الصّفاتُ الشَّخصيّةُ وأَثَرُها في تعلُّم اللُّغة العربيَّة للنَّاطِقينَ بِغَيرِها
(الانبساط والانطواء)
نور أحمد فؤاد سبانو
يتميّز بعض المُتعلّمين بسمات شخصيّة، قد يكون لها علاقة إيجابيّة أو سلبيّة بالتّعلّم، فما أثبتته الدّراسات الحديثة في مجال علم النّفس اللّغويّ[1] أنّ تعلّم اللغة الثانية يتحقّق من تفاعل عناصر ذات طبيعةٍ سيكولوجيةٍ ومعرفيةٍ، والتي تكون تحت سيطرة الصّفات الشخصية للمتعلّم”[2]. وشخصية المتعلّم يجب أن تكون عنصراً أساسياً في تعلّم أيّ لغة، كما يجب أن تكون عنصراً رئيسياً من عناصر أي نظريةٍ من نظريات تعلّم اللّغة الثانية[3]“. والمقصود بالشّخصيّة نظام العلاقات المفتوحة الذي يربط ما في داخل الفرد، مع المحيط الخارجي. ويقول (نوتن): ” الشخصيّة هي تفاعل النّفس مع العالم[4]“.
فالانبساط ويقابله الانطواء مثلًا عاملان مُهمّان في تعلّم اللّغة العربيَّة. وغالباً ما يساء فهم هذين المُصطلحين، بسبب الميل إلى تكوين رأي مُسبق وخاطئ عنهما، “فقد لوحظ أنّ منبسط الشّخصيّة أفضل من المنطوي على ذاته في تعلّم اللّغة الثّانية، لأنهُ أكثر تفاعلاً مع معلّميه، وزملائه، ومجتمع اللّغة الهدف، وأسرع استجابةً بحكم طبيعته وصفاته[5]“. لكنّ هذا لا يعني أنّ المُتعلّم المُنبسط الشّخصيّة أكثر قدرة على التّحصيل من المتعلّم المنطوي، ففي الوقت نفسه قد يظهر هذا المُتعلّم الهادئ المُتحفظ مشاركة وجدانيّة عاليّة، ولكنه يكون أكثر تحفظاً في التّعبير الظاهري عن تلك المشاركة. مع الأخذ بعين الاعتبار دور الأعراف الثّقافيّة وتأثيرها المُباشر في هذا الموضوع، فمن الواضح أنّ معايير التّفاعل اللّفظي تختلف كثيراً من ثقافة إلى أخرى، فما يبدو على أنه انطواء في ثقافة مثل الولايات المتّحدة الأمريكيّة، قد يُنظر إليه في اليابان أو كوريا على سبيل المثال على أنهّ احترام وتهذيب، فشخصيّة المُتعلّم الحقيقيّة قد تختلف عن شخصيّته أمام مُعلّمه نسبة إلى هذه المعايير، وهو ما يؤثر على تقييم المعلّم لسلبية مُتعلّميه. ومن هنا أصبح على مُعلّم العربيّة للنّاطقين بغيرها أن يتمتّع بحساسية للمعايير الثقافيّة المُختلفة، كما عليه أن يُقدّر أنماط المُشاركة الوجدانيّة للمُتعلّمين ورغبتهم في التّعبير والكلام داخل الفصل. والواقع أنّ العلاقة بين السّمات الشّخصيّة والمعايير الثّقافيّة وأساليب التّعليم، أمرُ مفيدٌ، ويستحق أن يعتبر جزءاً من الإعداد المهنيّ لمعلمي اللّغة العربيّة للنّاطقين بلغات أخرى. وفي الجدول أدناه مُحاولة لوصف المتعلّم المنفتح على العالم والمتعلّم المنطوي على ذاته:
المُتعلِّم المُنفتح على العالم
(Extrovertie)
المُتعلّم المُنطوي على ذاته
(Introvertie))
– يكون أكثر حيويّة وتفاعلاً مع أصدقائه في الصّفّ، على تنوّع مشاربهم واتّجاهاتهم، ولا يُحبُّ الجلوس وحيداً.
– يحب أن يكون في مركز وبؤرة اهتمام الآخرين، (المتعلّمين والمعلّمين والأصدقاء).
– يفكّر بصوت عالٍ، ويبادر للمُشاركة والتَّفاعل، ولا يخشى استخدام اللّغة الجديدة.
– من السّهل معرفة أفكاره، وما فهمه، وما استعصى عليه.
– حلو المعشر، سهل التّعامل معه، يألف النّاس ويألفونه، كما يشارك الآخرين تفاصيل حياته الشّخصيّة، وأحداثه اليوميّة.
– يتفاعل مع الآخرين بكلّ نشاط وحماس.
– يتفاعل مع الحدث بسرعة قبل أن يفكّر، ومستوى الحيويّة في ارتفاع.
– حبُّ مشاركة الآخرين تفاصيل حياته، ولو كانوا من أبناء لغته، ويركّز في قضيّة واحدة. له مستوى ثابت من الحيويّة.
– يتفاعل مع الحدث بعد أن يفكر بعمق، لا يستعجل ويتأنى.
وفي النهاية نستطيع القول بأنَّ برنامج تعليم اللّغة العربيّة للنَّاطِقينَ بِلُغاتٍ أُخرى، قد يضمُّ الكثير من المُتعلّمين من مجتمعاتٍ مُختلفةٍ، وينطقون لغاتٍ مُتعددةٍ، وينتسبون لعرقياتٍ وثقافاتٍ مُتبانيةٍ، كما ويختلفون في تأهيلهم العلميّ، وفي عدد اللُّغات التي يتكلّمها أو يُتقنها كُل مُتعلّم منهم، ومن المُسلمات التّربويّة أن يختلفوا في أنماط شخصيّاتهم، وفي استراتيجيات تعلّمهم، وقدراتهم العقليّة ومهاراتهم، إضافة إلى اختلاف دوافعهم لتعلّم هذه اللّغة، واتّجاهاتهم نحوها ونحو أهلها وثقافتها ومجتمعها وغيرها من الاختلافات والفروق التي تؤثّر بالضرورة في العملية التّعلميّة التّعليمية للّغة العربيّة الجديدة. إلّا أنّه ومهما كانت هذه الاختلافات ومهما تشعبت يبقى القاسم المشترك فيما بينهم في الرّغبة في تعلّم اللّغة العربيّة، وليس كلُّ مُتعلّمٍ منهم بحدّ ذاته، إلّا ظاهرةً اجتماعيّةً لها سلوكٌ وخصائصٌ مُميّزة، “ولكي نتعامل مع كل مُتعلّم بالشكل المُناسب، يجب أن نتعامل معه بشكلٍ فرديّ، وأن نحترم أوجه الاختلاف التي تفصل بين المُتعلّمين بعضهم البعض[6]“.
الهوامش:
[1] استخدم مصطلح علم النفس اللغوي ((Psycholinguistic لأول مرة منذ الخمسينيات، وهو يتناول المناهج اللّغوية لوصف المخرجات (Output) بالنسبة لمستخدمي اللغة، وعلى وجه الخصوص تحليل الوحدات اللغوية. ويدلنا هذا المصطلح على نقلة نوعية وتغيير في اتجاهات علماء النّفس نحو السّلوك اللّغوي.
[2] حتاملة، موسى رشيد، نظريات اكتساب اللّغة الثانية وتطبيقاتها التّربويّة، كلية الدّراسات العربيّة والإسلاميّة، دبي، القسم الثّاني، ص126.
[3] Salma Cazacu, ******** in Con****, The Hague: Mouton In Alatis,1981.
[4] Norton, Bonny, Identity And ******** Learning. Pearson Education Limited, 2000, P. 116-117.
[5] العصيلي عبد العزيز بن ابراهيم، أساسيّات تعليم اللّغة العربية للنّاطقين بلغات أخرى، جامعة أمّ القرى، مكّة المكرّمة، سلسلة بحوث اللّغة العربيّة وآدابها، الطبعة الأولى، 1422هـ، ص. 255.
[6] جنسن إيريك، التّدريس الفعّال، ترجمة ونشر وتوزيع مكتبة جرير، المملكة العربيّة السّعوديّة، الرياض، الطبعة الثانية 2010.
دليل العربية
(الانبساط والانطواء)
نور أحمد فؤاد سبانو
يتميّز بعض المُتعلّمين بسمات شخصيّة، قد يكون لها علاقة إيجابيّة أو سلبيّة بالتّعلّم، فما أثبتته الدّراسات الحديثة في مجال علم النّفس اللّغويّ[1] أنّ تعلّم اللغة الثانية يتحقّق من تفاعل عناصر ذات طبيعةٍ سيكولوجيةٍ ومعرفيةٍ، والتي تكون تحت سيطرة الصّفات الشخصية للمتعلّم”[2]. وشخصية المتعلّم يجب أن تكون عنصراً أساسياً في تعلّم أيّ لغة، كما يجب أن تكون عنصراً رئيسياً من عناصر أي نظريةٍ من نظريات تعلّم اللّغة الثانية[3]“. والمقصود بالشّخصيّة نظام العلاقات المفتوحة الذي يربط ما في داخل الفرد، مع المحيط الخارجي. ويقول (نوتن): ” الشخصيّة هي تفاعل النّفس مع العالم[4]“.
فالانبساط ويقابله الانطواء مثلًا عاملان مُهمّان في تعلّم اللّغة العربيَّة. وغالباً ما يساء فهم هذين المُصطلحين، بسبب الميل إلى تكوين رأي مُسبق وخاطئ عنهما، “فقد لوحظ أنّ منبسط الشّخصيّة أفضل من المنطوي على ذاته في تعلّم اللّغة الثّانية، لأنهُ أكثر تفاعلاً مع معلّميه، وزملائه، ومجتمع اللّغة الهدف، وأسرع استجابةً بحكم طبيعته وصفاته[5]“. لكنّ هذا لا يعني أنّ المُتعلّم المُنبسط الشّخصيّة أكثر قدرة على التّحصيل من المتعلّم المنطوي، ففي الوقت نفسه قد يظهر هذا المُتعلّم الهادئ المُتحفظ مشاركة وجدانيّة عاليّة، ولكنه يكون أكثر تحفظاً في التّعبير الظاهري عن تلك المشاركة. مع الأخذ بعين الاعتبار دور الأعراف الثّقافيّة وتأثيرها المُباشر في هذا الموضوع، فمن الواضح أنّ معايير التّفاعل اللّفظي تختلف كثيراً من ثقافة إلى أخرى، فما يبدو على أنه انطواء في ثقافة مثل الولايات المتّحدة الأمريكيّة، قد يُنظر إليه في اليابان أو كوريا على سبيل المثال على أنهّ احترام وتهذيب، فشخصيّة المُتعلّم الحقيقيّة قد تختلف عن شخصيّته أمام مُعلّمه نسبة إلى هذه المعايير، وهو ما يؤثر على تقييم المعلّم لسلبية مُتعلّميه. ومن هنا أصبح على مُعلّم العربيّة للنّاطقين بغيرها أن يتمتّع بحساسية للمعايير الثقافيّة المُختلفة، كما عليه أن يُقدّر أنماط المُشاركة الوجدانيّة للمُتعلّمين ورغبتهم في التّعبير والكلام داخل الفصل. والواقع أنّ العلاقة بين السّمات الشّخصيّة والمعايير الثّقافيّة وأساليب التّعليم، أمرُ مفيدٌ، ويستحق أن يعتبر جزءاً من الإعداد المهنيّ لمعلمي اللّغة العربيّة للنّاطقين بلغات أخرى. وفي الجدول أدناه مُحاولة لوصف المتعلّم المنفتح على العالم والمتعلّم المنطوي على ذاته:
المُتعلِّم المُنفتح على العالم
(Extrovertie)
المُتعلّم المُنطوي على ذاته
(Introvertie))
– يكون أكثر حيويّة وتفاعلاً مع أصدقائه في الصّفّ، على تنوّع مشاربهم واتّجاهاتهم، ولا يُحبُّ الجلوس وحيداً.
– يحب أن يكون في مركز وبؤرة اهتمام الآخرين، (المتعلّمين والمعلّمين والأصدقاء).
– يفكّر بصوت عالٍ، ويبادر للمُشاركة والتَّفاعل، ولا يخشى استخدام اللّغة الجديدة.
– من السّهل معرفة أفكاره، وما فهمه، وما استعصى عليه.
– حلو المعشر، سهل التّعامل معه، يألف النّاس ويألفونه، كما يشارك الآخرين تفاصيل حياته الشّخصيّة، وأحداثه اليوميّة.
– يتفاعل مع الآخرين بكلّ نشاط وحماس.
– يتفاعل مع الحدث بسرعة قبل أن يفكّر، ومستوى الحيويّة في ارتفاع.
– حبُّ مشاركة الآخرين تفاصيل حياته، ولو كانوا من أبناء لغته، ويركّز في قضيّة واحدة. له مستوى ثابت من الحيويّة.
– يتفاعل مع الحدث بعد أن يفكر بعمق، لا يستعجل ويتأنى.
وفي النهاية نستطيع القول بأنَّ برنامج تعليم اللّغة العربيّة للنَّاطِقينَ بِلُغاتٍ أُخرى، قد يضمُّ الكثير من المُتعلّمين من مجتمعاتٍ مُختلفةٍ، وينطقون لغاتٍ مُتعددةٍ، وينتسبون لعرقياتٍ وثقافاتٍ مُتبانيةٍ، كما ويختلفون في تأهيلهم العلميّ، وفي عدد اللُّغات التي يتكلّمها أو يُتقنها كُل مُتعلّم منهم، ومن المُسلمات التّربويّة أن يختلفوا في أنماط شخصيّاتهم، وفي استراتيجيات تعلّمهم، وقدراتهم العقليّة ومهاراتهم، إضافة إلى اختلاف دوافعهم لتعلّم هذه اللّغة، واتّجاهاتهم نحوها ونحو أهلها وثقافتها ومجتمعها وغيرها من الاختلافات والفروق التي تؤثّر بالضرورة في العملية التّعلميّة التّعليمية للّغة العربيّة الجديدة. إلّا أنّه ومهما كانت هذه الاختلافات ومهما تشعبت يبقى القاسم المشترك فيما بينهم في الرّغبة في تعلّم اللّغة العربيّة، وليس كلُّ مُتعلّمٍ منهم بحدّ ذاته، إلّا ظاهرةً اجتماعيّةً لها سلوكٌ وخصائصٌ مُميّزة، “ولكي نتعامل مع كل مُتعلّم بالشكل المُناسب، يجب أن نتعامل معه بشكلٍ فرديّ، وأن نحترم أوجه الاختلاف التي تفصل بين المُتعلّمين بعضهم البعض[6]“.
الهوامش:
[1] استخدم مصطلح علم النفس اللغوي ((Psycholinguistic لأول مرة منذ الخمسينيات، وهو يتناول المناهج اللّغوية لوصف المخرجات (Output) بالنسبة لمستخدمي اللغة، وعلى وجه الخصوص تحليل الوحدات اللغوية. ويدلنا هذا المصطلح على نقلة نوعية وتغيير في اتجاهات علماء النّفس نحو السّلوك اللّغوي.
[2] حتاملة، موسى رشيد، نظريات اكتساب اللّغة الثانية وتطبيقاتها التّربويّة، كلية الدّراسات العربيّة والإسلاميّة، دبي، القسم الثّاني، ص126.
[3] Salma Cazacu, ******** in Con****, The Hague: Mouton In Alatis,1981.
[4] Norton, Bonny, Identity And ******** Learning. Pearson Education Limited, 2000, P. 116-117.
[5] العصيلي عبد العزيز بن ابراهيم، أساسيّات تعليم اللّغة العربية للنّاطقين بلغات أخرى، جامعة أمّ القرى، مكّة المكرّمة، سلسلة بحوث اللّغة العربيّة وآدابها، الطبعة الأولى، 1422هـ، ص. 255.
[6] جنسن إيريك، التّدريس الفعّال، ترجمة ونشر وتوزيع مكتبة جرير، المملكة العربيّة السّعوديّة، الرياض، الطبعة الثانية 2010.
دليل العربية
