحتها الدراست اللغوية الحديثة لهذا؛ ولأن هذه المسألة لم تعد موضع نقاش في العصر الحديث؛ إذ هي من بديهيات الدراسات اللغوية.
وجاء الإسلام وله كتاب كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكان حرص المسلمين على حفظ هذا الكتاب من أن يغير، أو يبدل فيه حرصا مصحوبا بالغيرة والرغبة في العمل، ولقد كان هذا الحرص وتلك الغيرة، وما صحبهما من رغبة من الدوافع التي دفعت المسلمين، والعرب إلى خلق طائفة من الدراسات اللغوية، كالنحو والصرف والمعجم والتجويد وهلم جرا، جعلت العرب يلمعون في أفق العصور الوسطى، ويبدون بحق في مظهر القادة الفكريين في العالم، فهل خلص العرب الدراسات اللغوية من شوائب التفكير غير اللغوي بصفة عامة، والتفكير الفلسفي بصفة خاصة؟ وهل استطاعوا أن يجعلوا للمنهج اللغوي استقلاله عن مناهج العلوم الأخرى؟ ذلك سؤال سنحاول الإجابة عليه في الصفحات التالية:
لقد عاصرت نشأة الدراسات اللغوية العربية نشاطا علميا ضخما في البلاد الإسلامية، شمل التدوين والسفر لطلب الروايات، والترجمة من اللغات الأجنبية ترجمة تناولت فروع المعرفة، التي تخدم الثقافة العربية، فترجموا الفلك والرياضات من الهندية، كما ترجموا عن البهلوية والسريانية واليونانية، ونشأت المدارس التي احترفت الترجمة احترافا في حران والرها، وغيرهما من بلاد الخلافة؛ فأصبحت العقلية العربية لأول مرة في احتكاك مباشر بالأمم، والديانات الأخرى ذات الثقافات المكتوبة، وكان لا بد والحالة هذه أن يتتلمذ العرب على هذه الأمم، وأن تتأثر عقولهم بعقولها، وأن ينهجوا في نشاطهم العلمي نهجا تظهر فيه سمات اطلاعهم على تراث هذه الأمم.
ولعل العرب لم يترجموا عن أمة كما ترجموا عن اليونانية، إما مباشرة أو عن طريق السريانية، ومن المعلوم أن أرسطو كان له نصيب الأسد في الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، وأن منطقه أصبح شهيرا في البلاد الإسلامية في العصر العباسي.
ولم يكن الاحتكاك بين العرب، وبين العقلية الإغريقية في ذلك العصر مقصورا على الترجمة فحسب، بل إن الصلة بين علماء المسلمين، وبين رجال الدين من المسيحيين ظلت قائمة وثيقة في هذا العهد، كما كانت من قبل، وكما استمرت من بعد كذلك، وقد كان رجال الدين من المسيحيين، كما نعلم يعرفون من اللغات ما كتبت به الأناجيل، ولذلك كانوا يعرفون أكثر من لغة واحدة، وقد جمع الكثير منهم بين العربية، لغة الدولة التي يدينون لها بالطاعة، وبين الإغريقية لغة الدولة التي يدينون لها بالعطف والولاء، وقد كانت الإغريقية في ذلك العصر لغة الكنيسة الأرثوذكسية، التي كان أكثر المسيحيين في الدولة الإسلامية تابعا لها، وكم دارت المناظرات بين هؤلاء المسيحيين، وبين علماء الإسلام في قصور الخلفاء وفي خارجها، وكم دون المسلمون من الحجج على النصارى. وكم دون النصارى من الحجج على المسلمين، ولقد كانت هذه المناظرات في بدايتها من الدوافع، التي حفزت المسلمين على خلق علم الكلام، وكانت الأدلة في كل هذه المناقشات تصاغ على مثال الأقيسة الأرسطوطاليسية، وكان منطق أرسطو عند الفريقين مرجعا نافذ الحكم والقضاء.
كان لا بد والحالة على ما ذكرنا، أن يظهر أثر الأفكار الأجنبية في الدراسات اللغوية عند العرب، وأن تنتقل عدوى التفكير الأرسطوطاليسي، الذي يخلط بين الدراسات اللغوية والدراسات المنطقية، والميتافيزيقية إلى اللغة العربية ودراساتها، وبالأخص دراسات أصل اللغة والدراسات النحوية.
يقول ابن جني في باب القول على اللغة، وما هي: "أما حدها فهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، هذا حدها، وأما اختلافها، فلما نذكره في باب القول عليها أمواضعة هي أم إلهام؟ " فالمواضعة أو التعارف والإلهام، أو التوقيف كانا عند العرب أساسين تتراوح الأفكار بينهما في الكلام عن أصل اللغة، ولقد كانت العلاقة بين الكلمة وبين مدلولها، "وهي دراسة ميتافيزيقة كالكلام في أصل اللغة"، من نصيب دراسة الفلسفة الإسلامية، أكثر مما كانت من نصيب اللغويين.
أما النحو العربي، فإن أثر المنطق فيه يبدو من جانبين اثنين؛ أولهما جانب المقولات، وتطبيقها في التفكير النحوي العام، وثانيهما الأقيسة والتعليلات في المسائل النحوية الخاصة مع ما يساير ذلك من محاكاة التقسيمات اللغوية، التي جاء بها أرسطو في دراساته، والتي ذكرنا أنه خلط فيها بين النحو، وبين المنطق ويعلم القارئ، أن المقولات عشر هي الجوهر والكم والكيف والزمان، والمكان والإضافة والوضع والملك، والفاعلية والقابلية "أو كما تسميها المتون العربية: أن يفعل وأن ينفعل".
----------------
(*) من كتاب مناهج البحث في اللغة د. تمام حسان
