محنةُ أقسام اللغة العربيّة وآدابها ببعض الجامعات العربية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #1

    محنةُ أقسام اللغة العربيّة وآدابها ببعض الجامعات العربية

    محنةُ اللغة العربيّة في أقسامها، ببعض الجامعاتِ العربيّةِ: أقسامُ اللغةِ العربيّة بالمَغربِ، أنموذجاً:
    من سياسةِ الأبواب المَفْتوحَة إلى سياسَة الأبواب المَكْسورَة.

    أصبَحَت أقْسامُ اللّغةِ العربيّة وآدابِها بجامعاتِ المغرب ملجأ لكلّ مُتبَقٍّ من الطّلاّبِ الذينَ لم تَقْبَلْهُم أقسامٌ أخرى كأقسامِ اللغاتِ الأجنبيّة،
    فألقيَ بهؤلاءِ في مَصبّ غيرِ المَقْبولينَ في لَوائحِ التّسجيلِ الجامعيّ، لتتلقّفَه أقسام اللغة العربيّة بالأحضانِ، لقد دأبَت بعضُ أقْسامِ كلياتِ
    الآدابِ التي تحترِمُ لُغاتها وموادَّها العلميّةَ، على إجراء انتقاء للطّلاّب الرّاغبين في التسجيل فيها، فاشترطَت عليهم حداً أدنى من الدّرجات
    لا ينزلُ عن اثنَتَيْ عشرَةَ درجةً من عِشْرين، ناهيكَ عن إجراءِ اختبارٍ سمعيّ بصريّ يُثبتُ كفاءةَ الطّالبِ في المُواكَبَة، فإن انتَفَت هذه الشّروطُ
    ألقيَ بِالطّالبِ إلى قسمِ اللغة العربية وآدابِها، فأمّا الأقسامُ الأجنبيّةُ وقسمُ الفلسفَة وعلم الاجتماع فقد اشتغَلَت في ظروفٍ حَسَنَة مُريحَة،
    لأنّها فَتَحَت سَنَةً جامعيّةً على طلاّبٍ ذوي كفاءةٍ واستعدادٍ للتلقّي والمُتابَعَة من أوّل سنةٍ جامعيّةٍ إلى ما بعدَ الإجازة... أمّا أقْسامُ اللغة العربيّة
    ذاتِ الأبواب المَكْسورةِ فقَد واجهَت جيشاً عَرمرماً اجتمَعَ فيه مَن هبَّ ودبَّ من المتوسّطينَ والأمّيّينَ والمترسّبينَ والمنسوبينَ قسراً وإكراهاً إلى
    التّعليم، وقُذِفَ بهذه الجَحافلِ إلى عدد قَليلٍ من الأساتيذِ «ليُدرِّسوهم»، وحُشروا في مدرّجٍ لا يَكادُ يستوعبُهم فتجدُهم يجلسُ بعضُهم فوقَ بعضٍ
    ويدخلُ بعضُهم في بعضٍ، أمّا إذا همَسَ كلّ واحدٍ بصوتٍ خافتٍ، فكأنّك في سوقٍ عالميّةٍ أو في حلبَةِ صراعٍ أو في هَيْجاءَ من غيْرِ سلاحٍ، ويلزَمُ
    الأستاذَ عندَ بدْءِ كلِّ درسٍ ربعُ السّاعةِ أو ثُلُثُها لإسكاتهم؛ فلا يكادونَ يسكتونَ حتّى يطرأ في المدرّج ما يُثيرُ الضّجيجَ ويستفزُّ الأعصابَ ويُقطّعُ
    أوتارَ الحُنجرَة، وتظلُّ الدّروسُ حاميةَ الوطيسِ طيلةَ الفصلِ كلّه، وكأنّ أساتيذ القسمِ يُعاقَبون على مُعانَقَةِ هذا الجَحْفَل العَرِمِ، من غيرِ انتقاءٍ ولا قيدٍ،
    وقد أمِنَ كثيرٌ ممّن مَن سُجّلَ في القسمِ الهَرِمِ المهترئ، على نفسِه وعلى رُجحانِ نجاحِه بالطّرُق المختلفةِ التي أدناها غشٌّ في المُراقَباتِ
    والامتحاناتِ وأعلاها تملُّقٌ للمُمْتَحِنينَ الذين ابْتُلوا بحملِ أوزارٍ وأعباءٍ من تلقينِ طلاّبٍ لا يُبالونَ بما يُلْقى عليهِم. لقَد بَشَّرَت الوزارةُ الرأيَ العامَّ
    الوطنيَّ بأنّ «من حقّ كلّ تلميذٍ وتلميذَةٍ، حَاصلِينَ على شهادَة الباكالوريا، أن يَلْتحقوا بأقْسامِ كلّياتِ الآداب والعلوم الإنسانيّة، في سياقِ سياسَة
    الأبوابِ المَفْتوحَة»، فبرهَنَت على أنّ وُلوجَ الكلياتِ والمَدارسِ الوطنيّةِ إنّما يحصلُ بمَعايير انتقاءٍ: انتقاء النّافعِ، للأقسام العلميّةِ واللغاتِ الأجنبيّةِ
    والمَدارسِ الوطنيّة للهندَسَة بفروعِها المُختلفةِ، وإهمالِ غيرِ النّافعِ ممّن لن يجدَ أمامَد إلاّ أقسامَ اللغةِ العربيّةِ وبعض الشُّعَبِ التي تُشاطرُها كثيراً
    من الموادّ كالدّراساتِ الإسلاميّةِ والتّاريخِ... ولا يَعرفُ خَطَرَ الأبوابِ المَكْسورةِ الذي يُداهمُ قسمَ العربيّة كلّ سنةٍ إلاّ مَن سيُواجهُ الأعدادَ المُخيفَةَ
    من التّلاميذِ المترسِّبينَ الذين لفظتْهُم الأقْسامُ الأخرى، وكأنّ قسمَ العربيّةِ ذلك الشّارعُ العريضُ الذي لا يأنَفُ من كثرةِ ما يخرُجُ إليه من المارّةِ وما
    يَموجُ فيه من كائناتٍ وأصواتٍ. أمّا المُصيبةُ الكبْرى والطّامّةُ العُظمى فهي عندَ الامتحانِ؛ فإذا كان الاختبارُ في القسمِ كتابياً فلا يُؤمَن الغشُّ، بل أصبحَ
    الغشُّ اليومَ العُملةَ الغالبةَ والسّوقَ الرّائجةَ، والتّجارَةَ الرّابحةَ، ثمّ يُقذفُ بأوراقِ الامتحانِ السّتّمائة أو السّبعمائّة في وَجه الأستاذِ ليُصحّحَ بضَاعَتَه التي
    رُدّت إليه بطرُقٍ لا تَخْلو من نقلٍ وغشّ في أغلبِ الأحوالِ. ولا يفرُغُ الأستاذُ من التَّصحيحِ حتّى يكونَ قد أصيبَ بأذى العيْنَيْن أو عَمى االحُروفِ جرّاءَ النّظرِ
    في خطوطٍ رديئةٍ خطتها أكفٌّ لا تميّزُ بين الأحرُفِ ولا تحسنُ قراءةً ولا كتابةً ولا إملاءً ولا تعبيراً، ويظلُّ المصحِّحُ يُصارعُ مَوجاتِ الإجاباتِ الغُثائيّةِ حتّى يكلّ
    بصرُه ويتقوسَ ظهرُه وينقبضَ صدرُه. أمّا إذا كانَ الاختبارُ شفويّاً فإنّ الامتحانَ سيمكثُ شهراً أو دونَ ذلكَ قليلاً أو فُويْقَه. و لاتَسَلْ عن الإجاباتِ الرديئة
    التي تَبْعثُ على الغثيانِ وتكشفُ عن سوءِ ما بشّرَت به الوزارَةُ وتقذفُ به الثانوياتُ من حممِ وكوارثَ إلى الجامعاتِ، ولا تستقرُّ هذه الأعدادُ بعدَ الانتقاءِ
    منها إلاّ في أقْسامِ اللغة العربيّةِ. كلّ هذا والوزارةُ آمنةٌ مطمئنّةٌ على قرارها الذي أصدرتْه، والإدارَةُ تتملَّصُ من كلّ مسؤوليّةٍ وتحتجُّ على الأساتيذِ بقرارِ
    الوزارةِ المُلزِمِ، وتجدُ بعدَ ذلِكَ، إداراتِ الجامعاتِ وكلَّ مَن لا يمتُّ إلى التّدريسِ وتحمُّلِ تبعاتِ الطّلاّبِ، فَرحينَ فَخورينَ بأعدادِ المتخرِّجينَ والأرقامِ، يتباهونَ
    بالأرقامِ المتعاليةِ التي تفوقُ أرقامَ غيرِهم من إدارات الجامعاتِ الأخرى.

    هذه أزمةُ أقسامِ اللغة العربيّة التي رَفَعَت شعارَ الرّداءَة في زَمَن رفَعَت فيه كثيرٌ من أقسامِ اللغاتِ الأجنبيّة شعارَ الجودَة والإتقانِ، لأنّها تَقيسُ بمَقاييسِ
    البُلدانِ الناطقةِ بتلك اللغاتِ، أمّا أقسامُ العربيّة فَتكيلُ بمكيال مهترئ متشقّقٍ، أو لا تتخذُ لها مكيالاً البتّةَ لأنّها دارٌ بلا بابٍ، فَمَن شاءَ دخلَ ومَن شاءَ انصرَفَ
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 08-06-2013, 11:35 AM.
يعمل...