معجم الهيئات والإشارات والرموز في التراث العربي من خلال لسان العرب لابن منظور
(الحلقة الثانية عشرة)
فرح الشويخ
[6] الإشارة بالسَّبَّابَة والوسطَى: ومن دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- المساواة في المنزلة والرتبة: جاء في الحديث:« عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « كَافِلُ اليَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ ». وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى»(1)، أي كأنه ساوى بينه - صلى الله عليه وسلم- وبين كافل اليتيم في الشرف والرتبة والمنزلة والدرجة وقارن بينهما كاقتران السبابة بالوسطى بين الأصابع، وهو من باب التشبيه فقط وإلا فلا سبيل لتساوي شرفه- صلى الله عليه وسلم- بشرف الخلق وإن عَلَا شَرفهم وارتَقَت منازلهم.
2- شِدَّة القُرب بين شيئين: جاء في الحديث:« حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى»(2)، قال القاضي عياض:" وقوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين »: يحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما، وأنه ليس بينهما أصبع أخرى، وأن كل واحدة متصلةٌ بصاحبتها، كما أنه لا شيء بين محمد - عليه السلام - والساعة، وقد تكون لتقريب ما بينهما من المدة تقدَّر بقدر السبابة من الوسطى(3)".
[7] الإيماء باليد إلى اللسان: (4) من دلالات الإيماء باليد إلى اللسان عند العرب أن اللسان:
1- سَبَبُ العَذَاب: جاء في الحديث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ اشْتَكَى سَعْدُ بْن عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ في غَشْيَةٍ فَقَالَ « أَقَدْ قَضَى». قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- بَكَوْا فَقَالَ « أَلاَ تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ»(5)، وإشارته - صلى الله عليه وسلم- بيده إلى لسانه دالة على سَبَب العذاب وهو اللسان، والمراد بالعذاب النوح وندب الميت على عادة العرب في الجاهلية؛ لأنَّ ذلكَ - كما يقال- يُعَذِّب الميتَ في قبره، أما البكاء بدمع العين كما بكى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بحزن القلب فلا يُعَذَّبُ به، ولا شك أن الإشارة في موقف كهذا أبلغ بكثير من الكلام.
2- مَوضعُ الاتِّقَاء: جاء في الحديث : « عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي أَمْرًا فِي الإِسْلَامِ لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيَّ شَيْءٍ أَتَّقِي قَالَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ»(6).
[8] الإيماء بالعينين: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- بيان معنى معين: قال عمر بن أبي ربيعة:
أَومَتْ بعينيها من الهَودجِ لولَاكَ في ذَا العَامِ لم أحْجُجِ
أنتَ إلى مَكَّة أخْرَجتنِي ولو تَرَكْتَ الحَجِّ لم أخرجِ(7)
والكلام الذي ذكره عمر بن أبي ربيعة في البيتين فَهِمه من إيمائها بعينيها رغم أنها لم تفصح عنه باللسان.
[9] الإيماء باليد: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- تَعيينُ الشيء المراد: وفي حديث أبي الزبير عن جابر قال : «أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو منطلق إلى بني المصطلق فأتيتُه وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال لي بيده هكذا وأومأ زهير بيده ثم كلمته فقال لي هكذا وأومأ زهير أيضا بيده نحو الأرض وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه فلما فرغ قال: ما فعلتَ في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي، قال زهير وأبو الزبير جالس معه مستقبل الكعبة فقال بيده أبو الزبير إلى بني المصطلق فقال بيده إلى غير الكعبة»(8).
2- رَدُّ السَّلام: جاء في حديث أبي الزبير عن جابر أيضا : «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى حاجة له فجاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي فسلم عليه فلم يرد عليه وأومأ بيده فلما سلم قال إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي»(9)، والإيماء باليد في الصلاة بمثابة رد السلام لأن المخاطَبَ أو المشَار إليه يفهم من الإيماء حَالَة المشِير إذا كان يصلي فكأنه رَدَّ السلام عَليه، وإبلاغ المقصود بالإشارة يقوم مقام الفعل أو الكلام بل يتجاوزه كثيرا من الناحية البلاغية.
ومما يؤكد قولنا الحديث الآخر المروي عن نافع: قال سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول : «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قُباء يصلي فيه قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي قال فقلت لبلال كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي قال يقول هكذا، وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وظهره إلى فوق»(10).
[10] الإشارة بأصبعين: من دلالات الإشارة بأصبعين في التراث العربي:
1- الدُّعاء: جاء في الحديث: « حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ عَمَّنْ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْن فَقَالَ أَحِّدْ يَا سَعْد»(11)؛ قال الزرقاني في تعليقه على الحديث:" لأن الواجب في الدعاء أن يكون إما باليدين وبسطهما على معنى التضرع والرغبة، وإما أن يشير بأصبع واحدة على معنى التوحيد قاله الباجي، أي الواجب من جهة الأدب"(12).
[11] الإشارة بالعين وبطرف العين: من دلالات الإشارة بالعين في التراث العربي:
1- التحية: قال الشاعر:
أشَارَت بطَرفِ العَين خِيفَة أهلِهَا إشَارَة مَذعُور ولم تَتَكَلَّمِ
فَأَيقَنْتُ أن الطَّرفَ قد قَالَ: مَرحَباً وَأَهْلاً وسَهلاً بالحبيبِ المتَيَّمِ(13)
وقال الآخر:
وللقَلْبِ عَلَى القَلبِ دَلِيلٌ حينَ يَلْقَاهُ
وللشيء عَلى الشيء مَقَايِيس وَأَشْبَاهُ
وَفي العَين غِنًى للعيـ ـن إِنْ تَنْطِق وَأَفْوَاهُ(14)
وقال آخر في المعنى نفسه:
تَرَى عَيْنهَا عَينِي فتعرفُ وحيَهَا وتعرفُ عَينِي مَا بِهِ الوَحْي يرجِعُ(15)
وقال آخر:
وعينُ الفَتَى تُبدِي الَّذِي فِي ضَمِيرِهِ وَتَعْرِفُ بالنَّجْوَى الحَديثَ الـمعَمَّسَا(16)
[12] الإشارة إلى السمع والبصر: من دلالات هذه الإشارة عند العرب:
1- تنزيه الله عن آلتَيْ السَّمع والبَصَر: جاء في الحديث:« عن أبي يُونُسَ سُلَيْم بْن جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (سَمِيعًا بَصِيرًا) قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ والتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ»(17)، والمعنى والله أعلم أن الله تعالى سميع بصير لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن آلتي السمع والبصر التي أنعم بهما على عباده، لذلك أشار النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى أذنه وعينه.
[13] الإشَارَة إلى الوجه والكَفَّين: من دلالات هذه الإشارة عند العرب:
1- ما يجوزُ كشفهُ من جَسَد المرأَة: جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ أَسْمَاءَ بِنت أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ « يَا أَسْمَاءُ إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا ». وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ»(18).
ويعلم من إشارته - صلى الله عليه وسلم- إلى وجهه وكفيه ما يَحِلُّ للمرأة البالغة إبرازهُ من جَسدِها.
[14] الإشارة إلى الفم: من دلالات هذه الإشارة عند العرب:
1- أداة النطق: جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: تكْتَبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّضَاءِ وَالغَضَبِ؟، قَالَ: فَأَمْسَكْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ»(19)؛ وإنما إشارته صلى الله عليه وسلم إلى فِيه زيادة وتوكيد على قوله الصدقَ وتجنبِه الكذب في كل ما يقوله، كما أن الكلام المصاحب للإشارة فيه زيادة توكيد وإشارة لا مزيد عليها وإلا كان استغنى عن الإشارة بالكلام فقط.
2- موضع بلوغ الشيء: وفي حديث المِقدَادِ بنِ الأَسْوَدِ قَالَ:« سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ». قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِى مَا يَعْنِى بِالمِيلِ أَمَسَافَةَ الأَرْضِ أَمِ المِيلَ الَّذِى تُكْتَحَلُ بِهِ العَيْنُ. قَالَ « فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ في العَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا ». قَالَ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ إِلَى فِيه»(20).
وإنما أشار النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى فِيه بعد قوله: « وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا» لأن الفم هو موضع اللجام والمعنى أن العَرَق يصل إلى هذا الحد وفي هذه الإشارة الدقة وكذا العمق في التصوير.
[15 ] الإشارة إلى الحَلْق: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- الاختِنَاق: جاء في الحديث: «عن عبد الرحمن بن هرمز: سمعت أبا هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جُبَّتَان من حديد من لدن ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق شيئا إلا مَادَّت على جلده حتى تُجِنَّ بَنَانَه وتعفو أثره أما البخيل فلا يُرِيد إلا لزمت كل حلقة موضعها فهو يوسعها فلا تتسع». ويشير بإصبعه إلى حلقه»(21).
و"« يشير بأصبعه إلى حلقه» مبينا كيف أنها تضيق على عنقه بحيث يكاد يختنق"(22)، وفي إشارته صلى الله عليه وسلم إلى حلقه صورة بديعة عن حال البخيل الذي يكاد يختنق من شدة بخله، لا يقوم الكلام بما تقوم به هذه الإشارة من إيضاح وتمثيل رائعين.
[16] الإشارة إلى الصدر: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- موضعُ التقوى: جاء في الحديث: « عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ»(23).
وقد تكررت مثل هذه الإشارة في الحديث النبوي الشريف؛ فقد جاء في حديث آخر: « عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيطٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ مُحْتَبٍ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ لَهُ قِطْرٌ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ غَيْرَهُ وَهُوَ يَقُولُ المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا»(24).
والمعنى أن موضع التقوى هو الصدر، أي القلب والإشارة لا شك أبلغ من القول في مثل هذا الموضع.
2- موضعُ العِلْم: جاء في حديث علي – رضي الله عنه- أنه قَالَ: « هَا إن هَاهُنَا - وأومأ بِيَدِهِ إلى صَدره - عِلما لَو أصبت لَهُ حَملَة، بلَى أصبت لَقِناً غير مَأْمُون»(25).
3- موضعُ القلب: جاء في الحديث عن « عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ دَاوُدَ وَزَادَ وَنَقَصَ وَمِمَّا زَادَ فِيهِ « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ ». وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ»(26)، وإشارته- صلى الله عليه وسلم- إلى صدره بعد قوله: « وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» تأكيد بديع ولا شك أن الكلام المصحوب بالإشارة أدعى إلى فهم المتلقي أو المخاطب.
4- موضعُ الإيمان: جاء في الحديث « عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالإِيمَانُ فِي القَلْبِ قَالَ ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا»(27).
ـــــــــــ
(الحلقة الثانية عشرة)
فرح الشويخ
[6] الإشارة بالسَّبَّابَة والوسطَى: ومن دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- المساواة في المنزلة والرتبة: جاء في الحديث:« عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « كَافِلُ اليَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ ». وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى»(1)، أي كأنه ساوى بينه - صلى الله عليه وسلم- وبين كافل اليتيم في الشرف والرتبة والمنزلة والدرجة وقارن بينهما كاقتران السبابة بالوسطى بين الأصابع، وهو من باب التشبيه فقط وإلا فلا سبيل لتساوي شرفه- صلى الله عليه وسلم- بشرف الخلق وإن عَلَا شَرفهم وارتَقَت منازلهم.
2- شِدَّة القُرب بين شيئين: جاء في الحديث:« حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى»(2)، قال القاضي عياض:" وقوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين »: يحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما، وأنه ليس بينهما أصبع أخرى، وأن كل واحدة متصلةٌ بصاحبتها، كما أنه لا شيء بين محمد - عليه السلام - والساعة، وقد تكون لتقريب ما بينهما من المدة تقدَّر بقدر السبابة من الوسطى(3)".
[7] الإيماء باليد إلى اللسان: (4) من دلالات الإيماء باليد إلى اللسان عند العرب أن اللسان:
1- سَبَبُ العَذَاب: جاء في الحديث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ اشْتَكَى سَعْدُ بْن عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ في غَشْيَةٍ فَقَالَ « أَقَدْ قَضَى». قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- بَكَوْا فَقَالَ « أَلاَ تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ»(5)، وإشارته - صلى الله عليه وسلم- بيده إلى لسانه دالة على سَبَب العذاب وهو اللسان، والمراد بالعذاب النوح وندب الميت على عادة العرب في الجاهلية؛ لأنَّ ذلكَ - كما يقال- يُعَذِّب الميتَ في قبره، أما البكاء بدمع العين كما بكى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بحزن القلب فلا يُعَذَّبُ به، ولا شك أن الإشارة في موقف كهذا أبلغ بكثير من الكلام.
2- مَوضعُ الاتِّقَاء: جاء في الحديث : « عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي أَمْرًا فِي الإِسْلَامِ لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيَّ شَيْءٍ أَتَّقِي قَالَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ»(6).
[8] الإيماء بالعينين: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- بيان معنى معين: قال عمر بن أبي ربيعة:
أَومَتْ بعينيها من الهَودجِ لولَاكَ في ذَا العَامِ لم أحْجُجِ
أنتَ إلى مَكَّة أخْرَجتنِي ولو تَرَكْتَ الحَجِّ لم أخرجِ(7)
والكلام الذي ذكره عمر بن أبي ربيعة في البيتين فَهِمه من إيمائها بعينيها رغم أنها لم تفصح عنه باللسان.
[9] الإيماء باليد: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- تَعيينُ الشيء المراد: وفي حديث أبي الزبير عن جابر قال : «أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو منطلق إلى بني المصطلق فأتيتُه وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال لي بيده هكذا وأومأ زهير بيده ثم كلمته فقال لي هكذا وأومأ زهير أيضا بيده نحو الأرض وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه فلما فرغ قال: ما فعلتَ في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي، قال زهير وأبو الزبير جالس معه مستقبل الكعبة فقال بيده أبو الزبير إلى بني المصطلق فقال بيده إلى غير الكعبة»(8).
2- رَدُّ السَّلام: جاء في حديث أبي الزبير عن جابر أيضا : «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى حاجة له فجاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي فسلم عليه فلم يرد عليه وأومأ بيده فلما سلم قال إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي»(9)، والإيماء باليد في الصلاة بمثابة رد السلام لأن المخاطَبَ أو المشَار إليه يفهم من الإيماء حَالَة المشِير إذا كان يصلي فكأنه رَدَّ السلام عَليه، وإبلاغ المقصود بالإشارة يقوم مقام الفعل أو الكلام بل يتجاوزه كثيرا من الناحية البلاغية.
ومما يؤكد قولنا الحديث الآخر المروي عن نافع: قال سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول : «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قُباء يصلي فيه قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي قال فقلت لبلال كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي قال يقول هكذا، وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وظهره إلى فوق»(10).
[10] الإشارة بأصبعين: من دلالات الإشارة بأصبعين في التراث العربي:
1- الدُّعاء: جاء في الحديث: « حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ عَمَّنْ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْن فَقَالَ أَحِّدْ يَا سَعْد»(11)؛ قال الزرقاني في تعليقه على الحديث:" لأن الواجب في الدعاء أن يكون إما باليدين وبسطهما على معنى التضرع والرغبة، وإما أن يشير بأصبع واحدة على معنى التوحيد قاله الباجي، أي الواجب من جهة الأدب"(12).
[11] الإشارة بالعين وبطرف العين: من دلالات الإشارة بالعين في التراث العربي:
1- التحية: قال الشاعر:
أشَارَت بطَرفِ العَين خِيفَة أهلِهَا إشَارَة مَذعُور ولم تَتَكَلَّمِ
فَأَيقَنْتُ أن الطَّرفَ قد قَالَ: مَرحَباً وَأَهْلاً وسَهلاً بالحبيبِ المتَيَّمِ(13)
وقال الآخر:
وللقَلْبِ عَلَى القَلبِ دَلِيلٌ حينَ يَلْقَاهُ
وللشيء عَلى الشيء مَقَايِيس وَأَشْبَاهُ
وَفي العَين غِنًى للعيـ ـن إِنْ تَنْطِق وَأَفْوَاهُ(14)
وقال آخر في المعنى نفسه:
تَرَى عَيْنهَا عَينِي فتعرفُ وحيَهَا وتعرفُ عَينِي مَا بِهِ الوَحْي يرجِعُ(15)
وقال آخر:
وعينُ الفَتَى تُبدِي الَّذِي فِي ضَمِيرِهِ وَتَعْرِفُ بالنَّجْوَى الحَديثَ الـمعَمَّسَا(16)
[12] الإشارة إلى السمع والبصر: من دلالات هذه الإشارة عند العرب:
1- تنزيه الله عن آلتَيْ السَّمع والبَصَر: جاء في الحديث:« عن أبي يُونُسَ سُلَيْم بْن جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (سَمِيعًا بَصِيرًا) قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ والتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ»(17)، والمعنى والله أعلم أن الله تعالى سميع بصير لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن آلتي السمع والبصر التي أنعم بهما على عباده، لذلك أشار النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى أذنه وعينه.
[13] الإشَارَة إلى الوجه والكَفَّين: من دلالات هذه الإشارة عند العرب:
1- ما يجوزُ كشفهُ من جَسَد المرأَة: جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ أَسْمَاءَ بِنت أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ « يَا أَسْمَاءُ إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا ». وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ»(18).
ويعلم من إشارته - صلى الله عليه وسلم- إلى وجهه وكفيه ما يَحِلُّ للمرأة البالغة إبرازهُ من جَسدِها.
[14] الإشارة إلى الفم: من دلالات هذه الإشارة عند العرب:
1- أداة النطق: جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: تكْتَبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّضَاءِ وَالغَضَبِ؟، قَالَ: فَأَمْسَكْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ»(19)؛ وإنما إشارته صلى الله عليه وسلم إلى فِيه زيادة وتوكيد على قوله الصدقَ وتجنبِه الكذب في كل ما يقوله، كما أن الكلام المصاحب للإشارة فيه زيادة توكيد وإشارة لا مزيد عليها وإلا كان استغنى عن الإشارة بالكلام فقط.
2- موضع بلوغ الشيء: وفي حديث المِقدَادِ بنِ الأَسْوَدِ قَالَ:« سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ». قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِى مَا يَعْنِى بِالمِيلِ أَمَسَافَةَ الأَرْضِ أَمِ المِيلَ الَّذِى تُكْتَحَلُ بِهِ العَيْنُ. قَالَ « فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ في العَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا ». قَالَ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ إِلَى فِيه»(20).
وإنما أشار النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى فِيه بعد قوله: « وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا» لأن الفم هو موضع اللجام والمعنى أن العَرَق يصل إلى هذا الحد وفي هذه الإشارة الدقة وكذا العمق في التصوير.
[15 ] الإشارة إلى الحَلْق: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- الاختِنَاق: جاء في الحديث: «عن عبد الرحمن بن هرمز: سمعت أبا هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جُبَّتَان من حديد من لدن ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق شيئا إلا مَادَّت على جلده حتى تُجِنَّ بَنَانَه وتعفو أثره أما البخيل فلا يُرِيد إلا لزمت كل حلقة موضعها فهو يوسعها فلا تتسع». ويشير بإصبعه إلى حلقه»(21).
و"« يشير بأصبعه إلى حلقه» مبينا كيف أنها تضيق على عنقه بحيث يكاد يختنق"(22)، وفي إشارته صلى الله عليه وسلم إلى حلقه صورة بديعة عن حال البخيل الذي يكاد يختنق من شدة بخله، لا يقوم الكلام بما تقوم به هذه الإشارة من إيضاح وتمثيل رائعين.
[16] الإشارة إلى الصدر: من دلالات هذه الإشارة في التراث العربي:
1- موضعُ التقوى: جاء في الحديث: « عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ»(23).
وقد تكررت مثل هذه الإشارة في الحديث النبوي الشريف؛ فقد جاء في حديث آخر: « عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيطٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ مُحْتَبٍ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ لَهُ قِطْرٌ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ غَيْرَهُ وَهُوَ يَقُولُ المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا»(24).
والمعنى أن موضع التقوى هو الصدر، أي القلب والإشارة لا شك أبلغ من القول في مثل هذا الموضع.
2- موضعُ العِلْم: جاء في حديث علي – رضي الله عنه- أنه قَالَ: « هَا إن هَاهُنَا - وأومأ بِيَدِهِ إلى صَدره - عِلما لَو أصبت لَهُ حَملَة، بلَى أصبت لَقِناً غير مَأْمُون»(25).
3- موضعُ القلب: جاء في الحديث عن « عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ دَاوُدَ وَزَادَ وَنَقَصَ وَمِمَّا زَادَ فِيهِ « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ ». وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ»(26)، وإشارته- صلى الله عليه وسلم- إلى صدره بعد قوله: « وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» تأكيد بديع ولا شك أن الكلام المصحوب بالإشارة أدعى إلى فهم المتلقي أو المخاطب.
4- موضعُ الإيمان: جاء في الحديث « عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالإِيمَانُ فِي القَلْبِ قَالَ ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا»(27).
ـــــــــــ

تعليق