مِنْ تَغْريدَات الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ=2

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    مِنْ تَغْريدَات الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ=2

    مِنْ تَغْريدَات الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ=2
    جمعها وحققها
    الدكتور محمد جمال صقر
    21
    اذْكُرْ مَا وَصَفَ رَبُّكَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِذْ قَالُوا حَيْثُ اسْتَقَرُّوا وَرَأَوْا عَاقِبَةَ الْإِشْفَاقِ وَالْوَجَلِ، فَقَالُوا: "إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ"، وَوَصَفَ عَدُوَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَ -جَلَّ مِنْ قَائِلٍ!-: "إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا"؛ فَكُنْ مِنْهُمْ مُشْفِقًا حَذِرًا، وَاحْذَرْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ دِينِكَ! وَهُمْ أَصْعَبُ عَلَيْكَ فِي الْمُؤَانَسَةِ وَفِي الِانْكِسَارِ عَلَيْهِمْ؛ فَاحْذَرْهُمْ، وَأَدِّبْ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْهُمْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- حَتَّى تَقُومَ بِأَمْرِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- فِيهِمْ؛ إِذْ أَمَرَكَ بِأَدَبِهِمْ خَاصَّةً، فَقَالَ: "قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا"!
    22
    إِذَا رَأَى عَبْدَهُ الْمُرِيدَ مُجَاهِدًا لِنَفْسِهِ، يَزِلُّ ثُمَّ لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَعُودَ إِلَى طَلَبِ مَرْضَاتِه، يُجَاهِدُ من نَفْسِهِ مُغْتَمًّا بزللـه -في النص بِزَوَالِهِ والصواب إن شاء الله ما أثبت- أَعْظَمَ مِنْ غَمِّ السَّاقِطِ عَلَى وَجْهِهِ- فَإِذَا رَآهُ كَذَلِكَ خَفَّفَ عَلَيْهِ طَلَبَ مَرْضَاتِهِ، وَأَسْرَعَ بِهِ إِلَى مَعَالِي دَرَجَاتِ الْقُرْبِ مِنْهُ، جَلَّ مَنْ لَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ فِي جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَتَحَنُّنِهِ وَلُطْفِهِ!
    23
    يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا!- أَنَّهُ قِيلَ لَهَا: مَتَى يَكُونُ الرَّجُلُ مُسِيئًا؟ قَالَتْ: إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ مُحْسِنٌ!
    24
    رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّ أَيُّوبَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ!- قَالَ: "إِلَهِي، أَنَّى ابْتَلَيْتَنِي بِهَذَا الْبَلَاءِ، وَمَا وَرَدَ عَلَيَّ أَمْرٌ إِلَّا آثَرْتُ هَوَاكَ عَلَى هَوَايَ؟ وَنُودِيَ مِنْ غَمَامَةٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ صَوْتٍ: يَا أَيُّوبُ أَنَّى ذَلِكَ؟ (أَيْ مِنْ أَيْنَ لَكَ ذَلِكَ؟) -قَالَ- فَأَخَذَ رَمَادًا، فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: مِنْكَ يَا رَبِّ"!
    أَفَلَا تَرَى إِلَى رُجُوعِهِ عَمَّا قَالَ نَاسِيًا أَنْ يُضِيفَ نِعْمَةَ الْعَمَلِ إِلَى رَبِّهِ -جَلَّ، وَعَزَّ- فَفَزِعَ إِلَى الذِّكْرِ بِالذُّلِّ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالنِّعْمَةِ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- فَقَالَ: "مِنْكَ يَا رَبِّ".
    25
    قُلْتُ: قَدْ أَجِدُ بَيْنَهَا (النفس) وَبَيْنَ الْأَسِيرِ فَرْقًا، لِأَنَّ الْأَسِيرَ لَا يَرَى الْخَيْرَ فِيمَا يُرَادُ بِهِ، وَهِيَ قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ مَا يُرَادُ مِنْهَا خَيْرٌ لَهَا.
    قَالَ: فَقَدْ سَاوَتِ الْأَسِيرَ فِي مُخَالَفَتِه، وَفَضَلَتْ عَلَيْهِ فِي الشَّرِّ! إِنَّهَا أَبَتْ وَعَصَتْ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَبَيَانٍ، وَالْأَسِيرُ أَبَى وَعَصَى عَنْ جَهَالَةٍ وَعَمًى، وَلَعَلَّهُ لَوْ عَلِمَ مَا يُرَادُ بِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَدَارِ الْحَرْبِ الَّتِي أَهْلُهَا مُحَارِبُونَ لِلَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَلِدِينِهِ، لَأَجَابَكَ طَائِعًا، وَأَبْغَضَ الرُّجُوعَ إِلَى بِلَادِهِ؛ فَهِيَ شَرٌّ وَأَعْجَبُ عِصْيَانًا وَإِبَاءً مِنَ الْأَسِيرِ؛ إِذْ عَصَتْ بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّكَ إِنَّمَا تَدْعُوهَا إِلَى نَجَاتِهَا وَتُجَانِبُ بِهَا هَلَكَتَهَا. وَقَدْ نَجِدُ بَعْضَ الْأُسَرَاءِ مُشْبِهًا لَهَا فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْأَسِيرُ يَعْرِفُ الْإِيمانَ وَفَضْلَهُ كَمَا وَصَفَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بِهِ بَعْضَ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيُجَانِبُونَهُ -في الأصل "يجانبوه"، والصواب إن شاء الله ما أثبتّ- بَعْدَ الْعِلْمِ، فَقَالَ: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ"، وَوَصَفَ إِبْلِيسَ أَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ ثُمَّ عَانَدَ بَعْدَ عِلْمٍ، وَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ!-: "وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ".
    26
    قُلْتُ: فَالْعُجْبُ بِالْعَقْلِ وَالذِّهْنِ وَالْفِطْنَةِ؟
    قَالَ: اسْتِحْسَانُ ذَلِكَ وَاسْتِعْظَامُهُ وَنِسْيَانُ النِّعْمَةِ بِالتَّفَضُّلِ بِهِ وَالِاتِّكَالُ عَلَيْهِ أَنْ يُدْرِكَ بِهِ مَا يُرِيدُ وَمَا يُؤَمِّلُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ رَأْيٍ أَوْ أَحْكَامِ دِينِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْ دُنْيَا، وَتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، حَتَّى يُخْرِجَهُ ذَلِكَ إِلَى قِلَّةِ التَّثَبُّتِ لِإِعْجَابِهِ بِعَقْلِهِ حَتَّى يُخْطِئَ فِي دِينِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَيَقُولَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَيُخْرِجَهُ أَيْضًا إِلَى تَرْكِ التَّفَهُّمِ مِمَّنْ عَلَّمَهُ أَوْ أَمَرَهُ أَوْ نَاظَرَهُ، حَتَّى يُحْرَمَ الْفَهْمَ لِلْحَقِّ وَيَأْبَى إِلَّا الْقَوْلَ بِالْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، وَيُخْرِجَهُ إِلَى حُقْرِيَّةِ مَنْ دُونَهُ مِمَّنْ لَمْ يُعْطَ مِنَ الْفِطْنَةِ مِثْلَ مَا أُعْطِيَ -وَإِنْ كَانَ أَوْرَعَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ عَمَلًا- حَتَّى يُسَمِّيَ كَثِيرًا مِمَّنْ هُوَ أَوْرَعُ مِنْهُ وَأَفْضَلُ مِنْهُ، جُهَّالًا حَمْقَى، وَيَرَاهُمْ كَالْحَمِيرِ الَّتِي لا تَعْقِلُ -إِذْ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ بِالْفِطْنَةِ وَالذِّهْنِ- وَيَسْتَطِيلَ عَلَيْهِمْ، وَيَرَى أَلَّا قَدْرَ لَهُمْ، وَيَسْتَصْغِرَ مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ، وَيَرَى أَنَّه خَيْرٌ مِنْهُمْ -وَإِنْ ضَيَّعَ الْعَمَلَ- لِفِطْنَتِهِ وَلِعَقْلِهِ!
    قُلْتُ: فَبِمَ يَنْفِي ذَلِكَ؟
    قَالَ: بِمَعْرِفَتِهِ بِجَهْلِهِ -مَهْمَا أُعْطِيَ مِنَ الْفِطْنَةِ- وَبِسَهْوِهِ وَغَفْلَتِهِ وَقِلَّةِ مَا يَدْرِي بِعَقْلِهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْفِطْنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ غَيْرُهُ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشُّكْرُ وَتَوْكِيدُ الطَّاعَةِ بِاللُّزُومِ لَهَا. وَإِنَّمَا فُضِّلَ بِالذِّهْنِ لِتَعْظُمَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ -وقعت هنا بالنص عبارة "وَتَوْكِيدُ الطَّاعَةِ بِاللُّزُومِ لَهَا"، والصواب إن شاء الله موقعها الذي أثبت- وَلِيَنْظُرَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- كَيْفَ اسْتِعْمَالُهُ لِعَقْلِهِ فِي الْفَهْمِ عَنْهُ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ. وَإِن مَا أُعْطِيَ مِنَ الْعَقْلِ بِيَدِ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- لَوْ شَاءَ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيُزِيلَهُ بِبَعْضِ الْآفَاتِ كَمَا رَآهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَمَنْ هُوَ فَوْقَهُ، لَفَعَلَ؛ فَلَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَقْلَهُ. فَإِذَا عَرَفَ ضَعْفَهُ وَجَهْلَهُ وَقِلَّةَ مَا يُدْرِكُ بِعَقْلِهِ، وَأَنَّ مَا فُضِّلَ بِهِ مِنَّةٌ مِنْهُ، عَلَيْهِ فِيهِ الشُّكْرُ وَعَظِيمُ الْحُجَّةِ وَوُجُوبُ الْحَقِّ، وَأَنَّهُ لِذَلِكَ مُضَيِّعٌ- فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْتَ مِنَ الْفِطْنَةِ مِثْلَ مَا أُوتِيَ، أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُ إِذْ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْهَا عَلَى مَنْ دَونَهُ. وَقَدْ يَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْفِطْنَةِ أَطْوَعَ لِلَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مِنْهُ، وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْلُبَهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عَقْلَهُ، إِنْ ضَيَّعَ الْقِيَامَ لِلَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بِهِ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَهْمِ عَنْهُ وَالْعَقْلِ عَنْهُ وَالْعَمَلِ بِهِ- فَإِذَا أَلْزَمَ قَلْبَهُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ زَالَ الْعُجْبُ، وَخَافَ عَظِيمَ الْحُجَّةِ وَوَاجِبَ الْحَقِّ، وَاهْتَمَّ بِالشُّكْرِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ.
    27
    رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا غَنِيًّا قَدْ قَبَضَ ثِيَابَهُ وَكَفَّهَا أَنْ تُصِيبَ ثِيَابَ رَجُلٍ فَقِيرٍ إِلَى جَنْبِهِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: أَخَشِيتَ أَنْ يَعْدُوَ فَقْرُهُ عَلَى غِنَاكَ!
    28
    أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا ذَرٍّ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَانْظُرْ أَرْفَعَ رَجُلٍ تَرَاهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ، فَقُلْتُ: هَذَا، فَقَالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَانْظُرْ أَوْضَعَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ خُلْقَانٌ لَهُ، قَلْتُ: هَذَا، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، هَذَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قُرَابِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا"، لِأَنَّهُ لَيْسَ يُرْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، لَا بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ.
    29
    يَرْوِي أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- يَقُولُ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي؛ فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا أَدْخَلْتُهُ نَارِي"؛ فَيَسْتَحِقُّ الْمُتَكَبِّرُ أَنْ يَقْصِمَهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَيُحَقِّرَهُ وَيُصَغِّرَهُ؛ إِذْ جَازَ قَدْرَهُ، وَتَعَاطَى مَا لَا يَصْلُحُ لِمَخْلُوقٍ. وَكَمَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- وَعَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ!- أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- رَفَعَهُ اللَّهُ هَكَذَا، وَمَنْ تَكَبَّرَ هَكَذَا، وَضَعَهُ اللَّهُ هَكَذَا".
    30
    إِنَّهُ (المتكبر) يَسْتَحِقُّ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَلَّا يُفَهِّمَهُ الْعِلْمَ وَلَا يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُه -عَزَّ، وَجَلَّ!-: "سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ". قِيلَ فِي بَعْضِ التَّفْسِيرِ: سَأَرْفَعُ فَهْمَ الْقُرْآنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَفِي بَعْضِ التَّفْسِيرِ: سَأَحْجُبُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْمَلَكُوتِ، يَعْنِي عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا غَابَ بِالْيَقِينِ، وَمَا شَاهَدُوا مِنَ الْعِبَرِ، وَكَفَى بِذَلِكَ بَلَاءً وَخِذْلَانًا! قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَأَصْرِفُهُمْ عَنْ أَنْ يَتَفَكَّرُوا فِيهَا وَيَعْتَبِرُوا. وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ!- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الزَّرْعَ إِنَّمَا يَنْبُتُ فِي السَّهْلِ، وَلَا يَنْبُتُ عَلَى الصَّفَا، وَكَذَلِكَ الْحِكْمَةُ تَعْمُرُ فِي قَلْبِ الْمُتَوَاضِعِ، وَلَا تَعْمُرُ فِي قَلْبِ الْمُتَكَبِّرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ شَمَخَ بِرَأْسِهِ إِلَى السَّقْفِ شَجَّهُ، وَمَنْ تَطَأْطَأَ أَظَلَّهُ وَأَكَنَّهُ"! مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِلْمُتَكَبِّرِ: إِنَّهُ إِنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ وَأَزَالَ عَنْ قَلْبِهِ فَهْمَ الْحِكْمَةِ، وَإِنْ تَوَاضَعَ أَفْهَمَهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- حِكْمَتَهُ وَنَفَعَهُ بِهَا.
    31
    قَالَ عبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَفَى بِالرَّجُلِ إِثْمًا إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ قَالَ عَلَيْكَ نَفْسَكَ، أَنْتَ تَأْمُرُنِي! قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- لِرَجُلٍ: "كُلْ بِيَمِينِكِ"، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- لَا اسْتَطَعْتَ! مَا مَنَعَكَ إِلَّا الْكِبْرُ -قَالَ- فَمَا رَفَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى فِيهِ"!
    32
    قَالَ مُعَاذٌ: مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ وَجَعًا!
    33
    رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ -وَرُوِيَ أَيْضًا- عَنْ أَبِي الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُقَالُ لَهُ خَلِيعُ بَنِي إِسْرائيلَ، فَمَرَّ الْخَلِيعُ بِالْعَابِدِ وَعَلَى رَأْسِهِ غَمَامَةٌ تُظَلِّلُهُ، فَقَالَ الْخَلِيعُ فِي نَفْسِهِ: أَنَا خَلِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا عَابِدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَوْ جَلَسْتُ إِلَيْهِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَنِي بِهِ! فَجَلَسَ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ الْعَابِدُ فِي نَفْسِهِ: أَنَا عَابِدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَذَا خَلِيعُ بَنِي إِسْرَائيلَ يَجْلِسُ إِلَيَّ! فَأَنِفَ مِنْهُ، وَقَالَ لَهُ: قُمْ عَنِّي! فَأَوْحَى اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- إِلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ: مُرْهُمَا، فَلْيَسْتَأْنِفَا الْعَمَلَ؛ فَقَدْ غَفَرْتُ لِلْخَلِيعِ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَ الْعَابِدِ -وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ- فَتَحَوَّلَتِ الْغَمَامَةُ عَلَى رَأْسِ الْخَلِيعِ!
    34
    قَالَ الْحَارِثُ بْنُ جَرِيرٍ الزُّبَيْرِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: يُعْجِبُنِي مِنَ الْقُرَّاءِ كُلُّ طَلِيقٍ مِضْحَاكٍ، فَأَمَّا الَّذِي تَلْقَاهُ بِبِشْرٍ وَيَلْقَاكَ بِعُبُوسٍ يَمُنُّ عَلَيْكَ بِعَمَلِهِ، فَلَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ هَذَا! وَلَوْ كَانَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- يَرْضَى هَذَا مِنْ أَحَدٍ، مَا قَالَ لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ"، وَقَالَ -تَعَالَى!-: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، وَوَصَفَ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيُحِبُّهُمْ، فَقَالَ: "أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ"؛ فَلَا قَدْرَ عِنْدَ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- لِمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى عِبَادِهِ، عَابِدًا كَانَ أَوْ عَالِمًا.
    35
    الْعُجْبُ وَالْكِبْرُ لَا يَأْمَنُهُمَا عَاقِلٌ عَلَى حَالٍ؛ فَكُلُّ مَا بَانَ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى غَيْرِهِ كَانَتِ الْفِتْنَةُ إِلَيْهِ أَسْرَعَ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ فِي الْقَصَصِ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ الذَّبْحُ! وَاسْتَأْذَنَهُ رَجُلٌ كَانَ إِمَامَ قَوْمِهِ، أَنَّهُ إِذَا صَلَّى وَسَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ذَكَّرَهُمْ فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، وَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَنْتَفِخَ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّرَيَّا! فَخَشِيَ عَلَيْهِ الْكِبْرَ. وَصَلَّى حُذَيْفَةُ بِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: لَتَلْتَمِسُنَّ إِمَامًا غَيْرِي، أَوْ تُصَلُّونَ وُحْدَانًا -وَقِيلَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ- إِنِّي رَأَيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَفْضَلُ مِنِّي! فَمَا أَقَلَّ مَنْ يُخَصُّ بِنِعْمَةٍ يَبِينُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا غَلَبَ عَلَيْهِ الْكِبْرُ إِلَّا مَنْ قَوَّاهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَسَدَّدَهُ. وَبِاللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- الِاعْتِصَامُ!
    36
    قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- يَقُولُ: "يُؤْتَى بِالْعَالِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ (أمعاؤه) -في المتن "وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفْيَادُهُ"، ولم أفهمها ولولم أجدها في متن الحديث على رغم تغير متون الأحاديث عنده عما في دواوينها فتركتها- فَيَدُورُ بِهَا - في المتن "بِهِ"، والصواب إن شاء الله ما أثبت- كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: مَا لَكَ! فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُ بِالْخَيْرِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَآتِيهِ"!
    37
    قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "الْكَبَائِرُ أَرْبَعٌ، أَحَدُهَا الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، عَزَّ، وَجَلَّ"!
    38
    قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إِنَّ فُقَهَاءَنَا لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ -فِي شَيْءٍ اسْتُفْتِيَ فِيهِ- فَقَالَ لِسَائِلِهِ: وَهَلْ رَأَيْتَ فَقِيهًا قَطُّ! الْفَقِيهُ الْقَائِمُ لَيْلَهُ وَالصَّائِمُ نَهَارَهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا".
    39
    رُوِيَ عَنْهُ (الحسن البصري) أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَفْتَاهُ فِيهِ بِفُتْيَا، فَقَالَ لَهُ الرُّجُلُ: إِنَّ فُقَهَاءَنَا لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَهَلْ رَأَيْتَ فَقِيهًا قَطُّ! الْفَقِيهُ يُدَارِي وَلَا يُمَارِي، يَنْشُرُ حِكْمَةَ اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- فَإِنْ قُبِلَتْ حَمِدَ اللَّهَ -تَعَالَى!- وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ، تَعَالَى!
    40
    يُرْوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي يَا عُوَيْمِرُ، مَاذَا عَلِمْتَ، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي يَا عُوَيْمِرُ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ!
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...