المعضلة اللغوية في تونس

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    المعضلة اللغوية في تونس

    المعضلة اللغوية في تونس


    انتشرت بين التونسيين لغة هجينة لا هي بالعربية الفصيحة، ولا بالدارجة، ولا بالفرنسية، بل هي مزيج من اللغات الثلاث. وكل هذا يتم باسم الديمقراطية وحرية التعبير!







    حسونة المصباحي






    في النصف الأول من القرن العشرين، شرعت فرنسا في تطبيق مشروعها الاستعماري المتمثل في “فرنسة” النّخبة التونسيّة لتكون لها خاضعة ومطيعة وخادمة لمصالحها التي تهدف إلى تذويب الهوية، وتدميرها. وقد اعتمدت في ذلك على مستشرقين ابتكروا نظرية لغوية تقول إن اللغة العربية أصبحت لغة ميتة تماما مثلما كان حال اللغات الشرقية القديمة، واللغة اللاتينية. لذلك يتوجّب على النخبة التونسية إنْ هي أرادت حقا أن تكون في قلب العصر الحديث وليس خارجهأن تكتب وتتكلم بلغة موليير. ورغم المجهودات الهائلة التي بذلتها، لم تتمكن فرنسا الاستعمارية من إنجاح مشروعها المذكور إذ لم يستجب لها سوى مثقفين مزيفين.

    أما المثقفون الذين تبيّنوا مُبكرا المخاطر الجسيمة التي يمثلها مشروع الفرنسة فقد بادروا بالتصدي له بطرق مختلفة ومتنوعة. ولكي يثبت أن اللغة العربية لا تزال نابضة بالحياة، وقادرة بالتالي على أن تكون لغة عصرية وحديثة، كتب محمود المسعدي في الثلاثينات من القرن الماضي أثريه المهمين “السد”، و”حدث أبوهريرة قال…”. ومن خلال هذين الأثرين أعاد المسعدي الذي كان عارفا بالآثار الأدبية العظيمة التي تركها العرب وأيضا بالآداب الأوروبية القديمة والحديثة، إلى اللغة العربية إشراقتها مثلما كان حالها في عصر الجاحظ والتوحيدي وابن المقفع والمعري وغيرهم. كما مكنها من توطين وغرس مفاهيم فلسفية حديثة جاء بها الفلاسفة الوجوديون في ألمانيا وفرنسا من أمثال شوببنهاور، ونيتشه، وسارتر، وكامو.

    ومثل ساندور بيتوفي في المجر، وأوغستينو نيتو في أنغولا، وماتزيني في إيطاليا، وخوزيه مارتي في كوبا، اتّخذ المسعدي من إحياء اللغة العربيّة وسيلة لمواجهة المستعمر الذي كان يعمل على طمسها للقضاء على الهويّة التونسيّة، ومسخها.

    في نفس هذه الفترة، فترة الثلاثينات، برز للوجود شعراء وأدباء ومثقفون لعبوا دورا أساسيا في تحديث الثقافة التونسيّة، باعثين الحياة في اللغة العربية التي ظلت على مدى قرون مديدة، تعاني من التحنط والتيبّس، لتصبح قادرة على أن تعكس الواقع في تحولاته، وأن تسمي الأشياء بأسمائها. وهذا ما فعله الشابي في مجال الشعر والنقد الأدبي، والطاهر الحداد في مجال الفكر الاجتماعي، وعلي الدوعاجي، ومحمد العريبي في مجال القصة.

    بعد الاستقلال، وتحديدا في الستينات من القرن الماضي، سعى دعاة الفرنسة إلى فرض وجودهم من جديد إلاّ أن التيارات الأدبية المتأثرة بالحركات الطلائعية في أوروبا، وفي بلدان المشرق العربي تمكنت من إخماد أصواتهم.

    وخلال السنوات السبع الماضية، ومع انتشار الفوضى، وتكاثر الملل والنحل السياسية والأيديولوجية والدينية، بدأت اللغة العربية في تونس تتعرض مجددا إلى المسخ والتشويه. والذين يقومون بذلك هم أبناء البلد من الإعلاميين والسياسيين بالخصوص. ويتمثل المسخ والتشويه في الإكثار من استعمال كلمات فرنسية في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي مجال الإعلانات أيضا. وبسبب ذلك، انتشرت بين التونسيين لغة هجينة لا هي بالعربية الفصيحة، ولا بالدارجة، ولا بالفرنسية، بل هي مزيج من اللغات الثلاث. وكل هذا يتم باسم الديمقراطية وحرية التعبير!

    والغريب في الأمر أن المؤسسات التربوية، ونقابات التعليم تبدو غافلة عن هذه المعضلة اللغوية، وتجاهها لا تظهر أدنى اهتمام. بل قد تساهم في تغذيتها بطرق مباشرة أو غير مباشرة لتصبح واقعا لا يمكن الخلاص منه. وإذا ما تواصل الأمر على هذه الصورة، فإن الأجيال القادمة ستكون ضحية هذه اللغة الهجينة التي لا تصلح لا للأدب ولا للشعر ولا للفكر، بل فقط للثرثرة الفارغة والمملة. وعندما يُجرّد شعبٌ من لغته ومن ثقافته ومن أصالته، فإن هذا لا يعني سوى الحكم عليه بالإعدام كما قال ميلان كونديرا.






    المصدر


  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    الكاتب التونسي حسونة المصباحي
    من موقع ديوان العرب :
    حوارمع

    الكاتب التونسي حسونة المصباحي
    السبت ظ¢ آب (أغسطس) ظ¢ظ*ظ،ظ¤، بقلم عبده حقي

    من بين أشهرالكتاب العرب أصدقاء المغرب الكاتب والصحفي التونسي حسونة المصباحي ، الذي لايركب الطائرة لمغادرة بلده الثاني حتى ليكاد يعود في نفس الطائرة إليه .. وهومن أغزرالكتاب التونسيين عطاءا وشغبا . صدرت له العديد من الكتب مجموعات قصصية مثل «حكاية جنون ابنة عمي هنية» تونس 1986، (جائزة القصة- وزارة الثقافة التونسية)، «ليلة الغرباء» تونس 1997، «السلحفاة» دار جلجامش باريس 1997، طبعة ثانية عن الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 2000. - أصدرخمس روايات هي: «هلوسات ترشيش» دار توبقال، المغرب 1995، «الآخرون» دار تبرالزمان، تونس 1998، «وداعا روزالي» دار الجمل، ألمانيا 2001، «نواره الدفلى» الدار المتوسطية للنشر، تونس 2004، «حكاية تونسية» عن دار كليم للنشر في دبي 2008 وترجمت أعماله إلى اللغة الألمانية، وفازت «هلوسات ترشيش» بجائزة Toucan لأفضل كتاب للعام 2000 في مدينة ميونيخ كما اختيرت قصته «السلحفاة» التي نشرتها مجلة «بانيبال» بالإنكليزية، في القائمة القصيرة لجائزة «كين» للأدب الأفريقي وعن جديده من الإصدارات في الآونة الأخيرة وقضايا ثقافية أخرى يدورحوارنا التالي :

    س : كيف حالك وحال تونس بعد الثورة ؟

    ج : تونس تغرق في الدم بسبب الغنوشي وعصابته نعم هذه مأساة كبيرة .

    س : طبعا العالم العربي كله مع الأسف يغرق في الدم ، هل ستحضر مهرجان أصيلة هذا الصيف ؟

    ج : لم أتلق أية دعوة هذا العام .

    س : طيب ما جديدك في عالم النشر؟

    ج : هناك الكثيرمن الإصدارات .

    س : إذن ماهو آخر إصداراتك ؟

    ج : عندي رواية ومجموعة قصصية وكتاب عن جيمس جويس ويوميات وكتاب عن كبار الشعراء في القرن العشرين ورسائل الى أصدقاء بعيدين وفلاسفة ومفكرون من خلال سيرهم .

    س : وماهو عنوان عملك الروائي ؟

    ج : عنوان روايتي "أشواك وياسمين" أما مجموعتي القصصية فعنوانها "هذيان في الصحراء ."

    س : هل تدورأحداثها حول ثورة الياسمين في تونس ؟

    ج : حول فصول من تاريخ تونس بما في ذلك كذبة ثورة الياسمين .

    س : بمعنى أن ما يسمى بالربيع العربي عموما ليس إلا كذبة تاريخية تونسية وعربية كبيرة ؟

    ج : هكذا أنا أراه وهكذا رأيته منذ بداياته .

    س : طيب أين إذن يكمن سبب هذه الكذبة وفشل الثورات العربية ؟

    ج : يكمن في تغلغل الإسلام السياسي الرجعي والجهادي في قسم كبير من المجتمعات العربية وفي فشل القوى الاخرى في أن تكون لها قاعدة شعبية عريضة وواعية بمعنى الديمقراطية والحرية .

    س : لكن كما هو معروف القوى الديموقراطية في العالم العربي فرض عليها حصاررمزي ومادي بكل أشكاله ؟

    ج : على أية حال اليسار عندنا غبي الى درجة لا تتصور.

    س : هذا كلام خطيريهدم كل الإرث النضالي لليسارالعربي الذي دفع الثمن باهضا على سبيل المثال في المغرب .؟

    ج : أنا اتحدث عن اليسارالتونسي .

    س : اليسار في تونس فاقد لتاريخ المحاككة مع النظام فكيف سيصنع قواعده النضالية من غيابه وتغييبه القسري ؟

    ج : هذا يتطلب كلاما طويلا وأنا أعلم بتاريخ هذا اليسار الفاسد والجاهل منذ زمن طويل .

    س : طيب كيف هو حال الرواية في تونس اليوم ؟

    ج : أنا اكتب وما يعنيني هو حال تونس راهنا .

    س : لابأس ، باعتبارك مثقفا وإعلاميا تونسيا مقيما بالخارج كيف يتفاعل المتلقي الغربي مع الإبداعات الأدبية العربية في المهجر؟

    ج : لا يعنى بها الا فئة قليلة.

    س : لنعد إلى إصداراتك الأخيرة حدثنا عن موضوع كتابك الذي أفردته لجيمس جويس ؟

    ج : هذا كتاب أرسم من خلال فصوله حياة جيمس جويس في منافيه أي في ترياست الايطالية وزيورخ السويسرية وباريس وعنوان الكتاب هو: "جيمس جويس في منافيه"

    س : جميل من تقصد في إصدارك الآخرعن الأصدقاء البعيدين هل هوعمل نوستالجيا أم إحياء لعلاقات حميمية مع مثقفين في قارات أخرى ؟

    ج : الكتاب عبارة عن نصوص أدبية مكتوبة بنفس شعري وجميعها من وحي علاقتي بشعراء وكتاب ورسامين وفنانين عرب وتونسيين .

    س : من دون شك أن علاقاتك بالكتاب والمثقفين في المغرب قد نالت حظا وافرا في هذا الإصدار؟

    ج : بطبيعة الحال فالمغرب يمثل بالنسبة لي فضاء ثقافيا وروحيا في غاية ألأهمية ، وأصدقائي المغاربة لهم دائما مكان في جلّ ما كتبت الى حد هذه الساعة .

    س : طبعا أنت من الأسماء المحبوبة ومن الأيقونات الثقافية العربية المشهورة في المغرب وخصوصا في مدينة أصيلا كيف تنظربعين المثقف العربي المغترب للثقافة المغربية بشكل عام.؟

    ج : لقد أعطت الثقافة المغربية الكثير للثقافة العربية خلال القرن العشرين في جميع المجالات:الرواية،القصة القصيرة،الفنون التشكيلية في الفلسفة،والفكرالاجتماعي والدراسات الاجتماعية والفكرالتاريخي والنقد في جميع جوانبه .

    س : ألا ترى أن النظام في المغرب إستطاع أن يستوعب الحركية الثقافية بشكل عام بذكاء مقارنة مع دول ديكتاتورية أخرى ؟

    ج : لست معنيا بهذا السؤال ، ما يعنيني هو الثقافة المغربية التي آستفدت منها كثيرا .

    س : طيب وماذا عن كتابك "كبارالشعراء في القرن العشرين" ؟

    ج : في عملي في الصحافة ،اهتممت بسير شعراء كبار من القرن العشرين ومن ثقافات مختلفة من أمثال التركي ناظم حكمت والاسباني رافئيل البرتي والمكسيكي اوكتافيو باث والفرنسي أندريه بروتون والروسي باسترناك والالماني غتوفريد بن وآخرين ..وسيصدر هذا الكتاب ضمن سلسلة مجلة دبي الثقافية .

    س : ومن هم أسماء الشعراء العرب الذين يتضمنهم هذا الإصدار ربما هناك من دون شك أدونيس ومحمود درويش وآخرون أليس كذلك ؟

    ج : ستكون هذه الأسماء وأسماء أخرى في كتاب آخر.

    س : جميل كيف تنظر إلى أزمة النشر الورقي مع إنتشار الإنترنت والحوامل الإلكترونية التواصلية الذكية ؟

    ج : هذه مشكلة عالمية .

    س : لكن ألا ترى أن الحامل الورقي قد فقد رمزيته قليلا .. هناك كتب ومصنفات وروايات غربية وعربية مشهورة منشورة اليوم في مكتبات رقمية مثل بعض الروايات المصرية والروسية لنجيب محفوظ وتولستوي وغيرهما .. ألا يشعرك هذا ببعض المرارة ؟

    ج : طبعا لكن مأساة الكاتب والمبدع والفنان ليست جديدة ولها صورمختلفة .. تصورأن كاتبا مثلي يعيش من قلمه يجد نفسه في خوف دائم أمام متاعب الحياة ومتاعب الواقع الثقافي والسياسي وغير ذلك ، المسألة إذن ليست في أن يكون الكتاب ورقيا أوعلى الانترنيت ..المسألة أعمق من ذلك بالنسبة للكاتب العربي الذي يكتب من دون قراء ومن دون متابعة نقدية جادة وموضوعية ومن دون حماية كذلك ..إنه عار تماما أمام مأساته المريرة .

    س : أعدت مجلتنا الإلكترونية سابقا ملفا حول "الكاتب وسؤال التفرغ" في العالم العربي هل تتفق مع فكرة تمتيع الكتاب بالتفرغ ؟

    ج : نعم أنا أؤيد فكرة التفرغ ولكن الدول الغنية تمول المشاريع الفاسدة ولا تقبل مد الكاتب العربي بما يساعده على ضمان قوته اليومي إنها مأساة حقيقية والمافيات الثقافية تكاثرت بحيث لم نعد نستطيع التفريق بين الكاتب الجيد والكاتب الرديء

    س : إذن إلى هده الدرجة تصير مهنة الكتابة قدرا في العالم العربي ؟

    ج : نعم للأسف الشديد إلى هذه الدرجة .

    س : شكرا لك

    تعليق

    • عبدالله بنعلي
      عضو نشيط
      • Apr 2014
      • 6053

      #3
      حسونة المصباحي
      الإسم الكامل: حسونة المصباحي
      المعلومات الشخصية:
      الاسم الكامل: حسونة المصباحي
      مكان الولادة وتاريخها: العلا بولاية القيروان في عام 1950
      الجنسية: تونسي
      السيرة الحياتية:
      تلقى تعليمه الابتدائي بمسقط رأسه والثانوي بمدينة تونس، وحصل على شهادة ختم الدروس الترشيحية بمدينة تونس. تابع تعليمه العالي في مدرسة ترشيح الأساتذة المساعدين، وعمل بعد تخرجه من الجامعة أستاذًا للغة الفرنسية ثم فُصل عن عمله لأسباب سياسية في منتصف السبعينات من القرن الماضي. عمل كمراسل ومتعاون حر منذ مطلع الثمانينات مع الصحف والمجلات العربية المهاجرة؛ (الدستور)، و(الوطن العربي)، و(كل العرب)، و(الشرق الأوسط)، ومجلة (المجلة). استقر بمدينة ميونيخ بألمانيا من عام 1985 حتى عام 2004 حيث عمل سكرتير تحرير في مجلة (فكر وفن) الموجهة للعالم العربي. كتب في كبريات الصحف، والمجلات الألمانية مقالات ودراسات عن الثقافة العربية. يكتب المقالة، والقصة القصيرة، وأدب الرحلات، والرواية، وله مترجمات. عضو اتحاد الكتاب التونسيين.

      النتاج الروائي:
      • “هلوسات ترشيش”، 1995
      • “الآخرون”، 1998
      • “وداعا روزالي”، 2001
      • “نوارة الدفلى”، 2004
      • “حكاية تونسية”، 2008
      • “رماد الحياة”، 2011
      • “يتيم الدهر”، 2012
      • “أشواك وياسمين”، 2015

      النتاجات الأخرى:
      • “حكاية جنون ابنة عمي هنية” (قصص)، 1985
      • “ليلة الغرباء” (قصص)، 1997
      • “السلحفاة” (قصص)، 1997
      • “الأميرة الزرقاء” (قصص)، 2006
      • “يوميات ميونيخ 2001-2004″، 2008

      معلومات أخرى (جوائز، ندوات، استضافات.. إلخ):
      • جائزة وزارة الثقافة التونسيّة للقصّة القصيرة 1986 عن المجموعة القصصية “حكاية جنون ابنة عمي هنية”
      • فازت رواية “هلوسات ترشيش” بجائزة Toucan لأفضل كتاب للعام 2000 في مدينة ميونيخ
      • اختيرت قصته “السلحفاة” التي نشرتها مجلة (بانيبال) بالإنجليزية في القائمة القصيرة لجائزة كين للأدب الأفريقي
      • جائزة “محمد زفزاف” للرواية العربية لعام 2016 عن مجمل أعماله

      تعليق

      • عبدالله بنعلي
        عضو نشيط
        • Apr 2014
        • 6053

        #4
        جائزة محمد زفزاف للرواية العربية بعثت في نفسه الأمل
        حسونة المصباحي: أعيش بعيداً عن المافيات الثقافية

        حسونة المصباحي


        المصدر:
        أصيلة - إسماعيل حيدر
        التاريخ: 12 أغسطس 2016
        الحديث مع الروائي التونسي حسونة المصباحي، له نكهة خاصة، فإلى كونه روائياً وقاصاً، هو زميل في مهنة الصحافة، لذا تحسّ خلال الجلوس معه بدفء الحوار وشفافيته.

        اللقاء مع المصباحي جاء إثر تسلمه جائزة «محمد زفزاف للرواية العربية» في دورتها السادسة، خلال حفل ختام موسم أصيلة الثقافي الدولي الثامن والثلاثين قبل أسبوعين في مدينة أصيلة شمال المغرب. واختارت لجنة التحكيم المصباحي، لما تمثله كتاباته من تجربة فنية استثنائية، وحساسية سردية فريدة في حقل الكتابة الروائية العربية.

        وبالمناسبة ذاتها، أصدر منتدى أصيلة كتاباً بعنوان «حسونة المصباحي: سردية الهامش والمنـــفى»، أعده الناقد المغربي شرف الدين ماجدولين ورئيس لجنة التحكيم.

        في جلسة بمقهى مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، أبحرنا في عوالم المصباحي المتنوعة بين القصة والرواية وكتابة السيرة والعمل في الصحافة التي تحدث عنها بشغف المهني المحترف.

        خيبات المبدعين

        بداية، ما كان شعورك وأنت تتسلم جائزة محمد زفزاف للرواية العربية، و كيف تنظر إلى هذه اللحظة في مسيرتك؟

        أنا سعيد جداً لأنني أكرّم بتسليمي جائزة الروائي الراحل، وهو صديق عزيز تعرفت عليه عندما زرت المغرب في أوائل الثمانينيات، واستمرت صداقتنا حتى وفاته، وقد زرته في باريس حيث كان يعالج من مرض خبيث. وغني عن القول إن محمد زفزاف شكل منعرجاً في الكتابة المغربية، هو من الرواد في كتابة القصة واستحداث تقنيات جديدة في فن السرد الروائي.

        إنه من جيل محمد شكري وإدريس الخوري وغيرهما من الرواد المغاربة، لذا تغمرني الغبطة بأن أحصل على جائزة تحمل اسمه، وجاءت في فترة أشعر فيها بالخيبة مما أصاب بلدي، حيث الأوضاع سيئة جداً خصوصاً في المجال الأدبي، نعيش أزمة كبيرة، إذ أن هناك عدد كبير من المثقفين قضوا في السنوات الأخيرة بالسكتات القلبية والأمراض الخبيثة من جراء هذه الإحباطات..

        شعراء يعيشون المرارات ويموتون أمام أعيننا جراء الأوضاع الصعبة التي يعيشونها، وكثيرون منهم منكفئون على أنفسهم، لا يستطيعون أن يقدموا ما لديهم في المجال الإبداعي.. وعندما تأتيني هذه الجائزة في مثل هذه الظروف العسيرة، لا يسعني إلا أن أفرح بها، لأنها تبعث فيّ شعوراً بالأمل.

        كيف رأيت توصيف لجنة التحكيم لتجربتك لدى منحك الجائزة؟

        كان توصيفاً رائعاً، لأنه كان ملماً بتجربتي الروائية ومناخاتي المختلفة في الكتابة، إذ لا يقتصر اشتغالي على نوع محدد من الأدب، فأنا أكتب التحقيقات الأدبية من خلال مهنتي الصحافية..

        وأكتب السيرة، ومنها سيرة بورقيبة الذي كان أكثر الكتب مبيعاً في تونس لدى صدوره عام 2012. وسيرة القديس أغسطين، كما كتبت القصة القصيرة والدراسات النقدية عن العديد من الشعراء والمبدعين العرب والأجانب، وتناولت المناخ الريفي والخاص وسيرة جيلي في أعمالي القصصية والروائية.

        سلاح القلم

        أنت مستغرق منذ 40 عاماً في عالم الكتابة، وما الذي تمثله في حياتك؟

        هي مصدر للاستمرار في الحياة، فقد عشت في المنفى الاختياري في ميونيخ بألمانيا، وأناضل من أجل الحصول على خبزي اليومي..

        لا سلاح مادي لدي ولا دخل إلا قلمي، وستجعلني هذه الجائزة أطمئن إلى حد ما لمواصلة الكتابة والقراءة والوحدة، فأنا إنسان أعيش الوحدة بعيداً عن الحلقات الأدبية والملل وما يسمى بالمافيات الثقافية.. وأتمسك بوحدتي وقلمي الذي دأبت عليه منذ أربعين عاماً.

        مسيرة حافلة

        شعلة البداية، كيف تصفها، ومن أي الهواجس أتيت إلى الكتابة؟

        بدأت مسيرتي الأدبية بمجموعة قصصية بعنوان «حكاية جنون ابنة عمي هنية» وهي عن الريف وأجوائه في القيروان، حيث أنحدر من تلك البيئة، التي جعلتني شغوفاً بالكتابة عن الخاص في العيش.. ثم كتبت عن سيرة جيلي في «هلوسات ترشيش» أولى رواياتي، وجيلي هو جيل السبعينيات الذي كان يسارياً ومتعاطفاً مع قضايا الشعوب..

        لكن شيئاً فشيئاً بدأت الأحلام تنهار، وأنا من ضمن الذين شعروا أن كل الذي عشناه كان أوهاماً بأوهام.. لذلك تخليت عن العمل السياسي ووجدت في الكتابة والقراءة والفن ملاذي وملجئي.. لأنني كنت مريضاً بالإيديولوجيات التي هي مجرد وهم، لأنك فجأة تستيقظ وتجد أن كل ما حلمت به كان سراباً ومجرد نظريات.

        علاج روحي

        كانت الكتابة إذاً بمثابة علاج للروح المنكسرة والنفس المحبطة؟

        كتبت روايتي «هلوسات ترشيش» عن جيلي الضائع، جيل الأوهام والأحلام المنكسرة.. كانت علاجاً روحياً بكل ما للكلمة من معنى، وهي الأولى التي تؤرخ لذلك الجيل ومعاناته.. وقراءة الواقع التونسي عن كثب..

        فقد أشرت فيها إلى تراجع وانكسارات اليساريين وصعود المتشددين، ثم كتبت «الآخرون» التي تتحدث عن ناس يعيشون في منافي عدة ويروون عذاباتهم وهم على أرصفة المدن. ثم كتبت «وداعاً روزالي» وهي رواية تخيلية ولدت فكرتها في طنجة عن ذلك الذي يعيش بين الشرق والغرب، يقول البطل وهو في عرض البحر: «في النهاية، أرى أن الشرق طردني وأن الغرب يرفضني».. إنه معلق بين الـ«هنا وهناك».

        وحدتي تحميني

        تقول إنك تعيش الوحدة بينما أنت غارق في أوضاع البلاد، برؤيتك وأفكارك، ألا يشكل ذلك تناقضاً مع ما قلته في إجابة سابقة؟

        لا يتناقض أبداً، قلت إنني أعيش بعيداً عن الحلقات والملل الثقافية، وليس الناس والواقع.. فأنا أعيش في قلب الواقع، ويومياً أحس بنبضات هذا الواقع كما أحس بنبضات قلبي، وأنا حين أسافر في تونس أتنقل بوسائل النقل العام أسمع الناس وأدخل الأسواق..

        ووحدتي تحميني، فأنا أسمع أرى وأحس وأحلل ما يجري بنفسي.. بعيداً عن تأثيرات الأحزاب والتنظيمات والمثقفين السلبيين الذين أخشاهم.

        الصحافة والأدب

        أخيراً، بين القصة والرواية والتحقيق الصحافي والسيرة، أين تجد قدرتك في التعبير أكثر، وتوصل رؤاك بشكل جليّ، وما الذي يترك أثره في طقوسك الحياتية والإبداعية؟

        أجد نفسي في كل هذه المجالات، وأرى أن الصحافة أفادتني كثيراً، كتّاب كبار اعترفوا أنهم يعملون في الصحف، ماركيز وفارغاس يوسا وغيرهم من الكتاب الأجانب والعرب كانوا صحافيين.. الصحافة تجعلك تطوّع اللغة أكثر.. تصبح اللغة ممارسة يومية، وليس كالأكاديمي الذي يتعامل معها كأنها شيء مغلق عليه في خزانة.. في الصحافة، اللغة تصبح حبيبتك التي لا يمكنك الابتعاد عنها..

        من خلال التحقيقات اكتشفت عوالم جديدة قرّبتني من الواقع، اكتشفت العالم ومناخات أخرى.. وأنا معجب بالسينما لذا ترى الصورة والمشهد المرئي في روايتي.. وأجمل أوقاتي أمضيها في مشاهدة الأفلام ومتأثر بالكثير منها. السينما وكذلك المسرح والموسيقى تعادل تأثير الكتب في نفسي..

        كان صديقي الكاتب الراحل محمد شكري يقول لي: «إذا لم أسمع الموسيقى أخرج عن طوري».. وأنا أيضاً، خلال غربتي الألمانية، كنت أحن إلى بلدي وأستمع إلى «المالوف» التونسي الشعبي وأغنيات الرواد، وتنهمر الدموع من عيني، ولست أدري لماذا!

        جائزة

        تعد جائزة «محمد زفزاف للرواية العربية» إحدى أهم الجوائز العربية، التي تمنحها مؤسسة منتدى أصيلة كل سنتين خلال موسم أصيلة الثقافي الدولي، والمصباحي هو الفائز السادس بها، بعد الطيب صالح، وإبراهيم الكوني، ومبارك ربيع، وحنا مينة، وسحر خليفة، وهي أسماء تنتمي إلى أجيال وتجارب سردية مختلفة، وإلى بلدان عربية تغطي المشرق والمغرب العربيين.

        سيرة

        حسونة المصباحي روائي وقاص ومترجم وصحافي من مواليد قرية الذهبيات في ريف القيروان عام 1950. صدرت له: «حكاية جنون ابنة عمي هنية»- (1986)، «هلوسات ترشيش»- (1995)، «ليلة الغرباء»- (1997)، «السلحفاة»- (1997)، «الآخرون»- (1998)،«وداعاً روزالي»- (2001)، «نوارة الدفلى» - (2004)، «حكاية تونسية»- (2008)،«يوميات ميونيخ 2001- 2004»- (2008)، «يتيم الدهر»- (2012).

        «أشواك وياسمين».. عودة إلى التاريخ لرؤية مرارة الواقع

        تعكس أحداث رواية حسونة المصباحي «أشواك وياسمين» التي صدرت عام 2015، مراحل مختلفة من تاريخ تونس، ولكنها جاءت في أجواء تداعيات ما حدث بعد انهيار نظام الرئيس زين العابدين بن علي.

        يقول مؤلف الرواية: الفساد لم يكن مقتصراً على فترة حكم بن علي أو بورقيبة أو غيرهما فهو متأصل في التاريخ التونسي.. كل الناس اعتبروا أن الحقبة تلك هي الوحيدة، بينما عدت إلى التاريخ، لأنني أعتبر الكاتب ضمير شعبه، وعليه أن يكشف المخبوء والمتستر عنه. ويضيف: كثيرون ظنوا أن سقوط بن علي هو ثورة الحرية والكرامة والياسمين..

        ولم يكن ذلك دقيقاً، وبدأ الحماس ينهار.. وبدأت الأشواك تظهر: العنف، السلفية، الإحباط والانهيار الاقتصادي جعل الناس ينظرون إلى الواقع بعين الريبة والإحباط، قلت للناس انتبهوا أن هناك الأشواك إلى جانب الياسمين.. كان عليهم أن ينتظروا طويلاً قبل أن يحصلوا على الياسمين. كان سقوط نظام وليس ثورة، واستغلته أحزاب من مختلف الأشكال، وخصوصاً الإسلاميين واليساريين».

        في «أشواك وياسمين»، يعود المصباحي إلى التاريخ، لكي يقول إن الفساد، الذي قامت الاحتجاجات ضده لم يقع فقط في عهد بن علي، بل في فترات مختلفة من تاريخ تونس أيام الاحتلال الفرنسي وما تلاه من استبداد وفساد وتطرف ديني.

        وظّف المصباحي السياق التاريخي بأسلوب فريد بتقديم صورة مفصلة عن تونس، وقرأ تاريخ بلده انطلاقاً من الأحداث، التي أسقطت نظام بن علي، ليفصّل ويكشف ما هو مجهول عبر شخصيات وأحداث..

        بينما اعتمد على تقنية خاصة، إذ راح يكتب الرواية خلال تنقله بين عواصم وبلدان، تونس وألمانيا وبراغ ولوس أنجليس، حيث أقام هناك في العام 2012. في كل واحد من هذه الأمكنة، كتب المصباحي فصلاً حتى يعرف القارئ أين هو وكيف ينظر إلى الأحداث.

        تقنية تتحدى التكرار

        زار المصباحي الدار البيضاء، وتخيّل ظهور البوعزيزي، الذي كان سبباً في هذه الانتفاضة بعدما أحرق نفسه، ليحكي قصة حياته الأخرى، لافتاً إلى أنه عندما فعل بنفسه ما فعل لم يفكر في القيام بثورة ضد النظام، وإنما كان يومها في حالة غضب وأضرم النار في جسده.

        وفي لوس أنجليس، روى عن الفتن الدينية، مشيراً إلى المكان، الذي كتب منه. ومن خلال هذه التقنية في الكتابة، أراد الكاتب أن يتحدى النماذج المكررة، التي نجدها في أغلب الروايات العربية، إذ ليس مهماً فقط الأحداث المرويّة، بل ينبغي التركيز على اللغة والتقنية والبنية.

        في رواية «أشواك وياسمين» ثمة شيء أساسي، فرغم كثرة الأحداث والأمكنة والتنقل بين الأزمنة، لا يمل القارئ، لعلها خاصية التشويق في السرد الروائي.

        تعليق

        يعمل...