لقد حاول كثير من المهتمين بمجال اللغة و اللسانيات الحديثة و السميائيين تقريب مفاهيم السميائيات إلى الأذهان،غير أنهم لم يتمكنوا من الأدوات و المفاهيم العلمية التي تساعدهم على ضبط آليات وكشف أسرار هذا العلم،و يرجع ذلك إلى تعدد الترجمات واختلاف وجهات النظر و الفهم الفردي لهذا العلم، وهكذا تتعدد الرؤى وتتعدد معها المفاهيم .
وأجمع كثير من علماء اللغة وعلى رأسهم فرديناند دي سوسير،وجورج مونان،وكريستيان ميتز، وتزفيتان تودوروف،وغريماص،ورولان بارث.... على أن السميائيات هي ذلك العلم الذي يعنى بدراسة العلامات،وقد ظهرت في منتصف القرن العشرين،وذلك باعتبارها علما شاملا يهتم بدراسة الأنساق الدلالية التي يستعملها الإنسان،هذه الأنساق التي تطبع وجوده وفكره،لأن حياة الإنسان بشكل عام قائمة على الدلالة،إذ في إطارها بنى الإنسان قيمه الأخلاقية والمعرفية والجمالية،وبواسطتها استطاع تحقيق ذاته وبناء مستقبله وتأسيس حضارته وتنمية مخزونه الثقافي و المعرفي .
وتعتبر السميائيات منهجا من المناهج،أو آلية من آليات البحث والعمل التي يعتمدها السميائي في التجريب النقدي،وقد بينت جوليا كريستيفا أن موضوع السيميائيات هو دراسة الأنظمة الشفوية وغير الشفوية ومن ضمنها اللغات بما هي أنظمة أو علامات تتمفصل داخل تركيب الاختلافات.وتهدف إلي تحويل الدراسات الأدبية من مجرد تأملات وانطباعات إلى علوم بالمعنى الدقيق للكلمة.ويتم لها ذلك عند التوصل إلي مستوى من التجرد الذي يمكن الناقد من الوصف و التحليل،من خلال أنساق من العلاقات تكشف عن الأبنية العميقة التي تنطوي عليها،ويمكنها هذا التجرد من استخلاص القوانين التي تتحكم في النصوص المدروسة.
وعند دراستها للنصوص الروائية تنطلق من فرضية أساسية على اعتبارأن الخطاب الروائي مكون من علامات،والعلامة مكونة من دال و مدلول وهي وحدة نفسية ذات وجهين يرتبط الأول بالثاني ارتباطا وثيقا ويتطلب أحدهما الآخر،والعلاقة بينهما علاقة اعتباطية محملة بحمولة أيديولوجية.
والخطاب الروائي هو خطاب مفتوح على جميع الاحتمالات كما يقول أمبرطو إيكو وميخائيل باختين،لأنه مرتبط بالواقع وبالتالي لا يمكن فصله عن الأيديولوجية،ولا يمكن عزله عن التواصل الاجتماعي،ويهدف الخطاب الروائي باعتباره علامة مكونة من دال ومدلول إلى تحقيق التواصل،ونقل معنى خاص أو حالة شعورية من مرسل(الروائي) إلى مستقبِل(القارئ) وتحدد قيمة الخطاب الروائي من خلال مصلحة من يتداولونه.
بمعنى أن السميائيات تدرس اللغة الروائية في جانبها التداولي،حيث إن اللفظة تخضع لمبدأ التأويل الذي يعطيها دلالات متعددة تتجاوز الظاهر إلى المضمر،حيث إن اللفظة و الجملة الروائية تخرج عن معناها المعجمي إلى معاني أخرى متعددة لها علاقة بالواقع وبالمحيط الذي انتجت فيه،و الواقع هنا ليس واقعا حرفيا وإنما هو واقع متخيل أضاف إليه الروائي ما سماء جاكبسون ب"أدبية العمل الأدبي".
وتدخل الرواية في إطار علم السرد الذي يهتم بالسرد الروائي في أشكاله المختلفة وتعمل (على وصف الأشكال الداخلية لدلالة النص أو التمفصلات المشكلة للعالم الدلالي المصغر) (2)
فالخطاب الروائي حسب الدراسات السميائية يعتبر بنية سردية تتكون من البنية السطحية والبنية العميقة،حيث البنية السطحية تتكون من تمفصلات أولى وهي وحدات صوتية تقبل التجزء إلى أقل منها،وتمفصلات ثانية وهي دراسة هذه الوحدات الصوتية أثناء ائتلافها وتشكيلها للمعنى،أي دراسة الخطاب الروائي كعلامات دالة مشحونة بشحنات ودلالات عميقة ومختلفة.
ويمكننا دراسة هذه التمفصلات الثانية كوحدات سميائية أو إشارات دالة على معنى من المعاني المضمرة في ذهن المتلقي،أثارته واستفزته وهو يقرأ الرواية،لأن الشخصيات وهي تتحرك في فضاء الرواية تحمل أفكارا وأيديولوجيات مختلفة باختلاف الأدوار التي أسندها لها السارد،أيديولجيات تعكس موقع هذه الشخصيات في المجتمع،وما تحتله من مكانة ومن تأثير في الفرد و الجماعة.
فالخطاب الروائي بصفة عامة يعكس واقعا اجتماعيا وحالات نفسية مختلفة،وما دام كذلك فإنه يحمل وظائف مختلفة ومتنوعة،وأهم هذه الوظائف هي المرجعية التي تعكس الفضاءات التي وقعت فيها أحداث الرواية سواء التفضية الزمانية أو التفضية المكانية،ولا يمكن للرواية أن تستقيم دون شخصيات متوارية وراء الأحداث وتقوم بأداء أدوارها المختلفة بواسطة الحوار الداخلي و الديالوجي،وبهذه العناصر يتشكل السرد بطريقة منطقية منسجمة تعكس انسجام الأحداث وانسجام الشخصيات.
ولكن الانسجام هنا لا نعني به سيمترية السرد الروائي وإنما نقصد به الانسجام المفضي إلى تتبع المعنى وتعاقب الأفكار التي تستقر وتتوتر عبر فصول الرواية وبتوترها تتوتر الشخصيات وتتأزم معلنة عن الصراع و الصدام الحاصل بينها ،وفي توتر الرواية إثارة لفضول القارئ لتتبع الأحداث إلى نهايتها.
فالخطاب الروائي بهذا المعنى مشكل من وحدات سميائية أو علامات دالة تدل على ما يخزنه السارد من دلالات يعبر عنها لغويا،حيث تكون اللغة كاشفة عن مضمرات خفية يسربها السارد من حين لآخر ويكشف عنها من خلال تمفصلات الرواية،ففي مرحلة يعتمد تقنية تقسيم الخطاب الروائي إلى مقاطع أو نوايا سردية تنبني في مجموعها مشكلة المشهد الروائي،وأحيانا ينطلق من المشهد العام ليعود مرة ثانية إلى تقسيم المشهد إلى نوايا سردية جزئية،كأن يتتبع مفردات الواقع في جزياته وتمفصلاته مشكلا في النهاية نظرة شاملة عن هذا الواقع متتبعا علاماته وإشاراته،أو ينطلق من عموم الواقع محاولا تسليط الضوء عليه من فوق بطريقة السرد البانورامية،وكأنه يقوم بعملية إشهارية تسلط الضوء على جميع المشاهد في وقت واحد.
و لايكتفي الخطاب الروائي بتتبع العلامات الدالة على المعنى المادي وإنما يتتبع العلامات الدالة على المعنى النفسي أو المعنوي،كأن يتتبع حالة الشخصيات النفسية وما تفرزه من تأوهات وتنهدات لها دلالة في ذاتها وفي علاقتها بصاحبها،وبالمحيط الذي أنتجت فيه،لأن كل دلالة سميائية لا تفهم مستقلة بل تفهم في السياق الذي أنتجت فيه هذه العلامة.
كما أن سميائية السرد الروائي تظهر من خلال الاسترجاع وإعادة الأحداث حيث السارد يدخل في لعبة لغوية يستحضر الأفعال الماضية للحفر عميقا في الذاكرة فيربط بين الماضي و الحاضر،ويمزج الأزمنة فينتج عن ذلك دلالات سميائية تكون في الأصل علامات وإشارات تحولت فيما بعد إلى كلمات مشحونة بدلالات متعددة تتعدد بتعدد القراءات.
وفي تنويع الأفعال وتنويع الضمائر في الرواية تنويع لحلات السرد الروائي،حيث الرؤية تختلف وتتنوع وتختلف معها الأزمنة و الأمكنة وتصبح للرواية دلالات سميائية يسترجعها الكاتب في السياق الروائي ويسترجعها القارئ في عملية القراءة.
كما أن الناقد السميائي يهتم بجانب التواصل في النص الروائي على اعتبار أنه فضاء يلتقي فيه المرسل والرسالة والمرسل إليه. ولا يهتم بصاحب النص الروائي،ولا بظروفه وعصره،ولا بالأثر الذي يخلفه النص الروائي في المتلقي،وإنما يهتم ب(كيف قال هذا النص الروائي ما قال)،إنه لا يريد أن يتوصل إلى المعنى الحقيقي للنص الروائي،ولا يريد أن يبحث عن معنى جديد كامن وراءه وإنما يسعى إلى البحث عن الشروط الداخلية للمعنى.
محمد يوب
ناقد أدبي
وأجمع كثير من علماء اللغة وعلى رأسهم فرديناند دي سوسير،وجورج مونان،وكريستيان ميتز، وتزفيتان تودوروف،وغريماص،ورولان بارث.... على أن السميائيات هي ذلك العلم الذي يعنى بدراسة العلامات،وقد ظهرت في منتصف القرن العشرين،وذلك باعتبارها علما شاملا يهتم بدراسة الأنساق الدلالية التي يستعملها الإنسان،هذه الأنساق التي تطبع وجوده وفكره،لأن حياة الإنسان بشكل عام قائمة على الدلالة،إذ في إطارها بنى الإنسان قيمه الأخلاقية والمعرفية والجمالية،وبواسطتها استطاع تحقيق ذاته وبناء مستقبله وتأسيس حضارته وتنمية مخزونه الثقافي و المعرفي .
وتعتبر السميائيات منهجا من المناهج،أو آلية من آليات البحث والعمل التي يعتمدها السميائي في التجريب النقدي،وقد بينت جوليا كريستيفا أن موضوع السيميائيات هو دراسة الأنظمة الشفوية وغير الشفوية ومن ضمنها اللغات بما هي أنظمة أو علامات تتمفصل داخل تركيب الاختلافات.وتهدف إلي تحويل الدراسات الأدبية من مجرد تأملات وانطباعات إلى علوم بالمعنى الدقيق للكلمة.ويتم لها ذلك عند التوصل إلي مستوى من التجرد الذي يمكن الناقد من الوصف و التحليل،من خلال أنساق من العلاقات تكشف عن الأبنية العميقة التي تنطوي عليها،ويمكنها هذا التجرد من استخلاص القوانين التي تتحكم في النصوص المدروسة.
وعند دراستها للنصوص الروائية تنطلق من فرضية أساسية على اعتبارأن الخطاب الروائي مكون من علامات،والعلامة مكونة من دال و مدلول وهي وحدة نفسية ذات وجهين يرتبط الأول بالثاني ارتباطا وثيقا ويتطلب أحدهما الآخر،والعلاقة بينهما علاقة اعتباطية محملة بحمولة أيديولوجية.
والخطاب الروائي هو خطاب مفتوح على جميع الاحتمالات كما يقول أمبرطو إيكو وميخائيل باختين،لأنه مرتبط بالواقع وبالتالي لا يمكن فصله عن الأيديولوجية،ولا يمكن عزله عن التواصل الاجتماعي،ويهدف الخطاب الروائي باعتباره علامة مكونة من دال ومدلول إلى تحقيق التواصل،ونقل معنى خاص أو حالة شعورية من مرسل(الروائي) إلى مستقبِل(القارئ) وتحدد قيمة الخطاب الروائي من خلال مصلحة من يتداولونه.
بمعنى أن السميائيات تدرس اللغة الروائية في جانبها التداولي،حيث إن اللفظة تخضع لمبدأ التأويل الذي يعطيها دلالات متعددة تتجاوز الظاهر إلى المضمر،حيث إن اللفظة و الجملة الروائية تخرج عن معناها المعجمي إلى معاني أخرى متعددة لها علاقة بالواقع وبالمحيط الذي انتجت فيه،و الواقع هنا ليس واقعا حرفيا وإنما هو واقع متخيل أضاف إليه الروائي ما سماء جاكبسون ب"أدبية العمل الأدبي".
وتدخل الرواية في إطار علم السرد الذي يهتم بالسرد الروائي في أشكاله المختلفة وتعمل (على وصف الأشكال الداخلية لدلالة النص أو التمفصلات المشكلة للعالم الدلالي المصغر) (2)
فالخطاب الروائي حسب الدراسات السميائية يعتبر بنية سردية تتكون من البنية السطحية والبنية العميقة،حيث البنية السطحية تتكون من تمفصلات أولى وهي وحدات صوتية تقبل التجزء إلى أقل منها،وتمفصلات ثانية وهي دراسة هذه الوحدات الصوتية أثناء ائتلافها وتشكيلها للمعنى،أي دراسة الخطاب الروائي كعلامات دالة مشحونة بشحنات ودلالات عميقة ومختلفة.
ويمكننا دراسة هذه التمفصلات الثانية كوحدات سميائية أو إشارات دالة على معنى من المعاني المضمرة في ذهن المتلقي،أثارته واستفزته وهو يقرأ الرواية،لأن الشخصيات وهي تتحرك في فضاء الرواية تحمل أفكارا وأيديولوجيات مختلفة باختلاف الأدوار التي أسندها لها السارد،أيديولجيات تعكس موقع هذه الشخصيات في المجتمع،وما تحتله من مكانة ومن تأثير في الفرد و الجماعة.
فالخطاب الروائي بصفة عامة يعكس واقعا اجتماعيا وحالات نفسية مختلفة،وما دام كذلك فإنه يحمل وظائف مختلفة ومتنوعة،وأهم هذه الوظائف هي المرجعية التي تعكس الفضاءات التي وقعت فيها أحداث الرواية سواء التفضية الزمانية أو التفضية المكانية،ولا يمكن للرواية أن تستقيم دون شخصيات متوارية وراء الأحداث وتقوم بأداء أدوارها المختلفة بواسطة الحوار الداخلي و الديالوجي،وبهذه العناصر يتشكل السرد بطريقة منطقية منسجمة تعكس انسجام الأحداث وانسجام الشخصيات.
ولكن الانسجام هنا لا نعني به سيمترية السرد الروائي وإنما نقصد به الانسجام المفضي إلى تتبع المعنى وتعاقب الأفكار التي تستقر وتتوتر عبر فصول الرواية وبتوترها تتوتر الشخصيات وتتأزم معلنة عن الصراع و الصدام الحاصل بينها ،وفي توتر الرواية إثارة لفضول القارئ لتتبع الأحداث إلى نهايتها.
فالخطاب الروائي بهذا المعنى مشكل من وحدات سميائية أو علامات دالة تدل على ما يخزنه السارد من دلالات يعبر عنها لغويا،حيث تكون اللغة كاشفة عن مضمرات خفية يسربها السارد من حين لآخر ويكشف عنها من خلال تمفصلات الرواية،ففي مرحلة يعتمد تقنية تقسيم الخطاب الروائي إلى مقاطع أو نوايا سردية تنبني في مجموعها مشكلة المشهد الروائي،وأحيانا ينطلق من المشهد العام ليعود مرة ثانية إلى تقسيم المشهد إلى نوايا سردية جزئية،كأن يتتبع مفردات الواقع في جزياته وتمفصلاته مشكلا في النهاية نظرة شاملة عن هذا الواقع متتبعا علاماته وإشاراته،أو ينطلق من عموم الواقع محاولا تسليط الضوء عليه من فوق بطريقة السرد البانورامية،وكأنه يقوم بعملية إشهارية تسلط الضوء على جميع المشاهد في وقت واحد.
و لايكتفي الخطاب الروائي بتتبع العلامات الدالة على المعنى المادي وإنما يتتبع العلامات الدالة على المعنى النفسي أو المعنوي،كأن يتتبع حالة الشخصيات النفسية وما تفرزه من تأوهات وتنهدات لها دلالة في ذاتها وفي علاقتها بصاحبها،وبالمحيط الذي أنتجت فيه،لأن كل دلالة سميائية لا تفهم مستقلة بل تفهم في السياق الذي أنتجت فيه هذه العلامة.
كما أن سميائية السرد الروائي تظهر من خلال الاسترجاع وإعادة الأحداث حيث السارد يدخل في لعبة لغوية يستحضر الأفعال الماضية للحفر عميقا في الذاكرة فيربط بين الماضي و الحاضر،ويمزج الأزمنة فينتج عن ذلك دلالات سميائية تكون في الأصل علامات وإشارات تحولت فيما بعد إلى كلمات مشحونة بدلالات متعددة تتعدد بتعدد القراءات.
وفي تنويع الأفعال وتنويع الضمائر في الرواية تنويع لحلات السرد الروائي،حيث الرؤية تختلف وتتنوع وتختلف معها الأزمنة و الأمكنة وتصبح للرواية دلالات سميائية يسترجعها الكاتب في السياق الروائي ويسترجعها القارئ في عملية القراءة.
كما أن الناقد السميائي يهتم بجانب التواصل في النص الروائي على اعتبار أنه فضاء يلتقي فيه المرسل والرسالة والمرسل إليه. ولا يهتم بصاحب النص الروائي،ولا بظروفه وعصره،ولا بالأثر الذي يخلفه النص الروائي في المتلقي،وإنما يهتم ب(كيف قال هذا النص الروائي ما قال)،إنه لا يريد أن يتوصل إلى المعنى الحقيقي للنص الروائي،ولا يريد أن يبحث عن معنى جديد كامن وراءه وإنما يسعى إلى البحث عن الشروط الداخلية للمعنى.
محمد يوب
ناقد أدبي
