92-عالم ورأي-د.رائد عكاشة،ورأيه في: أهمية العمل المؤسسي في بناء السياسة اللغوية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.مصطفى يوسف
    عضو نشيط
    • Oct 2016
    • 7757

    #1

    92-عالم ورأي-د.رائد عكاشة،ورأيه في: أهمية العمل المؤسسي في بناء السياسة اللغوية

    سلسلة (عالم ورأي)
    تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

    92-الدكتور رائد جميل عكاشة-أستاذ النقد القديم، المستشار الأكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ورأيه في: أهمية المؤسسة والعمل المؤسسي في بناء السياسة اللغوية:
    إن مفهوم ديمومة الأفكار ونجاعتها مرتبط بقدرة الحاضن على تفعيل هذه الأفكار، ونقلها من الذاتية والفردية المتصلة بالتفكير الأحادي إلى الجماعية والمؤسسية، فكم من أفكار قيِّمة ماتت بموت صاحبها أو تلامذته؟! وكم من مدارس فكرية واقتصادية وسياسية لم تجد استمرارية لها؛ لأنها ارتبطت بأفرادها لا بمؤسساتها!
    ومن يستقرئ التاريخ الإنساني ويتفحصه، يجد أن للمؤسسات دورًا كبيرًا في نقل الأفكار من المخزون الذاتي للفرد إلى التحلي المجتمعي، ومن القصور في الأداء إلى فعل الإنجاز، ومن الارتباك في اتخاذ القرارات إلى الثقة في التخطيط والتنظيم والتنفيذ، ومن الارتجالية إلى التنظيمية، ومن سكون الفكرة إلى حركيتها، ومن قوتها إلى فعلها. وهذا يدل على القدرة الكبيرة في تنظيم الفكرة وبلورتها وإدارتها وتكييفها؛ لتتسق مع روح العصر وضروراته. والحضارات في معظم دوراتها الحضارية لا تلتفت إلى دور الفرد إلا في إطاره الجمعي، وفي دوره داخل المؤسسة بما يحدثه من تفاعل مع غيره ومع بيئته.
    ليس الهدف من الدراسة أن تتناول التعريف الإجرائي أو الإداري للمؤسسة، أو البحث في التصميم الفني لمفهوم المؤسسة، ولكن يمكن التعامل مع المؤسسة ضمن إطارها الفكري والمعرفي والثقافي، فهي ليست أبنية وأشكالًا صمّاء، تأخذ ماهيتها وهويتها من علامتها التجارية أو إنتاجها، ولكنها علاقة تفاعل بين الفرد والفرد، والفرد والفكرة، والفكرة والمجتمع. وفيها يبرز مفهوم الدور الذي يشير إلى تصور جماعي اجتماعي، وهذا التصور الجماعي الاجتماعي يبرز مفهومًا آخر على درجة كبيرة من الأهمية، وهذا مفهوم الأداء، الذي يشير إلى تفاعل داخلي بين أفراد المؤسسة، وتفاعل خارجي مع البيئة بمفهومها الواسع.
    وبناءً عليه تغدو المؤسسة معبِّرة عن مخيلات الأفراد الذين ينتمون إليها، فتقوم على إعادة تشكيل الصور الذهنية التي يصوغها الفرد تجاه ذاته وتجاه عالمه؛ وبذلك تكون المؤسسة معبرة عن هوية صاحبها. وهي تمثل خطابًا واحدًا قد يكون لهوية واحدة وقد يكون لهويات متعددة، خاصة في تلك المؤسسات التي تتجاذبها تنوعات فكرية ومعرفية، إلا أنها تلتقي في قيمة مركزية واحدة، ويسيِّرها خيط ناظم. وتصبح المؤسسة بذلك عاملًا مهمًّا في تشكيل الشخصية، لا سيما تلك المؤسسات التي تُعنى ببناء الفرد فكريًّا ومعرفيًّا وتربويًّا وسلوكيًّا ووجدانيًّا وقيميًّا...، مثل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، والتعليم والتربية.
    إن العلاقة بين المؤسسة والأفكار علاقة وطيدة وتبادلية؛ إذ إن المؤسسة تقوم على أفكار ورؤى واضحة، تمثل الأفكار الإطار النظري والمعنوي للمؤسسة، بما يمثل ثقافة المؤسسة التي هي مجموعة من الأفكار والقيم والمفاهيم التي يؤمن بها العاملون. وتقوم المؤسسة من خلال جهازها الإداري والفني بنقل هذه الأفكار إلى المجتمع من خلال الوسائط المتعددة. وتستطيع المؤسسة أن تطوِّر الأفكار، من خلال دراسة الماضي الممثَّل في التجارب التي مرَّت بها على المؤسسة، والتفاعل مع الحاضر بوصفه الواقع الآني الذي يحتاج إلى تفعيل، واستشراف المستقبل بوصفه الأفق الممتد لأية فكرة؛ إذ إن صناعة الأفكار تحتاج إلى مدى زمني طويل نسبيًّا لقطف نتاجها. وبذلك تنقل المؤسسة الأفكار من عالم المؤسسة إلى مؤسسة العالم؛ أي إلى خارج محيط الذات.
    تمثِّل البيئة المؤسسية –الداخلية والخارجية- عنصرًا مهمًّا في إنجاح أفكار المؤسسة؛ لذلك لا بدّ من دراسة البيئة المؤسسية وتفحّصها، وتكييفها بما ينسجم مع أفكار المؤسسة وأهدافها. وينبغي لأي دارس يدرس تجربة مؤسسة أو التعرف على ماهيتها، أن يسأل السؤالين الآتيين: هل المؤسسة نتاج البيئة؟ وهل بالضرورة أن تقوم المؤسسة بتغيير البيئة المحيطة بها؟
    قد يكون من الصعب الإجابة عن السؤال الأول؛ إذ إننا في عالم العولمة لا نستطيع تصنيف المؤسسات بناءً على جغرافيتها، فثمة انتماء إلى ما هو أعمق من الجغرافيا مثل: الدين، والاقتصاد، والأفكار الاجتماعية، والرياضية.... ولكن في المؤسسات المحلية نستطيع القول إنها نتاج الخصوصية المحلية؛ إذ إنها تهدف إلى سد حاجة المجتمع، وتحقيق تطلعاته.
    أما الإجابة على السؤال الثاني المتعلق بهمّ المؤسسة في تغيير البيئة المحيطة بها، فإن هذا واجب أدبي وأخلاقي، فضلًا عن كونه واجبًا حقوقيًا مرتبطًا بعلاقة تعاقدية بين المؤسسة والمجتمع؛ فالمؤسسة بشكل عام، والمؤسسات الثقافية والفكرية بشكل خاص، تنطلق من أطر ثلاثة تحدِّد رؤيتها ومسيرتها: صورة واضحة ومدركة للعالم، فيما يُسمَّى بالرؤية الكلية؛ أي رؤية المؤسسة للإنسان وللكون وللخالق، والتلاؤم والتكيّف مع المحيط، ومحاولة تكييف المحيط مع ما ينسجم مع أفكار المؤسسة.
    يُعد التخطيط رُكنًا مهمًّا من أركان المؤسسة وصناعة الأفكار فيها، فهو يُحدِّد الأهداف، ويضع السياسات، وطرق العمل، وإجراءات التنفيذ، والتنبؤ الجيد لتقليل الأخطاء، وتحديد الزمن والميزانية... والتخطيط بهذا التوصيف دليل واضح على العقل المنظَّم، الذي يبتعد عن العفوية والارتجالية في اتخاذ القرارات.
    ولكي يؤدي التخطيط دوره الفاعل في عمل المؤسسة، ينبغي أن يكون مرنًا؛ إذ يأخذ بعين الاعتبار تقلّب الظروف واختلافها، وبروز العوائق والتغيرات الطارئة، وأن تعي المؤسسة الخطط قصيرة المدى أو متوسطته أو بعيدته.
    إن الديمومة (النسبية) التي تمنحها المؤسسة للأفكار والمشاريع في بعض المؤسسات العربية اليوم، تُعدّ معلمًا جيدًا في أهمية تشكيل الوعي اليقظ بمكونات الهوية من جهة، وبكل ما يعمل على محاولة نسفها من جهة أخرى، لا سيما أننا نمرّ اليوم بمرحلة نستطيع القول فيها إننا قادرون على تحديد تصوّر واضح عن طبيعة العلاقة بين العمل الفردي والعمل الجماعي، وبين التخلف والإبداع.
    والمؤسسة بذلك تمارس دورها الطبيعي في تفكيك المنظومة السائدة، وتفحّص مقوماتها ومناقبها ومثالبها، والعمل في الوقت ذاته على تأسيس منظومة مجتمعية صالحة للارتقاء بمجتمع المؤسسة؛ لذلك تتحمل المؤسسات الثقافية والفكرية واللغوية مسؤوليتين كبيرتين: أولاهما: المسؤولية الثقافية من خلال استيعاب ثقافة الأمة، وتمحيص غثّها من سمينها، وتجاوز ذلك بتحديث الثقافة وأخذ ما يلائم ثقافة المجتمع، فهي تقدم ثقافة واعية وواقعية، ليست مغتربة عن أبناء المجتمع. وثانيهما: المسؤولية الاجتماعية من خلال تفعيل الطاقات المجتمعية تجاه أفكار المؤسسة، والتعبير عن ضمير المجتمع، وتقريب المسافة بين المنشود والموجود.
    يُفترض في المؤسسات الثقافية والفكرية واللغوية– وهي تخطُّ معالم السياسة اللغوية– أن تعبِّر عن هوية المجتمع إن كان محليًّا، والأمة إن كان عالميًّا، ويتطلب ذلك أن تكون مرجعية هذه المؤسسات متسقة مع هوية المجتمع. قد يعاني الخطاب الثقافي واللغوي لهذه المؤسسات من خلل ما أثناء تشكّله ومسيرته؛ ولهذا أسباب متنوعة: داخلية وخارجية؛ ذاتية وموضوعية؛ لحظية وتراكمية... إلخ. وقد عمل هذا الخلل على عدم وضوح هوية المجتمع وماهيته، وإلى حدوث الارتباك الثقافي (واللغة أبرز التشكلات الثقافية). ولعل من أهم أسباب هذا الارتباك عدم تحديد مرجعية الخطاب الثقافي والفكري واللغوي للمؤسسة، لا سيما في ظل صراع قيمي ثقافي، سُخّرت له أحدث التقنيات، فغدا الخطاب الثقافي لعدد غير قليل من المؤسسات الثقافية والفكرية، صدًى لغيره من الخطابات الثقافية والمعرفية المركزية (أوروبا وأمريكا)، على الرغم من اختلاف بنية النظام المعرفي لكل ثقافة.
    وفي خطابنا الثقافي، المتسق مع هوية الأمة، ثمة نظام معرفي واضح يحدد الرؤية الكلية لأبناء الثقافة العربية الإسلامية، وتنعكس معالم هذا النظام المعرفي على مجالات الحياة كلها، وهذا كان له دور كبير في المحافظة على تماسك الأمة والمجتمع، وإبقاء هويتها واضحة المعالم على مر العصور، فلا إملاءات ثقافية ومعرفية وسياسية واقتصادية واجتماعية...، تتعارض مع هوية المجتمع.
    المصدر: السياسة اللغوية ودورها في النهوض باللغة العربية، بحث مقدم إلى مؤتمر: اللغة العربية وتحديات البقاء، ص 245-248. (بتصرف).
    إعداد: د.مصطفى يوسف






    التعديل الأخير تم بواسطة د.مصطفى يوسف; الساعة 11-30-2018, 05:28 PM.
يعمل...