رأي لغوي جديد...نداء النكرة
د. مصطفى الجوزو
يرى جمهور النحاة البصريين أن النكرة غير المقصودة تنصب في النداء، وشاهدهم الوحيد، في ما أعلم، قول الشاعر الجاهلي عبد يَغوثَ الحارثيّ:
فيا راكباً إمّا عَرَضْتَ فبلِّغَنْ
نَدامايَ مِنْ نجرانَ ألاّ تَلاقيا
ومن أمثلتهم - وليس شواهدهم - :«يا غافلاً والموتُ يطلبُه»، وقول الرجل الأعمى يطلب عون الآخرين :«يا رجلاً خُذْ بيدي»، موضحين أن المنادى في كل ذلك شخص غير معين.
وهم في الوقت نفسه ينسبون إلى الأصمعي امتناع نداء النكرة مطلقاً، وإلى أبي عثمان المازني، من نحاة البصرة، إنكاره وجود النكرة غير المقصودة وقوله أن ما جاء من ذلك منتصباً منوناً فإنما جاء للضرورة الشعرية؛ كما ينسبون إلى الكسائيّ والفرّاء، زعيمي مدرسة الكوفة، أن النكرة إما مقصودة، أو صفة نابت عن الموصوف، ولا يجوز نداؤها في غير ذلك.
واحتياطاً من الوقوع في مشكلة الشك في الشعر الجاهلي، وفي تأويل أبياته، وفي التعويل على الشاهد المفرد الذي ربما كان من الشواذ، وتجنباً للأمثلة التي يضعها النحاة بأنفسهم لأنهم ليسوا مصادر، نعود إلى القرآن، ولاسيما الآية الكريمة :«يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ»، وما أشبهها، حيث المعرفة تبدو كالنكرة غير المقصودة، لأن الخطاب موجه فيها إلى كل إنسان، وأل التعريف فيها للجنس، أي جنس الناس عامة؛ وإلى شبه ذلك أشار القرطبي حين قال :« المراد بالإنسان الجنس، أي يا ابن آدم. وكذا روى سعيد عن قتادة: يا ابن آدم ، إنّ كدحك لضعيف»، ولا يعتد بالأسماء المتعددة التي زعم بعض المفسرين أن أحدها هو المقصود بالنداء، لأن اختلافهم في ذلك يغلّب عموم الدلالة، هذا وقد يكون الباعث على نزول الآية شخصاً معيناً، لكنها تكون موجهة إلى العموم. ومعنى العبارة: يا إنسانُ، إنك كادح، ولا يستقيم أبداً أن نقول: يا إنساناً إنك كادح...
أما إذا كانت النكرة موصوفة فتنصب، لأنها كالشبيه يالمضاف، كقول أحمد شوقي:
يا ناعماً رقدتْ جفونُهْ
مضناكَ لا تهدا شجونُهْ
أي يا ناعماً راقدةً جفونه، وواضح أن النكرة هنا مقصودة لأن الشاعر يتغزل بامرأة معينة، أو يفترض أنها كذلك، بدليل ما جاء في سائر الأبيات، كقوله:
حملَ الهوى لك كلَّهُ
إن لم تُعِنْهُ فمنْ يُعينهْ؟
ولذلك يصح المثل الذي ضربه النحاة البصريون: يا غافلاً والموت يطلبه، فمعناه: يا غافلاً مطلوباً من الموت، ويحتمل أن يكون المنادى هنا مقصوداً أو غير مقصود.
وهذا يجعلنا أمام حقائق متعددة بعضها جديد، هي:
1- أنه يجوز أن يكون المنادى نكرة، خلافاً لما نسب إلى الأصمعي، وأن تكون النكرة غير مقصودة، خلافاً لما نُسب إلى المازني، ووفاقاً لما قال به جمهور البصريين.
2- إذا كان المنادى نكرة مفردة، أي غير متبوعة بصفة، مقصودة أو غير مقصودة، يبنى على ما كان يرفع به، خلافاً لجمهور البصريين، ولا ينصب إلا لضرورة الشعر، وفاقاً للمازني، أو إذا كان صفة نابت عن موصوفها، وفاقاً للكوفيين، ولا يجوز أن ينصب الاسم اتلنكرة الجامد
أبداً.
3- أما إذا كان نكرة متبوعة بصفة فينصب وينوّن.
د. مصطفى الجوزو
يرى جمهور النحاة البصريين أن النكرة غير المقصودة تنصب في النداء، وشاهدهم الوحيد، في ما أعلم، قول الشاعر الجاهلي عبد يَغوثَ الحارثيّ:
فيا راكباً إمّا عَرَضْتَ فبلِّغَنْ
نَدامايَ مِنْ نجرانَ ألاّ تَلاقيا
ومن أمثلتهم - وليس شواهدهم - :«يا غافلاً والموتُ يطلبُه»، وقول الرجل الأعمى يطلب عون الآخرين :«يا رجلاً خُذْ بيدي»، موضحين أن المنادى في كل ذلك شخص غير معين.
وهم في الوقت نفسه ينسبون إلى الأصمعي امتناع نداء النكرة مطلقاً، وإلى أبي عثمان المازني، من نحاة البصرة، إنكاره وجود النكرة غير المقصودة وقوله أن ما جاء من ذلك منتصباً منوناً فإنما جاء للضرورة الشعرية؛ كما ينسبون إلى الكسائيّ والفرّاء، زعيمي مدرسة الكوفة، أن النكرة إما مقصودة، أو صفة نابت عن الموصوف، ولا يجوز نداؤها في غير ذلك.
واحتياطاً من الوقوع في مشكلة الشك في الشعر الجاهلي، وفي تأويل أبياته، وفي التعويل على الشاهد المفرد الذي ربما كان من الشواذ، وتجنباً للأمثلة التي يضعها النحاة بأنفسهم لأنهم ليسوا مصادر، نعود إلى القرآن، ولاسيما الآية الكريمة :«يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ»، وما أشبهها، حيث المعرفة تبدو كالنكرة غير المقصودة، لأن الخطاب موجه فيها إلى كل إنسان، وأل التعريف فيها للجنس، أي جنس الناس عامة؛ وإلى شبه ذلك أشار القرطبي حين قال :« المراد بالإنسان الجنس، أي يا ابن آدم. وكذا روى سعيد عن قتادة: يا ابن آدم ، إنّ كدحك لضعيف»، ولا يعتد بالأسماء المتعددة التي زعم بعض المفسرين أن أحدها هو المقصود بالنداء، لأن اختلافهم في ذلك يغلّب عموم الدلالة، هذا وقد يكون الباعث على نزول الآية شخصاً معيناً، لكنها تكون موجهة إلى العموم. ومعنى العبارة: يا إنسانُ، إنك كادح، ولا يستقيم أبداً أن نقول: يا إنساناً إنك كادح...
أما إذا كانت النكرة موصوفة فتنصب، لأنها كالشبيه يالمضاف، كقول أحمد شوقي:
يا ناعماً رقدتْ جفونُهْ
مضناكَ لا تهدا شجونُهْ
أي يا ناعماً راقدةً جفونه، وواضح أن النكرة هنا مقصودة لأن الشاعر يتغزل بامرأة معينة، أو يفترض أنها كذلك، بدليل ما جاء في سائر الأبيات، كقوله:
حملَ الهوى لك كلَّهُ
إن لم تُعِنْهُ فمنْ يُعينهْ؟
ولذلك يصح المثل الذي ضربه النحاة البصريون: يا غافلاً والموت يطلبه، فمعناه: يا غافلاً مطلوباً من الموت، ويحتمل أن يكون المنادى هنا مقصوداً أو غير مقصود.
وهذا يجعلنا أمام حقائق متعددة بعضها جديد، هي:
1- أنه يجوز أن يكون المنادى نكرة، خلافاً لما نسب إلى الأصمعي، وأن تكون النكرة غير مقصودة، خلافاً لما نُسب إلى المازني، ووفاقاً لما قال به جمهور البصريين.
2- إذا كان المنادى نكرة مفردة، أي غير متبوعة بصفة، مقصودة أو غير مقصودة، يبنى على ما كان يرفع به، خلافاً لجمهور البصريين، ولا ينصب إلا لضرورة الشعر، وفاقاً للمازني، أو إذا كان صفة نابت عن موصوفها، وفاقاً للكوفيين، ولا يجوز أن ينصب الاسم اتلنكرة الجامد
أبداً.
3- أما إذا كان نكرة متبوعة بصفة فينصب وينوّن.
المصدر

تعليق