من تراث الحربي (1)
سلسلة مقالات رائعة مما زخرت به المجلات والصحف. أعدها إليكم/ خالد الحوفي
لماذا نَفعلُ الخيرَ ؟!
يرى جمهور الفلاسفة أن الفضائل تفعل لذاتها، وأن الرَّذائل تترك لذاتها، وتلك هي الغاية من الفعل والترك؛ لأن ذلك هو الخير الذي يحقّق السّلامة والعافية للمجتمع، واكتساب المعارف نوع من الفضائل، فالعلم يطلب لذات العلم، والمعرفة تكتسب لذاتها، وصنائع المعروف تصنع لأنها خير، والمتأخرون من الفلاسفة أكثرهم ينادي به، وسرَى هذا المعنى إلى من أشرب شعره بالحكمة من الشعراء، كالشاعر أحمد شوقي، ومنه قوله:
اطلبوا العلم لذات العِلْـ
ـم لا لشهادات وآرابٍ أخرْ
ولكن الإسلام ومقاصده فوق ذلك كله، وهو فعل كل شيء أو تركه ابتغاء مرضات الله، فكل مَن عمل عملاً خالصًا صوابًا فهو عمل خير، وهو مشارك في نفع المجتمع وفلاحه، والله يقول: }وافعلوا الخير لعلكم تفلحون{.
وأمّا قول الفلاسفة فلا يسلم باطنه من فواقِر:
منها: ضياع أجر مَن فعل الخير، وهذا يقال لمن صدّق ظنَّهم من فلاسفة المسلمين.
ومنها: أن للنفوس أهواء مختلفة في مقاصد الخير والفضيلة، فقد يرى بعض الناس جواز سرقة بعض كتب العلم من حوزة من لا ينتفع بها؛ لأن سارقها ينتفع بها أكثر من صاحبها الذي اتخذها قنية وجمعها هواية، وفي ذلك خير ومنفعة لنفسه وللمجتمع في زعمه، وما من رذيلة إلاّ وفيها إذا فعلت مناط يتعلّق به كل من أراد التلبيس وإلباس الرذيلة رداء الفضيلة.
ومنها: أن بواعث العمل والخير والإحسان تضعف لدى الناس، فالعمل بلا أجر ليس كالعمل بأجر، وإنما تساق الهمم بالبواعث، فمن علم أنه بسلوكه في طريق يلتمس فيه علمًا هو في طريقه إلى الجنة، وأنه يستغفر له كل شيء، لا يستوي هو ومن لم يعلم ذلك ولم يُرده، ولهذا لا ينقطع الأول إن قلّ تحصيله وكانت ملكته ضعيفة في وسط الطريق إلاّ إذا ضعف ذلك الباعث الحثيث.
