مِنْ تَغْريدَات الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ=3
جمعها وحققها
الدكتور محمد جمال صقر
41
إِنَّمَا يَكُونُ الْعَازِمُ عَلَيْهَا (الأعمال الصالحة) مِنْ أَهْلِهَا، إِذَا قَامَ لِلَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بِهَا كَمَا عَزَمَ؛ فَلَا يَحْكُمْ لِنَفْسِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْحِلْمِ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ، لِأَنَّ الْعَزْمَ الْأَوَّلَ عَلَى الْحِلْمِ نِيَّةُ أَنْ يَحْلُمَ لَا حِلْمٌ- وَلَا بِالْإِخْلَاصِ إِلَّا فِي الْعَمَلِ، لِأَنَّ الْعَزْمَ الْأَوَّلَ عَلَى الْإِخْلَاصِ نِيَّةُ الْإِخْلَاصِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يُخْلِصَهُ لَا إِخْلَاصٌ فِي الْعَمَلِ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَقَدَّمَ الْعَزْمُ عَلَيْهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا لِلْجَوَارِحِ عَمَلٌ كَاعْتِقَادِ السُّنَّةِ وَالتَّدَيُّنِ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى الْعَمَلِ فَلَا يَغْتَرَّ بِهِ فَيَغْفُلَ عَنْ نَفْسِهِ فَيُضَيِّعَ الْعَمَلَ وَيَرْكَنَ إِلَى مَا عَزَمَ عَلَى تَرْكِهِ، دُونَ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ وَيَأْخُذَهَا بِالْوَفَاءِ بِمَا عَزَمَتْ عَلَيْهِ؛ وَبِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْلِيَاءَهُ، فَقَالَ: "رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ".
42
اللَّهُمَّ، أَنْتَ تَعْلَمُ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ؛ فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ!
43
قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ- وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ، وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ". ثُمَّ فَسَّرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي كَبْشَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهُ كَيْفَ ذَلِكَ الْحَسَدُ، فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ أَرْبَعَةٍ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَيَقُولُ رَبُّ الْعِلْمِ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَالِ فُلَانٍ كُنْتُ أَعْمَلُ فِيهِ بِمِثْلِ عَمَلِهِ؛ فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَواءٌ- وَيَقُولُ رَبُّ الْمَالِ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ عِلْمِ فُلَانٍ كُنْتُ أَعْمَلُ فِيهِ بِمِثْلِ عَمَلِهِ" (...) وَكَذَلِكَ يَرْوِي أَبُو كَبْشَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- قَالَ: وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَالًا، فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَالِ فُلَانٍ كُنْتُ أَعْمَلُ فِيهِ بِمِثْلِ عَمَلِهِ؛ فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ".
44
قَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْحَسَدَ مُنَافَسَةً، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي اللُّغَةِ حَسَدٌ؛ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: نَفَسْتَ عَلَيَّ، أَيْ حَسَدْتَنِي.
45
قَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: جَاءَ أَبِي وَعَمِّي يَوْمًا مِنْ عِنْدِكَ، فَقَالَ أَبِي لِعَمِّي: مَا تَقُولُ فِيهِ؟
قَالَ: أَقُولُ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسَى.
قَالَ: فَمَا تَرَى؟
قَالَ: أَرَى مُعَادَاتَهُ أَيَّامَ الْحَيَاةِ (مدى الحياة)!
46
الْمُبْغِضُ حَسَدُهُ أَعْظَمُ الْحَسَدِ وَأَشَدُّهُ!
47
لَوْ كَانَ الَّذِي تَحْسُدُهُ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَيْكَ وَأَشَدَّهُمْ عَدَاوَةً لك، فَإِنَّهُ -في المتن "أنه" والصواب إن شاء الله ما أثبت- لَا تَزُولُ النِّعْمَةُ عَنْهُ بِحَسَدِكَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- لَوْ أَطَاعَ الْحَاسِدِينَ فِي الْمَحْسُودِينَ لَمَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ، وَلَكِنْ يُمْضِي نِعَمَهُ وَقِسَمَهُ لِعِبَادِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى حَسَدِ الْحَاسِدِينَ. وَلَوْ فَعَلَ بِالْمَحْسُودِينَ مَا يُحِبُّ الْحَاسِدُونَ لَهُمْ، لَمَا بَقِيَ عَلَى النَّبِيِّينَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ!- نِعْمَةٌ، وَلَأَفْقَرَ الْأَغْنِيَاءَ لِحَسَدِهِمْ لَهُمْ، وَلَأَضَلَّ الْمُؤْمِنِينَ لِحَسَدِ الْكَافِرِينَ لَهُمْ! وَلَكِنَّ الْحَسَدَ عَلَى الْحَاسِدِ ضَرَرُهُ، وَالنِّعْمَةُ جَارِيَةٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَنْ يُتِمَّهَا عَلَيْهِ، إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أَرَادَهُ وَقَدَّرَهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى حَسَدِ الْحَاسِدِينَ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!-: "وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"!
48
رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ فِي الْمُؤْمِنِ لَهُ مِنْهُنَّ مَخْرَجٌ: الطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ وَالظَّنُّ؛ فَمَخْرَجُهُ مِنَ الطِّيَرَةِ أَلَّا يَرْتَدَّ، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الْحَسَدِ أَلَّا يَبْغِي، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الظَّنِّ أَلَّا يُحَقِّقَ".
49
"قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا"، قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: أَدِّبُوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ.
50
رَوَى الْفُضَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَلَمْ يَصِلِ الْحَدِيثَ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- (يَعْنِي رَجُلًا)، فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: صَالِحٌ، قَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: صَالِحٌ، قَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ أَحْمَدُ اللَّهَ، قَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ".
51
مَنْ كَانَ يَغْتَمُّ -إِنْ أَعْرَضْتَ عَنْهُ، وَلَمْ تَأْمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيكَ- نَوَيْتَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ فَتُقَدِّمُ النِّيَّاتِ فِيهِمْ كَذَلِكَ؛ فَكُلَّمَا لَقِيتَ أَحَدًا مِنْهُمْ ذَكَّرَكَ قَلْبُكَ مَا قَدَّمْتَ مِنَ النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ كَانَتِ النِّيَّةُ الْأُولَى مُجْزِيَتَكَ مَا لَمْ يَعْتَرِضْ لَكَ خَوْفُ مَذَمَّتِهِمْ أَوْ حُبُّ مَحْمَدَتِهِمْ أَوْ رَجَاءُ طَمَعٍ تَنَالُهُ مِنْهُمْ، فَإِنْ عَرَضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِقَلْبِكَ نَفَيْتَهُ عَنْ قَلْبِكَ، وَمَضَيْتَ عَلَى نِيَّتِكَ، وَسَلَّمْتَ، وَسَأَلْتَ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَحْدَهُ.
52
إِنْ سُئِلْتَ (كيف أصبحت؟)، فَأَجَبْتَ- بَعَثَتْكَ نِيَّتُكَ الَّتِي قَدَّمْتَهَا عَلَى أَنْ تُجِيبَ بِعَقْلٍ مُحْتَسِبًا لِلثَّوَابِ. وَإِنْ لَمْ تُسْأَلْ، أَوْ سُئِلْتَ، فَأَجَبْتَ بِغَيْرِ فَهْمٍ- لَمْ تَخِبْ مِنْ نِيَّتِكَ الْمُقَدَّمَةِ الَّتِي قَدَّمْتَهَا حِينَ أَرَدْتَ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِكَ.
53
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "وَمَنْ طَلَبَهَا (أعمال التكسب) اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَكَدًّا عَلَى عِيَالِهِ أَوْ تَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ، لَقِيَ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ".
54
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ".
55
رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حُبِّ الرَّجُلِ لِلْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِينِهِ"!
جمعها وحققها
الدكتور محمد جمال صقر
41
إِنَّمَا يَكُونُ الْعَازِمُ عَلَيْهَا (الأعمال الصالحة) مِنْ أَهْلِهَا، إِذَا قَامَ لِلَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- بِهَا كَمَا عَزَمَ؛ فَلَا يَحْكُمْ لِنَفْسِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْحِلْمِ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ، لِأَنَّ الْعَزْمَ الْأَوَّلَ عَلَى الْحِلْمِ نِيَّةُ أَنْ يَحْلُمَ لَا حِلْمٌ- وَلَا بِالْإِخْلَاصِ إِلَّا فِي الْعَمَلِ، لِأَنَّ الْعَزْمَ الْأَوَّلَ عَلَى الْإِخْلَاصِ نِيَّةُ الْإِخْلَاصِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَنْ يُخْلِصَهُ لَا إِخْلَاصٌ فِي الْعَمَلِ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَقَدَّمَ الْعَزْمُ عَلَيْهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا لِلْجَوَارِحِ عَمَلٌ كَاعْتِقَادِ السُّنَّةِ وَالتَّدَيُّنِ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى الْعَمَلِ فَلَا يَغْتَرَّ بِهِ فَيَغْفُلَ عَنْ نَفْسِهِ فَيُضَيِّعَ الْعَمَلَ وَيَرْكَنَ إِلَى مَا عَزَمَ عَلَى تَرْكِهِ، دُونَ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ وَيَأْخُذَهَا بِالْوَفَاءِ بِمَا عَزَمَتْ عَلَيْهِ؛ وَبِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَوْلِيَاءَهُ، فَقَالَ: "رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ".
42
اللَّهُمَّ، أَنْتَ تَعْلَمُ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ؛ فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ!
43
قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ- وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ، وَيُعَلِّمُهُ النَّاسَ". ثُمَّ فَسَّرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي كَبْشَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهُ كَيْفَ ذَلِكَ الْحَسَدُ، فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: "مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ أَرْبَعَةٍ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَيَقُولُ رَبُّ الْعِلْمِ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَالِ فُلَانٍ كُنْتُ أَعْمَلُ فِيهِ بِمِثْلِ عَمَلِهِ؛ فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَواءٌ- وَيَقُولُ رَبُّ الْمَالِ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ عِلْمِ فُلَانٍ كُنْتُ أَعْمَلُ فِيهِ بِمِثْلِ عَمَلِهِ" (...) وَكَذَلِكَ يَرْوِي أَبُو كَبْشَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- قَالَ: وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- مَالًا، فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَالِ فُلَانٍ كُنْتُ أَعْمَلُ فِيهِ بِمِثْلِ عَمَلِهِ؛ فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ".
44
قَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الْحَسَدَ مُنَافَسَةً، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي اللُّغَةِ حَسَدٌ؛ فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: نَفَسْتَ عَلَيَّ، أَيْ حَسَدْتَنِي.
45
قَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!-: جَاءَ أَبِي وَعَمِّي يَوْمًا مِنْ عِنْدِكَ، فَقَالَ أَبِي لِعَمِّي: مَا تَقُولُ فِيهِ؟
قَالَ: أَقُولُ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسَى.
قَالَ: فَمَا تَرَى؟
قَالَ: أَرَى مُعَادَاتَهُ أَيَّامَ الْحَيَاةِ (مدى الحياة)!
46
الْمُبْغِضُ حَسَدُهُ أَعْظَمُ الْحَسَدِ وَأَشَدُّهُ!
47
لَوْ كَانَ الَّذِي تَحْسُدُهُ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَيْكَ وَأَشَدَّهُمْ عَدَاوَةً لك، فَإِنَّهُ -في المتن "أنه" والصواب إن شاء الله ما أثبت- لَا تَزُولُ النِّعْمَةُ عَنْهُ بِحَسَدِكَ لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- لَوْ أَطَاعَ الْحَاسِدِينَ فِي الْمَحْسُودِينَ لَمَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ، وَلَكِنْ يُمْضِي نِعَمَهُ وَقِسَمَهُ لِعِبَادِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى حَسَدِ الْحَاسِدِينَ. وَلَوْ فَعَلَ بِالْمَحْسُودِينَ مَا يُحِبُّ الْحَاسِدُونَ لَهُمْ، لَمَا بَقِيَ عَلَى النَّبِيِّينَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ!- نِعْمَةٌ، وَلَأَفْقَرَ الْأَغْنِيَاءَ لِحَسَدِهِمْ لَهُمْ، وَلَأَضَلَّ الْمُؤْمِنِينَ لِحَسَدِ الْكَافِرِينَ لَهُمْ! وَلَكِنَّ الْحَسَدَ عَلَى الْحَاسِدِ ضَرَرُهُ، وَالنِّعْمَةُ جَارِيَةٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ اللَّهُ -عَزَّ، وَجَلَّ!- أَنْ يُتِمَّهَا عَلَيْهِ، إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي أَرَادَهُ وَقَدَّرَهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى حَسَدِ الْحَاسِدِينَ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ -عَزَّ، وَجَلَّ!-: "وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"!
48
رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ فِي الْمُؤْمِنِ لَهُ مِنْهُنَّ مَخْرَجٌ: الطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ وَالظَّنُّ؛ فَمَخْرَجُهُ مِنَ الطِّيَرَةِ أَلَّا يَرْتَدَّ، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الْحَسَدِ أَلَّا يَبْغِي، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الظَّنِّ أَلَّا يُحَقِّقَ".
49
"قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا"، قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: أَدِّبُوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ.
50
رَوَى الْفُضَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَلَمْ يَصِلِ الْحَدِيثَ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- (يَعْنِي رَجُلًا)، فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: صَالِحٌ، قَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: صَالِحٌ، قَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ أَحْمَدُ اللَّهَ، قَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ".
51
مَنْ كَانَ يَغْتَمُّ -إِنْ أَعْرَضْتَ عَنْهُ، وَلَمْ تَأْمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيكَ- نَوَيْتَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ فَتُقَدِّمُ النِّيَّاتِ فِيهِمْ كَذَلِكَ؛ فَكُلَّمَا لَقِيتَ أَحَدًا مِنْهُمْ ذَكَّرَكَ قَلْبُكَ مَا قَدَّمْتَ مِنَ النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ كَانَتِ النِّيَّةُ الْأُولَى مُجْزِيَتَكَ مَا لَمْ يَعْتَرِضْ لَكَ خَوْفُ مَذَمَّتِهِمْ أَوْ حُبُّ مَحْمَدَتِهِمْ أَوْ رَجَاءُ طَمَعٍ تَنَالُهُ مِنْهُمْ، فَإِنْ عَرَضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِقَلْبِكَ نَفَيْتَهُ عَنْ قَلْبِكَ، وَمَضَيْتَ عَلَى نِيَّتِكَ، وَسَلَّمْتَ، وَسَأَلْتَ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَحْدَهُ.
52
إِنْ سُئِلْتَ (كيف أصبحت؟)، فَأَجَبْتَ- بَعَثَتْكَ نِيَّتُكَ الَّتِي قَدَّمْتَهَا عَلَى أَنْ تُجِيبَ بِعَقْلٍ مُحْتَسِبًا لِلثَّوَابِ. وَإِنْ لَمْ تُسْأَلْ، أَوْ سُئِلْتَ، فَأَجَبْتَ بِغَيْرِ فَهْمٍ- لَمْ تَخِبْ مِنْ نِيَّتِكَ الْمُقَدَّمَةِ الَّتِي قَدَّمْتَهَا حِينَ أَرَدْتَ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِكَ.
53
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "وَمَنْ طَلَبَهَا (أعمال التكسب) اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَكَدًّا عَلَى عِيَالِهِ أَوْ تَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ، لَقِيَ اللَّهَ -عَزَّ، وَجَلَّ!- وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ".
54
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ".
55
رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ!- أَنَّهُ قَالَ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حُبِّ الرَّجُلِ لِلْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِينِهِ"!
