بين الحقيقة والمَجاز

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #1

    بين الحقيقة والمَجاز

    تكثرُ بين الباحثينَ عبارَة : نَقْل الكَلام من الحقيقة إلى المَجاز، أو الانتقال من الحَقيقة إلى المَجاز...
    وهذه العبارَةُ فيها نظر ؛ فلقَد بنى البلاغيون القُدماءُ، رحمة الله عليهم، نظريتَهم البلاغيةَ على أنّ
    الأصلَ في الكلام الحقيقةُ ثم يأتي النقلُ والتحويل ليصيرَ ما كان حقيقةً، مجازاً وكنايةً واستعارةً وادّعاءً...

    وتذهبُ النّظريّة الحديثَةُ إلى أنّ الكَلامُ يُبْنى في الأصل على ما أراده المتكلمُ من غير أن يخضع لنقل
    أو تحويل أو ادّعاء أو انزياح أو عُدول عن الأصل... فالقاعدةُ هي أنّ للكلام مَثاراتٍ ومَعادنَ من أصول المَقام
    وأغراض المتكلمين، فيُبْنى الكلامُ مُطابقاً للأغراض منذ الأصل أو الميلاد [أي ميلاد الجملة في ذهن المتكلّم]
    وهنا يُرجَعُ إلى رأي جونسون وليكوف في كتابَيْهما: ****phors We Live By [الاستعارات التي نحيا بها]

    فالإشكال المُثار أعلاه، ليس في عَدّ الكَلام حقيقةً كلّه أو مجازاً كلّه، ولكنّ الإشكال في السؤال التالي:
    هل يحصل انتقالٌ من حقيقة إلى مجاز أم ينشأ الكلامُ في الأصل موافقاً معناه ومقامه الذي يُرافقه؟ فالذين
    يقولون إنّ الكلام في أصل ميلاده حقيقةٌ كلّه يؤوّلونَ ما خرجَ عن الحقيقة بأنّه انتُقِلَ به وادُّعِيَ له غير معناه
    الأصلي، والذين قالوا إنّ من الكلام حقيقةً ومجازاً صنفوا الكلام إلى صنفين في أصل الميلاد. أما الدرسُ
    الحديثُ فيرى أنّ مثارات المَعْنى ومَعادنَ الدّلالات والمواقف، هي المتحكّمَة في نشأة الأسلوب من أصله،
    وانبجاسِه من مَخرَجه المعجميّ والتركيبيّ النّظميّ.
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 10-01-2013, 08:15 PM.
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #2
    وإذا اعتُرضَ على الكَلامِ أعلاه وقيلَ -وقَد قيلَ- : عندما يقول المتكلم: يشرب زيدٌ التّفّاحَ، وهو يُريدُ عصيرَ التّفّاحَ،
    أليسَ في ذلك خُروجٌ عن المألوفِ وانزياحٌ [Ecart بلغةِ المُحدَثينَ] ّعن المحور الرّاسي للغة في عقل المتكلم؟
    وانتقالٌ في اللفظِ ؟

    قيلَ لَه: أتظنّ أنّ المتكلّم إذا أراد أن يبني الكَلام أنجزه على الحقيقَة، أولاً، ثمّ أتى بالألفاظ بحسب الوضع الأول،
    ثمّ عَرّج وانتقلَ وبدّلَ الحقيقةً سعياً إلى المجاز ؟ أم إنّه يبني مَعْناه وفقَ مقاصده ومَعْناه من غير لفّ أو دوران أو
    بحثٍ عن قواعد التّحوّل والانتقال ؟
    فالمتكلّمُ لا يتعمّد إنجازَ الكلامِ على هيئةٍ ثمّ ينتقلُ إلى هيئة لفظيّةٍ أخرى، كلّما أرادَ أن يُعبّرَ عن مَعْناه الذي
    في ذهنه، ففي ذلك الادّعاءِ علىالمتكلّم ما لا يَخْفى من الحَرَج و التّكلُّفِ ولُزوم ما لا يَلْزَمُ

    تعليق

    • أ.د عبد الرحمن بو درع
      نائب رئيس المجمع
      • Mar 2012
      • 806

      #3
      وقَد اعترَضَ أحدُ الأفاضل على هذا الكَلامِ فَقال:
      الإشكال أستاذي الجليل هو كيف يمكن الكشف عن ذاك القصد وخاصة إذا كان وحياً؟ ثم إن استعمال الناس
      للألفاظ يتغير من المعنى الأصلي الذي وضعت له ابتداءً إلى معنى عرفي عام أو إلى معنى عرفي خاص.
      فاللفظ قد يكون في أصله عاماً فتخصص دلالته إلى معنى خاص. أو مطلقاً فتقيد دلالته، أو غير ذلك من الانزيحات
      الداخلة على معاني الألفاظ.

      فأجبْتُ بما يسَّر الله تعالى:
      الإشكالُ ليسَ متعلقاً بكيفيةِ الكشف عن القصدِ؛ فهذا إشكالٌ متعلّقٌ بالمحلل أو المنظّر أو الباحث أو الناقد...
      أمّا الذي يُهمّنا فهو مُنتجُ المَعْنى ومولِّدُه، وهو المتكلّمُ ؛ فالمتكلّم لا يُبالي بمسألة توليد المَعْنى الأصليّ ثمّ
      تحويلِه إلى مَعْنى فرعيّ أو صورةٍ تشبيهيّةٍ أو تَقييده أو تخصيصه، لقد وُلِدَ المَعْنى وانبثَقَ هكذا، كما هو، مُخصَّصاً
      أو مُقيّداً أو مطلقاً، وعلى الناقد أو المحلل أن يكشفَ لنا حقيقَةَ مَعْنى المتكلّم ومَقصادِه
      التعديل الأخير تم بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع; الساعة 10-30-2013, 10:01 AM.

      تعليق

      يعمل...