ملامح التمييز بين عِباد وعَبيد
د. محمد جمعة الدربى
يظن كثير من المثقفين غير المتخصصين أن لفظ (عَبيد) لا يكون جمعًا إلا لـ(عبد) بمعنى رقيق مملوك، وأن لفظ (عِباد) لا يكون جمعًا إلا لـ(عبد) بمعنى عابد لله، وهناك من يزعم أن اللفظ الأول يستعمل في التحقير والتصغير وأن الآخر يساق في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة.
وقد وقع في هذا الظن بعض القدماء، وتبعهم بعض المتخصصين المتوسِّعين في قبول كل ما تناقلته كتب اللغة إذا صحّ نقله أو وُجِد له وجه في العربية يُخرَّج عليه!
فمن كلام ابن عطية: «والذي استقريت في لفظة (العباد) أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن، وأما العبيد فيستعمل في تحقير»(1)، وقال القِفْطيّ: «يقال: عبيد الله وعبيد فلان، والعباد اسم اختص الله به فيقال: عباد الله، ولا يقال: عباد فلان»(2)، وممّا أخذه الشدياق على الفيروز آبادي أنه إذا كان للفظة الواحدة جموع كثيرة أوردها كلها جملة من دون تفصيل كقوله في جمع عبد: «عَبْدون وعَبيد وأعبُد وعِباد»(3)، و«لم يفرِّق بين العباد والعبيد؛ فإن الزمخشري صرّح في (الأساس) بأن العباد مختص بالله تعالى؛ قال: فيقال: عباد الله وعبيد فلان، ولا يقال:عباد فلان»(4)، وقال العضو المجمعي الدكتور عمر فروخ: «كلمة (عبد) إذا جُمعت على (عِباد) يصبح لها معنى غير المعنى الذي لها إذا هي جُمعت على عبيد»(5)!
ولم ينجُ من هذه التفرقة بين اللفظين بعض المعاجم الحديثة الصادرة عن جماعات وهيئات؛ ففي المعجم الوسيط: «العِباد قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية، العبد الرَّقِيق، والإنسان حرًا كان أو رقيقًا لأنه مربوب لله عز وجل(ج) عبيد وعُبُد وأعْبُد وعبْدانٌ»(6)، وفي المعجم الوجيز:«عابد (ج) عِباد، العبد الرَّقِيق، والإنسان حرًّا كان أو رقيقًا لأنه مربوب لله عز وجل(ج) عبيد وأعْبُد»(7)، وفي المعجم العربي الأساسي ومعجم اللغة العربية المعاصرة ما يشبه ذلك!(8)
وفي هذه التفرقة عدم استقراء وتضييق للواسع؛ بسبب التمسك ببعض- وليس كل- الآيات القرآنية والتعابير السياقية؛ مثل قول الله تعالى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا" (الفرقان:63)
ويقال: ليس بيننا سادة ولا عبيد(9).
والحق أن هذه أدلة للإثبات لا للنفي(10)؛ ففي القرآن الكريم نفسه(11):
"ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ" (آل عمران:182)
وفي القرآن أيضًا: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا" (الإسراء: 5)
قرأها علي بن أبي طالب والحسن وزيد بن علي: «عبيدًا لنا» (12)، وفي القرآن كذلك:
"وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (النور:32)
أي: «وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم»(13) ، وقرأها مجاهد والحسن(14) : «من عبيدكم»، وفي الحديث(15): «كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله»، وفي الدعاء:(16) «اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك».
وهذه الشواهد واضحة الدلالة على أن كلا اللفظين (عباد)، و(عبيد) جمع لـ(عبد) بمعنى عابد ورَقيق مملوك، ولكن اللفظ الأول يكثر- ولا يقتصر- إطلاقه بمعنى عابدين لله، في حين يكثر- ولا يقتصر- إطلاق الثاني بمعنى أرقّاء مملوكين، وقد فطن إلى هذا كثير من علماء العربية؛ يقول أبو هلال العسكري: «عباد الله، ولا يقال: عباد فلان إلا في القليل، وقد جاء في القرآن: "وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ"، وإنما جاء كذلك لأنه وقع مع إمائكم فازدوج، ويقال: عبيد اللَّه، وعباد الله أكثر»(17)، وردَّ أبو حيان على ابن عطية فقال بحق: «وأما ما استقرأه أن عبادًا يساق في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير والتصغير، وإيراده ألفاظًا في القرآن بلفظ العباد، فليس باستقراء صحيح، وإنما كثر استعمال عباد دون عبيد؛ لأن فِعالاً في جمع فَعْل غير اليائي العين قياس مطَّرد، وجمع فعل على فعيل لا يطرد، فحسُن مجيئه هنا وإن لم يكن مقيسًا أنه جاء لتواخي الفواصل، وأما مدلوله فمدلول عِباد سواء»(18) .
واللفظان يكثر استعمال فعلهما في معنى العبادة، في حين يقلّ استعمال فعلهما في معنى الرِّق؛ قال صاحب العين: « والعبد: المملوك، وجمعه: عبيد، وثلاثة أعبُد، وهم العِباد أيضًا. إن العامة اجتمعوا على تفرقة ما بين عبادِ اللهِ والعبيد المملوكين، وعبدٌ بَيِّن العُبودة، وأقرَّ بالعبوديّة، ولم أسمعهم يشتقُّون منه فِعلاً، ولو اشتُقَّ لقيل: عَبُدَ؛ أي صار عبدًا، ولكن أُمِيتَ منه الفِعل، وأما عبَد يَعبُد عبادة فلا يقال إلا لمن يعبُد الله، وأما عَبْد خَدمَ مولاه، فلا يقال: عبَده، ولا: يَعْبُد مولاه»(19) .
وصاحب العين يشير هنا إلى المستوى الفصيح أو الشائع في العُرف، ولا أستبعد في كلامه أثر التحرج الدِّيني الذي كان سببًا في إنكار بعض الاستعمالات على الرغم من ثبوت الشواهد اللغوية على صحتها(20) ، ولكن اللهجات الحديثة أعادت استعمال الفعل (عبَد) بمعنى (خدم) على سبيل المجاز في كلام بعض العامة والمثقفين، ولم يجد أكابر العلماء من فقهاء الدين حرجًا في هذا الاستعمال ونحوه من الكنايات إذا حسُنت النية وعُرف المقصود ورُوعي السياق(21) ، وفي كلام سيد الفصحاء: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم والقَطيفة والخَمِيصة، إن أُعطِي رضي وإن لم يُعطَ لم يرضَ»(22) .
وفي ضوء تحليل المعنى إلى عناصر تكوينيّة(23) يمكن تحديد الملامح التمييزية Distinctive Features الملائمة للفظين (عباد)، و(عبيد) في الشكل الآتي(24) :
الملامح التمييزية «عباد - عبيد»
1- فصيح قرآنيّ.
2- جمع تكسير للكثرة.
3- مفرده عبد.
4- بمعنى عابدين أو خَلْق.
5- بمعنى أرقّاء مملوكين.
6- يكثر استعمال فعله (في معنى العبادة).
7- يكثر استعمال فعله (في معنى الرِّق)
8- يكثر استعماله مع الخالق(25).
9- يكثر استعماله مع المخلوق(26).
10- عَلم لمفرد(27).
د. محمد جمعة الدربى
يظن كثير من المثقفين غير المتخصصين أن لفظ (عَبيد) لا يكون جمعًا إلا لـ(عبد) بمعنى رقيق مملوك، وأن لفظ (عِباد) لا يكون جمعًا إلا لـ(عبد) بمعنى عابد لله، وهناك من يزعم أن اللفظ الأول يستعمل في التحقير والتصغير وأن الآخر يساق في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة.
وقد وقع في هذا الظن بعض القدماء، وتبعهم بعض المتخصصين المتوسِّعين في قبول كل ما تناقلته كتب اللغة إذا صحّ نقله أو وُجِد له وجه في العربية يُخرَّج عليه!
فمن كلام ابن عطية: «والذي استقريت في لفظة (العباد) أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن، وأما العبيد فيستعمل في تحقير»(1)، وقال القِفْطيّ: «يقال: عبيد الله وعبيد فلان، والعباد اسم اختص الله به فيقال: عباد الله، ولا يقال: عباد فلان»(2)، وممّا أخذه الشدياق على الفيروز آبادي أنه إذا كان للفظة الواحدة جموع كثيرة أوردها كلها جملة من دون تفصيل كقوله في جمع عبد: «عَبْدون وعَبيد وأعبُد وعِباد»(3)، و«لم يفرِّق بين العباد والعبيد؛ فإن الزمخشري صرّح في (الأساس) بأن العباد مختص بالله تعالى؛ قال: فيقال: عباد الله وعبيد فلان، ولا يقال:عباد فلان»(4)، وقال العضو المجمعي الدكتور عمر فروخ: «كلمة (عبد) إذا جُمعت على (عِباد) يصبح لها معنى غير المعنى الذي لها إذا هي جُمعت على عبيد»(5)!
ولم ينجُ من هذه التفرقة بين اللفظين بعض المعاجم الحديثة الصادرة عن جماعات وهيئات؛ ففي المعجم الوسيط: «العِباد قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية، العبد الرَّقِيق، والإنسان حرًا كان أو رقيقًا لأنه مربوب لله عز وجل(ج) عبيد وعُبُد وأعْبُد وعبْدانٌ»(6)، وفي المعجم الوجيز:«عابد (ج) عِباد، العبد الرَّقِيق، والإنسان حرًّا كان أو رقيقًا لأنه مربوب لله عز وجل(ج) عبيد وأعْبُد»(7)، وفي المعجم العربي الأساسي ومعجم اللغة العربية المعاصرة ما يشبه ذلك!(8)
وفي هذه التفرقة عدم استقراء وتضييق للواسع؛ بسبب التمسك ببعض- وليس كل- الآيات القرآنية والتعابير السياقية؛ مثل قول الله تعالى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا" (الفرقان:63)
ويقال: ليس بيننا سادة ولا عبيد(9).
والحق أن هذه أدلة للإثبات لا للنفي(10)؛ ففي القرآن الكريم نفسه(11):
"ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ" (آل عمران:182)
وفي القرآن أيضًا: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا" (الإسراء: 5)
قرأها علي بن أبي طالب والحسن وزيد بن علي: «عبيدًا لنا» (12)، وفي القرآن كذلك:
"وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (النور:32)
أي: «وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم»(13) ، وقرأها مجاهد والحسن(14) : «من عبيدكم»، وفي الحديث(15): «كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله»، وفي الدعاء:(16) «اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك».
وهذه الشواهد واضحة الدلالة على أن كلا اللفظين (عباد)، و(عبيد) جمع لـ(عبد) بمعنى عابد ورَقيق مملوك، ولكن اللفظ الأول يكثر- ولا يقتصر- إطلاقه بمعنى عابدين لله، في حين يكثر- ولا يقتصر- إطلاق الثاني بمعنى أرقّاء مملوكين، وقد فطن إلى هذا كثير من علماء العربية؛ يقول أبو هلال العسكري: «عباد الله، ولا يقال: عباد فلان إلا في القليل، وقد جاء في القرآن: "وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ"، وإنما جاء كذلك لأنه وقع مع إمائكم فازدوج، ويقال: عبيد اللَّه، وعباد الله أكثر»(17)، وردَّ أبو حيان على ابن عطية فقال بحق: «وأما ما استقرأه أن عبادًا يساق في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير والتصغير، وإيراده ألفاظًا في القرآن بلفظ العباد، فليس باستقراء صحيح، وإنما كثر استعمال عباد دون عبيد؛ لأن فِعالاً في جمع فَعْل غير اليائي العين قياس مطَّرد، وجمع فعل على فعيل لا يطرد، فحسُن مجيئه هنا وإن لم يكن مقيسًا أنه جاء لتواخي الفواصل، وأما مدلوله فمدلول عِباد سواء»(18) .
واللفظان يكثر استعمال فعلهما في معنى العبادة، في حين يقلّ استعمال فعلهما في معنى الرِّق؛ قال صاحب العين: « والعبد: المملوك، وجمعه: عبيد، وثلاثة أعبُد، وهم العِباد أيضًا. إن العامة اجتمعوا على تفرقة ما بين عبادِ اللهِ والعبيد المملوكين، وعبدٌ بَيِّن العُبودة، وأقرَّ بالعبوديّة، ولم أسمعهم يشتقُّون منه فِعلاً، ولو اشتُقَّ لقيل: عَبُدَ؛ أي صار عبدًا، ولكن أُمِيتَ منه الفِعل، وأما عبَد يَعبُد عبادة فلا يقال إلا لمن يعبُد الله، وأما عَبْد خَدمَ مولاه، فلا يقال: عبَده، ولا: يَعْبُد مولاه»(19) .
وصاحب العين يشير هنا إلى المستوى الفصيح أو الشائع في العُرف، ولا أستبعد في كلامه أثر التحرج الدِّيني الذي كان سببًا في إنكار بعض الاستعمالات على الرغم من ثبوت الشواهد اللغوية على صحتها(20) ، ولكن اللهجات الحديثة أعادت استعمال الفعل (عبَد) بمعنى (خدم) على سبيل المجاز في كلام بعض العامة والمثقفين، ولم يجد أكابر العلماء من فقهاء الدين حرجًا في هذا الاستعمال ونحوه من الكنايات إذا حسُنت النية وعُرف المقصود ورُوعي السياق(21) ، وفي كلام سيد الفصحاء: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم والقَطيفة والخَمِيصة، إن أُعطِي رضي وإن لم يُعطَ لم يرضَ»(22) .
وفي ضوء تحليل المعنى إلى عناصر تكوينيّة(23) يمكن تحديد الملامح التمييزية Distinctive Features الملائمة للفظين (عباد)، و(عبيد) في الشكل الآتي(24) :
الملامح التمييزية «عباد - عبيد»
1- فصيح قرآنيّ.
2- جمع تكسير للكثرة.
3- مفرده عبد.
4- بمعنى عابدين أو خَلْق.
5- بمعنى أرقّاء مملوكين.
6- يكثر استعمال فعله (في معنى العبادة).
7- يكثر استعمال فعله (في معنى الرِّق)
8- يكثر استعماله مع الخالق(25).
9- يكثر استعماله مع المخلوق(26).
10- عَلم لمفرد(27).
المصدر

تعليق