تمهيد حول التاريخ القديم للعربية الفصحى
محمد أحمد محمود
محمد أحمد محمود
إن أي بحث أو دراسة في محاولة الكشف عن تاريخ العربية الفصحى القديم قبل الشعر الجاهلي يرتبط بمجموعة من الحقائق، كالآتي:
1- حيث إن القرآن الكريم هو كتاب العربية الفصحى الأول، فهو قاعدتها ووعاؤها اللغوي اللساني الشامل في كل ما ورد فيه: مفردات وأسماء وأفعال وحروف، مبانٍ أو معانٍ، ومضمر وغير مضمر، وجمل أو حروف، قراءة في كل آياته وسوره، وأنه قد جاء في سياق الكتب قبله: صحف إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل، ومصدقًا بها وخاتمًا لها وجميع الأنبياء والرسل الذين ذكرهم أو لم يذكرهم عليهم السلام.
2- وليس في منهج القرآن ذكر التواريخ بالسنين، فالعبرة فيه وفي قصصه تتمثل في مشيئة الله تعالى ومراده في توالي بعث الرسل والأنبياء والكتب في أقوامهم هداية لهم بالشرائع التي ذكرها وبشريعة الإسلام الخاتمة ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]، والتاريخ من شأن المخلوقين ويتعلق بمصالحهم، والقرآن ليس كتاب تاريخ ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ [المؤمنون: 112، 113]، ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47]، ولا يمنع الإسلام من دراسة التاريخ بالسنين إذا ما كان صحيحًا واستنبطت منه العبر، وإلا فالقرآن قصصه أحسن القصص حينما نتوخى ونتقصد العبرة فيه، ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [الروم: 9]، وينظر كذلك آيتي غافر: (21 و82).
3- إن الله تعالى قد بعث كل نبي بلسان قومه ليبين لهم ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، وإن الله تعالى قد علم أنبياءه الكتاب والخط والقراءة، قال تعالى في حق موسى عليه السلام وقومه: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الأعراف: 145]، وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام وقومه: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [آل عمران: 48، 49]، وقال في حق داود عليه السلام: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163]، وقال تعالى في حق نبينا الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه وأمته: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 1 - 4]، وقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، والعبرة في القرآن هي في العمل الصالح الذي يقرب إلى الله تعالى بقراءته وتعلمه، وفهمه وتدبره، والتعبد به وتطبيق شريعته أفرادًا وجماعات، وأمةً وحاكمين، ومن أجل سلامة الرسالة وحصانتها وتمام تطبيق النبي محمد صلى الله عليه وسلم لشريعة الله وحكمه في الأرض؛ أمر كاتبه زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم الكتاب السرياني؛ تحوُّطًا من أن يؤثر شيء في مهمته الرسالية وهو يخاطب صلى الله عليه وسلم يهود المدينة المنورة.
4- التأكيد على الأصل الواحد للبشرية في الأرض، وأن الناس كلهم ذكرهم وأُنثاهم خلقهم الله تعالى من أبيهم سيدنا آدم وزوجه حواء عليهما السلام، وأن الله تعالى كرمهم بهذا الخلق، وأن اللسان الأول هو الذي كان قد تكلم به سيدنا آدم عليه السلام وبنوه.
5- التأكيد على وراثة نوح عليه السلام والمؤمنين برسالته للرسالات قبله، ووراثته كذلك للسان الذي كانوا يتكلمون به قبل الطوفان، وأن البشرية بعد هذا الطوفان لم تعد تشهد كفرًا مطلقًا يسود الأرض كلها، وأن البشرية بعد الطوفان من سلائل نوح عليه السلام والمؤمنين معه في الفلك (السفينة)، وقد انتشروا في الأرض بعد هبوطها ورسوها بسلام الله وبركاته على نوح والأمم الذين معه.
6- التأكيد على ما ذكره القرآن الكريم في أن أقوامًا قضت مشيئة الله بإهلاكهم لكفرهم، ولا نعلم شيئًا عنهم ولا عن لغاتهم وألسنتهم، وأن القرآن قد نفى لأحد العلم بهم سوى الله تعالى الذي اختص علمه وحده بهم: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ [إبراهيم: 9]، وأن أنبياء ورسلًا لم يقصصهم القرآن علينا.
7- التأكيد على أن الأساس الأول في العربية هو ارتباطها بعرب الجنوب اليمنيين في شبه الجزيرة العربية، وهم العرب العاربة الذين أقاموا حضارتهم ودولهم منذ ما قبل الألف قبل الميلاد، وقد اشتهر من لغاتهم كما تقول الدراسات الحديثة: المعينية والقتبانية والسبئية والحضرمية وغيرها، وهي قريبة من اللهجات الحبشية، وقد أظهرت النقوش المتعلقة بهذه اللغات، والتي قام بدراستها ونشرها المستشرقون من علماء أوربا في القرن التاسع عشر الميلادي وبعده - مفردات وأسماء وتراكيب تماثل ما في العربية الفصحى، والشيء نفسه العرب الشماليون العدنانيون أو الإسماعيليون، حيث ميزت الدراسات بين أربع لهجات أو لغات، هي: اللحيانية والثمودية والصفوية والنبطية، وقالت: إن خطوط الثلاث الأولى مشتقة من الخط العربي الجنوبي، وإن اللحيانية والثمودية تشتملان على كلمات وصيغ لا تختلف عن العربية الفصحى، وإن النبطية منقوشة بخط آرامي، ولهجتها آرامية اختلط بها صيغ وكلمات عربية.
8- ومهما اتسعت دراسة هذه النقوش، وما يقترحه متخصصون في اللغات القديمة من البدء بدراسات لغوية عربية تنطلق من عربيتنا إلى الأقرب إليها، فإن هذه النقوش بما ورد فيها من مفردات عربية متنوعة لا ترقى وحدها إلى العربية الفصحى كلغة عربية قومية قبل الإسلام، وصارت بالقرآن لغة أمة إسلامية كبيرة، وإنما تعتبر شواهد على قدم العربية ولهجاتها من ناحية، فضلًا عن أنها قطعٌ لغوية كتابية وأبعاضٌ من لغات اندثرت ولم يبق لها وجود حي من ناحية ثانية، يضاف إلى ذلك صعوبة تحديد زمن وتاريخ البعض منها، كما أن الخطوط المتنوعة المتعددة لكتابة لغات هذه النقوش لا تكفي للجزم بحقيقة منطوق ودلالة أشكال وهيئات حروف الهجاء، وإن تساوت في أعدادها مختلف اللغات، على أنه يمكن الاستعانة بكتاب: "صفة جزيرة العرب"؛ للهمداني المتوفى سنة (334 هجريًّا)، والمطبوع في ليدن سنة 1884 ميلاديًّا؛ كون الهمداني من السابقين في قراءة القطع الأثرية والنقوش، إضافة إلى المختصين من المستشرقين، وهم بالنسبة له متأخرون عنه بقرون عديدة.
9- التأكيد على أن البناء الأساس للعربية الفصحى يرتبط بسيدنا إبراهيم خليل الله وابنه إسماعيل عليهما السلام، وبنائهما الكعبة بيت الله الحرام كأول بيت لعبادة الله في الأرض ربًّا وخالقًا للسموات والأرض وما بينهما، وإلهًا واحدًا دونما شريك، والحج إليه والصلاة فيه والطواف وسائر المناسك وأنواع العبادة، مثلما ترتبط بدين الحنيفية والتوحيد ونشره في منطقة الحجاز وباقي مناطق شبه الجزيرة العربية على الجملة.
10- التأكيد على إقامة سيدنا إسماعيل عليه السلام وسكناه بجوار البيت الحرام بوادٍ غير ذي زرع مع أمه السيدة هاجر المصرية، وزواجه من قبيلة جرهم ومصاهرته لها وتعلمه العربية منها، ثم تعليمه إياها لأبنائه، ومثلما ذكرت الروايات التاريخية العربية القديمة، وتذكر التوراة أن إسماعيل أقام في برية فاران، كما تذكر أبناءه الاثني عشر بأسمائهم وتقول: إنهم زعماء لقبائلهم.
11- التأكيد على ارتباط العربية بأبناء إسماعيل وذريته وأحفاده وسلائلهم الذين تكاثروا وانتشروا في الأرض، وخلال قرون عديدة بدءًا من أرض البيت الحرام في وادي مكة والحجاز وتهامة ونجد وسائر مناطق شمال شبه الجزيرة العربية، وحتى جنوب بلاد الشام ومناطق جنوب غرب العراق المتصلة بنجد، وتقول الروايات الخاصة بأنساب العرب والمؤرخين: إن أبناء إسماعيل تناسلوا من قيدار الابن المباشر له، وإنه أصل العرب العدنانيين الذين تحدروا من عقبه، وقيدار هذا تذكره التوراة باسم (قيدر) وبدون حرف الألف، وقد توارثت أجيال العرب العدنانيين الإسماعيليين العربية في وضعها الجديد الذي تمحور حول الحنيفية ودين التوحيد، مع التأكيد على نبوة إسماعيل ونشره لرسالته في العرب بعد أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام.
1- حيث إن القرآن الكريم هو كتاب العربية الفصحى الأول، فهو قاعدتها ووعاؤها اللغوي اللساني الشامل في كل ما ورد فيه: مفردات وأسماء وأفعال وحروف، مبانٍ أو معانٍ، ومضمر وغير مضمر، وجمل أو حروف، قراءة في كل آياته وسوره، وأنه قد جاء في سياق الكتب قبله: صحف إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل، ومصدقًا بها وخاتمًا لها وجميع الأنبياء والرسل الذين ذكرهم أو لم يذكرهم عليهم السلام.
2- وليس في منهج القرآن ذكر التواريخ بالسنين، فالعبرة فيه وفي قصصه تتمثل في مشيئة الله تعالى ومراده في توالي بعث الرسل والأنبياء والكتب في أقوامهم هداية لهم بالشرائع التي ذكرها وبشريعة الإسلام الخاتمة ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111]، والتاريخ من شأن المخلوقين ويتعلق بمصالحهم، والقرآن ليس كتاب تاريخ ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ [المؤمنون: 112، 113]، ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47]، ولا يمنع الإسلام من دراسة التاريخ بالسنين إذا ما كان صحيحًا واستنبطت منه العبر، وإلا فالقرآن قصصه أحسن القصص حينما نتوخى ونتقصد العبرة فيه، ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [الروم: 9]، وينظر كذلك آيتي غافر: (21 و82).
3- إن الله تعالى قد بعث كل نبي بلسان قومه ليبين لهم ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، وإن الله تعالى قد علم أنبياءه الكتاب والخط والقراءة، قال تعالى في حق موسى عليه السلام وقومه: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الأعراف: 145]، وقال تعالى في حق عيسى عليه السلام وقومه: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [آل عمران: 48، 49]، وقال في حق داود عليه السلام: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163]، وقال تعالى في حق نبينا الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه وأمته: ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 1 - 4]، وقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، والعبرة في القرآن هي في العمل الصالح الذي يقرب إلى الله تعالى بقراءته وتعلمه، وفهمه وتدبره، والتعبد به وتطبيق شريعته أفرادًا وجماعات، وأمةً وحاكمين، ومن أجل سلامة الرسالة وحصانتها وتمام تطبيق النبي محمد صلى الله عليه وسلم لشريعة الله وحكمه في الأرض؛ أمر كاتبه زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم الكتاب السرياني؛ تحوُّطًا من أن يؤثر شيء في مهمته الرسالية وهو يخاطب صلى الله عليه وسلم يهود المدينة المنورة.
4- التأكيد على الأصل الواحد للبشرية في الأرض، وأن الناس كلهم ذكرهم وأُنثاهم خلقهم الله تعالى من أبيهم سيدنا آدم وزوجه حواء عليهما السلام، وأن الله تعالى كرمهم بهذا الخلق، وأن اللسان الأول هو الذي كان قد تكلم به سيدنا آدم عليه السلام وبنوه.
5- التأكيد على وراثة نوح عليه السلام والمؤمنين برسالته للرسالات قبله، ووراثته كذلك للسان الذي كانوا يتكلمون به قبل الطوفان، وأن البشرية بعد هذا الطوفان لم تعد تشهد كفرًا مطلقًا يسود الأرض كلها، وأن البشرية بعد الطوفان من سلائل نوح عليه السلام والمؤمنين معه في الفلك (السفينة)، وقد انتشروا في الأرض بعد هبوطها ورسوها بسلام الله وبركاته على نوح والأمم الذين معه.
6- التأكيد على ما ذكره القرآن الكريم في أن أقوامًا قضت مشيئة الله بإهلاكهم لكفرهم، ولا نعلم شيئًا عنهم ولا عن لغاتهم وألسنتهم، وأن القرآن قد نفى لأحد العلم بهم سوى الله تعالى الذي اختص علمه وحده بهم: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ [إبراهيم: 9]، وأن أنبياء ورسلًا لم يقصصهم القرآن علينا.
7- التأكيد على أن الأساس الأول في العربية هو ارتباطها بعرب الجنوب اليمنيين في شبه الجزيرة العربية، وهم العرب العاربة الذين أقاموا حضارتهم ودولهم منذ ما قبل الألف قبل الميلاد، وقد اشتهر من لغاتهم كما تقول الدراسات الحديثة: المعينية والقتبانية والسبئية والحضرمية وغيرها، وهي قريبة من اللهجات الحبشية، وقد أظهرت النقوش المتعلقة بهذه اللغات، والتي قام بدراستها ونشرها المستشرقون من علماء أوربا في القرن التاسع عشر الميلادي وبعده - مفردات وأسماء وتراكيب تماثل ما في العربية الفصحى، والشيء نفسه العرب الشماليون العدنانيون أو الإسماعيليون، حيث ميزت الدراسات بين أربع لهجات أو لغات، هي: اللحيانية والثمودية والصفوية والنبطية، وقالت: إن خطوط الثلاث الأولى مشتقة من الخط العربي الجنوبي، وإن اللحيانية والثمودية تشتملان على كلمات وصيغ لا تختلف عن العربية الفصحى، وإن النبطية منقوشة بخط آرامي، ولهجتها آرامية اختلط بها صيغ وكلمات عربية.
8- ومهما اتسعت دراسة هذه النقوش، وما يقترحه متخصصون في اللغات القديمة من البدء بدراسات لغوية عربية تنطلق من عربيتنا إلى الأقرب إليها، فإن هذه النقوش بما ورد فيها من مفردات عربية متنوعة لا ترقى وحدها إلى العربية الفصحى كلغة عربية قومية قبل الإسلام، وصارت بالقرآن لغة أمة إسلامية كبيرة، وإنما تعتبر شواهد على قدم العربية ولهجاتها من ناحية، فضلًا عن أنها قطعٌ لغوية كتابية وأبعاضٌ من لغات اندثرت ولم يبق لها وجود حي من ناحية ثانية، يضاف إلى ذلك صعوبة تحديد زمن وتاريخ البعض منها، كما أن الخطوط المتنوعة المتعددة لكتابة لغات هذه النقوش لا تكفي للجزم بحقيقة منطوق ودلالة أشكال وهيئات حروف الهجاء، وإن تساوت في أعدادها مختلف اللغات، على أنه يمكن الاستعانة بكتاب: "صفة جزيرة العرب"؛ للهمداني المتوفى سنة (334 هجريًّا)، والمطبوع في ليدن سنة 1884 ميلاديًّا؛ كون الهمداني من السابقين في قراءة القطع الأثرية والنقوش، إضافة إلى المختصين من المستشرقين، وهم بالنسبة له متأخرون عنه بقرون عديدة.
9- التأكيد على أن البناء الأساس للعربية الفصحى يرتبط بسيدنا إبراهيم خليل الله وابنه إسماعيل عليهما السلام، وبنائهما الكعبة بيت الله الحرام كأول بيت لعبادة الله في الأرض ربًّا وخالقًا للسموات والأرض وما بينهما، وإلهًا واحدًا دونما شريك، والحج إليه والصلاة فيه والطواف وسائر المناسك وأنواع العبادة، مثلما ترتبط بدين الحنيفية والتوحيد ونشره في منطقة الحجاز وباقي مناطق شبه الجزيرة العربية على الجملة.
10- التأكيد على إقامة سيدنا إسماعيل عليه السلام وسكناه بجوار البيت الحرام بوادٍ غير ذي زرع مع أمه السيدة هاجر المصرية، وزواجه من قبيلة جرهم ومصاهرته لها وتعلمه العربية منها، ثم تعليمه إياها لأبنائه، ومثلما ذكرت الروايات التاريخية العربية القديمة، وتذكر التوراة أن إسماعيل أقام في برية فاران، كما تذكر أبناءه الاثني عشر بأسمائهم وتقول: إنهم زعماء لقبائلهم.
11- التأكيد على ارتباط العربية بأبناء إسماعيل وذريته وأحفاده وسلائلهم الذين تكاثروا وانتشروا في الأرض، وخلال قرون عديدة بدءًا من أرض البيت الحرام في وادي مكة والحجاز وتهامة ونجد وسائر مناطق شمال شبه الجزيرة العربية، وحتى جنوب بلاد الشام ومناطق جنوب غرب العراق المتصلة بنجد، وتقول الروايات الخاصة بأنساب العرب والمؤرخين: إن أبناء إسماعيل تناسلوا من قيدار الابن المباشر له، وإنه أصل العرب العدنانيين الذين تحدروا من عقبه، وقيدار هذا تذكره التوراة باسم (قيدر) وبدون حرف الألف، وقد توارثت أجيال العرب العدنانيين الإسماعيليين العربية في وضعها الجديد الذي تمحور حول الحنيفية ودين التوحيد، مع التأكيد على نبوة إسماعيل ونشره لرسالته في العرب بعد أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام.

تعليق