سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

87-أ.د.محمد يونس الحملاوي، ورأيه في الخريطة اللغوية للمنطقة العربية:
ليس المجال مجال حديث عن وظائف اللغة وأهميتها في التكوين المجتمعي لأية أمة، ولكن الأمر المطروح هو افتراضي بحت يبحث في مقارنة موضوعية بين المطروح بالنسبة للحالة اللغوية في المجتمع العربي حيث نجد لغة عربية صحيحة ولغات أجنبية، وتحديدًا الإنجليزية والفرنسية؛ تزاحم العربية خاصة في محافل العلم، بالإضافة إلى لهجات عامية تختلف من منطقة لأخرى داخل القطر الواحد، وتنتشر حينما يقصر أهل العربية عن الحفاظ على لغتهم، ثم هناك في بعض مناطق الأمة مثل الكردية والنوبية والأمازيغية، والتي تحاول أن تجد لها موطن قدم على حساب اللغة القومية في وطننا العربي.
الأمر العجيب في الموضوع أن الأمازيغية ظلت لغة شفاهية طيلة قرون؛ لأن الحضور العربي كان واضحًا كلغة أمة، ولم تظهر الدعوات للأمازيغية إلا في سبعينيات القرن الميلادي العشرين وعلى استحياء. ولا يمكننا التغافل عن إنشاء فرنسا الأكاديمية البربرية بجامعة باريس عام 1967م لتفتيت بلاد المغرب العربي وضرب اللغة العربية. كان من نتيجة استقطاب بعض الأمازيغ للفكرة أن بدأت كتابة اللغة الأمازيغية، والتي كانت لغة شفاهية، وذلك بحروف غريبة عن المجتمع الجزائري والمغربي وهو حرف تيفيناغ، والذي ينحدر من اللغة الفينيقية، ولم يُؤخذ الحرف العربي في الاعتبار مما يوحي بالخصومة بل والقطيعة مع الثقافة العربية، رغم تأكيد الدكتور عثمان سعدي (الأمازيغي المولد) رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية من خلال مؤلفاته أن الأمازيغية هي لهجة عربية، وأن 90% من كلماتها ذات جذور عربية. ويجدر بنا أن نشير إلى الظهير البربري الصادر في المغرب عام 1930م مؤكِّدًا على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية على البربر المسلمين في المغرب مثال واضح لدور اللغة في تفتيت المجتمعات. وللتذكرة يطالب الأمازيغ في مصر، والذين يسكن بعضهم في الصحراء الغربية، ويُقدرون بالآلاف بإجازة رسمية يوم 13 يناير الموافق لعيد جلوس الملك الأمازيغي شيشينق الأول على عرش مصر، حيث كان قائدًا للجيش المصري آنذاك، والذي كان يتكون من أغلبية أمازيغية، وبعد وفاة الملك بسونس الثاني آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين تولى شيشينق حكم مصر، مؤسسًا الأسرة الثانية والعشرين؛ وذلك بعدما تحققت لهم حسب زعمهم بعض المطالب في دستور 2014م في مصر.
هذا هو حال اللغة الأمازيغية، أما اللغة النوبية فلا تختلف كثيرًا عن ذلك الوضع. ولابد لنا من أن نشير إلى أن التقسيم العِرْقي لأهالي مصر أمر لم يكن واردًا على مدار التاريخ، لكن يبدو أن هناك من يريد الزج بنا في المستنقع الطائفي الذي أوجده الاحتلال الفرنسي في المغرب والجزائر.
ولا تختلف اللغة الكردية عن الأمازيغية وعن النوبية كثيرًا؛ فالأكراد جزء من الحضارة العربية الإسلامية وبلغتها العربية، وتتشابه الكردية مع هاتين اللغتين في كونها بالأساس لغة شفاهية، كما أن نظام كتابتها يرجع إلى القرن الميلادي المنصرم مع بعض الاستثناءات النادرة. تلك اللغات الإقليمية لها بعد ثقافي ولكن ليس لها بعد حضاري. المهم في سياقنا الحالي هل يمكن لأيٍّ من تلك اللغات بمحدودية عدد متكلميها بالنسبة لعدد المتكلمين بالعربية في جميع الأقطار العربية؛ أن تكون لغة لعموم القطر الواحد، ناهيك عن عموم الأمة العربية؟ ولنتساءل ما فائدة هذا؟ وكيف تتكون الأمم وتحافظ على وحدتها؟ وهل يُسمح بنفس التشرذم وبنفس الفوضى الخلاقة في دول الغرب والشرق على حد سواء؟ من الناحية اللغوية البحتة لا يمكن أن تكون تلك اللغات لغات مجتمع وأمة تسعى للنهوض، وبمعنى آخر لا يمكنها أن تكون لغة وظيفية يمكن أن تنهض بالأمة.
أما الحديث عن العامية في مصر على سبيل المثال فحديث طويل بدأ مع الاحتلال البريطاني لمصر على يد مستشاري التعليم الإنجليز والمندوب السامي الإنجليزي وشايعهم بعض ذوي جلدتنا في الدعوة إلى العامية التي لا أصول لها ولا قواعد ولا ضوابط ولا ثبات، وليس لها هدف إلا تفتيت وحدة أي شعب؛ حيث إن العاميات ترتبط مثلما هو الحال في جميع الدول قاطبة بالمكان الجغرافي. الملاحظ هنا أن الدول التي تحافظ على هويتها لا تسمح للعاميات أن تظهر في الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية وفي المعاهد التعليمية وفي مختلف المناشط العامة، رغم وجودها في جميع الدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء وفي جميع اللغات، بصورتيها المكتوبة بالحرف العربي أو المكتوبة بالحرف اللاتيني؛ من حيث إنها ليست لغة جامعة لا يمكنها أن تستوعب آليات التنمية في أية أمة وفي أي مجتمع لمحدودية انتشارها ولمحدودية مفرداتها، ولا يمكننا قبول فرض عامية العاصمة مثلًا على الجميع؛ لأن هذا الأمر يتهافت أمام ترسيخ استعمال الفصحى، لأن قضية الفرض إن كانت مطروحة، فالأَوْلَى أن يكون الترويج للأفضل عوضًا عن الترويج للأدنى؛ ولهذا يمكننا أن نستنتج أن العاميات تقصر عن تلبية متطلبات اللغة الوظيفية. يبقى أن نشير إلى تشابه الخريطة بدرجة أكبر رغم محاولات زج اللغات المحدودة في قلب الصراع السياسي في سوريا.
يتبقى لنا في سياقنا التنموي أن ننظر للغات الحضارية الأخرى، والتي لها وجود في الواقع العربي وتحديدًا الإنجليزية والفرنسية، لنلاحظ أن الفرنسية تعاني من تراجع على مستوى عدد متحدثيها وثقلهم الحضاري على مستوى الاستخدام العام وعلى مستوى الاستخدامات التقنية التي يعتبر استخدامها على شبكة الإنترنت مقياسًا لها، كما يمكننا ملاحظة ذلك التراجع على مستوى دول المغرب العربي رغم وجود من يدافع عن وضع الفرنسية في تلك البلدان. ورغم ذلك التراجع فإن هناك توجهًا لاستخدام الإنجليزية عوضًا عن العربية في تلك المنطقة دون مبرر منطقي لذلك من ناحية الاستخدام العام، والذي يرتبط بهوية الأمة ومن ناحية كفاءة العملية التعليمية. ومن الناحية النفعية البحتة سيتطرق البحث إلى قياس كفاءة التعليم باللغة القومية وبغيرها في الجزء الخاص بكفاءة التعليم.
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن الخريطة اللغوية في المنطقة العربية متجانسة بالأساس عدا بعض المحاولات الغريبة على جسد الأمة التي تحاول اقتطاع أجزاء منها وتفتيت وحدتها، رغم أن العربية كانت وستظل الوعاء الحاضن لمختلف جهود المنطقة العربية بمختلف عصبياتها؛ حيث يثبت التاريخ أن قوتها في تجردها من النزعات الشعوبية؛ فالعربية في حد ذاتها هي اللسان وليست جنسًا بأي حال من الأحوال.
المصدر: التعليم واللغة القومية، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 135-138.
إعداد: مصطفى يوسف
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

87-أ.د.محمد يونس الحملاوي، ورأيه في الخريطة اللغوية للمنطقة العربية:
ليس المجال مجال حديث عن وظائف اللغة وأهميتها في التكوين المجتمعي لأية أمة، ولكن الأمر المطروح هو افتراضي بحت يبحث في مقارنة موضوعية بين المطروح بالنسبة للحالة اللغوية في المجتمع العربي حيث نجد لغة عربية صحيحة ولغات أجنبية، وتحديدًا الإنجليزية والفرنسية؛ تزاحم العربية خاصة في محافل العلم، بالإضافة إلى لهجات عامية تختلف من منطقة لأخرى داخل القطر الواحد، وتنتشر حينما يقصر أهل العربية عن الحفاظ على لغتهم، ثم هناك في بعض مناطق الأمة مثل الكردية والنوبية والأمازيغية، والتي تحاول أن تجد لها موطن قدم على حساب اللغة القومية في وطننا العربي.
الأمر العجيب في الموضوع أن الأمازيغية ظلت لغة شفاهية طيلة قرون؛ لأن الحضور العربي كان واضحًا كلغة أمة، ولم تظهر الدعوات للأمازيغية إلا في سبعينيات القرن الميلادي العشرين وعلى استحياء. ولا يمكننا التغافل عن إنشاء فرنسا الأكاديمية البربرية بجامعة باريس عام 1967م لتفتيت بلاد المغرب العربي وضرب اللغة العربية. كان من نتيجة استقطاب بعض الأمازيغ للفكرة أن بدأت كتابة اللغة الأمازيغية، والتي كانت لغة شفاهية، وذلك بحروف غريبة عن المجتمع الجزائري والمغربي وهو حرف تيفيناغ، والذي ينحدر من اللغة الفينيقية، ولم يُؤخذ الحرف العربي في الاعتبار مما يوحي بالخصومة بل والقطيعة مع الثقافة العربية، رغم تأكيد الدكتور عثمان سعدي (الأمازيغي المولد) رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية من خلال مؤلفاته أن الأمازيغية هي لهجة عربية، وأن 90% من كلماتها ذات جذور عربية. ويجدر بنا أن نشير إلى الظهير البربري الصادر في المغرب عام 1930م مؤكِّدًا على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية على البربر المسلمين في المغرب مثال واضح لدور اللغة في تفتيت المجتمعات. وللتذكرة يطالب الأمازيغ في مصر، والذين يسكن بعضهم في الصحراء الغربية، ويُقدرون بالآلاف بإجازة رسمية يوم 13 يناير الموافق لعيد جلوس الملك الأمازيغي شيشينق الأول على عرش مصر، حيث كان قائدًا للجيش المصري آنذاك، والذي كان يتكون من أغلبية أمازيغية، وبعد وفاة الملك بسونس الثاني آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين تولى شيشينق حكم مصر، مؤسسًا الأسرة الثانية والعشرين؛ وذلك بعدما تحققت لهم حسب زعمهم بعض المطالب في دستور 2014م في مصر.
هذا هو حال اللغة الأمازيغية، أما اللغة النوبية فلا تختلف كثيرًا عن ذلك الوضع. ولابد لنا من أن نشير إلى أن التقسيم العِرْقي لأهالي مصر أمر لم يكن واردًا على مدار التاريخ، لكن يبدو أن هناك من يريد الزج بنا في المستنقع الطائفي الذي أوجده الاحتلال الفرنسي في المغرب والجزائر.
ولا تختلف اللغة الكردية عن الأمازيغية وعن النوبية كثيرًا؛ فالأكراد جزء من الحضارة العربية الإسلامية وبلغتها العربية، وتتشابه الكردية مع هاتين اللغتين في كونها بالأساس لغة شفاهية، كما أن نظام كتابتها يرجع إلى القرن الميلادي المنصرم مع بعض الاستثناءات النادرة. تلك اللغات الإقليمية لها بعد ثقافي ولكن ليس لها بعد حضاري. المهم في سياقنا الحالي هل يمكن لأيٍّ من تلك اللغات بمحدودية عدد متكلميها بالنسبة لعدد المتكلمين بالعربية في جميع الأقطار العربية؛ أن تكون لغة لعموم القطر الواحد، ناهيك عن عموم الأمة العربية؟ ولنتساءل ما فائدة هذا؟ وكيف تتكون الأمم وتحافظ على وحدتها؟ وهل يُسمح بنفس التشرذم وبنفس الفوضى الخلاقة في دول الغرب والشرق على حد سواء؟ من الناحية اللغوية البحتة لا يمكن أن تكون تلك اللغات لغات مجتمع وأمة تسعى للنهوض، وبمعنى آخر لا يمكنها أن تكون لغة وظيفية يمكن أن تنهض بالأمة.
أما الحديث عن العامية في مصر على سبيل المثال فحديث طويل بدأ مع الاحتلال البريطاني لمصر على يد مستشاري التعليم الإنجليز والمندوب السامي الإنجليزي وشايعهم بعض ذوي جلدتنا في الدعوة إلى العامية التي لا أصول لها ولا قواعد ولا ضوابط ولا ثبات، وليس لها هدف إلا تفتيت وحدة أي شعب؛ حيث إن العاميات ترتبط مثلما هو الحال في جميع الدول قاطبة بالمكان الجغرافي. الملاحظ هنا أن الدول التي تحافظ على هويتها لا تسمح للعاميات أن تظهر في الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية وفي المعاهد التعليمية وفي مختلف المناشط العامة، رغم وجودها في جميع الدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء وفي جميع اللغات، بصورتيها المكتوبة بالحرف العربي أو المكتوبة بالحرف اللاتيني؛ من حيث إنها ليست لغة جامعة لا يمكنها أن تستوعب آليات التنمية في أية أمة وفي أي مجتمع لمحدودية انتشارها ولمحدودية مفرداتها، ولا يمكننا قبول فرض عامية العاصمة مثلًا على الجميع؛ لأن هذا الأمر يتهافت أمام ترسيخ استعمال الفصحى، لأن قضية الفرض إن كانت مطروحة، فالأَوْلَى أن يكون الترويج للأفضل عوضًا عن الترويج للأدنى؛ ولهذا يمكننا أن نستنتج أن العاميات تقصر عن تلبية متطلبات اللغة الوظيفية. يبقى أن نشير إلى تشابه الخريطة بدرجة أكبر رغم محاولات زج اللغات المحدودة في قلب الصراع السياسي في سوريا.
يتبقى لنا في سياقنا التنموي أن ننظر للغات الحضارية الأخرى، والتي لها وجود في الواقع العربي وتحديدًا الإنجليزية والفرنسية، لنلاحظ أن الفرنسية تعاني من تراجع على مستوى عدد متحدثيها وثقلهم الحضاري على مستوى الاستخدام العام وعلى مستوى الاستخدامات التقنية التي يعتبر استخدامها على شبكة الإنترنت مقياسًا لها، كما يمكننا ملاحظة ذلك التراجع على مستوى دول المغرب العربي رغم وجود من يدافع عن وضع الفرنسية في تلك البلدان. ورغم ذلك التراجع فإن هناك توجهًا لاستخدام الإنجليزية عوضًا عن العربية في تلك المنطقة دون مبرر منطقي لذلك من ناحية الاستخدام العام، والذي يرتبط بهوية الأمة ومن ناحية كفاءة العملية التعليمية. ومن الناحية النفعية البحتة سيتطرق البحث إلى قياس كفاءة التعليم باللغة القومية وبغيرها في الجزء الخاص بكفاءة التعليم.
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن الخريطة اللغوية في المنطقة العربية متجانسة بالأساس عدا بعض المحاولات الغريبة على جسد الأمة التي تحاول اقتطاع أجزاء منها وتفتيت وحدتها، رغم أن العربية كانت وستظل الوعاء الحاضن لمختلف جهود المنطقة العربية بمختلف عصبياتها؛ حيث يثبت التاريخ أن قوتها في تجردها من النزعات الشعوبية؛ فالعربية في حد ذاتها هي اللسان وليست جنسًا بأي حال من الأحوال.
المصدر: التعليم واللغة القومية، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 135-138.
إعداد: مصطفى يوسف
