عالم ورأي
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

76-أ.د. زكريا أبو حمدية، ورأيه في ترقيم حد الجملة في الكتابة:
إن البحث والتقعيد في الكتابة يبدو واضحًا أنه ما زال غير مكتمل؛ وبالتالي غير مطرد من حيث فصل الجملة التامة بنيويًّا عما يسبقها أو يتبعها من جمل تامة بنيويًّا. لا يوجد خلاف أن الجمل التركيبية تختلف في طولها تبعًا لعدد الملحقات للمسند أو المسند إليه أو لكليهما. لكن الجملة تنتهي تركيبيًّا عند حد معين. ويتوقع القارئ من الكاتب أن يبين نهاية الجملة التامة التركيب بعلامة من غير كلمات الجملة أو كلمات اللغة عامة، مثل "انتهى". إن استعمال الكلمات لهذا الهدف أمر ممكن، ولكنه غير عملي وغير اقتصادي من حيث الوقت والجهد والكلفة الاقتصادية. إذا تفحصنا النصوص العربية المعاصرة وجدنا الفصل مقعدًا ومطردًا إلى حد كبير في الاستعمال فيما يتعلق بنهاية الجملة الاستفهامية سواء أكانت بسيطة أم مركبة. فهل ينطبق هذا الأمر بشكل مقعد ومطرد على ترقيم الجملة الإخبارية؟ إن الملحوظ في هذا الخصوص لا يظهر تقعيدًا أو استعمالاً مطردًا بين كُتّاب العربية حتى ولا في نصوص المؤلف نفسه أحيانًا. فقد نجد في النص فقرات كاملة بدون ترقيم مطرد للجمل الإخبارية فيها. كما نلحظ عدم الاطراد في استعمال أداة واحدة لهذا الغرض بالتحديد. نجد في معظم النصوص استعمالاً للفاصلة (أو الفصلة) وللنقطة للوظيفة نفسها، مع أن الفاصلة تُستعمل كذلك لفصل أجزاء داخل الجملة الواحدة. وهذا يعني أن وجود الفاصلة في مكان ما قد يشير إلى نهاية الجملة وقد لا يشير إلى ذلك. ولا يتم معرفة وظيفة الفاصلة إلا بعد تفحص الكلام المكتوب قبلها وبعدها.
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن استعمال الفاصلة والنقطة يدل على غياب التقعيد أو الاطراد أو كليهما. يسبب هذا الازدواج في الوسيلة الفاصلة إرباكًا في التحليل سواء أكان نحويًّا أم بلاغيًّا، كما يشكل أيضًا معضلة في الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى. إذ يقع المترجم في إشكالية وحيرة. فمن جهة تتطلب الأمانة العلمية في الترجمة أن يترجم جملة بجملة من دون التصرف بطول الجمل أو تداخلها أو تتابعها. ومن جهة ثانية، تفرض عليه معرفته بنحو العربية أن جملة ما قد انتهت من حيث التركيب والمعنى وإن كان كاتبها لم يضع لها ترقيمًا يدل على ذلك. فيواجه المترجم موقفًا صعبًا يتوجب عليه فيه اتخاذ قرار باتجاه التصرف بطول الجملة أو عدم التصرف فيه. وأيًّا كان قرار المترجم فإنه لم ينقل النص العربي إلى اللغة الأخرى بنفس عدد جمله الأصلية أو نقل إلى اللغة الأخرى جملة غير متسقة مع جمل تلك اللغة من حيث احتواؤها على سلسلة من الجمل. فتظهر الترجمة غير دقيقة إما من منظور كاتب النص الأصلي أو منظور قارئ اللغة المترجَم إليها. إنني أدعى أن هذا الإشكال يشكل بعدًا خامسًا يضاف إلى قائمة المشكلات الأربع التي يرى عبد الكريم خليفة أنها تواجه اللغة العربية في الوقت الحاضر، كما أنني أدعي أن حل هذا الإشكال قريب المنال.
المصدر: تقعيد الإشارة إلى نهاية الجملة العربية، بحث منشور بمجلة مجمع اللغة العربية
الأردني، العدد 58، ص 54-56. (بتصرف)
إعداد: د.مصطفى يوسف
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

76-أ.د. زكريا أبو حمدية، ورأيه في ترقيم حد الجملة في الكتابة:
إن البحث والتقعيد في الكتابة يبدو واضحًا أنه ما زال غير مكتمل؛ وبالتالي غير مطرد من حيث فصل الجملة التامة بنيويًّا عما يسبقها أو يتبعها من جمل تامة بنيويًّا. لا يوجد خلاف أن الجمل التركيبية تختلف في طولها تبعًا لعدد الملحقات للمسند أو المسند إليه أو لكليهما. لكن الجملة تنتهي تركيبيًّا عند حد معين. ويتوقع القارئ من الكاتب أن يبين نهاية الجملة التامة التركيب بعلامة من غير كلمات الجملة أو كلمات اللغة عامة، مثل "انتهى". إن استعمال الكلمات لهذا الهدف أمر ممكن، ولكنه غير عملي وغير اقتصادي من حيث الوقت والجهد والكلفة الاقتصادية. إذا تفحصنا النصوص العربية المعاصرة وجدنا الفصل مقعدًا ومطردًا إلى حد كبير في الاستعمال فيما يتعلق بنهاية الجملة الاستفهامية سواء أكانت بسيطة أم مركبة. فهل ينطبق هذا الأمر بشكل مقعد ومطرد على ترقيم الجملة الإخبارية؟ إن الملحوظ في هذا الخصوص لا يظهر تقعيدًا أو استعمالاً مطردًا بين كُتّاب العربية حتى ولا في نصوص المؤلف نفسه أحيانًا. فقد نجد في النص فقرات كاملة بدون ترقيم مطرد للجمل الإخبارية فيها. كما نلحظ عدم الاطراد في استعمال أداة واحدة لهذا الغرض بالتحديد. نجد في معظم النصوص استعمالاً للفاصلة (أو الفصلة) وللنقطة للوظيفة نفسها، مع أن الفاصلة تُستعمل كذلك لفصل أجزاء داخل الجملة الواحدة. وهذا يعني أن وجود الفاصلة في مكان ما قد يشير إلى نهاية الجملة وقد لا يشير إلى ذلك. ولا يتم معرفة وظيفة الفاصلة إلا بعد تفحص الكلام المكتوب قبلها وبعدها.
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن استعمال الفاصلة والنقطة يدل على غياب التقعيد أو الاطراد أو كليهما. يسبب هذا الازدواج في الوسيلة الفاصلة إرباكًا في التحليل سواء أكان نحويًّا أم بلاغيًّا، كما يشكل أيضًا معضلة في الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى. إذ يقع المترجم في إشكالية وحيرة. فمن جهة تتطلب الأمانة العلمية في الترجمة أن يترجم جملة بجملة من دون التصرف بطول الجمل أو تداخلها أو تتابعها. ومن جهة ثانية، تفرض عليه معرفته بنحو العربية أن جملة ما قد انتهت من حيث التركيب والمعنى وإن كان كاتبها لم يضع لها ترقيمًا يدل على ذلك. فيواجه المترجم موقفًا صعبًا يتوجب عليه فيه اتخاذ قرار باتجاه التصرف بطول الجملة أو عدم التصرف فيه. وأيًّا كان قرار المترجم فإنه لم ينقل النص العربي إلى اللغة الأخرى بنفس عدد جمله الأصلية أو نقل إلى اللغة الأخرى جملة غير متسقة مع جمل تلك اللغة من حيث احتواؤها على سلسلة من الجمل. فتظهر الترجمة غير دقيقة إما من منظور كاتب النص الأصلي أو منظور قارئ اللغة المترجَم إليها. إنني أدعى أن هذا الإشكال يشكل بعدًا خامسًا يضاف إلى قائمة المشكلات الأربع التي يرى عبد الكريم خليفة أنها تواجه اللغة العربية في الوقت الحاضر، كما أنني أدعي أن حل هذا الإشكال قريب المنال.
المصدر: تقعيد الإشارة إلى نهاية الجملة العربية، بحث منشور بمجلة مجمع اللغة العربية
الأردني، العدد 58، ص 54-56. (بتصرف)
إعداد: د.مصطفى يوسف
