شيء من اللغة في (كُتِبَ عليكم الصّيام) (1)
د. هادي حسن حمودي
سؤالان من متابعين أفاضل عن سبب مجيء الفعل المبني للمجهول في آية (كتب عليكم الصيام) وهل الصيام يمتد إلى غير رمضان؟
الجواب:
الفعل (كتب) من الجذر اللغوي (كـ، ت، ب): الدالّ على ضمّ شيء إلى شيء بقوة كما يُضمّ أديمٍ إلى أديم بالخياطة، أي خياطة جلد إلى جلد آخر، أو خياطة أيّ شيئين مع بعضهما بعضا. ومنه قول العرب: كتّبتُ النّاقةَ تكتيبا: إذا صَرَرْتها، أي شددتَها. والنّاقة إذا ظَئرتْ، أي حنّت، وأريد منها أن ترضع غير ولدها كُتِبَ أنفُها بخيط لئلاّ تَشمّ رائحة الصّغير الذي يُراد منها أن تَرْأمَه، من أجل أن تحنّ عليه فترضعه متوهمة أنه ولدها.
ومن ذلك الكتيبة وهي الخيل يُضَمُّ بعضُها إلى بعض، فإن لم يُجمع بعضُها إلى بعض ولم يُضمّ بعضها إلى بعض فليست بكتيبة. ومنه أيضا: اكْتَتَبْتُ القِربة: إذا سددتها بغطائها.
ثمّ يتطوّر المعني إلى الكتابة المعروفة: وهي النَّظْمُ بالخطّ ، حتى غلب هذا الاستعمال على غيره.
أمّا كُتِبَ فيتضمّن معنى الجمع والضّمّ على ما هو الأصل في اللّفظ. ويُعرف نحويا بالفعل المبني للمجهول. واستعمله التنزيل العزيز في مواضع الشّدّة والمعاناة فيما كتبه الله على المؤمنين من الناس كما في الآية المذكورة وغيرها. وهذه المواضع كلها في الأمور الشديدة على المؤمنين، أو المتعسرة عليهم، او التي لا يرغبون بها. ومنها:
أ- الصّيام (كُتب عليكم الصيام). والشّدّة في الصّيام معروفة، من جوع وعطش وامتناع عن كثير من المباحات في غير أوقات الصّيام.
ب- القتال (كُتِبَ عليكمُ القتالُ وهو كُرْه لكم)، ولا جدال في شدّة القتال ونفور النّاس منه. فهو كُرْهٌ لهم لِما فيه من المعاناة والعناء مما لا يحتاج إلى بُرهان.
ج- (يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم القِصاصُ في القتلَى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأُنثَى بالأُنْثَى). فحلّ القصاص بدل الثأر، ولم يكن هينا عليهم ترك الثأر والأخذ بالقصاص.
د- (كُتبَ عليكم إذا حضَر أحدَكمُ الموتُ). وفي الموت من الشدة ما فيه.
ويقودنا هذا إلى ملاحظة أن خطاب القرآن للمؤمنين في سياق الأوامر التي فيها شيء من العسر عليهم، قد خلا من ذكر لفظ الجلالة. وفي مقابل ذلك جاء اللفظ في غير تلك الأوامر كما في: (فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) ومثلها: (وابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وكُلُوا واشْرَبُوا). ويبدو أن البناء للمجهول، فيه من التشديد ما يكفي، حتى يظل لفظ الجلالة مرافقا للرحمة بهم والمغفرة لهم.
أما القول بإرادة التركيز على الأمر لا على من أمر به، فيصحّ في بعض كلام الناس، كأن تقول لصاحبك: قُتل فلان، فأنت تركز على القتل لا على القاتل مع علمك به. أنت تعرف الفاعل، وهو لا يعرفه، وليس كذلك في القرآن فالفاعل، في الآيات السابقة، معروف فلا حاجة لذكره في أوامر يرى الناس فيها شيئا من الشدة والعسر. ولك مجال تفكير واسع في الآية: (وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) على الرغم من عدم ذكر اسمه في آية القتال السابقة.
في الحلقة القادمة نواصل الحديث.
المصدر
د. هادي حسن حمودي
سؤالان من متابعين أفاضل عن سبب مجيء الفعل المبني للمجهول في آية (كتب عليكم الصيام) وهل الصيام يمتد إلى غير رمضان؟
الجواب:
الفعل (كتب) من الجذر اللغوي (كـ، ت، ب): الدالّ على ضمّ شيء إلى شيء بقوة كما يُضمّ أديمٍ إلى أديم بالخياطة، أي خياطة جلد إلى جلد آخر، أو خياطة أيّ شيئين مع بعضهما بعضا. ومنه قول العرب: كتّبتُ النّاقةَ تكتيبا: إذا صَرَرْتها، أي شددتَها. والنّاقة إذا ظَئرتْ، أي حنّت، وأريد منها أن ترضع غير ولدها كُتِبَ أنفُها بخيط لئلاّ تَشمّ رائحة الصّغير الذي يُراد منها أن تَرْأمَه، من أجل أن تحنّ عليه فترضعه متوهمة أنه ولدها.
ومن ذلك الكتيبة وهي الخيل يُضَمُّ بعضُها إلى بعض، فإن لم يُجمع بعضُها إلى بعض ولم يُضمّ بعضها إلى بعض فليست بكتيبة. ومنه أيضا: اكْتَتَبْتُ القِربة: إذا سددتها بغطائها.
ثمّ يتطوّر المعني إلى الكتابة المعروفة: وهي النَّظْمُ بالخطّ ، حتى غلب هذا الاستعمال على غيره.
أمّا كُتِبَ فيتضمّن معنى الجمع والضّمّ على ما هو الأصل في اللّفظ. ويُعرف نحويا بالفعل المبني للمجهول. واستعمله التنزيل العزيز في مواضع الشّدّة والمعاناة فيما كتبه الله على المؤمنين من الناس كما في الآية المذكورة وغيرها. وهذه المواضع كلها في الأمور الشديدة على المؤمنين، أو المتعسرة عليهم، او التي لا يرغبون بها. ومنها:
أ- الصّيام (كُتب عليكم الصيام). والشّدّة في الصّيام معروفة، من جوع وعطش وامتناع عن كثير من المباحات في غير أوقات الصّيام.
ب- القتال (كُتِبَ عليكمُ القتالُ وهو كُرْه لكم)، ولا جدال في شدّة القتال ونفور النّاس منه. فهو كُرْهٌ لهم لِما فيه من المعاناة والعناء مما لا يحتاج إلى بُرهان.
ج- (يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم القِصاصُ في القتلَى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأُنثَى بالأُنْثَى). فحلّ القصاص بدل الثأر، ولم يكن هينا عليهم ترك الثأر والأخذ بالقصاص.
د- (كُتبَ عليكم إذا حضَر أحدَكمُ الموتُ). وفي الموت من الشدة ما فيه.
ويقودنا هذا إلى ملاحظة أن خطاب القرآن للمؤمنين في سياق الأوامر التي فيها شيء من العسر عليهم، قد خلا من ذكر لفظ الجلالة. وفي مقابل ذلك جاء اللفظ في غير تلك الأوامر كما في: (فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) ومثلها: (وابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وكُلُوا واشْرَبُوا). ويبدو أن البناء للمجهول، فيه من التشديد ما يكفي، حتى يظل لفظ الجلالة مرافقا للرحمة بهم والمغفرة لهم.
أما القول بإرادة التركيز على الأمر لا على من أمر به، فيصحّ في بعض كلام الناس، كأن تقول لصاحبك: قُتل فلان، فأنت تركز على القتل لا على القاتل مع علمك به. أنت تعرف الفاعل، وهو لا يعرفه، وليس كذلك في القرآن فالفاعل، في الآيات السابقة، معروف فلا حاجة لذكره في أوامر يرى الناس فيها شيئا من الشدة والعسر. ولك مجال تفكير واسع في الآية: (وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) على الرغم من عدم ذكر اسمه في آية القتال السابقة.
في الحلقة القادمة نواصل الحديث.
المصدر
