شيء من اللغة..تمرون الديارَ.. لا بالديار
د. هادي حسن حمودي
حين قرر النحويون أن الفعل (مرّ) لازم، كما في قولك: مررت بك، إذ لا يجوز لك أن تقول: مررتك، صدمهم قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
غَضِبَتْ أنْ نَظرتُ نحو نساءٍ
ليس يعرِفْنَني مررنَ الطريقا
إذ جاء ما بعد (مررن) منصوبا، ولم يظهر قبله حرف جرّ. وزاد من صدمتهم قول جرير:
تمرّون الديار ولم تعوجوا
كلامُكُمُ عليّ، إذن، حرامُ
حيث قال: تمرون الديار، لا: تمرون بالديار. وسبب كون صدمتهم بقول جرير أشد من صدمتهم بقول ابن أبي ربيعة، أن ابن أبي ربيعة مكي رقيق، لا يُحلّونه عندهم مكانا عليّا، أما جرير فلم يكن لهم مندوحة من أن يجعلوا شعره مصدرا أساسا من مصادر تقعيدهم لكلام العرب.
وكان لهم أن راحوا يعللون سبب النصب، بأنه بناء على قاعدة (الحذف والإيصال) أي حذف الباء وإيصال الفعل إلى ما بعده، ويكون إعراب (الديار) أنه منصوب بنزع الخافض، والخافض كما تعلمون هو الذي يجر الاسم الذي بعده. واعتبروا قول الشاعرين قاصرا على السماع، أي على المرويّ، ولا يجوز في سعة الكلام، ولا القياس عليه.
وعدّوا الضرورة الشعرية سبب حذف حرف الجر. ولكننا لا نعتقد أن ابن أبي ربيعة أو جريرا بحاجة إلى اللجوء لضرورة شعرية. إضافة إلى ما قرره أحمد بن فارس (تـ 395 هـ) من أنه لا ضرورة شعرية، بل هي أخطاء.
وللنحويين حرية الكلام أمام النصوص، فقد منحوا أنفسهم (أو لأنفسهم) حرية وضع قواعد تبرر رؤيتهم وإعرابهم. كالقاعدة المذكورة (الحذف والإيصال). ولا نروم، هنا، مناقشتهم، ولكننا نجد في النصين وجها لغويا دلاليا أكثر عمقا وإيضاحا مما ذكروه.
وتعال معي:
معنى (ولم تعوجوا): أي: لم تميلوا، ومثله قول السهروردي:
لَمَعتْ نارُهم وقد عسعَسَ الليلُ
وملَّ الحادي وحار الدّليلُ
فتأمّلتُها وفكري من البَيْنِ
عليلٌ ولحظُ عيني كليلُ
وفؤادي ذاك الفؤادُ المُعَنَّى
وغَرامي ذاك الغرامُ الدخيلُ
ثم قابلتها وقلتُ لصحبي
هذه النارُ نارُ ليلى فميلوا
فرموا نحوها لِحاظًا صحيحاتٍ
فعادتْ خواسِئًا وهي حُولُ
ثم مالوا إلى الملامِ وقالوا
خُلَّبٌ ما رأيتَ أم تخييلُ
فتجنّبْتُهُم ومِلتُ إليها
والهوى مركبي وشوقي الزَّميلُ
ومعي صاحبٌ أتى يقتفي الآثا
رَ والحبّ شأنُهُ التطفيلُ
وهي تعلو ونحن ندنو إلى أن
حجزت بيننا طُلُولٌ مُحولُ
....
والقصيدة جميلة ورائعة وطويلة لا يتسنى لنا ذكرها كاملة، وإنما أطلنا باقتباس بعض أبياتها لبيان ما أراده ابن أبي ربيعة وجرير.
المصدر
د. هادي حسن حمودي
حين قرر النحويون أن الفعل (مرّ) لازم، كما في قولك: مررت بك، إذ لا يجوز لك أن تقول: مررتك، صدمهم قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
غَضِبَتْ أنْ نَظرتُ نحو نساءٍ
ليس يعرِفْنَني مررنَ الطريقا
إذ جاء ما بعد (مررن) منصوبا، ولم يظهر قبله حرف جرّ. وزاد من صدمتهم قول جرير:
تمرّون الديار ولم تعوجوا
كلامُكُمُ عليّ، إذن، حرامُ
حيث قال: تمرون الديار، لا: تمرون بالديار. وسبب كون صدمتهم بقول جرير أشد من صدمتهم بقول ابن أبي ربيعة، أن ابن أبي ربيعة مكي رقيق، لا يُحلّونه عندهم مكانا عليّا، أما جرير فلم يكن لهم مندوحة من أن يجعلوا شعره مصدرا أساسا من مصادر تقعيدهم لكلام العرب.
وكان لهم أن راحوا يعللون سبب النصب، بأنه بناء على قاعدة (الحذف والإيصال) أي حذف الباء وإيصال الفعل إلى ما بعده، ويكون إعراب (الديار) أنه منصوب بنزع الخافض، والخافض كما تعلمون هو الذي يجر الاسم الذي بعده. واعتبروا قول الشاعرين قاصرا على السماع، أي على المرويّ، ولا يجوز في سعة الكلام، ولا القياس عليه.
وعدّوا الضرورة الشعرية سبب حذف حرف الجر. ولكننا لا نعتقد أن ابن أبي ربيعة أو جريرا بحاجة إلى اللجوء لضرورة شعرية. إضافة إلى ما قرره أحمد بن فارس (تـ 395 هـ) من أنه لا ضرورة شعرية، بل هي أخطاء.
وللنحويين حرية الكلام أمام النصوص، فقد منحوا أنفسهم (أو لأنفسهم) حرية وضع قواعد تبرر رؤيتهم وإعرابهم. كالقاعدة المذكورة (الحذف والإيصال). ولا نروم، هنا، مناقشتهم، ولكننا نجد في النصين وجها لغويا دلاليا أكثر عمقا وإيضاحا مما ذكروه.
وتعال معي:
معنى (ولم تعوجوا): أي: لم تميلوا، ومثله قول السهروردي:
لَمَعتْ نارُهم وقد عسعَسَ الليلُ
وملَّ الحادي وحار الدّليلُ
فتأمّلتُها وفكري من البَيْنِ
عليلٌ ولحظُ عيني كليلُ
وفؤادي ذاك الفؤادُ المُعَنَّى
وغَرامي ذاك الغرامُ الدخيلُ
ثم قابلتها وقلتُ لصحبي
هذه النارُ نارُ ليلى فميلوا
فرموا نحوها لِحاظًا صحيحاتٍ
فعادتْ خواسِئًا وهي حُولُ
ثم مالوا إلى الملامِ وقالوا
خُلَّبٌ ما رأيتَ أم تخييلُ
فتجنّبْتُهُم ومِلتُ إليها
والهوى مركبي وشوقي الزَّميلُ
ومعي صاحبٌ أتى يقتفي الآثا
رَ والحبّ شأنُهُ التطفيلُ
وهي تعلو ونحن ندنو إلى أن
حجزت بيننا طُلُولٌ مُحولُ
....
والقصيدة جميلة ورائعة وطويلة لا يتسنى لنا ذكرها كاملة، وإنما أطلنا باقتباس بعض أبياتها لبيان ما أراده ابن أبي ربيعة وجرير.
المصدر

تعليق