تأملات و اقتراحات لأجل نهضة أصيلة للغة العربية
أ. سميرة بيطام
أ. سميرة بيطام
مقدمة :
منذ نشأة الأمم و تكاثر الشعوب و هي تسعى إلى إقامة صرح متين يحتوي تطلعات كل أمة للمضي قدما نحو تلبية رغبات شعوبها في حياة تليق بمدارك و طموحات أي مجتمع إنساني ، و للعلامة بن خلدون في مقدمته العظيمة التي سماها كتاب العبر و ديوان المبتدأ أو الخبر قول في هذا الصدد ، حيث يقول : إن الدول القديمة المستقرة يفنيها شيئان :
أولهما :
أن تنشأ مطالبة من الأطراف و هذه الولايات التي تطالب بالاستقرار لا تبدأ بمطالبها إلا إذا تقلص ظل الدولة المستقرة ، فيبدؤون أولا بالمطالبة بمطالب صغيرة ليست لها أهمية و سرهم في ذلك هي تصوراتهم الوهمية في طلب الحقوق التي تبدأ صغيرة لتصل إلى هرم الدولة ومقاصدها ونظامها ، لتبدأ المرحلة الأخيرة من المناحرة و التي تكون نتيجتها مؤكدة وهي سقوط هيكل الدولة و استحداث نظام جديد على أنقاض الدولة الفانية .
و لعل الأمة العربية إحدى الأمم التي تلونت مسيرة حياة الشعوب فيها ، فحياة الأمم و أحوالها لا تشير على وتيرة واحدة بل إنها تتغير و تتطور على الدوام ، و يكون هذا التطور تارة على شكل تقدم و اعتلاء و تارة على شكل تقهقر و انحطاط ، و اللغة العربية إحدى دلالات رقي الدول على الرغم من تحديات العصر و ما جلبته العولمة من محاولات للتهميش مرة و للإقصاء مرة أخرى ، فأصبحت اللغة العربية تصارع و تكابد لتحافظ على مكانتها المرموقة التي عرفت بها منذ الحضارة العربية ، و ما الكلمات العربية التي تسربت إلى اللغات الأوروبية و التي لا تزال تعيش فيها إلا دليل على عمق تأثير الأمة العربية في الحضارة الغربية و هذه بعض الأمثلة.
إن ارق المنسوجات تعرف في الغرب باسم موسيلين ، و هذا يدل على أن تلك المنسوجات كانت تنسب إلى مدينة الموصل المشهور في شمال العراق ، و أدق الجلود تسمى في عدة لغات ماروكين ، و هذه الكلمة منحدرة من اسم مراكش ( المغرب) ، و كلمة ماغازين الدارجة في اللغة العربية بأشكال مختلفة أصلها العربي كلمة مخزن و شكلها الإنساني يشهد على هذا الأصل شهادة صريحة ، و العلوم نفسها لا تزال تحتفظ بكثير من الأسماء العربية ، فكلمة الجبر مشتقة من الجبر و المقابلة و كلمة الأنبيق تنحدر من أصول عربية.
و حتى أسماء النجوم الغربية المعروفة عند علماء الفلك لا تخلو من كلمات عربية مثل ألثار و هو النسر الطائر و فاما الحوت ما هو إلا فم الحوت و بتلجور هو بيت الجوزاء ، و عليه فان رجال الفكر و العلم في البلاد الأوروبية ينهلون من منتهل العلم القائمة في الأندلس و يتهافتون على درس المؤلفات العربية من ترجمتها إلى اللاتينية ، و أصبحت الجامعات تتنافس على اقتناء الكتب العربية و استكمال تعليم اللغة العربية ، إلا أنه لا يمكن فهم محتوى النصوص الفلسفية و الأدبية مثلا إلا بمعرفة اللغة العربية و بحور مفاهيمها العميقة.
إنها تأملات في اللغة العربية و ما أكثرها وجودا ، فإلى أي حد استطاعت اللغة العربية أن تحافظ على أصالتها وسط زخم العولمة ؟ و هي إشكالية سنحاول الإجابة عنها بأسلوب تحليلي وصفي وفق الخطة التالية :
المبحث الأول: اللغة العربية بين المس و اليوم
المطلب الأول: مكانة اللغة العربية و تحديات البقاء
المطلب الثاني: اللغة العربية و صراعات العصر
المبحث الثاني: متطلبات النهضة للغة العربية
المطلب الأول : اللغة العربية أساس النهضة
المطلب الثاني: مستقبل اللغة العربية و ثوابت المنافسة التنموية
خاتمة
المبحث الأول: اللغة العربية بين الأمس و اليوم
قال وليام فولكنار " الماضي لن يدفن إلى الأبد و هو لم يمضي بعد" ، كما قيل قديما " في البدء كانت الكلمة " (1).
إن الكلمة رمز منطقها يحمل فكرا ، و الفكر من حيث هو خاصية فريدة يتميز بها الكائن الإنساني عن بقية المخلوقات في هذا الوجود يتجسد في رموز ( تعقل و لا تحس) تمثل ارقي وسائل التواصل و التفاهم بين أبناء البشر في المكان.
و تعتبر اللغة أهم طريقة للتواصل و التفاهم بين أبناء البشر في كل مكان ، فالفرد في هذه الحياة هو عبارة عن حلقة في سلسلة طويلة متصلة الحلقات من حيث الأفكار و الرغبات و الميولات و ليس يترجمها و يشرح أبعادها سوى اللغة ، و ما يهمنا في نوع اللغة هي العربية (2) ، اذ هناك العديد من الآراء لدى قدامى اللغويين العرب فيذهب البعض إلى أن يعرب كان أول من أعرب في لسانه و تكلم بهذا اللسان العربي فسميت اللغة باسمه ، وورد في الحديث النبوي أن نبي الله إسماعيل بن إبراهيم أول من فتق لسانه بالعربية المبينة و هو بن أربع عشرة سنة بينما نسى لسان أبيه ، أما البعض الآخر فيذهب
إلى القول أن العربية كانت لغة آدم في الجنة ، إلا انه لا وجود لبراهين علمية أو أحاديث نبوية ثابتة ترجح أيا من تلك الادعاءات.
و اللغة لا تكون رسمية بالاسم فحسب و إنما تكون رسمية بالقول و العمل ، و لو وصفت لغة ما بأنها رسمية دون أن تكون مستعملة استعمالا كاملا و حقيقيا في الحياة العملية و الرسمية للمواطنين ، فان هذه الصفة الرسمية لا تعدو أن تكون شعارا خاليا من المحتوى أقل ما ينتج عنه على صعيد الواقع هو وضع غير طبيعي تصير فيه الغلبة للاستثناء على القاعدة ، و تسود لغة الاستعمال ( الأجنبية ) على اللغة الرسمية و الوطنية المكرسة –نصا- في دستور البلاد ، لأن العبرة هنا ليست في الإناء ، و إنما هي بما في الإناء من ماء أو غذاء (3).
لكن من الأهمية بمكان في شان اللغة العربية أن القرآن الكريم أعاد تنظيم اللغة و جمع شتاتها ، ثم وقف على حروفها ،كما هو معلوم من فواتح الصور " و كذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى و من حولها " سورة الشورى الآية 7 ، حيث ا نام القرى آو منازل الإنسان فقد بقيت فيها بقايا من بلاغة اللغة و فصاحة اللسان و تناثر حولها الكثير من المفردات " و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون" ، بمعنى أن كافة كلمات القرآن عربية خالصة مضبوطة في إطار اللغة و هي إحدى معجزات القرآن ، فمثلا لو أخذنا هذه الكلمات : الطير و الطائرة و الطيار و الطيران ، نجدها تنحدر من أصل واحد ، وبالمقابل لو نظرنا إلى نفس الكلمات في اللغة الانجليزية مثلا لوجدنا كتابتها و نطقها مختلف تماما عما هو عليه في اللغة العربية ، و هذه إحدى فنون اللغة و إبداعها.
المطلب الأول : مكانة اللغة العربية و تحديات البقاء
لقد ظلت اللغة العربية تكتب غير معجمة (غير منطوقة) حتى منتصف القرن الأول الهجري (4) ، كما ظلت تكتب غير مشكولة بالحركات و السكنات ، فحين دخل أهل الأمصار في الإسلام و اختلط العرب بهم ظهر اللحن على الألسنة ، و خيف على القرآن الكريم أن يتطرق إليه ذلك اللحن ، و حينئذ توصل أبو السود الدؤلي إلى طريقة لضبط كلمات للدلالة على الفتحة ، و نقطة تحته للدلالة على الكسرة ، و نقطة على شماله للدلالة على الضمة ، و نقطتين فوقه أو تحته أو عن شماله للدلالة على التنوين ، و ترك الحرف الساكن خاليا من النقط ، إلا أن هذا الضبط لم يكن يستعمل إلا في المصحف ، و في القرن الثاني الهجري وضع الخليل بن أحمد طريقة أخرى ، بان جعل للفتحة ألفا صغيرة مضطجعة فوق الحرف ، و للكسرة ياء صغيرة تحته ، و للضمة واو صغيرة فوقه ، وكان يكرر الحرف في حالة التنوين ، ثم تطورت هذه الطريقة إلى ما هو شائع اليوم.
لكن هذا التطور فتح على نفسه صراعا على اعتبار ان اللغة العربية تواجه العديد من صور التحدي التي فرضتها عوامل العولمة ، و الثورة المعلوماتية و الانفجار المعرفي و التقدم الهائل في تقنيات المعلومات و الاتصالات و ما يتبعها من تغيير طال كل مجالات الحياة مما ادى إلى تقارب المسافات و تلاشي الحدود بين الدول و القارات.
و لقد قال مدير جامعة الحدود الشمالية السعودي الدكتور سعيد عمر آل عمر أن اللغة العربية في واقع الأمر من أكثر اللغات انتشارا في العالم ، فقد كانت لغة للعلم و الأدب و لغة للسياسة لقرون طويلة في جميع البلاد التي فتحها و حكمها المسلمون ، و لقد أثرت على كثير من اللغات الأخرى في العالم ،فقد كانت اللغة العربية قوية بقوة المسلمين ، مؤثرة بقدر تأثيرهم في غيرهم (5).
إن هذا التأثير للغة العربية على باقي اللغات هو ما جعلها تبحث لها عن مكانة دائمة من أجل البقاء في محاولة منها لصد كل محاولة لأجل اندثارها أو تراجع مكانتها و لكن يبقى الصراع قائما بل وصعبا في ظل هيمنة العولمة بتكنولوجية حديثة في وسائل الاتصال و التواصل ، ما يجعل رهان البقاء هو مكسب اللغة العربية الأول و الأخير.
المطلب الثاني : اللغة العربية و صراعات العصر
أصبحت العولمة في العصر الحاضر اتجاها سائدا تتحرك في ضوئها جميع ديناميكيات هذا العصر بشتى مجالاتها بدون استثناء ، و أصبح كل ما ينشغل به إنسان العصر ممن يريد التطور و التقدم سعيا إلى مواجهة تحدياتها و تلبية متطلباتها ، و يقاس التطور و التقدم في ضوء ذلك على مدى القدرة على تلبية متطلبات العولمة (6).
و رغم أن العولمة كانت في البداية تعني عولمة اقتصادية تمثلت في عولمة الاقتصاد الرأسمالي ، إلا أن الحديث عنها بدأ يتوقف من منظور ثقافي ، لن العولمة الثقافية تركت آثارا بالغة الوضوح مما أثر على حياة البشر في سلوكاتهم و ميولاتهم و طريقة تواصلهم ليتم الاكتفاء بالحديث بواسطة أجهزة الحواسيب و الهواتف الذكية ، و هذا ما جعل لغة التخاطب تقل يوميا ليكتفي المتحدثون بإرسال رسائل قصيرة و سريعة تفي بغرض طلب الخدمة آو التهنئة بمناسبة ما أو قضاء حاجات و على جناح السرعة ، حتى قراءة الكتب بدأت تقل ظاهرتها وسط منافسة التكنولوجيا الآلية و المطالعة المكسبة للمعرفة و المعلومات و كل متطلبات التعلم .
و لعل أبرز أشكال التحول الثقافي التي يشهدها العصر الحاضر هي العولمة ، فالعولمة – من ناحية- فتحت بابا ووفرت جميع الوسائل لكل لغة لتجد سبيلها إلى خوض التواصل الدولي ، و لكنها من ناحية أخرى قد أدت إلى ما يمكن إطلاق عليه مصطلح " أزمة الهوية اللغوية " ، حيث أن أبناء هذا
العصر لم يعودوا يعيشون اللغة التي تنتمي إليها ثقافتهم و أرضهم و إنما تنتمي هويتهم اللغوية إلى اللغة المهيمنة في التواصل الدولي ، فكما اختفت هويتهم الثقافية اختفت هويتهم اللغوية ( 7).
و عليه ، فان اللغة العربية تعد أكثر من يعاني هذه الأزمة في ظل هيمنة العولمة ، حتى أن البعض يشرح ظاهرة العولمة أنها جاءت بكل ما تحتاج إليه هذه اللغة شرط الحفاظ على أساسيات اللغة و مقوماتها ، غير أن البعض الآخر يرى ما يخالف ذلك في أن اللغة العربية بدأت تنعزل داخل أراضيها و خارجها حتى أنها أصبحت منسية لدى الناطقين بها و الناطقين بغيرها ، و أن الانتماء لهذه اللغة و المتمثل في الرغبة في تعلمها و استخدامها بدأ ينقص شيئا فشيئا و ذلك لأسباب ليست خارجية فقط و إنما بسبب سيطرة اللغة الأجنبية و استيلائها و كذا غياب المنهج اللغوي و السياسة اللغوية لدعم هذه اللغة.
المبحث الثاني: متطلبات النهضة للغة العربية
لقد كانت اللغة العربية في العصر الجاهلي هادئة مطمئنة مستقرة في أصحابها صوتا و صرفا ونحوا و دلالة ، مع فروقات بسيطة من قبيلة إلى قبيلة تؤدي وظيفتها عندهم بيسر و سهولة من غير عناء أو صعوبة ، لأنها ورثت هكذا و سمعت هكذا (8).
فإذا كانت اللغات هي وعاء الفكر الإنساني ، فان الأمة العربية هي أكثر الأمم حظا في النطق باللغة العربية ، لأن لغتها هي لغة الكتاب الخالد و المنزل من السماء ، و هو القرآن الكريم ، و هو كتاب به إعجاز في أسلوبه و بيانه ، بالإضافة إلى إعجازه في تشريعه و إعلامنا بالحقائق العلمية ، ما جعل اللغة العربية تحوز على مكانة مرموقة وسط جمع من اللغات الأخرى (9).
و قد شعر المسلمون جميعا بأهمية هذه اللغة (10) ، و نهض العرب و الأعاجم معا لخدمتها بعد الإسلام ، و لقد برع الكثير من الأعاجم في التقعيد لعلوم هذه اللغة النحوية و الصرفية و البلاغية إلى جانب إخوانهم العرب ، و ذلك من أمثال : ابن المقفع ( ت 143 هـ) و سيبويه ( ت 180 هـ) و أبي عبيدة معمر بن المثنى ( ت 208 هـ) و الجاحظ ( ت 255 هـ) و بن قتيبة ( ت 276 هـ) و ابن جني (ت 392هـ ) و عبد القادر الجرجاني (ت 471 هـ) و الزمخشري (ت 537 هـ) و السكاكي ( ت 606 هـ) ، و غيرهم من العباقرة الأفذاذ ، و قد كان مما عني به هؤلاء السابقون هو صفاء اللغة ، و نفي الغش و الزعل عن مفرداتها ،فهي لآلىء لا ينبغي أن تختلط بالحصى و التراب ، يقول أبو العلاء المعري في هذا السياق:
من الناس من لفظه لؤلؤ يبادره اللقط اذ يلقط
و بعضهم قوله كالحصى يقال فيلغى و لا يحفظ
فهل وجدت اللغة العربية حماية لصفائها عبر متطلبات نهضة أكيدة و جادة؟

تعليق