مَجامعُ اللغة العربيّة بين مُعاناةِ الماضي
واستشرافِ الآفاق، مجمع اللغة العربيّة على الشّبَكَة العالَمية أنموذجاً،
مجمعُ اللغة العربيّة على الشّبكَة العالَميّة فتحٌ جديد في تاريخ المَجامع اللغويّة العربيّة
(1)
يبدو من كثيرٍ منَ الأحكام التي تُطلَقُ عندَنا على عملِ المَجامعِ اللغويّة المنتشرة في العواصمِ العربيّة، ومُنجَزاتِها أنّها أحكامٌ سلبيّة سَوْداءُ،
وأنّ العلماءَ والمفكِّرينَ الذينَ قُلِّدوا رئاسَتَها من أمثال الأستاذ محمد توفيق رفعت (1934 - 1944) والأستاذ أحمد لطفي السيد (1945 -1963)
والدكتور طه حسين (1963 - 1973) والدكتور إبراهيم مدكور (1974 - 1995) والدكتور شوقي ضيف (1996 -2005) والدكتور محمود حافظ (2005 - ...
في مجمَع القاهِرة، وفي مَجامعَ أخرى بالعواصم العربيّة، من كبار العلماءِ واللغويين والأدباءِ والنّقّاد والمجدّدين... إنّما كانوا يقضون أوقاتَهم في
فَراغٍ، وأنّ المَجامعَ المبثوثَة في طولِ الوطنِ العربيّ وعرضِه، في عَمّانَ وبغدادَ ودمشقَ والقاهِرة و الرّباطِ وغيْرِها... لَم تُصدرْ أعمالاً وليس لَها
رصيدٌ، ولم تُحقق تراثاً، ولم تُخرِجْ مخطوطاتٍ أدبيّةً وعلميّة ولغويّة وشرعيّة إلى الوُجود، ولم تستشعرْ ثقلَ المسؤوليةَ تجاه العربيّة والتراثِ،
ووقفت مُقيَّدَة الأيدي معقولَةَ اللّسانِ خائرةَ القُوى عاجزةً عن الفعْلِ
والسّؤالُ المُثارُ ههنا: ما يقولُ أصحابُ الأحكامِ الجائرَةِ في مسألة التّمكينِ لهذه المَجامِعِ أو عَدَمِه؟ لو كانَت للمجامِعِ كلمةٌ مسموعَةٌ لأُنفِذَت
توصياتُها ولانتشَرَت مئاتُ الألفاظِ الفصيحَة المُحقَّقَة، ولخرَجَ إلى النّورِ علمٌ وفيرٌ من بُطونِ المخطوطاتِ المُحقّقَة، لقَد عُطِّلَت المَجامعُ لأنّ القَرارَ
السّياسيّ لم يُمكّنْ لَها، بل لم يكنْ لأهل الشأنِ السّياسيّ تخطيطٌ سديدٌ وسياسةٌ دقيقةٌ واضحةٌ يُمكّنونَ بِه لقراراتِ المجامَع ويُساعدونَها
على نشر العلومِ وإحياءِ العربيّة. لقَد كانَ كثيرٌ من أهل الحلّ والعَقد من المسؤولينَ مُستغنين عن المَجامع، ولو خُيِّروا بين بقائها وعدمِها لاختاروا
العدَمَ، وإنّما استُبْقِيَت لأنّ فئاتٍ واسعةً من الأمّة في حاجةٍ إلى المَجامع لأنّها وصيّ على اللغة إذا قارنّا حالَنا بحال مجامع الغربِ ومراكزِه العلميّة،
فَلا قياسَ ولا وجه للمقارَنَة لأنّ البحثَ العلميّ في الغرب تُنفَقُ عليه من ميزانياتِ الدّولَة مبالغُ عالية؛ ويتمتعُ بدعمٍ معنويّ وسياسيّ واقتصاديّ
كبير؛ لأنّه جزء من الأمن القوميّ، ولأنّهم مؤمنونَ بخطرِ البَحث العلميّ والمُحافظَة على الهويّة ووحدة اللغة والتراث.
أمّا المَجامعُ اللغويّة العربيّةُ بالوطنِ العربيّ، في ذاتِها، فقد كانَ فيها أمناءُ مُخلصونَ وعُلماءُ مَهَرَةٌ متخصصونَ يهتمّون بواقع العربيّة وسُبُلِ النّهوضِ بِها،
ويهتمون بقضايا الترجمة والتعريب وأهميتهما في التنمية اللغوية والحضارية، وقضايا تعليم اللغة للناطقينَ بِها وبغيْرِها، وإنجاز المعاجم المناسبَة
للقطاعات المختلفة في المجتمع، ويعقدون النّدوات والمؤتمرات لمدارَسَة تطوير أسلوب عمل المجامع عبر التعاون مع الوزارات والمؤسسات والمنظمات
لخدمة اللغة العربية يشعر المجمعيّونَ بمخاطرَ كثيرة، ويضعونَ الخطط لمواجهتها، من هذه المَخاطر والمعوِّقات:
- منافَسَةُ اللغاتِ الأجنبيّةِ ومزاحمتُها للغةِ العربيّةِ في التّعليمِ الجامعيّ.
- التّعثُّر في طريقِ تَعريب العلوم وتطوير التجارب الرّائدة كالتّجرِبَة السورية في هذا المجال
- تَدهور مُستويات تدريس اللغة العربيّةِْ في حَقْلِ التربية والتعليم،
- التقصير في ربط اللغة العربية بمقومات ثورة المعلومات على الشّبكةِ العالَميّةِ لإثراءِ المُحْتوى العربيّ على الشّبَكَة.
قد يعترضُ القائلُ فيقولُ: نحنُ نحترمُ مَن أنجز عملاً ومَن هو مستمرٌّ في العطاء كالأعلامِ الذين تَوالوا على تسيير المَجامعِ، فنحنُ نُجلُّهم جميعاً دون
استثناء؛ لكنّ ذلك لا يعني أنهم شَخَّصوا الأعراضَ والأمراضَ وقاموا بعلاجها وإزالتها والتخلص منها. فلو كانتْ أعمالُهم ذاتَ أثر بالغ في مجتمعاتنا ومدارسنا
وجامعاتنا ومجامعنا لكان وضعُ اللغة على أحسنِ ما يرامُ من حال، ولكُنّا آمنين مُطمئنين على وَضْعِنا من الاستغراب والتّغرب، لكن أمر التبعية اللغوية
(إذا صح التعبير) ما يزال قائما حتى يومنا هذا وما زلْنا عاجزين عن إحداثِ تغييراتٍ ثورية جذرية تُذكَر في مجال اللغة. ولَن نستطيع بُلوغَ الهدف الكَبير
المشترك إلاّ بتوحيدِ جُهودِ المَجامعِ قاطبةً، وبغير التّوحيدِ لَن تقومَ للمجامعِ قائمةٌ.
والجوابُ عن اعتراضِ المُعترضِ أنّ ما ذكرْناه في حقِّ المَجمعيّينَ أعلاه، لم يَكُنْ مَدحاً لهم وثناءً، لمجرّد المَدحِ والثّناءِ، فإنّ ما يُمكنُ أن يُقالَ في حقّهِم من
مزايا وصفاتِ العَمَلِ الدّؤوبِ لا يُعدّ مدحاً، ولكنّه وصفٌ للواقع، وأنّ العلماءَ في حاجَةٍ إلى تشجيع، وإلى مَن يسمعُ عنهُم ويُبلّغُ علمَهُم وينشرُه و يُمكّن لَه
ويُمدّه بأسبابِ الحياةِ و الانتعاش. أقول هذا الكلامَ بشيءٍ من الحُرقَة والمَرارة لأنّ كثيراً من العلماء الأجلاّءِ يمضونَ أو يقضون نحبَهم في صمتٍ، لا يعلَم
بحالِهم أحدٌ إلا مَن يُكابِد آلامَ الأمّة ويتطلّعُ إلى آمالِها. وأتذكّرُ وأنا أكتب هذه الأسطرَ المتواضعةَ حواراً جرى في قناةٍ فضائيّةٍ مغربيّة بين مسيّر برنامَج رسميّ
يمثّل الجهةَ الإعلاميّةَ الرّسميّةَ في البلادِ، وبينَ أحد كبارِ عُلماءِ اللغة وهو شيخ اللغويين، ومبتكر المَحارِف الطّباعيّة العربيّة وعضو أكاديمية المملكة، ومديرُ
معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب والمُسْهِمُ في توحيد المصطلحات المعرّبَة في الميادين المختلفة، الأستاذ أحمدَ الأخضر غَزال، الذي تُوُفّيَ منذ أربَعةِ أعوامٍ،
رحمَةُ الله عليْه. لم يتورّعْ مُقدّمُ البرنامج من أن يسألَ الأستاذَ بشيءٍ من السّخريّة، عن دورِ معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب، الذي مقرّه بالرّباطِ، في نَشر
المصطلحاتِ و تغيير واقع البلاد العربيّة من الناحية اللغويّة؛ فقَد سأله: ماذا فعلَ المعهدُ مدّة عشراتِ السنينَ؟ وكأنّ سؤالَه الاستخفافيّ تعجيزٌ له وتحدٍّ، وما كان
من الأستاذ الأخضر غزال إلاّ أن بادَرَه بالجوابِ: إنّ على العلماءِ أن يُفكّروا لمصلحةِ الأمّة ويُنجزوا البحوثَ والتّوصياتِ المناسِبَة ويشتغلوا في إنجازِ المشاريع
المعجميّة والاصطلاحيّة الكبرى التي تنهضُ بالشأن اللغويّ، أمّا بعدَ ذلِك فيبقى لأصحاب القرار أن ينفذوا الأعمالَ بالدّعمِ الماليّ والرّعايَةِ السّاميةِ التي تُنزّلُ
الشّأنَ اللغويَّ في البلادِ منزلَتَه التي يستحقُّها؛ فالمعهد والمجامعُ جهاتٌ علميّة فكريّة لو أتيحَت لها وسائل العملِ المتواصل والتّنسيق بين الأقطارِ وأعطِيَت
سلطةً علميّةً عاليةً لظهرَ اثرُها الذي ننعاه عليْها ههنا. فلا شكّ في أهمّيةِ اعتراضِ المُعترضِ، ولكن تشخيصَ الواقع العربيّ، ومنه الشأن اللغويّ، بهذه الصّورَة
القاتِمَة التي هي بالفعلِ صورةٌ واقعيّةٌ، لا ينبغي أن يقفَ بنا عندَ هذا الحدّ، فكلّ مواطنٍ من أفراد هذا الوطنِ الكبير مُطالَبٌ بإلحاحٍ أن يبذلَ ما في وُسْعِه وأن
يستفْرِغَ جُهدَه لإصلاحِ الخلل و الإسهام بِما أوتِيَ، لسدّ الفجوةِ ومُعالَجَة الدّاءِ، و أمّا إذا اكتفيْنا بنعْيِ الميّتِ وندْبِه فلنْ نبْرَحَ عاكفينَ في مَكاننا ولبقِيَ الوضعُ
المَريضُ على حالِه .
واستشرافِ الآفاق، مجمع اللغة العربيّة على الشّبَكَة العالَمية أنموذجاً،
مجمعُ اللغة العربيّة على الشّبكَة العالَميّة فتحٌ جديد في تاريخ المَجامع اللغويّة العربيّة
(1)
يبدو من كثيرٍ منَ الأحكام التي تُطلَقُ عندَنا على عملِ المَجامعِ اللغويّة المنتشرة في العواصمِ العربيّة، ومُنجَزاتِها أنّها أحكامٌ سلبيّة سَوْداءُ،
وأنّ العلماءَ والمفكِّرينَ الذينَ قُلِّدوا رئاسَتَها من أمثال الأستاذ محمد توفيق رفعت (1934 - 1944) والأستاذ أحمد لطفي السيد (1945 -1963)
والدكتور طه حسين (1963 - 1973) والدكتور إبراهيم مدكور (1974 - 1995) والدكتور شوقي ضيف (1996 -2005) والدكتور محمود حافظ (2005 - ...
في مجمَع القاهِرة، وفي مَجامعَ أخرى بالعواصم العربيّة، من كبار العلماءِ واللغويين والأدباءِ والنّقّاد والمجدّدين... إنّما كانوا يقضون أوقاتَهم في
فَراغٍ، وأنّ المَجامعَ المبثوثَة في طولِ الوطنِ العربيّ وعرضِه، في عَمّانَ وبغدادَ ودمشقَ والقاهِرة و الرّباطِ وغيْرِها... لَم تُصدرْ أعمالاً وليس لَها
رصيدٌ، ولم تُحقق تراثاً، ولم تُخرِجْ مخطوطاتٍ أدبيّةً وعلميّة ولغويّة وشرعيّة إلى الوُجود، ولم تستشعرْ ثقلَ المسؤوليةَ تجاه العربيّة والتراثِ،
ووقفت مُقيَّدَة الأيدي معقولَةَ اللّسانِ خائرةَ القُوى عاجزةً عن الفعْلِ
والسّؤالُ المُثارُ ههنا: ما يقولُ أصحابُ الأحكامِ الجائرَةِ في مسألة التّمكينِ لهذه المَجامِعِ أو عَدَمِه؟ لو كانَت للمجامِعِ كلمةٌ مسموعَةٌ لأُنفِذَت
توصياتُها ولانتشَرَت مئاتُ الألفاظِ الفصيحَة المُحقَّقَة، ولخرَجَ إلى النّورِ علمٌ وفيرٌ من بُطونِ المخطوطاتِ المُحقّقَة، لقَد عُطِّلَت المَجامعُ لأنّ القَرارَ
السّياسيّ لم يُمكّنْ لَها، بل لم يكنْ لأهل الشأنِ السّياسيّ تخطيطٌ سديدٌ وسياسةٌ دقيقةٌ واضحةٌ يُمكّنونَ بِه لقراراتِ المجامَع ويُساعدونَها
على نشر العلومِ وإحياءِ العربيّة. لقَد كانَ كثيرٌ من أهل الحلّ والعَقد من المسؤولينَ مُستغنين عن المَجامع، ولو خُيِّروا بين بقائها وعدمِها لاختاروا
العدَمَ، وإنّما استُبْقِيَت لأنّ فئاتٍ واسعةً من الأمّة في حاجةٍ إلى المَجامع لأنّها وصيّ على اللغة إذا قارنّا حالَنا بحال مجامع الغربِ ومراكزِه العلميّة،
فَلا قياسَ ولا وجه للمقارَنَة لأنّ البحثَ العلميّ في الغرب تُنفَقُ عليه من ميزانياتِ الدّولَة مبالغُ عالية؛ ويتمتعُ بدعمٍ معنويّ وسياسيّ واقتصاديّ
كبير؛ لأنّه جزء من الأمن القوميّ، ولأنّهم مؤمنونَ بخطرِ البَحث العلميّ والمُحافظَة على الهويّة ووحدة اللغة والتراث.
أمّا المَجامعُ اللغويّة العربيّةُ بالوطنِ العربيّ، في ذاتِها، فقد كانَ فيها أمناءُ مُخلصونَ وعُلماءُ مَهَرَةٌ متخصصونَ يهتمّون بواقع العربيّة وسُبُلِ النّهوضِ بِها،
ويهتمون بقضايا الترجمة والتعريب وأهميتهما في التنمية اللغوية والحضارية، وقضايا تعليم اللغة للناطقينَ بِها وبغيْرِها، وإنجاز المعاجم المناسبَة
للقطاعات المختلفة في المجتمع، ويعقدون النّدوات والمؤتمرات لمدارَسَة تطوير أسلوب عمل المجامع عبر التعاون مع الوزارات والمؤسسات والمنظمات
لخدمة اللغة العربية يشعر المجمعيّونَ بمخاطرَ كثيرة، ويضعونَ الخطط لمواجهتها، من هذه المَخاطر والمعوِّقات:
- منافَسَةُ اللغاتِ الأجنبيّةِ ومزاحمتُها للغةِ العربيّةِ في التّعليمِ الجامعيّ.
- التّعثُّر في طريقِ تَعريب العلوم وتطوير التجارب الرّائدة كالتّجرِبَة السورية في هذا المجال
- تَدهور مُستويات تدريس اللغة العربيّةِْ في حَقْلِ التربية والتعليم،
- التقصير في ربط اللغة العربية بمقومات ثورة المعلومات على الشّبكةِ العالَميّةِ لإثراءِ المُحْتوى العربيّ على الشّبَكَة.
قد يعترضُ القائلُ فيقولُ: نحنُ نحترمُ مَن أنجز عملاً ومَن هو مستمرٌّ في العطاء كالأعلامِ الذين تَوالوا على تسيير المَجامعِ، فنحنُ نُجلُّهم جميعاً دون
استثناء؛ لكنّ ذلك لا يعني أنهم شَخَّصوا الأعراضَ والأمراضَ وقاموا بعلاجها وإزالتها والتخلص منها. فلو كانتْ أعمالُهم ذاتَ أثر بالغ في مجتمعاتنا ومدارسنا
وجامعاتنا ومجامعنا لكان وضعُ اللغة على أحسنِ ما يرامُ من حال، ولكُنّا آمنين مُطمئنين على وَضْعِنا من الاستغراب والتّغرب، لكن أمر التبعية اللغوية
(إذا صح التعبير) ما يزال قائما حتى يومنا هذا وما زلْنا عاجزين عن إحداثِ تغييراتٍ ثورية جذرية تُذكَر في مجال اللغة. ولَن نستطيع بُلوغَ الهدف الكَبير
المشترك إلاّ بتوحيدِ جُهودِ المَجامعِ قاطبةً، وبغير التّوحيدِ لَن تقومَ للمجامعِ قائمةٌ.
والجوابُ عن اعتراضِ المُعترضِ أنّ ما ذكرْناه في حقِّ المَجمعيّينَ أعلاه، لم يَكُنْ مَدحاً لهم وثناءً، لمجرّد المَدحِ والثّناءِ، فإنّ ما يُمكنُ أن يُقالَ في حقّهِم من
مزايا وصفاتِ العَمَلِ الدّؤوبِ لا يُعدّ مدحاً، ولكنّه وصفٌ للواقع، وأنّ العلماءَ في حاجَةٍ إلى تشجيع، وإلى مَن يسمعُ عنهُم ويُبلّغُ علمَهُم وينشرُه و يُمكّن لَه
ويُمدّه بأسبابِ الحياةِ و الانتعاش. أقول هذا الكلامَ بشيءٍ من الحُرقَة والمَرارة لأنّ كثيراً من العلماء الأجلاّءِ يمضونَ أو يقضون نحبَهم في صمتٍ، لا يعلَم
بحالِهم أحدٌ إلا مَن يُكابِد آلامَ الأمّة ويتطلّعُ إلى آمالِها. وأتذكّرُ وأنا أكتب هذه الأسطرَ المتواضعةَ حواراً جرى في قناةٍ فضائيّةٍ مغربيّة بين مسيّر برنامَج رسميّ
يمثّل الجهةَ الإعلاميّةَ الرّسميّةَ في البلادِ، وبينَ أحد كبارِ عُلماءِ اللغة وهو شيخ اللغويين، ومبتكر المَحارِف الطّباعيّة العربيّة وعضو أكاديمية المملكة، ومديرُ
معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب والمُسْهِمُ في توحيد المصطلحات المعرّبَة في الميادين المختلفة، الأستاذ أحمدَ الأخضر غَزال، الذي تُوُفّيَ منذ أربَعةِ أعوامٍ،
رحمَةُ الله عليْه. لم يتورّعْ مُقدّمُ البرنامج من أن يسألَ الأستاذَ بشيءٍ من السّخريّة، عن دورِ معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب، الذي مقرّه بالرّباطِ، في نَشر
المصطلحاتِ و تغيير واقع البلاد العربيّة من الناحية اللغويّة؛ فقَد سأله: ماذا فعلَ المعهدُ مدّة عشراتِ السنينَ؟ وكأنّ سؤالَه الاستخفافيّ تعجيزٌ له وتحدٍّ، وما كان
من الأستاذ الأخضر غزال إلاّ أن بادَرَه بالجوابِ: إنّ على العلماءِ أن يُفكّروا لمصلحةِ الأمّة ويُنجزوا البحوثَ والتّوصياتِ المناسِبَة ويشتغلوا في إنجازِ المشاريع
المعجميّة والاصطلاحيّة الكبرى التي تنهضُ بالشأن اللغويّ، أمّا بعدَ ذلِك فيبقى لأصحاب القرار أن ينفذوا الأعمالَ بالدّعمِ الماليّ والرّعايَةِ السّاميةِ التي تُنزّلُ
الشّأنَ اللغويَّ في البلادِ منزلَتَه التي يستحقُّها؛ فالمعهد والمجامعُ جهاتٌ علميّة فكريّة لو أتيحَت لها وسائل العملِ المتواصل والتّنسيق بين الأقطارِ وأعطِيَت
سلطةً علميّةً عاليةً لظهرَ اثرُها الذي ننعاه عليْها ههنا. فلا شكّ في أهمّيةِ اعتراضِ المُعترضِ، ولكن تشخيصَ الواقع العربيّ، ومنه الشأن اللغويّ، بهذه الصّورَة
القاتِمَة التي هي بالفعلِ صورةٌ واقعيّةٌ، لا ينبغي أن يقفَ بنا عندَ هذا الحدّ، فكلّ مواطنٍ من أفراد هذا الوطنِ الكبير مُطالَبٌ بإلحاحٍ أن يبذلَ ما في وُسْعِه وأن
يستفْرِغَ جُهدَه لإصلاحِ الخلل و الإسهام بِما أوتِيَ، لسدّ الفجوةِ ومُعالَجَة الدّاءِ، و أمّا إذا اكتفيْنا بنعْيِ الميّتِ وندْبِه فلنْ نبْرَحَ عاكفينَ في مَكاننا ولبقِيَ الوضعُ
المَريضُ على حالِه .

تعليق