#شيء من اللغة.. العبوة الناسفة
د. هادي حسن حمودي
أحيل في صفحة التواجه (الفيسبوك) المتابعين الكرام إلى ما أنشره في المواقع الإعلامية من موضوعات، فتصل لي مناقشات وأسئلة وحوارات في الصفحة ذاتها، فأتواصل معها، مناقشة وإجابة.
وفي تعقيب على موضوع (من أجل إعادة صياغة الدرس النحوي) المنشور في (الأخبار) سأل السيد عزام شريف، عن (العبوة) فيما شاع استعماله في قولهم: عبوة ناسفة التي كثرت في وسائل الإعلام: هل هذه العبارة فصيحة ؟ وهل لها استعمال في لغة الفصحاء؟
* فكتبت هناك: اللفظة بهذا التركيب وهذا الاستعمال ليس لها أصل في اللغة، ولكن يمكن تخريجها لغويا من الجذر (عبأ) بمعنى هيأ، وملأ. فكأنهم أرادوا مادة متفجرة معبّأة في كرة حديد أو رصاص وما أشبه. ولتخفيف النطق وتهويل المعنى تغيرت الهمزة إلى واو، حتى بلا وعي مَنْ نطق بها.
** وأفصل شيئا من الجواب هنا:
لدينا جذور لغوية منفصلة معجميا متواصلة لغويا، يمكن عقد أواصر الصلة بينهما والعبوة. وهي (عبب، وعبَأ، وعبّأ، بالتشديد، وعبو، وعبى)، حيث يُفكّ التضعيف في (عبّ) إلى همزة ثم واو ثم ياء. ومِمّا اشتق العرب منه: عبَا المتاع، عَبْوًا، وعبّاهُ: هيّأهُ. وعبّى الجيش: أصلحه وهيّأه، تعبية وتعبئة وتعبيئا. وقرأها اللغوي أبو زيد بالهمز (عبّأته). ومنه لفظة العباية والعباءة، وهما بمعنى متقارب، ولكن استعمال الناس لهما جعلهما كأنهما بمعنى واحد. فتحويل الهمزة إلى الياء ليس لتسهيل النطق فحسب، بل لدلالة مختلفة جزئيا. وكذلك الحال في تشديد الباء وتسهيله في عبّأ، وعبَأ.
وعلى أية حال، فإن من معاني العبو: ملء شيء بشيء آخر. كما لو أنك قد عبأت (بلا تشديد الباء) حقيبة بالملابس وما إليها. وفي بعض اللهجات العربية المعاصرة، يحذفون الهمزة ويشددون الباء، فيقولون: عبّيت الأغراض في الحقيبة، تعبية. ويُهمز فيقال: تعبأة، التي تكتب تعبئة، أيضًا، بملاحظة أن أصل الهمزة ياء وما قبلها مكسور. وها أنت ترى التداخل بين هذه الألفاظ: عبّ، عبأ، عبو، عبى.
فهذه المتفجرة ينطبق عليها ذاك الوصف، وإن لم تكن اللغة العربية قد عرفته، قديما. وإنما يُقبل لسعة المجاز في العربية، ووسائل تطور ألفاظها.
وينتقل معنى الكلمة إلى المعنويات، فإذا أردت أن تجهز نفسك بالعزيمة والقوة لأداء عمل معين يحتاج لتلك العزيمة وتلك القوة، تقول: عبأت نفسي لأداء كذا. وقد تعبّأت وتجهزت وتهيأت لذلك العمل.
والعبء الثقل، وكل ثقيل عبء، سواء كان ثِقَلَ وزنٍ أم ثقلا معنويا يحس به المرء، كأن تُبتلى بثقيل ظلّ من منافق أو كذاب أو متملق.
وللجذر استعمالات كثيرة أُخر، مثل قولك: ما عبأت به، أي لم أبالهِ ولا أهتم لأمره، ومنه في التنزيل العزيز: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ).
اللهم فلا تجعلنا منهم، وأسبغْ علينا نعمك وحنانا من لدنك.
د. هادي حسن حمودي
أحيل في صفحة التواجه (الفيسبوك) المتابعين الكرام إلى ما أنشره في المواقع الإعلامية من موضوعات، فتصل لي مناقشات وأسئلة وحوارات في الصفحة ذاتها، فأتواصل معها، مناقشة وإجابة.
وفي تعقيب على موضوع (من أجل إعادة صياغة الدرس النحوي) المنشور في (الأخبار) سأل السيد عزام شريف، عن (العبوة) فيما شاع استعماله في قولهم: عبوة ناسفة التي كثرت في وسائل الإعلام: هل هذه العبارة فصيحة ؟ وهل لها استعمال في لغة الفصحاء؟
* فكتبت هناك: اللفظة بهذا التركيب وهذا الاستعمال ليس لها أصل في اللغة، ولكن يمكن تخريجها لغويا من الجذر (عبأ) بمعنى هيأ، وملأ. فكأنهم أرادوا مادة متفجرة معبّأة في كرة حديد أو رصاص وما أشبه. ولتخفيف النطق وتهويل المعنى تغيرت الهمزة إلى واو، حتى بلا وعي مَنْ نطق بها.
** وأفصل شيئا من الجواب هنا:
لدينا جذور لغوية منفصلة معجميا متواصلة لغويا، يمكن عقد أواصر الصلة بينهما والعبوة. وهي (عبب، وعبَأ، وعبّأ، بالتشديد، وعبو، وعبى)، حيث يُفكّ التضعيف في (عبّ) إلى همزة ثم واو ثم ياء. ومِمّا اشتق العرب منه: عبَا المتاع، عَبْوًا، وعبّاهُ: هيّأهُ. وعبّى الجيش: أصلحه وهيّأه، تعبية وتعبئة وتعبيئا. وقرأها اللغوي أبو زيد بالهمز (عبّأته). ومنه لفظة العباية والعباءة، وهما بمعنى متقارب، ولكن استعمال الناس لهما جعلهما كأنهما بمعنى واحد. فتحويل الهمزة إلى الياء ليس لتسهيل النطق فحسب، بل لدلالة مختلفة جزئيا. وكذلك الحال في تشديد الباء وتسهيله في عبّأ، وعبَأ.
وعلى أية حال، فإن من معاني العبو: ملء شيء بشيء آخر. كما لو أنك قد عبأت (بلا تشديد الباء) حقيبة بالملابس وما إليها. وفي بعض اللهجات العربية المعاصرة، يحذفون الهمزة ويشددون الباء، فيقولون: عبّيت الأغراض في الحقيبة، تعبية. ويُهمز فيقال: تعبأة، التي تكتب تعبئة، أيضًا، بملاحظة أن أصل الهمزة ياء وما قبلها مكسور. وها أنت ترى التداخل بين هذه الألفاظ: عبّ، عبأ، عبو، عبى.
فهذه المتفجرة ينطبق عليها ذاك الوصف، وإن لم تكن اللغة العربية قد عرفته، قديما. وإنما يُقبل لسعة المجاز في العربية، ووسائل تطور ألفاظها.
وينتقل معنى الكلمة إلى المعنويات، فإذا أردت أن تجهز نفسك بالعزيمة والقوة لأداء عمل معين يحتاج لتلك العزيمة وتلك القوة، تقول: عبأت نفسي لأداء كذا. وقد تعبّأت وتجهزت وتهيأت لذلك العمل.
والعبء الثقل، وكل ثقيل عبء، سواء كان ثِقَلَ وزنٍ أم ثقلا معنويا يحس به المرء، كأن تُبتلى بثقيل ظلّ من منافق أو كذاب أو متملق.
وللجذر استعمالات كثيرة أُخر، مثل قولك: ما عبأت به، أي لم أبالهِ ولا أهتم لأمره، ومنه في التنزيل العزيز: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ).
اللهم فلا تجعلنا منهم، وأسبغْ علينا نعمك وحنانا من لدنك.
