شيء من اللغة..تمرون الديارَ.. لا بالديار

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    شيء من اللغة..تمرون الديارَ.. لا بالديار

    شيء من اللغة..تمرون الديارَ.. لا بالديار
    د. هادي حسن حمودي





    حين قرر النحويون أن الفعل (مرّ) لازم، كما في قولك: مررت بك، إذ لا يجوز لك أن تقول: مررتك، صدمهم قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
    غَضِبَتْ أنْ نَظرتُ نحو نساءٍ
    ليس يعرِفْنَني مررنَ الطريقا
    إذ جاء ما بعد (مررن) منصوبا، ولم يظهر قبله حرف جرّ. وزاد من صدمتهم قول جرير:
    تمرّون الديار ولم تعوجوا
    كلامُكُمُ عليّ، إذن، حرامُ
    حيث قال: تمرون الديار، لا: تمرون بالديار. وسبب كون صدمتهم بقول جرير أشد من صدمتهم بقول ابن أبي ربيعة، أن ابن أبي ربيعة مكي رقيق، لا يُحلّونه عندهم مكانا عليّا، أما جرير فلم يكن لهم مندوحة من أن يجعلوا شعره مصدرا أساسا من مصادر تقعيدهم لكلام العرب.
    وكان لهم أن راحوا يعللون سبب النصب، بأنه بناء على قاعدة (الحذف والإيصال) أي حذف الباء وإيصال الفعل إلى ما بعده، ويكون إعراب (الديار) أنه منصوب بنزع الخافض، والخافض كما تعلمون هو الذي يجر الاسم الذي بعده. واعتبروا قول الشاعرين قاصرا على السماع، أي على المرويّ، ولا يجوز في سعة الكلام، ولا القياس عليه.
    وعدّوا الضرورة الشعرية سبب حذف حرف الجر. ولكننا لا نعتقد أن ابن أبي ربيعة أو جريرا بحاجة إلى اللجوء لضرورة شعرية. إضافة إلى ما قرره أحمد بن فارس (تـ 395 هـ) من أنه لا ضرورة شعرية، بل هي أخطاء.
    وللنحويين حرية الكلام أمام النصوص، فقد منحوا أنفسهم (أو لأنفسهم) حرية وضع قواعد تبرر رؤيتهم وإعرابهم. كالقاعدة المذكورة (الحذف والإيصال). ولا نروم، هنا، مناقشتهم، ولكننا نجد في النصين وجها لغويا دلاليا أكثر عمقا وإيضاحا مما ذكروه.
    وتعال معي:
    معنى (ولم تعوجوا): أي: لم تميلوا، ومثله قول السهروردي:
    لَمَعتْ نارُهم وقد عسعَسَ الليلُ
    وملَّ الحادي وحار الدّليلُ
    فتأمّلتُها وفكري من البَيْنِ
    عليلٌ ولحظُ عيني كليلُ
    وفؤادي ذاك الفؤادُ المُعَنَّى
    وغَرامي ذاك الغرامُ الدخيلُ
    ثم قابلتها وقلتُ لصحبي
    هذه النارُ نارُ ليلى فميلوا
    فرموا نحوها لِحاظًا صحيحاتٍ
    فعادتْ خواسِئًا وهي حُولُ
    ثم مالوا إلى الملامِ وقالوا
    خُلَّبٌ ما رأيتَ أم تخييلُ
    فتجنّبْتُهُم ومِلتُ إليها
    والهوى مركبي وشوقي الزَّميلُ
    ومعي صاحبٌ أتى يقتفي الآثا
    رَ والحبّ شأنُهُ التطفيلُ
    وهي تعلو ونحن ندنو إلى أن
    حجزت بيننا طُلُولٌ مُحولُ
    ....
    والقصيدة جميلة ورائعة وطويلة لا يتسنى لنا ذكرها كاملة، وإنما أطلنا باقتباس بعض أبياتها لبيان ما أراده ابن أبي ربيعة وجرير.
    المصدر
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #2
    شيء من اللغة..تمرون الديارَ.. لا بالديار(2)
    د. هادي حسن حمودي




    في قصيدة السهروردي نرى ركبا في طريق القوافل، وعلى مبعدة من الطريق يمينا أو يسارا، رأى الشاعر نارا تلوح في مضارب قوم، خالهم قوم ليلى ونارهم. أمعن أصحابه النظر في الآفاق من حولهم، أنكروا عليه ما زعمه وادّعاه إذ لم يروا شيئا. وكأن الشاعر اقتبس المعنى من قصة النبي موسى، عليه السلام، حين رأى نارا لم يرها غيرُه: (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى).
    وفي قول السهروردي، شأنه شأن أشعار تلك الأزمنة، إشارة واضحة إلى أن مضارب القبائل وأحياء العرب لم تكن على سنن الطريق نفسه، بل على مبعدة منه أميالا تقل أو تكثر حسب الحالات. فمن سلك طريق السابلة العام، رأى المضارب عن بُعد، من عن يمينه أو شماله، فإن أراد النزول بها فعليه أن يميل عن ذلك الطريق كي يصل إليها، ولذا قال السهروردي (فميلوا) ثم يبين أنها كانت على مسافة بعيدة عن الطريق، فتبدو تارة وتختفي أخرى.
    وإذا كان السهروردي قد قال: (فميلوا) فإن جريرا قال (تعوجوا) وكلاهما يهدف إلى غاية واحدة: الميل من سنن الطريق العام الذي تسلكه القوافل إلى حيث مضارب القوم. وقد أدرك أبو نواس هذا المعنَى فقال:
    عاج الشقيّ على رسم يسائله
    وعُجت أسأل عن خمّارة البلدِ
    فهما يميلان يمينا وشمالا يسآلان، كلّ يسأل عن بُغيته، ذاك عن رسم الطلل، وهذا عن خمارة البلد.
    ولننتقل من صور الحياة القديمة إلى صور الحياة الآن.
    أنت تريد أن تنتقل من جنوب البلاد إلى شمالها، وفي طريقك عاصمة بلادك، فقد تقول، فيما بعد: مررت بالعاصمة. وبهذا التعبير يرضى عنك معلموك وأساتيذ النحو. أما إذا قلت: مررت العاصمةَ في طريقي إلى الشمال، فسترسب في الامتحان النحوي، ويخطئك أساتيذه. وما أنت بالمخطئ في أي تعبير قلته، ولكن باختلاف المعنى.
    أما كيف هذا؟ ففي القسم الثالث، إن شاء الله

    تعليق

    • مصطفى شعبان
      عضو نشيط
      • Feb 2016
      • 12782

      #3
      شيء من اللغة: تمرون الديارَ.. لا بالديار (3)
      د. هادي حسن حمودي





      في معظم دول العالم، طريق يلتف حول العواصم والمدن الكبيرة، وقد يسمى بالطريق الدائري أو الخارجي، يسلكه المسافرون إلى غايتهم من غير دخول تلك المدن والعواصم، تماما مثل الركب الذين ذكرهم جرير. فإذا سلكت هذا الطريق الملتف حول العاصمة، مثلا، فالجدير بك أن تقول: مررت العاصمةَ في سفري. ومعنى هذا أنك لم تدخل العاصمة، فما (ملت) إليها وما (عُجت) بها وما (عرّجتً) عليها، وهذا منطبق على (تمرون الديار ولم تعوجوا) فهو يعني لم تميلوا، وبالتالي فإن المخاطبين كانوا على مبعدة من مضارب قبيلته ومروا من ذلك البُعد من غير أن يعرّجوا عليها.
      فلا حذف ولا تقدير.
      ومنه أيضا: مررن الطريقا، في قول ابن أبي ربيعة، فهو قد قال: نظرت نحو نساءٍ، أي باتجاههنّ، ولو كنّ قريبات منه لقال: نظرت إلى نساء. وفي هذا يتبين لك الفرق بين:
      نظرت إلى الهلال // ونظرت نحو الهلال
      الأولى تدل على أن الهلال واضح لك فنظرت إليه ورأيته.
      والأفصح في الثانية أن تقولها حين تتحرّى رؤيته، فقد تراه وقد لا تراه, كالذي يحدث في محاولة رؤية الهلال في أول الشهر القمري. وهذا مؤدّى قول السهروردي: (فرموا نحوها لِحاظًا صحيحاتٍ) ثم لم يروا شيئا، مثلك تماما حين ترمي نظرك نحو جهة الهلال ولا تراه إذ لم يكن قد أهلّ، بعد.
      أما إذا قلت: مررتُ بالعاصمة، فقد عنيت أنك ملت إليها، وعرجت عليها، لتستريح في مقهى أو تتناول طعاما هنيئا مريئا، أو لغير ذلك من أسباب.
      فبحكم التحليل اللغوي في إطار الفعل اللازم والمتعدي، نصل إلى قاعدة مفادها أن الاستعمال يحدد التعدي واللزوم. فالفعل قد يكون لازما في جملة ومتعديا في أخرى، ذلك أنه إذا جاء في جملة ووصل إلى مفعوله بحرف جر فهو فعل لازم في تلك الجملة وذاك السياق. فإذا تعدى إلى المفعول بعده، من غير حرف جرّ، فهو فعل متعدّ، في تلك الجملة وذاك السياق.
      فمآل الأمر إلى الاستعمال الفصيح ودلالته وما قاله كاتب النص أو ناظمه، لا ما أراده مَنْ يقدّر محذوفا يغير معنىً، أو يبدل دلالةً.
      أمّا: مررت بك، وعلى قرية، وأمرّ على الديار ديار ليلى، حفظها الله من شر الحاسدين. وما شابهَ ذلك من استعمالات، فمتلائمة مع ما قلناه. غير أننا نؤجل الحديث عنها إلى الكتاب الورقي أو الإلكتروني، إن شاء الله، لأنها بحاجة إلى فضل بيان ومزيد أمثلة وشواهد.

      تعليق

      يعمل...